السبت، 19 أبريل 2025

على وشك التقاعد

 على وشك التقاعد

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


الأستاذ أبو أكرم، منذ اقترابه من التقاعد، واجهته المشاكل.

كان الخلاف حول سنوات عمله الفعلية. فُصل تعسفاً في وقت من الأوقات، وعندما عاد للوظيفة لم يعترفوا بسنوات فصله في سجله. اعتقد أنها مسألة تالية سيعالجها في وقتها. له توجّه مختلف عن المسؤولين الذين لو استطاعوا لأنكروا فصله التعسفي. لكنه يحتفظ بالوثائق واستطاع الاثبات. (متأخراً جداً، شيء غريب سيحدث، حين تتعرّض وثائقه كلها لرطوبة من نوع غريب تأتي على أنواع الحبر المختلفة، في مكتبة بيته).

في وقت عودته للوظيفة، وحتى بعد سنوات تغيّر فيها الذي تغيّر، على كل الناس، لم يهتم. لكنه اقترب من سن التقاعد ويلحّ بشدة على احتساب سنوات الفصل التعسفي لأهميتها في تحديد نسبة التقاعد النهائية والأمور المرتبطة.

فتفتحت عيناه على حكايات المتقاعدين أمثاله، الذين أخذوا فوق سيرتهم ومستحقاتهم وزيادة، لأنهم يشابهون ولهم من أواصر الود والقرار ما يحسن الزلفى.

بعد الكتب الرسمية التي رفعها للاستعلام والتنويه والمتابعة ولم يتلق شيئا كجواب، لاحظ حركات غريبة في المكاتب وعلى وجوه الموظفين وتمتمات سرت إلى صغار الموظفين في الدائرة، الذين لهم "حركات" من خارجها. كان عليه وهو يمضي أمامهم داخلا وخارجا ومحتكاً بهم أن يتفحّص كل شيء يعرفه عن نفسه ليجد سبب التغييرات.

شهور تجاوز فيها سن التقاعد المحدد دون تعميم أخير وأخذت الحركات تطال أقاربه وجيرانه. صاحب الدكانة القديمة، التي تطوّر أثاثها الداخلي بقرض، وصاحب العشرة والتاريخ، يتثاقل منه وكفّ عن السماح له بالاستدانة بحجة أن الرواتب في علم المجهول ولا يستطيع أن يحتمل نفاذ السيولة.

ابنته المتزوجة حين تزوره مع صهره تكثر السؤال عن مستجدات عمله، ضمن الأخبار العادية. زوجها يكون ساكتاً دائماً يستمع بانتباه غير عادي (جعله ينتبه له(

أمها، زوجته، بدأت تكثر الكلام عن مشاكل أناس لم يهتم لهم يوما، وما حدث معهم. حين يفكّر في المناسبة لا يجد إلا أنها تحاول قول شيء له، دون قول، فلا يفهم. سلفته، أختها الكبرى، تطلبه على الهاتف لتسأله عن أحواله متوددة، وهو شيء لم تفعله من قبل، ولطالما كان مستريحاً منها مستكينا لصلة الأختين الجانبية يصله السلام فيرسل التحية.

أناس بعيدون عن وسطه بدأت تصله منهم دعوات اجتماعية، فيستغرب كثيرا، ولا يلبي طبعا، لأن التلبية تعني المشاركة المقابلة –التي تتحوّل اجبارية- في مناسبات يريدها أن تظل ضيّقة، فوق التكاليف اللازمة للتهئنة والمباركة. زوّج ابنته منذ زمن طويل ولم يعد يحتاج لأكثر من التهاني الدينية.

كان شيء يحدث في عمله هو.

استغل تجاوزه لسن التقاعد وطلب مقابلة المسؤول كذريعة للاستفسار عمّا سيحدث.

بعد أن بسط الموضوع بكل تأدب، رد عليه الآخر بأنه لم ينه بعد سنوات الوظيفة.

جن جنونه وسيطر على نفسه. ذكر من الكنباية الثنائية أمام الطاولة القصيرة البنية، فلانا وعلانا وكثيرين كأمثلة على الاحتساب.

– هؤلاء نعرف ظروف فصلهم!

كانت أول رد أو جواب على ما قدّمه.

– ما فهمت سعادتك؟

– بعدين.. بعدين.

لملم الأستاذ أبو أكرم حيرته واضطرابه وخرج بتثاقل من المقابلة التي انتظرها مدة أسابيع. كان فمه جافا. لم يشرب قهوة ليجف لعابه كما يحدث معه عادة، إذا لم يتناول كوباً من الماء البارد قبل الفنجان. ظروف الفصل تعني زمنا سابقا من المفترض أنه انتهى وواضح، لا علاقة لهم هم به.. لا أحد سأله من قبل، بل تلقوا معاملات العودة للعمل بترحاب وسعادة كأنهم كانوا معنيين، والآن توقفوا.

عمله في الدائرة يؤديه بشكل كامل، روتين وانضباط، ولكنه لا يقترب اطلاقاً من الشلل والاتفاقات الجانبية وصراعات الصغائر. النقابة لا يهتم بها ولا يشارك في أي دعوة منها (ولو استطاع لاستعاد ما يجبر على دفعه لها من رسوم). لا تمثل أحداً أصلا، وكل الأنشطة والدعوات والقرارات ليست من أجل الموظفين، بل تأتي بتعليمات جاهزة والكل يعلم..

ثم خطر له أن شيئاً أبعد لربما أنه حصل.

بكتمان يستعين به على قضاء الحاجات، تدبر حجة جانبية لمشواره المقبل ومضى يتمشى إلى المكان القديم، وفي عقله جزء من منزل يعود لشريك درب، كانا يجتمعان فيه، على أمل أن يصادفه ويتحقق دون قول شيء.

قبل أن يصل المكان بثلاثين متراً رأى شاهدا من الرخام عليه صورة محفورة بتقنية ايامهم هذه، وفيها وجه شريكه، كشهيد.

ضربته الصدمة في مفاجأتها. وهو قطع التواصل تجنّب الاجتماعيات ومتابعة الأخبار، شيء مضى في حال سبيله، لا يعلم عنه غيره لا زوجته ولا ابنته. ثبت في تشوش العقل المستطير كزوبعة من ضباب بقدر ما تمكن، وواصل طريقه معه حجته التي جهزها لغيره.

الأسابيع التالية كانت خلخلة من تأمل أشياء ثابتة لم يخطر له أن يفكّر فيها. لم يتأثر أداؤه في العمل لكن تغيّراته النفسية لاحظها الجميع، من ابنته وزوجها إلى الفرّاش وصانع القهوة وصاحب الدكانة الذي بدأ يتجاسر عليه ويستغله عند رفع الأسعار، بوقاحة.

ثم بدأت الاستدعاءات تصله بمعدل مرة كل أسبوعين، للتحقق من نقطة وظيفية هنا وأخرى هناك. لقد راقبوه بالتأكيد. كان يوضّح التفاصيل الروتينية لكنه يُطالب بالأكثر كأنه مكذّب. يجهل كل شيء عن استشهاد شريكه، ويستطيع أن يستفسر من بعضهم، لكنه عندها سيفتح دفاتر قديمة ويلفت النظر.

ابنته تغيّرت وصارت متجاسرة جريئة. حاجباها كأنهما أكثر تنمصا، والشفة في الأعلي ماطة أكثر. إنّها تحوم حول ما يعرفه جيدا، ولكنه يأبى الرد. شيء لا يخصّها، ولا يمكنها أن تحيط، خاصة إذا دفعها أحد لذلك.. زوجها صارت ملامحه بعيدة في الشماتة إلى درحة أنه أخذ يعتذر عن مقابلته متعذرا بالتعب والصداع وقرر عدم السماح له بالقدوم.

زوجته أخذت تلومه في تصرفاته الصغيرة داخل البيت وتؤلب عليه أي اهمال أو انشغال وموقفه من صهره، مستعينة بمعارفها الذين كانت تنقل أخبارهم له وهو لا يهتم، الذين دخلوا حياته عن طريقها وبيته مصطحبين زوجاتهم معهم.

كان يتحرّج ولكن الأمر لا يُحتمل، فكان يرسل لهم ملامح متحجرة مقصودة كيلا يعودوا.

أناس لم يكن بينهم وبينه شيء انتبه لنظرات عدوانية في عيونهم. أما الذي بينه وبينهم ود قديم (لسبب أو آخر)، فقد كان يقرأ تعابير الخوف والتجنّب عليهم متى واجههم في طريقه. بل إنّه أخذ يفكّر في المواجهة نفسها ما اذا كانت عادية أم لا، كأنهم يثبتون براءتهم من شيء ما.

كتم أعصابه وقلقه خلف قناع من الجمود.

وفي وظيفته أحسّ أنهم يريدون احالته للتقاعد فعلا، على أن يبخسوه كل ممكن ومستحق له فيؤجلون شيئاً، لآخر قد يطرأ.

لم يكن له، فعلا وبعيداً عن الناس والمعارف والأٌقارب كل الأقارب، إلا الله، فلاذ إلى الصلاة والمسجد، وقت كل متاح. هناك رأى آخرين يشبهونه في الملامح صابرين، فأخذ يفكّر بما خلفهم.

ولمّا كان، ذات وضوء في الحمام الواسع من مسجده المعتاد، الأكبر من غيره من حيث المساحة والتهوية الآتية من السقف المفتوح، أن أغلق الباب وأمّنه بالمزلاج، ظهروا له بطريقة لا يمكن أن يعقلها أحد.

– الآن إمّا أن تموت في المرحاض، وتعرف معنى هذا جيداً للناس، أو ..

لم يكن الأستاذ أبو أكرم بحاجة لسماع التكملة فقد فهم كل الذي جرى، ولا هم صرّحوا بها.

وقت مختلف

وقت مختلف

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


كان يقوم بتربيط قضبان الحديد إلى جانبه. يقبض بالكماشة على ثنية السلك ثم يلويها ويتوقف قبل أن تنقطع. يلقي بنظرة متعرّقة إلى الأرجاء من حوله، ويمسح القطرات عن جبهته. المكان جبليّ بعض الشيء لم يصل إليه العمران تماماً والسيّارات تظهر متفرّقة على الشارع المجاور.

اقترب الوقت من الظهيرة والحرارة ستبلغ أقصاها بعد قليل. ينهض بجسمه من تقرفصه ليزيل التعب من ركبتيه. ثمة وخز في ظهره يزيله بالتمسيد السريع. لاحت له نظرة إلى الرجل الذي يشتغل معه. غارق في أفكاره تماماً يتحرّك كماكينة سريعة الحركة. إنه كبير في العمر بعض الشيء ولكنه رشيق نحيف. شعر رأسه قصير جداً ناتئ وجمجمته واضحة الملامح. له سن ناجذ من معدن يشبه الفضة يبرز عندما يبتسم. وبين الوقت والآخر ينادي عليه لشيء جانبي.

الغربة، الغوص في المكان، كتلات التراب التي لم تنقل بعد وبراميل الماء الممتلئة المحيطة وكومة الخشب السوي المرتّبة والأخرى الطبش متفاوتة الأطوال المكدّسة، والصخرات المجروفات منذ تمهيد الورشة الموضوعات جانبا، بانتظار أن تحمّلها الشاحنات. لم يكن يختلف عن الجمود الذي حوله سوى أنّه يفكّر ويتنفّس.

– تعال نشرب الشاي.

– جاي.

ينحني ليكمل ربط بقية هيكل المستطيل من القضبان وعندما ينتهي يفكّ الحرجاية عن خصره ويلقيها جانبا مع أدواته الأخرى.

كان الرجل يقتعد التراب، شبه متربّع، يتناول السخّان ويصب في الكوبيين الورقيين الشاي له ولنفسه.

إنّه متبسّم كطبعٍ وشيء يشبه الطيبة يجعله متباسطاً. عندها يبدأ في الحديث عن ابن جار له، شاب، تشاجر مع زوجته وسمع الحيّ. إنه لا يصلي ويقول إنّه ملحد ولا يعرف قدر بنات الناس.

يتفحّص إلى أين قد ينتهي الحديث وأين يرمي. غريب لا يعرفه، ولو كان التبسّط فيه يجعله يحاول خلق حديث. مضى زمن طويل منذ ان كان المعارف يستندون على شيء ثقة يحكمهم، يوّحدهم في اتجاه، وأرضية مشتركة.. الآن الكلّ غرباء عن بعضهم، وفي سريرة كل واحد شيء آخر غير ما يظهره. ردّ:

– الله يهديه..

– تخيّل يا رجل، ضربها واسمع الدنيا فاحضرت له الشرطة. إنه الذي كان يعمل معي قبلك. يقولون إنّه مجنون.

ها قد بدأت. الوتيرة بسيطة وساذجة ولكنها تخفي المستويات. يسوق حديثاً عادياُ لكنه لا يضمن أنه غير محتوٍ لمعنى ناقص. ليست الأشياء كما تبدو، ولكن قول هذا سيجعله يخوض في تفاصيل.

– وماذا فعلت الشرطة؟

– حجزته لأيام إلى أن تصالحا وخرج.

الوقت بأكمله مفخخ.

– ما تعليمه؟

– الثانوية فقط.

سكت. لا يوجد متعلم ثانوية يمكنه أن يدّعي أنه ملحد. لا يقول ذلك إلا مَن له بيئة معيّنة وهذه لها تكاملها، ولو كانت تنطح بغباء كالأكباش.. الضرب يعني صراعا خرج عن أساسه ولجأ الشاب للضبط. الشرطة مرجعية احتكام للمرأة. مجنون، تهرّب للعلنيين من تفسيرات أخرى. ولما كانا قد تصالحا وخرج من الحبس، ففي الأمر ضغوط اتجهت لمنحى.

إنّه لا يريد أن يعرف. سيضطر وقتها للتفكير في كل تفصيل مقدّم استباقا للمعنى المحكم الذي سينغلق في النهاية.

ناتئ الشعر قصيره يكاد يكون أصلع وفي فمه ناجذ الفضة. لا يريد أن يتفحّص وجهه عيانا، ولكنه يستشعر خفيا. طبع التبسّم والتباسط يأمل بشيء..

الشاي في الكوب الورقي خالطه غبار. كانت على طرف لسانه حبيبات خشنة من برادة الاسمنت وصلت للكوب فتفلها جانباً منتظرا بقية الحديث. صبّ الرجل لنفسه مرة ثانية من الشاي ورفع وجهه إليه من تربّعه على الأرض وابتسم.

لا خوف فعليا منه. خبرة حياة عاديه لا تشوبها أفكار ملتوية. يرى بطريقته البسيطة ويدرك بطريقته. يكاد يدرك أين سيتجه، ها قد وضع أساساً تقريبيا. كان عليه أن يعدّل التقريب:

– يا حاج.. العائلات أسرار والله أعلم بالذي يحدث.

– أي أسرار، واضحة كعين الشمس. لا يعرف معنى بنات الناس. لو كانت ابنتي لطلّقتها منه وتركته محبوسا.

– يا حاج، الصغير لا يعرف معنى الالحاد، ويشوفه ميّزة وتباهيا ويظن أن الأمر بسيط. الله يهديهم.

– يهدي مَن؟

– جميع الناس..

وفي تلك اللحظة إنّما وجّه نظره اليه كأنه يخبره أنه يعنيه أيضاً، فارتبك. تشاغل عنه:

– سأقوم لأنتهي من الأساس قبل الأكل.

العرق صاخب غزير وفي العناء استغراق. الامتداد الجبلي في الأرجاء والشارع المتعرّج منحدر.

الوقت ليس كبقية الأوقات. يعلم أن الأسئلة تطرح وأن هناك تفسيرات تتردد، لكن يوجهها كلها الذي يتحكّم بالأقاويل والشائعات. سينتظر بقية كلام الرجل. غايته الملحّة الآن هي العمل وعليه أن يتجنّب ما يعطله. الغرباء تستطيع التقاط أي حركة منهم فليس لديهم صفة سابقة، أمّا المعارف فمن السهل أن يخدعوك، تورّطا وضعفاً أو طمعا في مكانة وتغريرا. قبل العصر القى حرجايته وذهب ليصنع القهوة. وهو يلتصق بالسخان الكهربائي كيلا يفور، أتاه الرجل.

– هل انت متزوّج؟

لم يمض عليه يومان بعد، وتجنّب أي شيء اجتماعي ليطيل الأمد. لم يغيّر بطاقته التي هو فيها متزوّج. فرد عليه:

– نعم.

إن تشكك الآخر كشف ما في نفسه.

– عندك اولاد؟

– عندي.

– الله يخلّي لك اياهم.

– آمين.

من سرعته نسي أن يصبّ له قهوته. انتحى جانباً ينظر للجبل الأجرد. الوقت ليس كبقية الأوقات. الذي يبقي أولاده إلى جانبه دون خضوع أو تنازل فإنه صاحب انجاز. الذي له عائلة لا تهتز، كأنه في حصن حصين.

أتى إليه ثانية يحمل معه قهوته. لا بد أن حديثاً في رأسه فقد اعتاد. الوتيرة هي ذاتها، ولكنه لا يريد أن يتعاطى معها. أشياء لا يلمحها غيره وعليه أن يظل غريبا ليراها بوضوح. ليحدد مَن الذي خلفها والمراحل التي من وجوه. ناجذ الفضّة من أطراف أسنانه يلوح من ابتسامته البادية، القوية علنا، هذه المرّة.. حتى صاحب المقاولة الشاب كان على أكثر من عادة أمثاله. يتساهل ويحضر الوجبات والمشروبات وأحيانا سكاكر كمن يريد، بالتعمد، ترك انطباع جيد عنه، ربما أمامه هو بالذات. كانت موقفاً متفقاً عليه: أنتم ما انتم، وأنا ما أنا، وكان يتحفّظ قدر المستطاع. غير أن ما غير المتفّق عليه هو المسافة والواجبات، وهذه التي يكترث لها فعلا وليس الانطباعات وفخفخة الادّعاء. الحقوق، كالعمل مثلا وعدم استخدامه.

– لم أخبرك. الولد بعد غير مرّة ومشكلة، زهقت منه وطلّقته زوجته.

وأخذ يتبسّم كأنه يقبض على ادراك ثمين. إنّه يعنيه هو. تبسّم له ابتسامة أقوى وردّ عليه ساخراً:

– أين طلقته؟!

– أين سيكون؟ المحكمة أكيد.

هنا سكت، فلم يكن من داع للسؤال الذي لم ينتبه إليه الآخر مباشرة، ولكنه بعدها انتبه.. نظر إليه، شعر ناتئ قصير وجمجمة شبه جرداء وتغوّر طفيف في العينين قابل للاتساع. الخوف، يميّزه بوضوح.

تركه وشأنه وعاد للاستغراق فيما تبقى من ربط أسلاك. الوقت ليس كالأوقات. وصرخ الرجل فهرع اليه. كان قد جرح يده، شيء ما وخزه، ويغسل الدم ويضمّد ويسب ويشتم. هل أربكه فغفل عن احتياطاته وانجرح؟

– أنا كبير. أنتظر أن ينتهي الاغلاق لأجد عملا أفضل.. ك... ام الشغل عند العرب، اليهود أريح وأحسن.

كتم نفسه ولبد. عاد سريعاً فساعة الانتهاء من اليوم أوشكت، وسيأتي صاحب المقاولة ليتفحّص ما انجزاه. هو نفسه، عندما قابله أول مرّة، طلب البطاقة منه وأعادها اربع مرات في عشر دقائق، وعندما سجّله في جدول العمال لم يكتب الاسم كاملا. لاحظ ذلك وتجاهله. سيكسب على الأقل عدة أيام.

– ما رأيك أن نقدم أنا وأنت على تصريح عمل؟

كان يهتف إليه من جانبه، وسؤاله ليس محلّه. إنّه الاغلاق أولا، وهناك ثانيا وعاشراً الذي لا يعلمه.

– أين كنت تعمل يا حاج؟

– عند اليهود. شغلهم أحسن من شغل العرب، أسهل وأجزى. لكن في الاغلاق لم أجد غير هذا العمل.

كتم كلّ ردة فعل يمكن أن تخطر له. موضوع لا طائل منه. إنما التضييق لهذا السبب، والرجل شخص عادي لا يدرك الضير والاضرار والضرار. خطر له فسأله:

– عندك متزوجون؟

– عندي ولد متزوّج وبنت متزوجة وأخرى خاطبة..

وأخذ يسرد تفاصيل الانجاز الاجتماعي والفخر والأنسباء والأحفاد الصغار. فهم حاجته للانسجام العام، فهو لا يرى إلا من هذه الزاوية ومستعد لفعل امور كثيرة.. ستكون خصوصيته قد تآكلت من الاحتكاك والدوران في الحيّز القسري الذي يصنعه النافذون الذين يوجّهون. الملتينة تحت الأثقال المتفاوتة، تتشكّل.

انتهى وقت العمل فذهب للغرفة الكونتينر حيث كانت الملابس المعلّقة. استعاد هيئته الجيّدة وحشر ملابسه المتّسخة بعد نفضها في كيس.

لمّا همّ بالخروج استوقفه ساداً عليه الباب. قال إن صاحب المقاولة أتى وهو يغيّر ملابسه، وأنه ترك له أجرة الأيام الثلاثة.

مدّ له يده بالأوراق النقدية في هيئة من ثبات.

سِن المعدن الذي يشبه لون معدن الفضة، الناجذ على يسار الفم، في الزاوية، كان يلوح بابتسامة خبيثة صريحة.. ومع أن طيّات وجهه هي هي، إلا أنها كانت تتهدّل للأسفل. لا بد من أخذ الملابس المتّسخة لأنه لا يستطيع أن يتركها أو يظل يستبدلها.


بحسب الصحابة

بحسب الصحابة

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


 من طريقة تدخينه، وهو يجالس ضيفه على البساط أو الأريكة، ينظر اليه من جانبه، يحتمي بيده على خده، يستمع ويزن الكلام بنظرات حذره، ثم لا يحادثه إلا على قدره في الموضوع الضيق عينه، يحسّ الآخر -قبل أن يفهم- أنه يحتفظ بتجاربه لنفسه.

أتى الابن الشاب متأخّراً كثيرا بعد العِشاء بساعات، فتلقى وابل الغضب في وجهه. أين كنت ولماذا تأخرت، وألا تعرف الذي يحصل. البارحة اعتقلوا اثنين وصدر الحكم على ثالث ونفّذوا رابعا..

الولد ليس بالمتعلّم. أنهى الثانوية بالكاد وقال اقف هنا. وجد عملا بسيطاً يصرف منه والتحق بحلقات المسجد القريب، ثم تكاثر عدد الحلقات والمساجد والمشايخ. مضت عدة سنوات. لم ير ضررا فالدين جيّد، ولكنه عندما عاد ذات يوم وأعلن أنه سيلتزم بزي الصحابة، خرج من العقلانية.

– صحابة مَن يا خوي؟

ماذا ستفرق يا غبي؟ الدشداشة تظل كذلك ولو من قطعتين، والسروال سروالا ولو كان من جينز. المهم السترة.

لم يستطع منعه. ومع الوقت ذاهبا آيبا بالزي الجديد -شيء باكستاني وسترة خفيفة فوق الثوب يطال ركبتيه بسروال أطول مسترسل من قماش- لم يجده بهذا السوء، واعتاد عليه.

كانت عين الوالد، في الحقيقة، على الأبعد. صلاة والتزام وحلقات ومذاكرة وتناصح وتعاهد ووقفة حق فعدم السكوت عن الباطل والساكت شيطان أخرس، ثم ينتهي الأمر به ملتحقاً بجماعة -مضروبة- أعطى البيعة: حيّ على الجهاد! فإذا لم يمت فإن السجن ينتظره، الذي إن خرج منه، فلأسابيع قلائل فقط، قبل أن يعود إليه.

كان يعرف، بمفردات أخرى وتقسيمات وتسميات وهيئات، الاتجاه الذي يسير فيه.

اخذه جانبا في الصالون واغلق الباب. استخرج دفتراً قديما وقلما وبدأ يكتب إليه. كتب:

– هذا بيتي ولا آمن فيه.. شفت كثيرا وصدّقني دائماً هناك باطن مختلف. مهما كانوا صادقين مخلصين يكفي واحد بينهم ليضيّعك. الزمن أصعب وكل نحلة مراقبة.

لم يقبل الابن هذه الطريقة في التواصل التي رآها مبالغا فيها، ولم يعبأ بأن يرد بالصوت:

– زمنك غير زمني.

– اسكت يا ولد!

– لا تفكرني مثل جماعتك العلمانيين. باعوا دينهم وما ظل لديهم ما يبيعونه ليشتريه أحد منهم.

سيورّطه الولد. كتب له بسرعة:

– زمنا زمن الثورة، كان أسهل من الآن وهناك الذي يساندنا ولم نسلم. للفدائيين كان مصير التضييع والتنازلات ثم التكالب على بعضنا نأكل من لحمنا فقط لنعيش، واسأل امّك عن عيشتنا كيف كانت، نرتعب من أن يودي بنا جار أو منافس في الوظيفة. بالتعب تمكنت من التوقف جانباً والاستمرار دون أن ينتهي أمري وأمركم.

– أنتم كنتم تريدون تحررا، مبادئ ناقصة واستراتيجيات وتكتيكات خدعوكم بها ولا يهم ان صرتم بعد ذلك مثلهم، فاسدين. كل الثوارت تتبع محتلها بعد الاستقلال. وخدعوكم جميعاً فخرجتم دون حبّة حمّص أو تفعلوا شيئاً. نحن نريد تطبيق الشرع في كل الظروف ولو طوعاً، فنظل كما نحن على الأقل، ولا بد أن يتغيّر الزمن.

عند هذه النقطة تذكّر الابن أن التطبيق الطوعي للدين في مجتمعات اختيارية مرفوض كذلك. لم يتركوها في شأنها أيضا وهي في الغابات معزولة.

كتب الاب الذي سمع "تطبيق الشرع" فتخيّل السيف والسوط ثم تمالك نفسه، كتب على الصفحة التالية من الدفتر، يرجو إن كان ابنه حاد العقل طائشا سيودي بنفسه، فسينجو هو على الأقل إذا كان هناك من يتصنت عليه. سيقول عنه عندها مجذوب أثّرت فيه الدروشة ويكلّم نفسه:

– هدفكم يا يابا حبيبي اسمع مني أصعب..

وامسك بذقنه مستعطفاً إياه أن يقبل منه ويتوسّل إليه ألا يضطره للشرح أكثر. كتم الكثير وهؤلاء وأبناؤهم من بعدهم ينبشون كل شيء إن سمعوه ولو كان بعد خمسين عاما. لا يتركون شيئاً دون أن يفلفلوه. كل الدول الموجودة وأتباعها غير التجار والأفاكين وغير المسلمين سيلاحقونهم، لأنهم كلّهم مهددون بالدين الذي يريدون تطبيقه. صوّب القلم على سطح ورقة الدفتر، وكتب بقوّة لم يكترث معها لانكسار رأس القلم:

– صلي وصوم وزكي وحج لا أحد يمنعك. ابتعد فقط عن الجماعات.

لم يقبل الشاب الذي يرى نفسه أكثر علماً وأجرأ وأصدق بأن يطالع كتابة والده. عدم الصلاة وتدخين والده، ومن قبله أشياء كثيرة في العائلة والأقارب أثناء المناسبات والاختلاط، لم يكن راضياً عنها. تسلّط على اخوته الصغار واخواته ومعهم أولاد الجيران في النهي والأمر، فأطاعوه. كانوا يتأثرون لمسلكه وفارق العمر فتقبّلوا منه على خوف يوازي الاقتناع. لولا ذلك لتسبب له بمشاكل مع الجيران.

لكنه لم يستطع اقناعه هو بالصلاة وترك التدخين كما طلبوا منه في المسجد، بل انتزع السيكارة منه ومزّقها، فما كان منه إلا أن اسقط صفعة على وجهه "لقلة الاحترام".

التزم عندها بنص الآية فتلاها في وجهه: وإن جاهداك على أن تشرك.. إلى: وصاحبهما في الدنيا.

– أنا اريدك أن تشرك يا كلب؟؟

– بعد إذنك يا والدي، اريد الخروج.

وخرج.

انتزع الوالد الصفحات من الدفتر ومزّقها. ذهب إلى الحمام العربي الذي أوجده ابنه مع مرفق وضوء، وهناك فتفت المزقات ثم تخلّص منها ساكبا سطلين من الماء بعدها. تشاجر معه وقتها يضمر له التالي، لماذا هدم "الكرسي"؟ فردّ عليه أن التقرفص طارد للفضلات صحي أكثر يفعّل كل العضلات الهضمية وفيه أثر للسنة. اقتنع، لكنه سأله:

– وماذا نفعل مع امّك التي تتحرّك بصعوبة؟

– احضرت لها كرسياً من البلاستك مخصصا لها. ربما لو كانت معتادة على الحمام العربي لكانت عضلات ساقيها أقوى.

في ذلك الأمر القمه الرد المقنع بالحجّة فسكت، خاصة أنه هو الذي دفع من جيبه ثمن التغييرات.

بعد شهور متقطّعة وصلت لسنتين، تبع ابنه وأخذ يصلّي في المسجد بحذر حتى من المصلّين، في أوقات متقطّعة. بقي يصلي في البيت. في المسجد سيلتم مشايخه عليه ويتورط في شيء إذا ربطوه بهم. لكنه يظل صغيراً.

فكّر، عليه أن يجد حلاً:

طالما لا يمشي ابنه معه، فسيمشي هو مع ابنه. لقد عزم على أن ينقل له تجربته، جزءاً جزءاً، قدر الحاجة وليقم هو بمواءمتها بحسب الصحابة. سيقدّر المرحلة التي هو فيها ويعطيه نصائح. يأمل فقط ألا يضطر للافصاح عن الأسرار التي يكتمها ويتمنى لو أنه لم يعرفها.

بل لربما هناك أمر أفضل: سيدس أمّه عليه قبل أن تتضخم صحوة في رأسه ويجرّه معه إلى المتاعب، طالما أعطى بيعة، كما يقدّر. سيجعلها تقنعه وسيفعل كما يتفق الجميع، العدو والصديق والمتفرّج والناصح والمتربص معا، أن يزوّجه. هكذا، سيغرقه بالمشاغل وضرورات الدنيا فلا يجد وقتا لشيء، وليتدبر هو حينها أمر الصحابة.

أين يجد زوجة له من طينته ولا يوصلانه -معاً- لكارثة؟!

الأبله!

يحسبه يجلس جانباً بعد تقاعده أخيراً يدخّن ساكتاً ينظر لمتغيّرات الدنيا من بعيد..، لا يخالط الناس إلا للضروري فقط، من قليل!

السبت، 12 أبريل 2025

التكريم

التكريم

(منشورة ضمن أنساق أخرى/ الهيئة المصرية، وعلى موقع قاديتا)

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

(1)

سأخبركم كيف أراكم، أنا الذي بلوتكم في محطات كثيرة. حاولت كتابة القصة من قبل بعنوان “التكريم” لكني لم أنجح. شيء ما كان يعيقني ولعلّه سيعيقني مجدّداً. لا أستطيع أن أكتب من دون فكرة هي نفسها بنية القصّة. أحيانًا تضغط عليّ المشاعر وأكتشف دلالاتها أثناء الكتابة فأترجمها لأفكار ومشاهد وشخوص. لكن في الغالب هذه هي طريقتي في الكتابة: الفكرة وبنية القصة أو -إن شئتم- حبكتها، معًا.

لكن هذا ليس نصًّا بالضبط.

الفكرة أتت من مشهد رأيته في تكريم “مثقّف” ومناضل هو الدكتور (ع). أعرفه منذ نهاية الانتفاضة الأولى وتابعت الكثير من كتاباته ولعلّني نشرت في مجلته شيئًا. لا أحبّ أبحاثة التي تنتمي لديناصورات الاقتصاد السياسيّ والماركسيّين أو المتقومجين. لغته تبلغ من الرداءة أنّها عاجزة عن التكثيف أو التوصيف الدقيق ناهيك عن الأخطاء. وأنتم تعرفون أنّ اللغة ليست مجرد أداة وظيفيّة، بل هي أيضًا طريقة تفكير وشخصيّة ومحتوى.. الخ.

غير أنه كان متراسًا في زمن التراجعات والاستدخال والتطبيع. وعلى عيوبه فله وقفات نادرةلم يقفها إلّا القلائل مثله من بينهم جماعة “بيان العشرين”، الذين قُمعوا كلهم. أهمله حزبه منذ عقود، ويقول إنّه ممنوع من المحاضرة في الجامعات، وحين يُسأل كيف يعيش يدّعي أنّ له أملاكًا ومزارع زيتون. ربما، لكن قناعتي الشخصيّة أنّ زوجته هي التي تتولى المسؤوليّات الماليّة، ولعلّه بين الفينة والأخرى يُحرز تمويلاً لمركزه البحثيّ أو يصيب محاضرة مدفوعة أو تبرّعًا.

//

رأيت الدعوة وتضايقت، لا لأنه لا يستحقّ التكريم، بل بسبب الذين يكرّمونه. إنه معروف في أوساط ضيّقة مهمّشة عن قصد، ولا يعرِف بالمقابل الأوساط الثقافيّة/ الأدبيّة واستدراجاتها المختلفة. يحسب أنّ التكريم تكريم، أو أنّ التقدير والاعتراف كذلك.

لا نيّة لي على الاطلاق لأكون شخصيّة في نص. قليلًا ما تكلّمت عن نفسي فعلاً، وإذا لجأتُ لذلك ففقط للإيهام بالواقعيّة أو لأستدرج ردّات فعل يقتنصها بعضهم وهم يعتقدون أنّهم ينالون مني، في حين أريد تمرير أشياء لا يعُونها- أشياء أهمّ من آراء الآخرين بي.

وكشخصيّة في هذا النص، بحسب رؤيتي لواقعه، كنت أتسلّل دائمًا للصفوف الخلفية لأخفي نفسي ولأراقب ما يحدث ولآخذ صورة شاملة. لا أحد يعرف قيمة أن تكون خفيًّا، إلّا الذي جرّب معنى أن يكون تحت الضوء، يلتفون حولك وقد تقودهم في مظاهرة أو اجتماع، لكنهم في أوّل منحنًى سيؤذونك بشدّة. على أقل تقدير أن تكون التوقعات منك مرتفعة وبالكاد تلبّي نصفها، وذُقْ طعم الخيبة. من الأفضل أن تكون انسانًا هامشيًّا لا يلحظك أحد ولا يطالبك بشيء أو يزعجك.

ولا أركّز كثيرًا في هذه الأعراس والمآتم والمجاملات. الكلمات كلاشيهات والخطب جوفاء والمشاعر بلاستيكيّة. تناوبوا وراء المنصة وقال كلّ شخص كلماته الطيّبة المعدّة سلفًا، وعبّر عن تقديره لهذه اللحظة التاريخيّة، كما يقول ذلك العجوز التونسيّ.

ثم اصطفّوا لأخذ صورة تذكاريّة. في تلك اللحظة أو لعلّني أعيد تصوّرها، حانت مني التفاتة إلى الشباك الغربيّ، المُطلّ على المستوطنة.

///

ولا قيمة للنصِّ من دون المكان. إنّه مؤسّسة رسميّة كان اسمها بيت الأدب وصارت الإرشاد القوميّ. عبّرتُ علناً عن ذعري من التحوّلات سابقاً في مقال، وسأعبّر عنه مرة أخرى: هل يدرك أحدنا معنى الارشاد القوميّ للأدب؟؟ ليس فقط الرقابة والتوجيه، بل والغطاء لأشياء كثيرة، من بينها السفر إلى أماكن مختلفة، كلّها مناطق مرتبكة، ومن البوّابة الفلسطينيّة يمرّ ما لا يمكن أن يمرَّ..

والآن الشيء غير العاديّ هو ما سيلي: مؤسّسو هذا البيت أو المرشدون. لا نيّة لي على الإطلاق للإساءة لأحد، لكن لا مناص من المصارحة:

- رئيسه دفن والده وجعله شهيدًا مع أنّ أحدهم أخبرني أنّ المرحوم

- أحد المشاركين، باع ابنه الشهيد مقابل جائزة أدبيّة مناصفة مع والد جنديّ صهيونيّ.

- ثالث قيل لي أنا تحديداً على سبيل التحذير، لأنني مخطوف ومعتقل وعلى صِدام، إنّه أمن وقائيّ!

- رابع مبدع حقيقيّ تعرّض لما تعرض إليه في أمريكا، وركبوا على ظهره بداعي الابداع والتلمذة ورعاية ارثه “الأسريّ”.. حتى الاحترام الشكلي لا يتقنونه، فالرئيس المرشد القوميّ بنفسه أخبرني أنّ هذا المبدع مُجرّد صيحة عابرة، ولم يتردّد في مطالبته بكتابة مقدّمة كتاب له بل وألحّ عليه.

- خامس سحقوه تمامًا لدرجة أنهم اتهموه بالخيانة وطردوه من قريته، ثم أعادوا ترتيب وضعه بما يناسب الإبداع والارشاد القوميّ!

- سادس قدّم أوراق اعتماده “مُنكسرا” (التعبير ليس لي بل له)، ليتمكّن من العودة مع السلطة، متنازلاً عن تاريخه وقناعاته كلها.. وماذا عمل؟؟ ضابط مخابرات قبل أن يصعد للمشهد العربيّ والأوروبيّ!

وعلى هذا المنوال، وقيسوا.

///

عندما التقطوا مع الدكتور الصورة الجماعيّة مُحتفين بنضاليّته وثباته ومبدئيّته، وهو مسرور للتقدير الذي حصل عليه أخيراً كطفل رضيَ بعد حرد، تمامًا مثل كلّ اليساريّين المتواطئين في مشهدنا اللا وطني، لم أستطع فصل الصورة عن خلفيّتها المستوطنة.

كنت أشعر بالبؤس الشديد والكآبة.

هؤلاء جميعًا يستحيل أن يكونوا -من بينهم الأحمق الذي لا يعرف ما الذي يدور- من دون.. المستوطنة!

(2)

ها قد أخبرتكم كيف أراكم، فكفّوا عني. قولوا ما شئتم وافعلوا ما بدا لكم وشوّهوا أو ضعوني على قوائم المنع والمراقبة والتنصّت. أفضّل تحصيل لقمتي كعامل عاديّ. إذا ضاقت بي المدينة (وقد ضاقت) ولم أستطع سفرًا (ولا أستطيع) واستطعت الحصول على تصريح –مع أنّ الاحتمال ضعيف جدًا- فلن أتردّد في العمل في مصانعهم أو مطاعمهم. لن أذهب كمطبِّع أو كاتب أو متنازل عن أيّ قناعة. على الأقلّ عندها سأعرف أنّ عدوي أمامي لا يغطّيه وجه محليّ.

(رام الله؛ 12/4/2015)

الخميس، 10 أبريل 2025

أمشاج الثانية www.yandex.com

امشاج الثانية

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

(1)

في المسجد العتيق جمعت بين ايمانين. كنت أشيح النظر عن نَورِ بعباءات، وأتعمد ألا أرى وجوههم. المسجد فرض، نَفس وحرمة وتقديس، ملحٌ للارتياح.

ابنتهم تحوّلت إلى حمامة، تقول الأغنية، من ثم صارت روحا: تعيش بجسمها في مكان، بينهم ربما، وترفرف على المبسوطة بكيانها. حيثما وجدت بشرا، حلّت فيه.

لا أعرف عن الأغنيات هذه، ولا عن صدقها أو كذبها. على كبر أخذت اصدّق، لأنني عانيت وشعرت.

لا يهم إن لم يصدق أحد. كففت عن الاكتراث.

مرّة أتت، وكنت في بيت أهلي الفارغ. أتاني، من أذن تتجاوز رأسي، صوت خفي بعيد في الحيّ أنها تقترب. كانت، بطريقة ما، معروفة للناس أنها (البيضاء). الذي تصيبه قد تقتله. يقولون أنها ماتت قتلا، وأن روحها تتنقل بين البشر لتنتقم.

خرافات كتابية وشعوذات ومعتقدات تسري بين السذّج.

لا أشباح في ديننا،

وبينما أنا اقف أمام الباب الحديدي للصالة، أحسست بوجودها وأصابني مسّ كهربائي أو صعقة، شملت كامل جسمي.

انتفضت. توقّف شعر الرأس. يا الهي ما أوجع الصعقة! تهزّ لحظتك هزّا وتصعد بك الى أسوأ ذعرك، وتنفضك عن سياقك. ارتعبتُ وأخذت اكبّر، ففرت بعيدا بسرعة.

///

في المسجد العتيق كانت تستطيع التسلل. غير أنها، هي أو نسخة عنها أو جانب، تتحول إلى كيان آخر. أهلها النور يحاولون أن يظهروا في الصورة، فكنت اشيح عنهم بوجهي ولا أنظر في وجوههم.

وأين يمكنني الاحتماء والاطمئنان في غير بيت الله؟

لا: صحيح أنها تكلّمني من داخلي، لكن بيننا أيضاً ما يشبه النفق من الاتفاق: لا تستطيع أن تلج إلا اذا سمحت لها.

ثم أن المحتوى يعلم الله نظافته. وكيلا أتواطأ معها، لم أكن أرد عليها في سرّي، فكري، مع أنني استطيع، إنما بصوتي الذي يسمعه الآخرون من المصلين والمشاة وغيرهم.

وخفت من الرد الداخلي وأن أغرق في الداخل فلا أخرج. جربت الأمر أطوارا: قبول حديثها الداخلي، كأنه حديث النفس (ربما النفس الأمارة)، والتعاطي معها داخليا، يؤدي إلى أن أعلق. الكرة التي على رأس الآدمي لا تختلف عن الكون، بالرغم من التفاوت في الحجمين: فيها شعاب وهضاب ودهاليز. فيها عوالم موازية. المادة وهم، لكنها ضرورة ووسيط.

الحق هو "من أمر ربي"، الروح.

وبالرغم من تقلّباتها فقد كانت مؤمنة. الانسان يمكنه أن يشرك أو يلحد، أما الأرواح التي من دون أبدان فالغيب لها عالم، وتسلّم بحسب دينها الذي ولدت عليه..

///

عادت أذيال عباءاتهم من تقدمها، وابتعدوا خطوات. صمتُّ حتى تحققت أنهم عبروا العتبة الداخلية القديمة، ليتظاهروا بتأدية الفريضة. النور! عدت لها، هي ايماني الصغير.

آذتني أكثر من مرة. وصرت عندما تهم بفعلها، اكبّر أو أتعوذ بسورة قصيرة. سيطرت عليها هي التي تقترب ومني وتهمس لي، أو ضبطتها.

قالت إنها بلا سكن. وأنها محفوظة سراً في مكان بعيد، وأنها تحتاج جسما تحلّ فيه، لتتمكن من التحرّك.

أتاني من تكريب خفيّ أكثر من نذير: لا تقبل. لا يمكنها دخولك ألا بموافقتك.

كنت احسّ بالخطر، لكني لا أعرف لم أنا، أيضاً، مطمئن. سمّيت وقلت لها: تفضلي. "الآن نحن معا، سأستريح قليلا، أنا متعبة". قالت في داخلي.

أقام الامام الصلاة فنهضتُ من الممر الحديث حيث اعتزلُ الناس، اصلّي المسنون وحدي، واكلّم نفسي. ومع أنه لا يحل ولا يجوز، طالما هي فيّ، نويت الصلاة عنها.

///

صلاة الجماعة، الفجر تحديدا، مريحة: تصغي لتلاوة خارجك تصوّر لك المشاهد الناصعة في عقلك، فتذهب التخيلات. كلما ثبتّ في هيئة الصلاة ازداد خروجك من هاجسك. المعاني يمكنها أن تنفتح لك على نحو جديد: من الآيات التي مرّت عليك، والآية التي تتلى، ينفتح معنى. تفكيرك ليس بمفرداتك أنت بل بكلام الله، وعلى الإيقاع الذي من دون إيقاع. حركات الصلاة تعيدك إلى الضبط والتمرين والتوجيه. قد يفلت منك خشوعك أو تركيزك، لكن الوجهة التي أنت فيها، الصلاة والشعائر، يجعلانك قادرا على أن تتعبد، حتى لو كان فيك ألف وسواس. ولو كانت المشاغل والمخاوف والطارئ، انفسك اللوامة والامّارة، شلالات تنهمر متداخلة داخلك لتربكك، فإنك تستطيع أداء فرضك.

كل روح لفرد من البشر، سحابات تجمع الندى، الروح كحمامة وضباب.

 

(2)

القمر مكتمل يمشي معنا في الأزقة. العتمة لها قبعات برتقالية، أو مظلات، مريحة. الخفافيش تدور متمايلة فوق أشجار اللوز وقرب السرو تجمع وجباتها المحلّقة، بدأب ولطف. القطط والكائنات تعرف، وتموء لنا. النسمات أيضا. فراش الليل يتبع صوتي ينتقل من إضاءة لإضاءة، فيؤنس. هل أنا لباس لها أم تلبّستني؟ أتراني سكناً تبحث عن ملجأ، أم تستوطن مؤقتا لتحتل؟

ربما كانت نائمة داخلي، كجنين. تركتها تستريح. هدأتُ لما ايقنت أنها معي. زالت التجاعيد عن جبهتي ووجهي، وانشدّت الثنيات. يداي الخشنتان رقّتا. انسجمتُ وتوازنت وشعرت بالاطمئنان. لدي ايمانان: الله والحب. قلت لنفسي.

- ماذا ستفعل ان تعارضا؟

لم أتفاجأ. رددت ببساطة:

- أضحي بالثاني.

- أنت تقول..

- حدثيني عن عالمك.

- لا يمكنك أن تفهمه. ضحيت بجسدي من أجلك، ولم يعد لي الا ثلاثة أيام وأتوقف عن النبض فأموت.

مع أنني لم افهم نصف ما قالته، شعرت بالقلق. لم تخبرني شيئا من هذا. اخذت طلبها ببساطة وطيبة.

- لا افهم.

- أنت تؤمن بالله ومستعد للتضحية بالحب، أما أنا فليس لي الا الحب.

- ألا تؤمنين بالله؟

- الكل يؤمن بشيء.

 

- صباح الخير يا جار.

لم أعد استحي أو ارتبك من صوتي المسموع في الأزقة المضيئة. سألني أولاد الجيران الذين تطفلوا من سطح البيت ذات عصر، إن كنت مجنونا. أجبت، نعم، والذي امسك به أذبحه واطبخه وآكله. هربوا. رددت:

- صباح النور.

 

لما ابتعد الجار قلت:

- لم تخبريني..

- في عالمنا، الذي تقبل به يحدد مصيرك.

- لم افهم.

- نحن أهل الدنيا؛ وانت منهم هم.

- هم مَن؟

- المسلمون.

- لماذا ستموتين؟

- هكذا هي القوانين. مثلي تتحوّل إلى آلة، جسدها بطارية، وعقلها طليق. استطيع التنقل بين الأجساد، لكني اخترتك أنت وقبلت بالثمن.

جملتها الأخيرة كانت مختلفة. فهمت أنها لا تستطيع التمادي ما لم أشجعها. منذ وقت طويل توقفت عن خطبة ود انثى. لم أكن من ذلك النوع، لكني، عن غضب، درّبت نفسي فلما نجحت كففت عنه. تحرّجت. لا احب الكلام المحرج ولا التودد ولا المجاملات. دفش كنتشة، كجذع تين يابس، كرفسة حمار المعصرة.

ضَحِكت.

 سمعتها. سكن بي رضا وقرّ سرور. ثم ما من كلام ليقال. نحن معا. هذه هي الخلاصة. وفجأة تذكرت كلمتها: "الأجساد".

كم جسدا سَكنت؟

هل يحق لي أن أسأل؟ شعرت بغضب. لم تخبرني بهذا قبلا. لم اسمع صوتها الذي هو فكرة أو رد يتجسدان في الأذن الداخلية. بعد سكوت امتد قليلاً سمعت طمأنة:

- لن ينالك مني شيء. فقط ثلاثة أيام.

 

(3)

كنا متمددين على السرير نتسامر. أعني كنت متمددا ببدني وحدي بالطبع، ولكنها معي، فيّ. تحدّثنا كيف انتبهت لها، وكيف عرفتها في الأغنيات التي تحكي، وراء التفاصيل الظاهرية، عن طفلة. سألتها:

- كم عمرِك بالمناسبة؟

شعرت أنها تضايقت، لأن جانبي بدأ يتململ. لم تجب.

- هل لك التأثير على جسدي، لأنني استطيع التكبير وقراءة سور من القرآن؟

- لو سمحت، غيّر الموضوع. سيأتي كل شيء في حينه.

غضبت لأنها لم تجبني. نهضت لأعد الفطور. فرمتُ البندورة بسرعة، من غير غسل، وشطفت المقلاة شطفا فقط.

- ليست نظيفة.

علَّقت.

- هذا جسمي.

- احتاج إلى اطعمة معينة.

- مثل ماذا؟

- اللحم.

- لم أشتره لنفسي أبدا. لدي مارتديلا.

- جيد.

وأنا آكل طلبت أن آكل ببطء، وأن امضغ جيدا، ومن دون صوت.

احتججت:

- لك الذوق فقط.

- انا ضيفة..

ثم صمتت. شعرت بالذنب بعد قليل لأنها محقة. فعلت ما طلبته فلا ضرر منه.

- سأخبرك في اليوم الأخير.

فكّرت أن ارقي نفسي واكبّر لأتخلّص مما أنا فيه.

///

لما ذهبت إلى الحمام لم أدر ماذا أفعل. غير التعري السفلي، إني استنجي بالماء، واستبرئ من البول. لم يخطر لي أنها ستشاهد ما أشاهده وستحسّ بكل حواسي. وإذا كانت لديها القدرة على مقاطعة تفكيري أو معرفته، فقد خسرته. ماذا عن ذاكرتي؟

ماذا عن التفكير والعقل؟

وكيف سأعمل في طوبار سقف الورشة وهي فيّ، بعد ساعات؟

جلست على مقعد الحمام صارفا بصري لأعلى كيلا يقع على.. يظل حاسة اللمس.

ثم خطر لي أنها تشبه القرين.

- لست فاهمة بالضبط معنى القرين..

تجاهلتها.

اباح الله هذا للقرين والجن، فلا بد أنه زوّد بالمصل والمضاد.

ولم أتردد. قبل الوضوء استعذت، ثم سميت. وبعدها كبّرت، وقرأت المعوذات.

قالت صوتها يخفت على نحوٍ متباعد كبكاء:

- آلمتني. لكني سأعود.

وذهبتُ إلى عملي. الوسواس، ربما، هو للذي خارجنا يوسوس لدخيلتنا، والخنّاس هو الرابض فينا طوال الوقت، ولكنه يتراجع، يخنس، كلّما تعوذنا منه. والقرين؟ الذي يستهدف كل شخص بعينه؟؟

في الدين أنا من العوام.

///

في الورشة لم استطع أخذ القياسات ولا الطوبار، فطلبت من عامل أن يشتغل مكاني وأنا اشتغل مكانه في اقتلاع المسامير.

كنت أفكّر، وكان عليّ أن أجد طريقة.

 

(4)

طوال عودتي إلى بيتي، كنت أقرأ المعوذات والصمد. ما إن تقترب حتى تنفجر كفقاعة صابون، وأسمع صوت التفرقع، ثم احسّ بها تسقط على الأرض. ولكنها لا تلبث أن تتجمّع وتعود. في الأثناء كنت أحصل على وقت للتفكير. لم أدر ما هي: وسيلة تقنية عن بُعد تتخلل أمواج الدماغ وتؤثر في الدماغ، خاصة المخيخ، من ثم الجسد؛ أم كيان من الغيب؟

الأشباح لا استطيع أن اصدّق بها. الأرواح نعم. في عالم الرحمن والغيب. وإن اتصلت ففقط في الرؤى والمنامات وبعض التقاطعات في الحياة كفكر الوالد حين يحس بابنه أو الوالدة، أو اللمحة الخاطفة. ما اشهده أكبر. إنّه لمة شيطان، وعقل ثابت: نفح ايجاب. المس والقرين والسحر كلها أمور موجودة في القرآن، لكنها شيطانية ومن الجن، ولا تعريف واضحا لها. أؤمن أنه ما بشر يستطيعها. وطالما الغيب يمكنه أن يلج الواقع، فالأمر متاح للتقليد، لشياطين الانس. علوم البشر كلّها تقليد. إنها القرين، ولكني لا أعرف شيئا عنه ولا أعرف مَن يعرف.

- آلمتني، معي أقل من ثلاثة أيام..

كانت تبكي. قد تستعمل البكاء وتتظاهر به، لكنه أصدق ما فيها: الضعف. رققت.

- اسمح لي بالدخول. سأموت.

- بسم الله. ادخلي.

أحسست بشعور لطيف ذي بياض من نسيم. رأسي، جمجمتي، مسكن؛ وبدني عاد لي وصرت أحس به. في الأوقات العادية أعيش جسمي دون أن التفت له، وتظل خواطري تتخبّط. أما الآن فأحسست به مأوى، مكانا، يمكن الاختباء فيه. يمكننا معاً الاختباء فيه. أجسامنا ليست ملكنا، بل نحن مجرد مسؤولين عنها، إلى أن تستعاد الأمانة. كيف قبلت هي أن تنفصل عن جسمها، وتحوّله لآلة أو بطارية؟

هل في جمجمتي شيء يصل بين الالكتروني والعضوي، أم مجرد أمواج كهرومغناطيسية؟ ولماذا تطلب إذني للدخول؟

- تفكر كثيرا، ولن تفهم إلى أن تشرك.

- أعوذ بالله!

وصوتها يتراجع يخفت، وصلتني كلمتها الحزينة:

- لقد أخرجتني.

الروح من أمر ربي، نفحة ونفخة، وما من شيء يمكنه أن يسيطر عليها. الجسم أمر آخر، قابل للتقييد والحصر والأذى الملموس. ناديت عليها، وكنت وصلت الشرفة ذات الأحجار.

أين أنتِ؟. أنا حولك. هل تحبين الدخول؟. لكن لا تطردني.

- بسم الله. ادخلي.

دخلت. في خيالي الواضح ذي المكان، نفضت شيئا عن ملابسها. إنها فتاة عادية نحو الثلاثين، لا تكبر أبداً، وتلبس بلوزة مشدودة من صوف أصفر، وبنطال طويل. وأنا في الخمسين فقدت الشعور بالزمن، فلم أعد أدري إذا ما كنت مراهقا أو عجوزا. هل رأيتها في مكان واقعي من قبل؟.

- أنا في رأسك، لم تعد لديك أسرار.

- أستطيع صرف التفكير.

- بعض الوقت فقط. ثم يفلت منك. كل شيء يخرج من الداخل وينكشف ذات يوم.

- ليس الأمر أنه من الأسرار، لكن..

لم ترد ولكني رأيت يدها تمسّ شعري/عقلي. تتكور وهي تقترب مني. إنها تحسّ بي، ولا حاجة لشيء آخر. هل فكّرت فيها لدرجة أن تجسّدت لي أم أنها من مستوى مختلف؟

- تكثر التفكير. في اليوم الأخير سأخبرك.

جلست أشرب الشاي على الشرفة. أشرب وتشرب معي. لم أعد أفكر في شيء من الداخل أو الخارج. فقط اتفرج/ نتفرج على الأشجار وخيال العصر الذي يتطاول والشمس التي تنسحب من الساحة باتجاه الغرب.

ثمة قطط تتبع بعضها تمرّ وتتوقف لتنظر اليّ. تصويب وجهها ونظراتها أكثر من مسلك حيوان. في الأفق، المعسكر الغريب ينتصب. على الشارع الرئيس تمرّ السيارات والشاحنات المختلفة والدوريات. يأتي ثغاء أو صوت طلق. الشوارع شقتها البلدية بادعاء التيسير ونثرت أعمدة الإضاءة، لكن مخططاتها غريبة كأنها مصممة للاقتحام والملاحقة.

- لمَ تلاحظ هذا الأشياء؟ لم تهمّك؟

الشوارع الزراعية، مع الجدران والتعمير تبدو للوهلة الأولى كاستصلاح، ثم يمرّ في البال أنها تمهيد للقادم: المعسكر سينقلب مستوطنة، والجيران سيتعايشون. اثناء التعايش أو بعده يصيرون رسل محبة وتقريب لشعوب الأرض الموعودة الكبرى.

- ما أكثر خواطرك!

ذكرتني بوجودها. كنت أخشى من التفكير الداخلي واتكلم بالصوت كيلا أضع نفسي في شبهة، لكني شعرت بالضيق ووجهت تفكيري نحوها دون صوت:

- ولماذا تشغلك خواطري؟

- تأكل شخصك.

- وما الذي لا يأكله؟

- بقي يومان وقليل..

لكن ثمة ما يؤلم ويرهق فلا أملك إلا القبض على جبهتي وصدغيّ، عند توجيه التفكير. وتظلم اللحظة ولا تعود هناك مساحات يصهل الخاطر فيها. إنه مخلوق مخصص لعملية داخلية حيث يركض بحرية كحصان غير مهجن، وليس وسيلة تعبير.

- بقي يومان وقليل..

نعم يا عزيزتي، محتاجٌ للود والأنس ذي الند، غير أن هناك معيق.. فمن أنت؟ أم أن ماهية الأنثى لا تهم طالما توفّرت؟ كل ما يهم أنها أنثى؟؟

تقريبا كذلك، لكن الا يهمكَ الجسد..؟ ومن الأحمق الذي يدّعي هذا؟ الخاطر مهما تعمّق واقترن وهم يحتاج لإثبات. لم تسألين؟ هل أنت قبيحة؟ عرّف الجمال؟ إنه نسبي! لا تتحاذقي، الجمال وظيفة، ولكلٍ جماله. قد تمر أنثى في الطريق فتنسيكَ عقلك كلّه! الذي أنتِ فيه؟. منظومة متراكمة فيها "العقل نهرٌ يتجدد". لماذا لم تردّي الفكرة لأصلها، التداعي تعرفينه: الوعي فنجان..؟؟ افسدَك حسين البرغوثي. لا. كان صادقا فحسب وعبّر عما أحسّ به حين عبثوا به. ظل يطوف بخواطره حول الكعبة مع العراة وتلهى بلغة عبقر وايقاع الصدى. علق في الجاهلية. لكن أهذا عدل؟ أن تعرفي أفكاري ولا أعرف أفكارِك؟

انتصبت بسرعة:

- هل ترغب؟

- سمعت اغنياتك وتأملتها جيدا. خلف النشيد كلّه -وقشور المعرفة- تقف طفلة وحيدة أمام أشجار تنشد الحب. الأب. الرجل. لكن حدثيني عن مقصدك.

- المعرفة وقود لا ينضب، ولا يضبطه حد..

- افصحي.

- له علاقة بالتجريب والمغامرة، الدائمين. وفي الأثناء سترى عوالم كثيرة، لكنك لا تستطيع تغيير شيء، خصوصا بعد أن..

- أن ماذا؟

- أن تشرك.

- ماذا تقصدين؟

- لتعرف أكثر، بلا حدّ، عليك أن تكسر كل محرّم.

- هل هذا ما حصل معك؟ الأجساد والبطارية وكهرباء النفس وامواج التنقل؟؟ لا تهمني المعرفة، بل العلم.

- أنا احدّثك عن العلوم..

- لا أعني علومك. امّها فلسفة وفيلسوفها ابليس.

- كلام طوبرجي!

التكلم بالصوت يتعب أيضا. كان عليّ أن اتخلّص منها. برّدت أعضائي بالماء وتأملت وجهي في المرآة، ودهشت. لقد اكتشفت وسيلة جديدة للتحقق من النفس عند الشك: النظر في المرآة والكلام ومطالعة جلد النفس. كما يحصل مع الأطفال. مفعول الماء جيّد. غمرت رأسي ثانية، ثم أزلت القطرات مبقياً على الرطوبة. عدت واقعيا، فانتهزت الفرصة لأصلّي.

أشركت.. أشركتني في جسدك!

كانت تهمس من حولي مثل صغيرة مشاكسة أخذت تكشف عن لؤمها، فتجاهلتها. تعوّذت وبدأت الصلاة. الجهر في صلوات الليل حكيم، حين تؤكد نفسك من خارجك، بصوتك الملتف في أذنك. الانضباط في الوقوف وعند الركوع، وعند الجلوس أو السجود. تتصور نفسك خاضعا لربك الذي لا يحيط به شيء، فتعود لواقعك.

لمّا سلّمت، عرفت حجم الورطة التي وضعت نفسي فيها.

///

- اتحبني؟

لم أتوقع أن تسأل.

- لا أعلم. كيف للإنسان أن يعلم؟

- يعجب، يشعر، يستلطف، يندهش، يتقرّب، يحركه شيء ويسيطر، يحب!

- بح!

- فكيف تفسّر تفكيرك فيّ؟

- الاحظ. أتساءل. استغرب. أتصور. أهتم. وربما أتعلق.

- تعلق طفل بلعبته حين يسأم منها يكسرها؟

- جائز.

- ... أبوك!

لما سمعت الشتيمة كان عليّ أن أرد. خطر لي أن اضربها ولكني لم أعرف كيف. ثم انبثقت الفكرة المزلزلة: اقتربت بهدوء من الحائط ونطحتُ رأسي. القرين يلتصق بالجسد، ويمكن تعذيبه به ايضاً، لأنه يصير حبساً. لنتعذّب معا! لما صفا المشهد في ناظري وكفّ رأسي عن الدوار، رأيت الغرفة بألوانها العادية، الباهتة، لا الناصعة ذات التوتر. ثم حلّ الصمت طويلا إلى أن قلت أنا:

- ما رأيك؟

- كلب! مجنون!

لم تتعلّم. تعوذتُ وبسملت. هربت الفكرة أو النفس المقترنة. كنت منهكا، فأكلت القليل بسرعة وشربت ونمت. في تلك الليلة حلمت، وكان قد مرّ عليّ وقت من دون أحلام (أو من دون تذكرها).

///

رأيت ندى. قامتها أكثر من المتوسط وهيئتها ممتلئة، أما صدرها فحنون مندفع. كانت تقف خلف القبر، تزيل ما علق من أوراق وتراب. الميّت شهيد أعرفه، ومبهجٌ نحيلٌ صاحب همّة ونكتة، لم يكبر، بينما استمرت هي في العمر أكثر. كان ممدداً في قبره، وندى من فوق تزيل العالق. حين رأتني تبسّم وجهها الصبوح. لم تكن تخجل من اظهار عواطفها وتعلقها لمن في القبر، عكس عادتها التي جعلتها تموّه. اشارت أن اقترب، تعال. أخذت اساعدها في إزالة التراب. لم تفهمني ابدأ ولم تفهم ما الذي اريده. كنت حزمة من الانطباع والعاطفة لا تريد شيئا، تستجيب ولا تفكّر. لكنها الآن مختلفة. ربما لأنها قربه، قرب القبر، ولأنني قرب قربها. قالت لا يعيق بيننا شيء: ستتغلب كثيرا في الدنيا، وستقع على رأسك.

///

حين استيقظت شعرت بالبهجة والحيرة والامتلاء، عكس ما تسببت لي به. لم استرح إلا عندما ماتت. انقطع شيء كان يصل بيننا يكفيه المرور أو الحضور: في المكان أو الخيال. ماذا كانت تقول؟

هتفت البيضاء من خارجي، ادخلني الآن الآن. صوت متحفّز يكوّن صاحبه. إنها غاضبة على شيء من الغيرة. كيف لو علّمت أنني عن بعد عشرات الكيلومترات، كنت اخرج بخيالي واتتبع الشوارع، وأصل حيّها فبيتها، وأمضي حيث تستلقي وتنام لأهمس لها: صباح الخير؟

- ادخلي.

- وما علاقتي أنا؟

تركت الجواب ينساب في تفكيري دون أن أوجهه أو اصيت به: عندما ماتت، ظهرتِ أنت. شيء كان مستحيلا عليّ، أن أستمر به. كان لي أكثر من أم، ولي أخوات، ولي زميلات، ولي صديقات، لكن ليس لي.. الحقيقة: لم يكن هناك أحد البتّة. بمجرد أن لمحتك تؤدين النشيد، بصوتك الذي لا علاقة له بالأداء، ولا الغناء، كصغيرة تتباهى بين الحضور والجميع يدركها ويرعاها، حللت أنت.

- من أول نظرة؟

- دعك من التفاهات.

- لأنني كنت على المسرح، تحت الضوء؟

- ربما. لم التفت لك لحظتها، لكن فيما بعد أخذت أتذكر التفاصيل القليلة. التذكّر حضور، والذاكرة فخ.

- وهي، ندى؟

- ماتت مع تفاصيلها، لكني أحلم بها أحيانا كأنها تأتي لتحيي أو تنبّه. حضورها جميل.

- وحضوري؟

- لا أعرف، ولا اريد أن أعرف. المعرفة تقييم، والتقييم بعد الانتهاء. دورك الآن، حدثيني.

- كان هنالك آخرون.

- طبعا! أعرف. أكملي.

لم افكّر بالكلمات لكن تنبّهي، اسفل الكومة اللغوية ذات النسق/ المعجم في تلافيف الذاكرة العضوية، كان منطلقا من اتجاه ومنصبا في اتجاه ويبثّ مركز المعنى. تعمّدت التفكير في أول كلمة عشوائية تخطر لي، فنظرت إلى الخزانة ورأيت الباب، فظللت اردد، في فكري، "خشب.. خشب.. خشب.. ".

أحست بالمركز، ولم ارد لها الاعتراف أو التصريح، لكن لا بد من المواجهة.

- توقف أرجوك. الصوت مزعج.

لم أتوقف.

- ولماذا يهمّك الأمر؟

عصبيتها عصبية من استقلت عن المحيط، وانفردت في الطريق، ولا تريد لأحد أن يسألها أو يسائلها.

- حسنا. شاهدت صورك الشعرية، وتمعنت في مفاهيم الأغنيات. الحسيّة صدق، وليس كل صدق صحيح. سأسهل عليك: قادتني تجربتي للإدمان على الحضور ذي الغياب.

- وأنا مثلك، لكن على نمط الحياة.. "أمواجك" كانت تزعج الجميع وتتسبب بالمشاكل، لهذا حضرت اليك. ثم..

- أنت في عقلي، تفهمين وتشاهدين وتحسين، فهل يمكنك وصل عقلك بي؟ اريد أن أفهم.

- طلب خطير!

فهمت بسرعة الاحتمال. اذا كان الفهم أو المعرفة لهما ثمن، فأنا لا اريد.

- اعتذر وأسحب الطلب.

ثم تعوذت وسمّيت. كان صوتها وهو يغادر هادئا خاليا من التنغيم. ذهبت إلى الحمام وغمرت رأسي في الماء. كان البخار يتصاعد، ووجهي رغم أنه في المرآة أمامي، يغيب. خشيت من الاستغراق والغرق، فبدأت أؤدي الحركات الرياضية. منذ غادرت التعقل انفلت الطوق، وصرت أغوص في مجاهيل. ثم خرجت اتمشى استعين بالأماكن على نفسي.

 

(5)

- بقي يوم.. لا تضِعه. ادخلني.

لم أذهب إلى الورشة، واتصلت مبلّغا عن الغياب. المأزق أنها حولي اسمعها، ولم أعد اريد لها الدخول. هل يمكنها أن تسمع أفكاري حين لا أدخلها؟

ليس مهما، فالله أعلم بكل شيء.

كنت آكل الخيار على شدّة، لأشوش عليها. اغني أي شيء واتتبع معناه بعد اللفظ. ابتكرت التفكير الصوتي لأرد أفكاري إلى دفينها، تداعيها ولا وعيها، الكومة.

يمكن للمرء أن يحيا هكذا بالكامل، خارجه، ودون عقل، اذا كانت له ذاكرة معتادة: تنهض منذ الصباح فتسرد دعاء. عندما تنام بالمثل. عند الصلاة والأكل والخروج والدخول والتقاء الآخرين والحمام والسأم والفرح.. الخ، وأي شيء يخطر لك، فله -على الأقل- تقريب. القرآن يجلو والسنة تمثّل.

- لا فائدة منك. دمّرتني.

 

(6)

أعاني طوال اليوم لأنني بلا بيئة وفوضوي. اصحو بعد الفجر بوقت، فأقضي الصلاة. أكره الكهرباء والأجهزة الالكترونية والمنزلية. اعتدت على مواضعات الآخرين ولا أمارسها. لا أثق البتة بأحد أو شيء. لا اطمئن ولا اندفع. انتبه للمركبات وحركات الناس. حتى ما يفوت عنّي، أعيد تذكره.

الدماغ أمواج والأمواج تختلط، ومن دون خوذ يمكن التسلل. الكائنات كلّها تستعمل ويمكنهم، بشكل محدود، توجيهها. برج "الاتصالات" المركزي على التلة المقابلة، بجوار المعسكر. والانترنت/ الحاسوب شاشة تبث كل حرف: بالشاشة والارشيف، حتى من دون اتصال. لا استعمل الهاتف، خاصة الذكي، إلا ما ندر. العقل خوارزمية طبيعية يقلدونها بالذكاء الاصطناعي. كل ما هو غيبي يقلّد بالعلم المادي.

صليات الرصاص، من المعسكر أو الأعراس، لا اكترث لها.

في الأعلى أقمار اصطناعية، وبرامج التلفاز مجدولة، وهناك توجيه. الراديو بالمثل. لا اصدّق قريبا ولا قريبة. (السلطة) عاجزة في كل شيء ولتستمر عليها أن تعتمد، فتؤدي ما تتواطأ فيه وتجهل أبعاده. التجمعات والمؤسسات والأجسام، أبواب دوّارة، ولكل منها غطاء وطني. المستشفيات أوكار ومخارج.

النَور لم أنظر لهم أبدا، وظلوا يطوفون حولي وتجاهلتهم. وسمعت قصيدة جديدة لها على الراديو فأغلقته، وعرفت أنها كانت تكذب. من يدري، ربما قلّدوا الصوت. لم أعد أهتم.

الذي أحبه -أو أخاف منه- أحذر من اشراطه واستفزازه.