الجمعة، 2 يناير 2026

مطعم العاصمة الادارية

 مطعم العاصمة الإدارية

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

حبيبي يونس، حين أخبرتك أنني اواجه صعوبة في الحصول على عمل، اتهمتني بالتقصير. استعملت هاتفك للاتصال، وهذا هو صاحب العمل)

الطامعون في المربح السريع والكبير في المدينة، لا ينتسبون إليها. فيها عدد مطاعم ضخم يفوق قدرتها على استيعاب الزبائن بأربعة أضعاف، وكلهم يعتمدون على أن تسود المحبة بين أبناء حام وسام وخام (نسيت اسم الثالث)، ويُفرج العربان عن أكياس فضتهم وذهبهم، ويأتي الأعاجم بصناديق مدخراتهم، إلى مدينة كانت لأربعين سنة خلت، بلدةً، لا أكثر ولا أقل. بل إن السينمات القليلة أغلقت كلّها وأبقوا واحدة منها ذخيرة للمتفشّرين والمطبّعين.

ما سبق ليس بحكم كوني واحداً من الزبائن المعتادين للمطاعم الصغيرة السريعة أو الراقية الفخمة، فأنا لم أدخل مطعما إلا مرّة واحدة في حياتي. كان ذلك حين سلّمتني الأخت الكبيرة أختها الأصغر، لنمضي معاً في طشتنا داخل المدينة.

اسمع عن العزائم وقلت أتدبر واحدة. فلما جلسنا إلى المائدة وتناولنا القائمة الشعبية، لم يخطر لي أن أسألها ماذا تريد، فطلبتُ لنا صحنين ضخمين من المسبّحة والحمص ولم اكن اقترب من بروتينات الحيوانات. نَكَشَت كلا الصحنين برأس اللقمة، رمقتني بنظرة كليوبترا الغامضة، وعنفصت في بدنها وقالت يا مسهّل، إلى خارج المطعم.

لحقتها بعد أن دفعت ثمن الصحنين من دم قلبي، ولم أكن أعرف وقتها كيف استرده من أختها الكبيرة.

وهذا بخصوص المطاعم، ولم أفهم ما فيه من أسرار خفيت عليّ إلى أن سألت طالبة عربية على الانترنت، فقالت أنه كان يتوجب عليّ أن أسألها ماذا تطلب.. فإذا صح إخلالي للاتيكيت، فلا شك أن إخلال ذات اللقمة به أعظم. (وعلى كل حال تخلّصت منها بعد أيام، مستغلاً سردا لها عن منحة جامعية لبلد أوروبي فباركت لها، وهذا هو وجه الضيف).

ثم صادفتني طالبة العلم الأوروبي في الشارع بعد شهور مترعِاً بكأس عاطفية جديدة، لم تترفّع على السندويشات ولا أي شيء أقدّمه. حنّت أو رغبت في الاستئناف فقطعت عليها الطريق مخبرا إياها أنني على وشك خطبة، فسألتني عن العروس. خشيت من حسد الأنوثة وسعي النساء للتخريب، فتحفّظت في جوابها.

أما دخولي المطاعم، فهو إمّا من أجل شراء شيء لغيري، أو للعمل كعامل على المجلى.

== ==

ومن مميزات العمل في مطعم الوجبة والمشرب، وإذا كان العمال محترمين فنسبة من البقشيش. على أنني أكره مسح الطاولات وتنظيف البلاط، واقتصر على المجلى صحونه وطناجره ومقاليه وأكوابه.

وكان لي ان احتجت العمل، وكان أن فتّشت على الإعلانات المجانية، فذهبت.

== ==

صاحب المطعم أربعينيّ يصغرني بأعوام، محسوب على أصعب جهاز أمني، له فتية ذكور وفتاة أوسطهم مراهقة، وزوجته ترافقه، وبسبب من دورها تحققت أنها شاركته في مال المطعم، وتريد المشاركة في الربح والإدارة.

وأنا لا يشغلني هذا ولا ذاك. 

أهدف للخلوة، وفي رأسي دودة تفكير تجعلني أجلي الطناجر الضخمة المحترقة أو المقالي بآلية تهرب من أن يقاطعها أحد. كان قد تراكم لديهم معدن أسبوع من غير تنظيف، فلمّعته، متى عنّ لي أشعلت سيجارة بعد أن افتح النافذة، ومن ناحيتهم كانوا مسرورين يحضرون الشاي والقهوة. وكان لفتاهم الكبير بحث في الجامعة طلبت أمه مني أن أعينه عليه (لعلها كانت تريده جاهزاً له)، فأوضحت للفتى أصول البحث العلمي وكيف يتهرّب منه الأكاديميون ويحوّلونه لهيكل فارغ. 

لقد اختار موضوعاً صعبا وهو عن المصالحة، وله شعبة في الرأي جيدة.

قبلها أو منذها، تنبهت إلى أن العائلة غزية، والوالد هارب. حاورته ليجسّم أمامي أفكاره. طلبت أن يدوّنها، وأن يختار افتراضا، وأن يضع لها مصادر صحافية، ويقوم بالتحقق سلباً أو إيجابا من افتراضه، وذلك قبل الصياغة. 

بينما علّمه المحاضر -الذي يريد نموذجاً سهل التصحيح ومنح العلامة- العكس.

كنت أتوقّع أن ينتهي إلى وجهة نظري، إنما كان عليه أن يخوض العملية وحده كاملة، فالمتبقي عندي هو أن أراجع كتابته، أساعده في التنظيم والفقرات واللغة والتحقق من الإحالات وسلامة الاستنتاج.

لم أكن أخشى من الوالد رغم تجربتي التعيسة مع أمثاله، ففي فراغ من المجلى والزبائن كنت أجالسه نتناقش ويدخن على حسابي!

له اطلاع وباع في تفاصيل.. مثل من يرى الأمور من داخلها، لكن ليس لديه قدرة على التفكير والتحليل. ابن فتحاوي كان في دولة عربية، وعند قيام السلطة كان والده –صاحب الرتبة العالية، وهو الشخصية الحقيقية- من بين الذين عادوا، مع عائلته.

الأب فشخصية وطنية تعلو على الخصام، والابن صاحب خصومات ورفع سلاح، ولما حوصروا بعد انفجار الصبر عليهم اضطر للتهرّب إلى حدود غزة، ومن بعدها جلب عائلته، يكابد متطلبات العاصمة الإدارية الخيالية، بينما بقي الأب شامخاً في غزة لا يتعرّض له أحد، خاصة المنتسبين إلى أطر منافسه.

كنت على بعض اطلاع، فجاهد ليقنعني، مثلا، إن فرق الموت كانت قوات حماية لشخصيات، وأن القسّام مافيات أو لا يختلفون عن الأجنحة الأخرى، من ناحية فرض السلطة والبطش.


وأستغرب من تخصصاته "العسكرية" كدورة في الإنزال الجوي! من أين الطائرة والمجال..؟؟ دورات عسكرية لا سبيل لتحقق لوازمها ولو بعد خمسين عاماً، فكان لي أن استنتجت أنه..

لأؤجل استنتاجاتي.

هي عدة أسابيع جعلتني أركّز على شخصه وكيفية تعامله: لا أعرف رتبته، فرتب هؤلاء ليست حقيقية، ولكنها فوق المتوسط من ناحية الالتحاق قبل العشرين ودون دراسة جامعية. يقدّم الوعود ويبني عليها ويتباهي بمعارفه.

لما تصادموا مع القسّام، ادّعى أنهم كانوا يبطشون بالناس ومنازلهم وخزانات مياههم بينما يقرّ أن قسامياً شخّصه وسمح له بالهرب، من وراء لثامه. نساء معارفه أيقن أنه ميت لا محالة، فدفعنه للاغتسال والصلاة ليقابل الله مسلما في حالة مات، 

وبسبب المناسبة التي هزّت بُنيته لم يترك الصلاة، ولكنه كان عادي الأداء يميل للفرض فقط، منفردا، ولا صلاة جمعة. عقدت له محكمة عسكرية في غزة ورفض الامتثال لها، وصدر عليه حكم بالإعدام، وأنا نفسي سمعته يؤكد إصابة واحدة له.

