سلّم على الشباب
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
يعرفه ولا يعرفه.
جمعهما قبل أقل من أربعين عاماً دربٌ كان الميل فيه واضحاً للعامّة، في الشوارع، والخاصة، على حدٍ سواء. لم يكن من أصدقائه ولا مقرّباً له، ولكن هكذا كانا يعرفان بعضهما بحكم الأجواء، ولا خفاء أنهما كانا زملاء يتلاقيان في النادي ذاته (وكانت النوادي مقسّمة بين الأطر)، وربما تنافسا على طاولة التنس ذاتها، أو اختنقا بغاز المظاهرة ذات المناسبة الحصرية، نفسها.
مع مضي السنوات والشهور، واعتقال من هنا وإصابة من هناك وشهيد في مظن ثالث، تراكمت المعرفة عنهم لدى غيرهم.
عقيل أبو فرح، بعدما تكشفت أسرار في اعتقالات وتحقيقات ومحاكمات، كان من مجموعة حسني الذي استشهد. وعكس المألوف، فقد كانت خليتهما مكونة من أربعة أفراد لا اثنين أو ثلاثة. أمضى المعتقلون مددهم التي حوكموا بها، وتفرّقوا بعدها.. غالبا استأنفوا نضالهم بعض الوقت، لكن أتى من السياسة الرسمية ما أوقف النشاط وغيّر الأحوال عندما وقعوا اتفاقا، افتتح مرحلة جديدة.
حسني استشهد. حنّون سافر لعلاج إصابته وتزوج من فلسطينية في الجالية الأوروبية وبقي هناك. أما مطاوع، فقد انتهى به المطاف عاملا في شركة مقاولات كُبرى، على حنين.
وبالنسبة له، هو الذي يعرفه أو لا يعرفه، محمد، فقد صار مثل حادي القافلة الذي يشغف بالخطوات القديمة والحالية ويتتبع المفارقات.
== ==
استجد لعقيل أبو فرح أمر على مشارف الخمسين. ارتدى الثوب الدشداشة بقلنسوة وقصّر السروال وأكرم لحيته وامسك بسبحة لم يكن لديه وقت قبيل وبعيد الصلاة ليستعملها، ناهيك عن أن السُنة أن تسبح بأصابعك.. لم يكن محمد قد صادفه من قبل في المسجد هو المصلي منذ زمن لم يعد يتذكّره ولكنه كان ليلمح أبو فرح. الزي إعلان حاد نظرا للاعتقادات اليسارية القديمة وسيرة فيها بعض تفلّت، بالرغم من النضالية المشهود لها. لم يحاول أن يحتكّ به عند وصوله صحن المسجد وعند خروجه، أو يسأله شيئاً بانتظار أن يتعرف إليه هو، والغريب أن هذا لم يحدث معه بالذات، فلطالما التقت عيون المصلين.
فهم من حديث جانبي بين رجلين في الساحة أن أبو فرح يسكن المنطقة نفسها، وأنه رب أسرة وموظّف. لم يحاول أن يسأل عنه كيلا يلفت الانتباه. إن نهضت الأمور من تلقاء نفسها فكان بها، وألا فلتذهب لغايتها الاعتيادية. إنه واثق من أنه لم يطلب العلم ولا حصّل حفظ الكتاب ومتون السنة. في زيه تكلّف لا يسلكه أئمة مشهود لهم ولا خطباء جمعة. لا يسلكه إلا مَن فرّغ قلبه من كل الدنيا، وجعل صلاة الجماعة غايته.
والحقيقة أن شكوكاً راودته حول اختيار عقيل أبو فرح للمسجد، وكتمها في نفسه. لا يلتزم بالزي تحديداً إلا ملتزم كامل ودائم، بينما بالكاد حضر منذ شهور وأسابيع لصلاة الفجر في المسجد. ولم يتعرّف عليه عكس آخرين رفاق قدامى صوّبوا الارتكاز وأكملوا المسيرة. الثابت فيهم لا يخجل مما صار عليه، ولكنه لا يتشدد في الشكل، لأن الطريق طويل والعدّة كثيرة. لم يرغب في التعرّف عليه وتجاهله، وهذا يعني موقفاً مرتبكاً وخجلاً وتصلّب البدايات. إنّه وحيد أو متوحّد. الوقت فقط سيحسم ما هو عليه فعلاً. فإن واصل وحدته في بيت الله مطوّلاً، فلعل ابتلاءً دنيويا أصابه، وهو يصلي يبتغي أولا التماسك. ومع هذا الاحتمال، فإن المنطق على جريانه يقتضي أن يخرج من وحدته متى وجد له أخوة في الإيمان والثبات على الابتلاء. يأتي في الوقت ولا يبكر، لا يصلي إلا صلاة سائر الناس، يحضر ويغيب. تسبيح قصير جدا لا تلزم معه سبحة، ولا ذكر أو تلاوة أو تنفّل.
كل شيء سليم إلا الزيّ.
وإنما لهذا كتمها في نفسه وأبقى التجاهل قائما، لأن الاحتمال قويّ في أنه يريد منح انطباع عن نفسه، تمهيداً لما قد يستجد بعده.
من ناحيته، محمد، فكل شيء فيه عادي. لا يلزم نفسه أكثر بالمستطاع. بل إنه يتعمد إبقاء ذقنه حليقة طالما هو يدخن ولا يحفظ من القرآن إلا قصيره، من أجل الصلاة.
== ==
وكان لمحمد أن يلتقي بمطاوع وهي يبحث في كبائن شركات المقاولات عن عمل. تعرّف إليه مطاوع واستفسر عن الأخبار، وبعد أن أجابه بقلة الأعمال وأن العمّال يسرّحون من أشغالهم نظراً للضائقة المستفحلة على الجميع، أحسّ بجرأة مناسبة ليسأله عن عقيل. ليس غريباً أن يسأل، فللماضي المشترك مبرراته.
أكّد له مكان السكن وزواجه ورزقه لبنات إضافة إلى وظيفته الثابتة في مؤسسة. أما مطاوع فقد فهمه بطريقة مختلفة، فيها نبرٌ وإيماءة، عندما ودّعه:
- سلّم على الشباب..
لا شيء عنه معروف ليفسّر "الشباب" تفسيراً مختلفاً، وهذا يعني أن طوارئ أبو فرح، وهو يتابعه اجتماعيا، ليست حقيقية، وأن هناك ما هو منتشر عنه..
لقد اجتمعا مرّة وتبادلا الأخبار العائلية والاجتماعية، فإذا به يسأل محمداً عن شخص زوجته، متحققاً: التي كانت شقراء؟ ليس المهم سبب السؤال ولا خلفيته، إنما صيغته، فما من مسلم يتجرأ ويسأل رجلا منتبها للون شعر زوجته.
حنين مطاوع كاذب، وهو لا يهتم إلا بمغريات الدنيا ونضالها كان فترة منتهية، وطالما معرفته متصلة بأبو فرح، فالأخير على مذهب صاحبه.
وفهم محمد ما فهمه من المداومة الحديثة على صلاة الفجر والزيّ والتكلّف والسبحة، فقرر أن يتجاهل عقيل أبو فرح، حتى لو تعرّف الآخر إليه. مسلكه مع مظهره الموجّه ليس إلا انطباعاً يقع فيهما الغرّير فقط... ما أصعب الدنيا على المؤمن والذي قيل عنه: أنت الجماعة ولو كنت وحدك..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق