الخميس، 26 يناير 2023

شيء كبير

 شيء كبير

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


لوعة عميقة ولهفة عطشى وهيام وانشطار وتخبّط وحنين للمعنى الذي دمج المعاني كلها في شخص فتاة تنتظر في مكان ما قرب الشاطئ. وإنه لبعيد غريب مدهوش في بيت من غرفتين فقير.

لم يفهم من الأمواج التي تضرب عينيه والذبذبات المحيطة بمساحة بصره وذلك الضغط، كالطنين، على الأذنين، شيئا. وإنه ليدور في الغرفة التي يتسلل الضوء الخفيف إليها من الصالون المجاور، يحاول أن يحل لغز الألغاز في رأسه بلا طائل. ثمة شيء يجول في عقله كنواة صغيرة من ضوء، وهي ترتّب عنه، وله، الأفكار، بحيث ينقاد لها آليا. كان تنفس زوجته على السرير عجيبا، ما بين متقطع ومستغرق كأنه تشهد -وتنكر- ما سيحدث الذي تعرفه وتنفيه، لكن سلوكها يقول: اذهب. وكان الطفل ذا السنوات نائما على جهة السرير السفلى قد التصق بهما راغبا في المبيت معهما فلم يستطيعا دفعه. وإنه لينام على جانبه يتثنى جسمه كتمثال صغير. وفجأة انبعثت ذراعه ويده هو النائم في حركة استقرت في قبضة مضمومة وشاهد مؤشر، نحو الغرب، في معنى موجّه أن اذهب، هناك بحر المودّة في الانتظار. كان هنالك شيء كبير يحرّك الكل: النائمة وهو المذهول والطفل.

وتدافع إلى الصالون في تخبّط لأنه ليس واثقا من سماعه لصوت. الأصوات لها أكثر من مصدر، داخله وخارجه. ازاح النافذة جانبا، ومن وراء القضبان رأى وجه قريبته المجنون الأشعث من دون أسنان في الفم، يقول، هكذا، دون اتصال أو مقدمات أو أي تمهيد، ما بين التقرير والتحذير:

- تسليم.

ثم مضى الوجه في غرائبية يحسّ بها ولا يمكنه التعبير عنها. الشيء الكبير يحرّكها أيضاً.

تخابط في الصالون عاجزاً عن الفهم أو اتخاذ قرار. ماذا سيفعل؟ بلغ منه التوق والشوق والتعشق أن لم يعد يصلح لشيء البتة فانتهت حياته. وهناك من تنتظره بتوق مشابه في مكان ما على الشاطئ، مدينة أو قرية أو حي، لكنها ليست عربية. بلى هي من العرب لكن رحلتها قادتها لأدغال الاغتراب والتمزّق والحداثة، فلم تعد تنتمي لشيء سوى ما تشعر به.

البيت يمور بخفاء داخل المكان الساكن، كطنجرة الضغط محكمة الاغلاق على النار. والكل يقول له: اذهب.

إلى أين؟ كيف؟ لماذا؟ متى؟ ما مِن إجابات. ومع ذلك يحرّك صدّره حنين مبهم يعي أكثر مما يعيه عقله. فيستجيب ويفتح الباب بخفة وتضربه أولى النسمات الآتية من الشاطئ. ويمشي بخطوات ثابتة إلى البوابة. خلف السور القصير المتصل بالبوابة المعدنية، كانت هناك سيّارة شرطة لامعة الأضواء تنتظر.

هل هي التي ستنقله؟

ولأنه فهم -دون فهم- دور الجميع وتحريك ذلك الشيء الخفي للكل، لم يستطع استيعاب دور الشرطة المحلّية. ثم تذكّر كلمة قريبته المجنونة، التي ربما هي ليست مجنونة:

- تسليم.

فأقفل عائدا لبيته.

المسؤول

 المسؤول

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

عندما شعر (المسؤول) بالخطر وظن أن الاعتقال قريب، صار ينام على سطح البيت ليتمكن من التنبّه في الوقت المناسب للمداهمة والهرب. ولأن حياة المطاردة أو التهيؤ لها تحتمل خطرا على الحياة عند المواجهة أو التهرّب، فقد انتابه الخوف الشديد، وأخذ يصلي بخشوع وتضرّع وتاب توبة عظيمة. 

رفيقه الذي كان ينتظر بفارغ الصبر "القرار"، عرف أن التنظيم الصغير المعارض مجرد شلّة منتفعة وادعاءات نضالية من دون رغبة بفعل شيء، وأن الأعضاء يقبضون من احدى دول المنطقة و"يتمنعون" بانتظار العودة والمناصب، وهو ما حصل فعلا بعد قليل للمسؤولين عند انشاء السلطة (اندمجوا في المؤسسات، وأحدهم تبيّن أنه كان مخبرا منذ القدم عندما توظّف مسؤولا أمنيا رفيعاً!) فقدّم استقالته بعد شهور من الانتظار، والتي أخرجتهم من المأزق، وابتعد.

مرّت الأيام والأسابيع ولم يحصل شيء.

عرف المسؤول الجنرال المفتقد للعناصر، أن ظنونه ليست في محلّها، فعاد إلى سابق عهده تاركا الصلاة: القصف والمرح وزجاجات البيرة في الكافتيريات والنوادي وصخب الندامى وثرثرات النضال وتسالي الثقافة، إلى جانب مواعدة حبيبته.

لم يعودوا يلتقون، لكن كلما فكّر في المسؤول أو لمحه رغب في البصق عليه.