بعدها حصلت حادثة خطيرة، كان الإعلام الغزّي قد نشر تفاصيلها وكلام الشهود، وبعض الكلام المنسوب له تكرر حرفياً في كلامه معي مما يعني أنها شخصيته، فاقتنعت برواية غزة التي تناولت محاولة اغتيال لشخصية كبيرة تسعى للمصالحة، وفيها انتحال على سلفيّي سيناء. كان في وسع رواية الشاهد أن تنسب إليه أكثر، لكن محدوديتها بالذات دلالة على صدقها.

دخل المطعم لم يكن يبرر نفقاته ولا قلّة الزبائن. عصراً كل يومين تقريباً يحضر شبان أقل/ أكثر من الثلاثين وينفرد بهم مطوّلا، مستغلا أبهة المكان وإيحاء الرتبة، والغموض... ...

بعدما اطلعت على تفاصيل له، انتابني شك فيما إذا كان الإعلان المجاني قد وجّهني نحوه بفعل الهندسة الرقمية أم ما حصل مصادفة، ولكني لم انو الاستمرار أكثر.

الأجرة سيئة فعلا، وساعات العمل طويلة ومرتبكة لا تترك مجالا لنوم منتظم، لكنهما لم يكونا سبب تركي. شغلني عدة ليال وأنا أحلل كلامه على منشوراته في الفيسبوك، وخرجت بنتائجي. وافق على رفع الأجرة وتحديد الساعات، وكنت أعرف أنه يفعل ذلك مضطرا، وبسبب طبيعة شخصيته فسينتقم فيما بعد.. هكذا عالمهم الذي يتلهّون فيه.

أكل عليّ 250 شيكلا، مكذّبا كلاما له دخل أذني من فمه، وهرب من كلام عليه شهود، ومَنّ علي بقطع سمك زائدة لم أطلبها ويكرهها الأولاد ولم تقبل بأكلها حتى القطط. وضعني في تناقضات، ثم فسرّ الأمرين كيفما يحلو له. تجنّبت مشاهدة مطربة كانت تؤدي في سهرتها ببدنها أكثر مما يفعل صوتها، ثم سألني عن رأيي فيها!

كان عليّ أن أجيبه بعمومية (فالصلاة بالكاد نجوت بها بعد فترة طويلة من الاستغراب الجمعي)، وإلا تورّطت في أضابير جهاز المخابرات، فقلت: "لا بأس بها لو كانت تؤدي لوناً مختلفاً.."، ولا أدري كيف فسّرني، ربما كما رغب ابنه الذي لم اكتب له بحثه حين التفت لفخذيها المكشوفين، منتقداً ممتعضاً، متناسياً أن والده هو الذي استأجرها. 

أخيراً نصّحته أن يذهب إلى غزة ويواجه المحكمة العسكرية.. سيأخذون في الاعتبار أنه صراع تنظيمي مسلّح، ولن يعاملونه معاملة خائن، وسيضعونه في بنود المصالحة. لكن كلامه وأفعاله كانا من الوضوح أن غايته في الدنيا هي الانتقام،

فحسب.

ولم يتبق شيء لينتقم منه. 

أبادوا عمران غزة، مئات آلاف شهداء وجرحى، الكل في الخيام جوعاً وبرداً ومرضا؛ وخصومه –كلّهم- انتقلوا للرفيق الأعلى شهداء (لا لبس فيهم). ومثله فقط، الذي اشتد ساعده بالفتوة والزعرنة فشكل فرق الموت، صار الآن فرق مرتزقة عميلة للاحتلال: الجندي 1000 دولار، والضابط 1500.

فعرفت أن إسلامه لم –وقد لا- يحسن.

منذ وقت مررت على المطعم من باب الفضول.. مغلقٌ استحال مقهى ومشاريب ساخنة، لأن هذه هي حال العاصمة الإدارية فعلا: قهوة/ شاي، وأراجيل.

لكن ماذا عن الأجرة المرتفعة، الخيالية، للمكان؟؟

لقد رفعوا أجر رام الله وأسعارها من دون تثمين حقيقي مبنيٍ على طلب وظيفي.

ظل في روعي أن كثيرين في أجهزة الأمن، لا يعدّون سواء من ناحية كميتهم أو تخصصاتهم ودوراتهم، والحال في السياسة ومفاوضاتها ما نعرفه...، إلا من أجل المشاركة ضد شعوب دول بعيدة و/ أو قريبة..


نسر أحمر!

 نسر أحمر!

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


تحدّث مدير العمال الأربعيني باستفاضة وهو يقود السيارة عن اعتقاله الأكبر الأخير الذي استمر لثلاث سنوات ونصف.

قال إنه كان "نسراً أحمر"، مطاردا، يبات في المقابر ويحمل مسدسه دائما معه. الحزب ربّاه وهو لا يعرف شيئا آخر غيره وغير العمل. والآن هو مضطر لإعالة زوجته وأولاده، ولحسن الحظ لديه راتب آخر من "الأمن الوطني"، الطريقة الالتفافية ليأخذ بدلاً عن فترة اعتقاله. ما دام قد بادر بالكلام إليه، فهو الآن ينتظر استجابة.

تعمّد إسناد راحته فوق فتحة مكيف الهواء أمامه جانبياً، واتقاء عينيه بمتابعة الطريق، ليمرّر كلماته العادية وراء خوفه في انزعاجه من المطبات، مهوّنا محرّفا فهمه:

- فقط سجنت عدة شهور، ولا تنطبق عليّ شروط راتب الأسير. التزمت رفيقا وانتهى الأمر.

لا جديد في المعلومة، فهي لدى اليهود ناهيك عن المعارف. حاول مدير العمال أن يستفسر في المصنع عنهم، مع كيك أحضره وعصير في الاستراحة، فتذرع بالنسيان وأنه كان مراهقا تحت السن القانوني.

كان يعود به من مصنع البلاستيك ويوصله لبيته "ما دام في طريقه". السيّارة صغيرة قديمة تُستعمل لنقل البضائع القليلة ذات الطلبيات القريبة، في المدينة. النقطتان الجوهريتان في كلامه، أنه "أمن وطني"، وأن "النسر الأحمر"، عضوية ونشاطا وتدربا وحملا للسلاح إذا لم يستعمله محققا إصابة، تقتضي حتى 10 سنوات سجنا. وما من رفيق حقاً يقبل أن يُسجّل في لوائح جهاز أمني، حتى لو مات من الجوع.

غالباً هو كاذب.

لمّا وصل الحارة القديمة، وبيته، وهي المرة الأولى التي يوصله، كان لزاما عليه أن يبدي ترحابه فيدعوه لشرب فنجان قهوة، فالأدب يلزمه بهذا، طالما أوصله بسيارته.

شكره الآخر على الدعوة وجامل بـ "سعادته وعدم وجود مشقة وأنه في طريقه".

تعمد دخول بوابة البيت أمامه، بل واقترب من باب البيت بعد الساحة وتظاهر بفتح الباب وسيارة الآخر تمضي ببطء. لكنه لما تحقق من ابتعاده، انتظر بعض الوقت لينتقل إلى مخبئه الحقيقي البعيد ثلث ساعة، تسللا من الحواكير.

== ==

كان قد مضى عام على انتهاء عمله في المصنع، بفعل تضييق وجده هناك وفي غيره، بعدما لم يفلح التودد في أخذ معلومة منه أو اجتذابه.

ضيّع خلفه ثلاثة مراقبين متابعين مشاة بهواتفهم، وتجاوز الاطلاع الآني الحيّ عبر كاميرات الشوارع بأن ولج مباني خاصة تحتاج ساعات لتفرّغ حواسيبها من صور المراقبة، وانتقل من سطح مبنى إلى آخر، ثم تسلل من ثلاثة شوارع عبر حواكير ومداخل يحفظها.

على مطلع الشارع العلوي أحس بسيّارة مسرعة تلاحقه تأتي من خلف المنحنى مباشرة، فما كان منه إلا أن أخرج قلمه ودفتره الصغير وتوقف في منتصف الشارع ليوقف السيارة ويأخذ أرقام لوحتها، ففي هذه الحالة يصير لديه دليل، وإمكانية شكوى.

المفاجأة أن "النسر الأحمر" كان سائقها وهي سيارة خاصة لا يمتلك مثلها، فلا بد أنه كان مكلّفا أيضاً. سجّل الرقم فشعر الآخر بالخطر، فنزل وأمسك به –لا تهذيب ولا استفسار ولا رفاقية- من كتفيه وطلب الشرطة تواً من هاتفه.

انتبه أنه لم يكن هنالك مبرر.

كتب له على الدفتر جملة خطرة، فرد النسر بشتائم ضد بعضهم، الذي كان يتغنّى بهم في الأمس، فغافلة ومضغ الورقة وبلعها.

لما حضرت دورية الشرطة روى ما فعله وقال عنه إنه مجنون.. اتّصل الشرطي السائق بضابطه المسؤول. والمفاجأة، بعد نقل الاسم ورقم الهوية، هو تركه يذهب.

ففهم عندها أن السلطة/ الشرطة، خسرت جولة إضافية..  وليس أخطر من واشٍ، رفيق سابق.

12-2025


نسختها في يافا

نسختها في يافا

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

حين كنا في الروضة، أنا وميسون، كنا نتشاجر كثيراً حول المقصود بكلام المِس، معلمة الفنون، ونحن نصغي ونشتغل على الديسك.

هي تفهمها بطريقة وأنا أفهمها بطريقة أخرى. هي تدقق في الحرفية والشكل، وكنت أرى الغاية والقصد. فإذا أعطتنا المِس اوريت، العانس الأوكرانية القادمة حديثا، عجينة الملتينة لنصنع منها مجسّم بقرة، كانت ميسون تحرص على تفاصيل الأذنين والذيل والأطراف فتبرزهما بدقة مليئة بمزاجها الخاص في  النسبة والتناسب فلا يخلو الأمر من تشويه كان طريفاً يدفعني للضحك منها، بينما كنت اهتم بالقوة والإنجاب وتناسب الحجم مع الشكل.

ذات مرّة عجنت ميسون أطرافاً لحمار وحشي كانت رفيعة أكثر مما يحتمل البدن، فاعوجت السيقان أسفل البطن، وطبعا لا الذيل ولا الأذن ثبتا مكانهما.

بينما كانت تلكزني باستمرار أنني دفش يهمني الحجم والبشاعة المتعمّدة، نظرا لاعتقادي حول الوظيفة، فعندي "الزرافة عبارة عن رافعة خشبية مع عنق نعامة ورأس ديك"، ثم تخرج لسانها وتلوي بوزها، وتذهب لتتهامس مع صاحباتها في مخزن الفنون، عليّ!

كبرنا وكبر خلافنا معنا إلى أن وصلنا كلية الفنون الجميلة. اهتممت أنا بالفسيفساء والزخرفة والخط، واهتمت هي بالتشكيل والأداء ثلاثي الأبعاد، في عالم الـ 3D.

آخر العهد بزمالتنا الطويلة أن تشاجرنا شجاراً فظيعا شهدت عليه الجامعة، عربا وعجما، واستمرت تتلو تفاصيله لأسابيع وأشهر، مما جعلها وجعلني في حالة عداء مستمرة تجاوزت، في المجمل، عشرين عاما.

 

منذها، كل ما يؤذيني منها أزخرفه وانحو به في "ألحان" الخط أو قطع الفسيفساء، وتظل مكانها في أماكنها الفعلية عند أصحابها، بعد أن التقط لها صوراً وأعرضها على موقعي.

لم أكن أؤذيها فعلا، إنما أردت أن أنهى العداء هذا لأتمكن من مواصلة حياتي، وبحثت عن مناسبة لنتصافى.

لهذا فكانت زخرفاتي إطراء لها مع الملاحظة، فكانت تستفز أكثر لما يصلها هذا من زميل أو زميلة من معارفها، ما يدفعها لمجسمات كاريكاتيرية مضادة تتناول دائما شخصي وشكلي. ويعود الزميل أو الزميلة بوجه خائب يحسب نفسه بذل إصلاحا (لم اطلبه منه)، فإذا به متحامل عليّ منحاز لها، يحسب أنني اقترفت شنيعة بحقها.

وكيلا أتورّط أنا، فقد بقيت صامتا لا انبس بحرف أنشغل بنفسي واهتمامي فقط لا أتطرق إليها ولا أكلم أحدا عنها، غير عالم إذا ما كانت تعبأ بزخرفاتي أصلا أم لا، وهذا الأمر الأول الذي كان يهمني.

وبدأت مجسّماتها تنضج وتتطور وبدأت أحسّ بوجود رموز فيها، تتخلل السرعة في العرض والألوان وتعدد الزوايا.

آخر مجسمين كانا على الشكل التالي:

الأول: يشبهني وأنا أرصف أو أرمم أرضية مسجد، لكن الوجه أكثر يناعة وفتوة بعقدٍ منّي ويلوّن أرضية حانة، إلى جانبه أنثى صاحبة شقراء الشعر.

سرعان ما بريت براعتي ورددت عليها بفسيفساء معلّقة تبرعت بها لمجلس البلدية أصوّرها بخطوطها الدقيقة وأحدهم -بخطوط أخرى- يملي على ظلها ماذا يفعل، وما أكثرهم! (عرضت صورة فوتوغرافية على موقعي).

الحمدلله أنني انزويت جانبا، فلقد نبت لها معارف -من كل اللغات- يروّجون مجسّماتها بتقارير تتكرر كثيرا في الأخبار والقليل منها فيه إتقان، ويثرثرون بكلام لا تخصص فيه. كيف لا وهي أنثى بلبل في العبرية والانجليزية!!

مجسمها لم يصمد، فلقد قرأت في نشرة المجلة المختصة أنها تراجعت عن عرضه وطلبته من مدير معرض لتتلفه. ومن ناحيتي حشرت نفسي بين من اطمئن لهم في الزخرفة والخط وتباديل الأشكال الهندسية، ولو بقلّة في العرض والإصدار، كيلا نتواجه في مكان أو تخصص مشترك.

الثاني: يشبهني كثيراً من حيث الملامح إنما بصورة مضادة. مثل الأول، لكن مع مساحات لقاعات متاحف مفترضة وميادين موسيقية عامة، ووجوه كثيرة كخلفية مشاهدين. يا الهي كم تفتنها الشهرة وتشغلها، ولو كانت صناعية كاذبة!

لم يكن في استطاعتي البوح لأحد ولا حتى لنفسي، أنها تبادلني اهتمامي بقوة ليست أقل. فقط اختارت نسختها الخاصة منّي.

كلانا من قرى عكا، ولكن...

فقررت عدم الرد، ما دمت عرفت الجواب الأهم للسؤال الثاني الذي شغلني منذ الروضة: هل أؤثر فيها أم لا؟

على أني نسيت الأولوية: هل كان يحق لي أن أؤثر في أحد، أنثى تحديدا، ما دمت لا انتوي نية الرجل الشرعية نحو المرأة؟

مضت ثلاثون سنة وقليل، والثلاثون عاما المتبقية، بحسب حديث متوسط العمر، الأجدر أن تكون نزيهة ومرتاحة البال خاصة في عكا المشغولة المرهقة جداً، بعكس يافا المبتلعة، حيث صارت تقيم هي، وباسمها الفنّي مايس.