السبت، 27 ديسمبر 2025

سلّم على الشباب

 سلّم على الشباب

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


يعرفه ولا يعرفه.

جمعهما قبل أقل من أربعين عاماً دربٌ كان الميل فيه واضحاً للعامّة، في الشوارع، والخاصة، على حدٍ سواء. لم يكن من أصدقائه ولا مقرّباً له، ولكن هكذا كانا يعرفان بعضهما بحكم الأجواء، ولا خفاء أنهما كانا زملاء يتلاقيان في النادي ذاته (وكانت النوادي مقسّمة بين الأطر)، وربما تنافسا على طاولة التنس ذاتها، أو اختنقا بغاز المظاهرة ذات المناسبة الحصرية، نفسها.

مع مضي السنوات والشهور، واعتقال من هنا وإصابة من هناك وشهيد في مظن ثالث، تراكمت المعرفة عنهم لدى غيرهم.

عقيل أبو فرح، بعدما تكشفت أسرار في اعتقالات وتحقيقات ومحاكمات، كان من مجموعة حسني الذي استشهد. وعكس المألوف، فقد كانت خليتهما مكونة من أربعة أفراد لا اثنين أو ثلاثة. أمضى المعتقلون مددهم التي حوكموا بها، وتفرّقوا بعدها.. غالبا استأنفوا نضالهم بعض الوقت، لكن أتى من السياسة الرسمية ما أوقف النشاط وغيّر الأحوال عندما وقعوا اتفاقا، افتتح مرحلة جديدة.

حسني استشهد. حنّون سافر لعلاج إصابته وتزوج من فلسطينية في الجالية الأوروبية وبقي هناك. أما مطاوع، فقد انتهى به المطاف عاملا في شركة مقاولات كُبرى، على حنين.

وبالنسبة له، هو الذي يعرفه أو لا يعرفه، محمد، فقد صار مثل حادي القافلة الذي يشغف بالخطوات القديمة والحالية ويتتبع المفارقات.

== ==

استجد لعقيل أبو فرح أمر على مشارف الخمسين. ارتدى الثوب الدشداشة بقلنسوة وقصّر السروال وأكرم لحيته وامسك بسبحة لم يكن لديه وقت قبيل وبعيد الصلاة ليستعملها، ناهيك عن أن السُنة أن تسبح بأصابعك.. لم يكن محمد قد صادفه من قبل في المسجد هو المصلي منذ زمن لم يعد يتذكّره ولكنه كان ليلمح أبو فرح. الزي إعلان حاد نظرا للاعتقادات اليسارية القديمة وسيرة فيها بعض تفلّت، بالرغم من النضالية المشهود لها. لم يحاول أن يحتكّ به عند وصوله صحن المسجد وعند خروجه، أو يسأله شيئاً بانتظار أن يتعرف إليه هو، والغريب أن هذا لم يحدث معه بالذات، فلطالما التقت عيون المصلين.

فهم من حديث جانبي بين رجلين في الساحة أن أبو فرح يسكن المنطقة نفسها، وأنه رب أسرة وموظّف. لم يحاول أن يسأل عنه كيلا يلفت الانتباه. إن نهضت الأمور من تلقاء نفسها فكان بها، وألا فلتذهب لغايتها الاعتيادية. إنه واثق من أنه لم يطلب العلم ولا حصّل حفظ الكتاب ومتون السنة. في زيه تكلّف لا يسلكه أئمة مشهود لهم ولا خطباء جمعة. لا يسلكه إلا مَن فرّغ قلبه من كل الدنيا، وجعل صلاة الجماعة غايته.

والحقيقة أن شكوكاً راودته حول اختيار عقيل أبو فرح للمسجد، وكتمها في نفسه. لا يلتزم بالزي تحديداً إلا ملتزم كامل ودائم، بينما بالكاد حضر منذ شهور وأسابيع لصلاة الفجر في المسجد. ولم يتعرّف عليه عكس آخرين رفاق قدامى صوّبوا الارتكاز وأكملوا المسيرة. الثابت فيهم لا يخجل مما صار عليه، ولكنه لا يتشدد في الشكل، لأن الطريق طويل والعدّة كثيرة. لم يرغب في التعرّف عليه وتجاهله، وهذا يعني موقفاً مرتبكاً وخجلاً وتصلّب البدايات. إنّه وحيد أو متوحّد. الوقت فقط سيحسم ما هو عليه فعلاً. فإن واصل وحدته في بيت الله مطوّلاً، فلعل ابتلاءً دنيويا أصابه، وهو يصلي يبتغي أولا التماسك. ومع هذا الاحتمال، فإن المنطق على جريانه يقتضي أن يخرج من وحدته متى وجد له أخوة في الإيمان والثبات على الابتلاء. يأتي في الوقت ولا يبكر، لا يصلي إلا صلاة سائر الناس، يحضر ويغيب. تسبيح قصير جدا لا تلزم معه سبحة، ولا ذكر أو تلاوة أو تنفّل.

كل شيء سليم إلا الزيّ.

وإنما لهذا كتمها في نفسه وأبقى التجاهل قائما، لأن الاحتمال قويّ في أنه يريد منح انطباع عن نفسه، تمهيداً لما قد يستجد بعده.

من ناحيته، محمد، فكل شيء فيه عادي. لا يلزم نفسه أكثر بالمستطاع. بل إنه يتعمد إبقاء ذقنه حليقة طالما هو يدخن ولا يحفظ من القرآن إلا قصيره، من أجل الصلاة.

== ==

وكان لمحمد أن يلتقي بمطاوع وهي يبحث في كبائن شركات المقاولات عن عمل. تعرّف إليه مطاوع واستفسر عن الأخبار، وبعد أن أجابه بقلة الأعمال وأن العمّال يسرّحون من أشغالهم نظراً للضائقة المستفحلة على الجميع، أحسّ بجرأة مناسبة ليسأله عن عقيل. ليس غريباً أن يسأل، فللماضي المشترك مبرراته.

أكّد له مكان السكن وزواجه ورزقه لبنات إضافة إلى وظيفته الثابتة في مؤسسة. أما مطاوع فقد فهمه بطريقة مختلفة، فيها نبرٌ وإيماءة، عندما ودّعه:

- سلّم على الشباب..

لا شيء عنه معروف ليفسّر "الشباب" تفسيراً مختلفاً، وهذا يعني أن طوارئ أبو فرح، وهو يتابعه اجتماعيا، ليست حقيقية، وأن هناك ما هو منتشر عنه..

لقد اجتمعا مرّة وتبادلا الأخبار العائلية والاجتماعية، فإذا به يسأل محمداً عن شخص زوجته، متحققاً: التي كانت شقراء؟ ليس المهم سبب السؤال ولا خلفيته، إنما صيغته، فما من مسلم يتجرأ ويسأل رجلا منتبها للون شعر زوجته.

حنين مطاوع كاذب، وهو لا يهتم إلا بمغريات الدنيا ونضالها كان فترة منتهية، وطالما معرفته متصلة بأبو فرح، فالأخير على مذهب صاحبه.

وفهم محمد ما فهمه من المداومة الحديثة على صلاة الفجر والزيّ والتكلّف والسبحة، فقرر أن يتجاهل عقيل أبو فرح، حتى لو تعرّف الآخر إليه. مسلكه مع مظهره الموجّه ليس إلا انطباعاً يقع فيهما الغرّير فقط... ما أصعب الدنيا على المؤمن والذي قيل عنه: أنت الجماعة ولو كنت وحدك..


بسطات وندوات

 بسطات وندوة

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


التقيت به في شارع الكتب، بسطات الكتب على القرميد المبلّط في الساحة. كنت أتفرّج لا نية لي بالشراء. أقرأ الخلاصات من أغلفة الكتب داخل البلاستيك الشفاف واكتفي بها. وصلت إلى مرحلة أقدر معها على توليد التفاصيل ومبنى الكتاب، غالبية الكتب، من خلاصتها. أعرف الموضوع وزاوية النظر واستكمل من عندي. إذا اهتممت بشكل خاص وكان متاحاً تصفّحت الفهرس والمراجع. وقد -بعد ذلك- أحاول الحصول عليه مجاناً من الانترنت.

الأكاديميا لا أحبها، هراء للمتعلّمين والباحثين عن الشهادات والسيرة المتصنّعة لأناس يجترّون دون قدرة على الابتكار.

الأدب فيه إسهال شديد، والفنون قليل منها يسترعي انتباهي.

أما العلوم والابتكارات فهذه أتابع مبادئها فقط، لا قدرة لي على التخصص فيها. الدين أعرف خريطتي جيداً بين المذاهب والطوائف والاتجاهات خاصة السياسية. لطالما تمكّنت بالمنطق وحده من الوصول للتأصيل الشرعي وأنا لا أحفظ الكتاب والسنة. كان لي أصحاب نتناقش معا، أنا معالجة منطقية، وهم معالجة فقهية، ومؤخراً صار لدي من أشجعه على المعالجة الفلسفية كتصور إسلامي وليس فلسفة مستقلة.

== ==

أتيت إلى البسطة الأكبر. أسعارها المطبوعة الملصقة تجارية بحسب العرض والطلب والتسويق الإعلامي السطحي. ليس لدينا بيع للكتب المستعملة الحقيقية. في الدول الأخرى تكون من أمهات الكتاب، أما عندنا فقد تنتهي لحاوية النفايات. كان قبلي متفرجون وأتى بعدي. من الواضح أن سوق الكتاب ميّت وأن الباعة "يتلصصون" على أحوال المهتمين بالكتاب. جلّهم وقائي ومخابرات وذلك لسبب بسيط: لا أحد يقف طوال اليوم من أجل 20 شيكلا من الأرباح (في حالة حقق مبيعات!). لا تغطي مواصلات ولا أجرة سكن، غير الأكل والشرب والسجائر. 

والكتاب، خاصة التعليمي للجامعات، متوفر في أماكن أخرى بشكل اقتصادي.

إلى جانبي انتبهت إلى رجل كان يتأفف من عرض الكتب بلا نظام ولا تصنيف. له هيئة ساق شجرة الليمون الذي يرتدي معطفا وسروالا، كما الفزّاعة. وجهه، لما استدار إليّ يحاول كسب اهتمامي وربما تأييدي، في حواره ضد البائع، نحيف بذقنٍ قصيرةٍ إبريةِ الشعيرات وجلدٍ متجعدٍ وشعرٍ قصير. عرفته. لم يتغير منذ ثلاثين سنة وأكثر. 

آخر مرة جلسنا معا في المقصف قال لي:

- إنهم مافيات كاملة. ولو كانوا محسوبين على الكتّاب والمثقفين!

"المافيات" هذه سأتحقق منها طوال عشرين سنة، كما يحدث عند اختلاط السياسة الرديئة بالأمن الوهمي المزدوج والاقتصاد المتوحّش. سأكتشف، بعينٍ مدهوشةٍ مرعوبةٍ، صلات عجيبة بين الكتّاب وكل بؤرة مضروبة في العالم: مكافحة إرهاب، جرائم وجنايات، احتيال مالي، هدر في الدوائر، محسوبيات في الصحافة والتوظيف والصدى، مؤسسات خاصة هي أوكار لما لا يصدقه عقل ولا يخطر على قلب إنسان عادي.

وهو، آدم، كان مزاجيا استثنائيا انتقائيا. حقق انجازات أدبية وثقافية، حاضَرَ بعض الوقت في الجامعات رافضا طقوسهم وبروتوكلاتهم، ناقض حتى المقررات بحصص جانبية.

كنت أسمع عنه وأنا أنشأ، وقرأت له، فانطبعت في عقلي صورة جلّها احترام، ولا أدري كيف ومتى تغافلت عنه وعن أخباره، أم انقطع عن المشاركة والحضور كما انقطعت أنا.

أظن أنه شارك في بيان جماعي من عدة أشخاص، ثم انعزل عن كل شيء، منشغلاً بحياته.

- حضرتك د. آدم؟

- ما في داعي للدكترة والأستذة.

- أكيد لا تعرفني. قرأت لك قبل العشرين من عمري عدة كتب. والتقينا فقط مرة واحدة.

- وجهك أتذكره، لكن يغيب اسمك عني.

ذكّرته باسمي. جامل وهز رأسه وتبسّم كأنه تذكّرني، لكن الحقيقة لم يخطر له اسمي أبدا.

- كم عمرك؟

تنبّهت وأنا أجيب إلى أن هيئته أصغر من عمره، ولم استغرب قوله لي:

- هَرِمتَ بسرعة.

تركني وأخذ يبحث عن كتب بعينها. من تصنيفات علمية ونقدية وسياسية. تخصصه ثقافي في شهادة الدكتوراه فاستغربت بحثه. كان يدفع ثمناً مرتفعاً لقاء الكتاب الواحد، فنبّهته إلى استطاعته الحصول عليها بأثمان ارخص، من أماكن أخرى.

ردّ أنه يريد نسخة أصلية مع فاتورة رسمية.

لم أفهم مقصده، فانتحى لي جانبا.

- هذه كتب لا تعرضها المعارض مع أنها صادرة عن دور نشر حقيقية. فهي تعرف أن المواضيع منتحلة ومسروقة من كتّاب مهمّشين أو يتم التهميش عليهم ومحاصرتهم والتجسس على مخطوطاتهم وأنشطتهم. وقعت بنفسي ضحية موضوع كهذا.

- كيف ستثبت الانتحال والسرقة قانونيا؟

دفع بورقة نقدية كبيرة مقابل 5 كتب وتناول الكيس الأبيض البلاستيكي المتين. قطع له البائع الوصولات وعلى كل واحد اسم الكتاب ودار النشر والعام والمكان. جذبني من كتفي وتمشينا خارجين من الساحة المبلطة بالقرميد، نحو شوارع السوق والمحلات الشعبية.

- في زمننا الرقمي المهندس تقنيا من الهاتف للحاسوب للجي بي أس والكاميرات، من الصعب إثبات شيء قانونيا، إلا أن يأتي من المصدر. غرضي شيء آخر.

- وحقوقك؟

- هناك أهم منها. لديّ ندوة خاصة أسبوعين، بشرط المشاركة التلقائية الآنية، وعدم استعمال أي جهاز من أي نوع داخل المكان.

تذكّرت البيان الأخير الذي وقّع عليه وقامت الدنيا على رأسه هو وجماعته ولم تقعد، وخشيت أن تكون له علاقة بالتنظيمات أو شيء يؤدي للتضييق والحبس، فأكثر.

أعربت له عن خشيتي بكلمات وترادفات وتفصيلات جانبية. 

فهم جوابي، فقال بحزم:

- العمل السياسي في فلسطين الآن لأصحاب الصفات والانتخابات والتنظيمات، وقريبا لن يكون مسموحا إلا لتعيينات تحت السيطرة أو الاقتراع المسيطر على مساره. لن نفعل شيئاً بوصفنا جماعة تلتقي في ندوة، بل بصفتنا أفرادا نتبادل الأفكار، وكل شخص يترجمها حسب مجاله واهتمامه وقدرته وبيئته الفردية. لا وجود لهيكليات ومهام وواجبات وميزانيات.

أخذت انظر في وجهه وأتفحص هيئته. بذلة عمرها ستة أعوام على الأقل ذات اهتراء في أماكن الاحتكاك والغسل المتكرر. أسنانه تحتاج إلى تبييض وأغلب ظنّي أنه لا يمتلك ثمن ذلك. حذاء مصبوغ بكثرة لا يزال صالحا معها للارتداء. سألته عن عمله، فإذا به بعد المحاضرة في الجامعات يمتلك قسماً من محل لبيع الخضراوات، "وسرّا"، كما طلب مني أن أحفظ. شرح لي أن كل جوانب الحياة كلما تقدّمت التقنيات يتم استعمالها للإخضاع ولا خيار من الرد عليها باستقلالية كل فرد. ثم قال:

- أترى هذه الكتب؟؟

- ما بها؟

- هي ومثلها الكثير حصيلة تجسس علينا وتحوير للأهداف، نحن أصحاب الندوة المحلية الصغيرة وهذه دور نشر مدعومة أوروبياً. لن نستطيع الملاحقة قانونيا، لكننا سنثق بتأثيرنا الشديد ضد من يتجسس علينا، والمراكز التي تصدر الكتب، ولهذا اشتريتها مع وصولات وعلى حسابي. عندما يتحققون من قوة أفكارنا واضطرارهم لتعطيلها، سيثقون بأنفسهم أكثر.

ثم أضاف بفرحٍ بدا لي أن وجهه ازداد عرضاً معه:

- وعندها سننتقل للمرحلة الميدانية الثانية!


السبت، 20 ديسمبر 2025

روحية

روحية

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

(1)

من الصعب الجزم ما هو، أبو محمود. تجاوز الستينيات، عامل قدم من غزة، وتعرّف في مخيم على امرأة، صباح، وتزوجها على زوجته. كان لا يستطيع العودة أو لا يريد، مع أنها لم تكن تتعرض لقصف أو شيء. أبناؤه في طوله متفرقون بين أعمالهم ودراستهم يتدبرون أنفسهم، حول أمهم. في مدينته الجديدة، من الصعب أن يّطلع أحد على صلته بزوجته الأولى لأنه لا يتكلّم على الهاتف سوى بالمألوف، ولكنه تركها مع أولاده.. لم يكن لديه عمل مستقر ويتنقل بين المتيسّر لرجل في عمره: بستنة هنا، وتنظيف هناك، ومقاولة صغيرة إذا ما أتيحت.. أي شيء. إذا تحصّل على مبلغ يستحق، قام بتحويله. أغلب الظن أنه امتلك حريته على كبر، ولكن شيئاً حدث معه أجبره على ترك غزة، وطبعا بالتصريح.

ينتابه غموض لمن يتنبّه. ملابس عادية وبنطال مع معطف يرافقه تقريبا طوال العام، وعلى رأسه طاقية من صوف، وملامح مقدودة من مكابدة، ولا يخلو وجهه من انبساط مع الغرباء، مجاملة بوجهه الحليق.

إنه عصبة من إيمان ذي قدر، يخوض بين الناس بتسليم العارف أنه مهما تدافع فلن يفلت مما كُتب عليه. يعرف القراءة فقد خاض صفوفا إعدادية، غير أن النظر لا يسعفه، لهذا يكتفي بما يصل مسمعه من تلاوات إذا ما ولج مسجدا ليستريح فيه أو يصلي. وليس مواظبا على الصلاة ولكنه مؤمن بمغفرة الخالق.

ولا يمكنه أن يتذكّر كيف قادته خطواته للتعرف إلى التي ستصير زوجته التالية. هل كان يسعى لمقاول وعرض عليه -تسهيلا وتخفيفا للتكلفة- أن يبات في غرفة مسقوفة بزينكو إلى جواره، في المخيم الصغير المحتشد الذي لا يختلف عن مخيمات غزة؟

هل كان يبحث عن غرفة مفردة أو فيها من يسكنها ليشاركه؟

لكنها، هكذا، نمت المرأة في وجهه داخل الزقاق ببساطة وثبات. ولأنه غريب فقد ألف المودة الطفيفة التي لا تفارق المجاملة.

ولئن كانت من مخيم، فهي تعود لمدينة أكثر راحة وأوسع تنقلا ويسرا.

مضى لأعمال المقاولة مع رجل يصغره غير أنه يتمتع بالصلات والمعارف، فكان لأسابيع، عند عودته بعد العصر، يواجهها. والاهتمام يجمع تفاصيلها ببطء. إنها مطلقة مرتين ومن دون أولاد، ليس لها إلا قريب بعيد. تجاوزت الأربعين بقليل، فلم تحتج التقديم والتلويح ولفت الانتباه. التقط رغبتها الواضحة وكانت تريد الزواج. وفهم أنها تعتاش من شراكة في بقالة وذلك شيء جيد.

ليس أنه طمع بها بل أنها لن تكون متطلبة.

وكان عليه أن يكتشف أي نوع من النساء هي ولماذا تريد الزواج، بعدما أفصح في حديثه مع شريكه، وعلى مسمعها، أنه متزوج وأولاده خلفه مع أمهم قد لا يعود إليهم ثانية. فلما لم يرَ أثر الخيبة أو الصدمة حدس موقفها الأولي. إنها لا تمانع. كانت عيناها تترقبُ إفصاحاً أكثر. ثم استدارت في الزقاق قد سكبت ماء الغسالة بعدما سُدّ المصرف.

كان معلّقا في شعور يشبه الإقدام. الحياة متاعب وتعقيدات إذا ما انتظر إجابة. ما الذي عنته له؟ لا شيء. جميلة نظرا لما هو عليه، ممتلئة طفيفا في مواضع المرأة العربية، وجاوزت المرحلة التي يمكنها أن تنتسب فيها إلى عمر محدد. شعرها تحيطه بمنديل وما من مساحيق بل القليل من ترفيع الحاجبين لتبدو صبوحة أكثر.

ومتحكّم بنفسه ما من مغريات. عائلته خزانته البعيدة، وهي جارور جديد لن يضير إذا ما اقفله على نفسه. ربما لا يستطيع أن يمكث وحده أو يريد بعضاً مما ألفه، الذي صار خلفه. لن يعود ولعله يبحث عن جذور. ربما أراد شيئا فيها يشغله بنفسه.

قطعا لن يخبر أولاده ولا أمهم. هذا شأنه وحده.

== ==

وصار عليه أن يفتّش عن تفاصيل عنها، ليعلم كيف ينقل ما يريد قوله لها، وما الذي تريده. يقولون إنها درست عاما في جامعة ثم تركت. زوجا صباح لم يمكثا مجتمعين أكثر من سنوات أربع، وكانت من القوة والصرامة بحيث واجهتهما، عندما لم ترد فيهما أشياء. الأول صارعته لأقل من ثلاث سنوات، ثم تخلّصت منه. الثاني لم تتعب نفسها معه وركلته بسرعة بعد أن تسببت له بفضيحة لشيء فعله.

تنتابها أقاويل التسلط واللسان الحاد. يخافون منها في المخيم، ولكن النساء يفهمنها، مع خوفهن منها إذا ما شاققت. قطعت الحد الذي تحتاج فيه لاطلاع رجل وتستطيع التصرف بنفسها، خصوصا مع غياب أقارب لها.

باختصار كانت ثيباً.

بدأت ترد إليه حكايات تكشف عن جوانب لها. وإنه ليراكم طية فوق قماشة. لقد ركز عليها فشغلته وأخذت تحضر في باله. مودات الصبا لا تعنيه، ويبدو أنها مماثلة، هكذا تخيّل.

فما كان منه إلا أن عزم أمره واعترض صباح في طريقها لشأن من شؤون شراكتها في البقالة. دون تعريض أو مواربة، قال إنه في الستين خلفه عائلة ولا يريد الرجوع لغزة. مهتم بها ولكنه لا يريد أن يدفع نفقات مرتفعة.

ردت من فورها، كأنها مستعدة:

- بتصير العصمة في إيدي.

- لا. لكن بنحط اتفاقنا.

بعدها لم يكن من بد من التقاءات في بيت الشيخ في المخيم، بحضور الشيخ وزوجته. كانت أحاديث غريبة بعض الشيء، ولكن تم الاتفاق.

== ==

لقد عزم على إخفاء زيجته من صباح، ولكنه ناقض نفسه فأخبر أولاده ثم أمهم. كان قد جاوز العام الثالث من تركه غزة ويبدو أن الخاطر فيها تمهّد. الأولاد ردّوا بأدب، وهي صمتت.. لا طائل طالما هو بعيد. إنه خارج أثرها لتفعل شيئا. وهي تصغره بأعوام قليلة قد نفضت شواغل كثيرة من يدها. متداخلة في قريباتها وأقاربها، وهي أم وخالة وعما قريب قد تصير جدة.

بالنسبة له ولها، ودون كلام أو اشتراطات، وجد الغريبُ الوحيدةَ. ومضت الأيام على فروض الواجب. ليس بالضبط، إنما معروف ومألوف سلكاه معا، ولكل منهما شخصه. بدأت وبدأ في الاكتشاف وطرح أسئلة داخلية. ليس عن زوجيها السابقين بالطبع ولا عن عائلته هو. كصخرة صماء غسلها البلل وارتوى قشرها، كانت تطالعه كلما صفن فيها مساءً مع العودة من الورش. فتبتسم. وهي جعلته دمية من نوع حي وبالغ تلهو به. لعله صار نصبا على وضوح في خطوات التبجيل. تنشغل ببيتها الذي انتقل إليه لم يجلب غير ملابسه، وتتمدد خلال النهار كنبتة إلى نساء الحارات وأخبارها.

كانا كمن صنعا فيئاً من تعريشة أعناب، وقنعا بها.

(2)

ولها جارات بدأن يلتفتن لها فيهن شابات. يتساءلن متوددات بخفاء عن أخبارهما. في البداية كانت مسرورة وتجيبهن بأريحية لتطبع في وعيهن صورة بعينها، تعلو بها عليهن. وتنقل الواحدة أو تتلافاه لتعقد مقارنة. وتتسرب تفاصيل لا تخلو من خصوصية. لكنها أحسّت بشابة ثلاثينية كانت تزورها بنوع من المواظبة الرسمية، تدخل وتشرب القهوة تقول كلمات شكر ومن ثم تغادر، أحست فيها باهتمام مختلف.

ليس تجاهها فقط بل تجاههما معاً هي وزوجها.

كانت متعلّمة خريجة جامعية جميلة على تعبس لا تعمل. لا تحدث بما جرى معها، لكنها دخلت المستشفى غير مرة. ولهذا كانت تتركها على راحتها تتصرف على نحوها متى قدمت لشرب القهوة في الصالون بل لا تمانع إخراج مقعد لها على البلكونة.

إنها قليلة الكلام وتصغي كثيراً وإذا ما أفصحت فمن كلمتين مبهمتين أو عامتين. ولا تستفسر منها رادة السبب إلى المستشفى ومرضها المعروف في المخيم.

فيها غموض يخيف وفيها ما يأسر. وهي مؤدبة لا تتطرق لمواضيع النسوة العادية. لربما لم تكن تريد أن تسمع شيئاً بل أن تغير المنظر.

ولسبب مبهم عقدت مقارنة بينهما.. لا، زوجها تجاوز الستين ولن يحفل بهذه الشابة. غارق لأذنيه بمشاغله قد فتح الله عليه يرسل مبلغا لأولاده ويسلمها البقية ليأخذ مصروفه منها، تاليا.

إذا ما قارنته بزوجيها السابقين اللذين يصغرانه فلا بأس به يدفعه المزاج فقط، لا الاستطاعة ولا التلبية. ويعاملها بمودة فيه التكلّف الذي تعرفه، لكنه لم يخدعها منذ البداية أو يصور لها أوهاما. فهمته وأنه يريد حياة مختلفة بعدما أرهقته مطالب الزوجية والأبوة واستهلكت السنوات. وهي تتدبر نفسها..، تقضي وقتها الذي امتلأ بموضوع. حنينها الذي تتمناه لو قدّر لها طفل، لأن هذا الذي وقف وراء زيجتيها الفاشلتين حقيقة، وليس التشاجر أو المشاكل إلا مبررات جانبية. المال للضرورة وشيء من المتعة من دون إسراف.

كانت تجالسها في الصالة تضع ساقها على أختها بعدما شغّلت التلفاز لها على قناة. استشعرت اهتماما وخطرا، لكن كان داخلهما اقتران متوازٍ.. لو تسنى لها لواصلت جامعتها ولحظيت بأجواء الجامعة، ومن المؤكد أنها كانت ستعمل بالشهادة لتحصل على مستوى معيشة وزوجاً لائقا وتطرق الدنيا سفرا وزيارت وهدايا وملابس. بينما هي، روحية، غارقة في ثقوب داخل عقلها لا تدري ما الذي يراودها. قناة الطبيعة والجبال والأنهار والحيوانات شيء تضع نظرها عليه، والدليل أن يدها لا تزال تقبض على كوب القهوة لا تحركه ولا ترتشف منه، كأنها متخشبة.

ثم نادتها..

-         حبيبتي روحية، أجيبلك قهوة ثانية؟

فانتبهت للكوب وأخذت ترتشف منه. وجلست جانبها لتتحدث معها عن الحيوانات. كلمات قصيرة، متعلمة أو مثقفة، وبربرات بلغة ليست انجليزية. ولما انتهت من الكوب، نهضت وأشارت إلى بطة أم تسبح في جدول داخل الشاشة وخلفها فراخها:

-         شفتي كم هي حلوة!

كان إعجابا وتثمينا وسخرية في وقت واحد، فلم تفهم شيئاً.

وغادرت الصالة لتفتح الباب وحدها من غير وداع، فعلّقت على روحية بعد أن صارت في الخارج:

-         مجنونةّ!

(3)

أبو محمود وشريكه وروحية وهي وطفلة تركتها أمها من الحي عندها ريثما تقضي مشواراً، اجتمعوا ظهراً في البيت ولم تعرف ماذا تفعل مع هذا التعارض.

الشريك القصير المدور ذو الشارب الكث الذي يسكن المدينة، جلف وقح يأمر ويطلب طعاما وأشربة.

أبو محمود يداريه ويخفض من حدته ويقضي بعض طلباته بنفسه.

روحية تتفرج على غرائب كأنها قفص قردة وتتعجب وتتابع.

الطفلة تصرخ طوال الوقت ومصابة بإسهال جعلها تغير حفّاظتين لها.

لما أشعل الشريك سيجاراً ضخما معطراً، المستعمل للتباهي، وأجبرها على النهوض وفتح درفة الشباك بذراعها الحرة، اقتربت منه روحية وطلبت واحدا.

إنها لا تدخن ولا تعرف الرجل وفي حالة ما لا تأبه للتأويل. شيء عنّ لها وفعلته أو قالته. تقلّص القصير على نفسه من الارتباك وربما الخوف وأخرج بسرعة واحدا، الواحد المتبقي، وقدمه لها. في تلك اللحظة كان أبو محمود يعود بصينية الشاي عوضاً عن زوجته. إنه الأكبر بين الجميع ولكنه شعر لحظتها أنه الأصغر.

تناول الطفلة من زوجته ريثما تذهب صباح لتفعل شيئا ما. وبينما اضطر الرجل للتقدم والاشعال لها، سألته:

-         أنت صاحب كازية البنزين قبل عشر سنين؟

اشتعل إدراك في وجهه، لكن الصوت السريع هو ما نبّه أبا محمود:

-         لا، كنت بس شريك..

شربت روحية نفساً من السيجار وأخذت تسعل من الاختناق. شيء ما دفع أبو محمود للتدخل كمن وقع على لقية.

-         إذا زبطت معك بنعمل سوا كازية!

كلمة في الهواء المحتمل. والشيء الذي حققه أنه رد على طلباته وأوامره بالأطعمة والمشروبات. عينا الرجل تدوران وتهربان إلى الجانب. أمسك به أبو محمود ولكنه لم يفهم الموضوع بعد. وبقيت روحية تمسك بالسيجار دون تدخينه تبتسم لنفسها على شيء ما، ربما ربما، أنها أخيرا وجدت شيئا مشتركا مع أبي محمود. أحس بها الأخير، وبفطرته الغزّية لمح في أفق المجهول مسعى.

ولما عادت زوجته، صارت روحية من أرباب الحكمة الخرافية، واقتادتها من يدها إلى الداخل، المطبخ أو غرفة النوم،  لتخبرها شيئاً. الأخرى لم تكن تفهم ما يدور.

== ==

وتباسطت روحية. صارت تأتي دورياً. وفي المرة الأخيرة، أرفقت معها ولدا صغيراً قريبا لها ابن أخت أو أخ. جو ما ودّي ومتفرقات قليلة عن المستشفى. القليل الغامض أو الأغمض عن عائلتها هي، التي تسكن مقدمة المخيم في بناء حجري حديث. لا تثريب ولكن ما من تقريض. وفهمت هي أن ذلك بسبب إجبارها على المستشفى. وفهمت أن في "الموضوع" شابا ما من الجامعة. وهبتها لمحة فقط لا أكثر، فلم يكن لها إلا أن تلزم حدها.

وعندما كان أبو محمود يأتي منهكاً والغبار على شعره ملتصق رغم الغسل، تقبض يد الولد أو تخرج مباشرة إذا ما كانت وحدها.

لقد صادفتهما روحية في سوق المخيم مرّة، ذلك الذي لا تتردد عليه، وأخرى في مطعم في المدينة. كانت مع والدها. في الأخيرة رفعت لها يدها بترحاب وبهجة. ولما كانت مع زوجها، اكتفت بالإيماءة السريعة عدم راغبة في التعارف الجمعي، نظرا للمكانة.. سيتودّد له زوجها محاولا التأثير فيه وترك انطباع طيب، أو لخطة مستقبلية يضعها لمستقبل نافع. صارت تعرف زوجها أكثر، واستنتجت أنه آلة لما هو مفيد محتمل، ولو كان لا يتضمن خطة.

هكذا هم الغزّيون ويختلفون عن مخيمات الضفة. سيتفلّت منها وربما تسبب لها بالمشاغل والمتاعب لولائم وعزومات.

أما في منع تجول طارئ، فقد كان عليها أن تطرد زوجها ليختبئ عند الجيران لأن روحية عندها. شيء ملح جداً اخبرها أن تفعل ذلك. والغريب هو بهجة حلّقت لوهلة قصيرة من وجهها وشعرها، فلما تمعنّت في تقاطيعها، ابتلعتها روحية بسرعة. طائشة مجنونة صغيرة. لم تغادر روحية عندما انتهى حظر التجول كما توقعت، فكان أن عاد زوجها وجلس معهما.

من تحايا ومجاملات إلى استفسارات يوجهها أبو محمود أو يتلقاها. روحية تسأله أسئلة فضولية مثل متى كان عمره عندما دخن أول مرة، وهل كان ذلك في حقل أو حول حيوانات. تريد أن تعلم عن الأفلام المعروضة قبل أربعين عاماً في السينما. لما أخذوا يتكلمون في إصابات الحوادث حين عمل أبو محمود مراسلاً في مستشفى، أخذت تسمع الكلمات الانجليزية والفرنسية. تركتهما لتتخلص من ملابسها العَرِقة وتبدلها. وهي تفعل لك إلى جانب دفّة الخزانة، وصلتها ضحكيهما المنطلق. لم تسمع زوجها أو روحية يضحكان بهذه الطريقة من قبل. أصابها انزعاج وأسرعت في ارتداء المنامة والخروج إليهما. تكفل وجه أبو محمود بسرد خلاصة القصة المضحكة، فعاد إليها اطمئنان.

== ==

كانت عينا روحية تلمع ببريق جميل وقوي في آن. ثم سحبت ضحكها وجمال بريقها وقوتها واستأذنت في الخروج. أغلقت صباح الباب وسدّته بالمفتاح والمزلاج. وجدت نفسها وهي تجلس في الصالون إلى جانبه تسأله:

-         ما رأيك في روحية؟

-         الظاهر مسكينة، وخلفها قصة معقدة.

-         صدقت.

-         ما هي؟

-         يجوز تورّطت مع شاب في الجامعة، وما أكملتها، دخلوها مستشفى.

نظر إليها أبو محمود بعينين مستوعبتين خاليتين من الدهشة والمفاجأة، ثم قال:

-         والشاب شو صار معه؟

الغريب أن نساء المخيم وعجائزه، الناقلات الأخبار عن رجال وشباب، لم يأتوا على ذكره.

-         ما عندي علم.

-         ووالدها شو عمل؟

-         يقولون أنها انهارت في الجامعة وحجزوها في عيادة الكلية لحد ما أتى ونقلها لمستشفى.

-         نقل لمستشفى مرة وحدة خبط لزق؟

-         يقولون!

-         ... ...

كان يتفكّر يركّز بصره في قناة التلفاز.

== ==

بعد أيام سألت صباح روحية عما حصل معها وأوصلها إلى المستشفى.

ردت روحية بكثير من التبرّم أنها لا تستطيع التذكر إلا القليل. عرضوها لأسابيع إلى صدمات كهربائية أفقدتها الذاكرة القريبة ولا تتذكر الأحداث السابقة.. استدركت:

-         هناك كلب حاول أن يؤذيني..

-         ماذا فعل؟

-         كانت عنده مشكلة مع صبية طلبت مني التدخل، ولما تدخلت هاجمني بالكلام، وبعدين مد ايده عليّ، فضربته وفضحته في الكافتيريا..

-         ... ...

-         الكلب ترك البنت تحمل منه، وما تعرّف عليها.

كان الجواب صدمة وخوفا ونفورا. داورته وسألت بهدوء:

-         وأهل البنت؟

-         لما سمعوا كلمة حمل، الكل كذّبني حتى الصبية أنكرت، ووالدي التافه نخّ للجامعة ومجلس الطلبة ودخلني مستشفى، مع أنه كان عنده إثباتات.

-         غريب أنه نخ..

-         جبان.. ضيع عليّ الجامعة!

-         مين الشاب؟

-         متذكرة شريك زوجك صاحب الكازية؟ قريب اله..

-         فهمت..

ودّعتها روحية وهي تختلس لنفسها ابتسامة سرّية، كأنها كانت واثقة من أنها ستنقل الكلام لزوجها، وهو ما تريده.

في تلك اللحظة بيّتت خطتها الصغيرة: أن تدفع للغزي أبي محمود مقابل أن ينتقم من الشاب، عرفات، ووالدها الخائف على نفسه، الضعيف معهم، مجلس الطلبة والموظفين. فكّرت أن تضيف إليهما الصبية، لكنها تراجعت. لقد نالها الكثير وتحطم مستقبلها، وبعد أن تنتقم منهما ستحوم حولها الأسئلة والشكوك.

(4)

في يوم شتوي بعد أسبوعين كانت تعلم أن أبو محمود فيه لن يعمل فيه، تعمّدت الذهاب قبل الظهر لعلها لا تصادف صباح في البيت. خاب أملها عندما فتحت لها الباب لم تصافحها بيديها المشمرين لجلي الصحون والطناجر، ولكنها تركتها في الصالون مستأذنة خمس دقائق إلى أن تنتهي من عمل المطبخ. بسرعة قالت:

-         أبو محمود.. أحتاجك في موضوع خاص..

سكتت وفهم أبو محمود المشكلة. قال مشيرا بأصابعه نحو المطبخ ومرتفعة ربع دائرة:

-         تكلمي، صباح مثل أختك الكبيرة.

تأملت الصالون بسرعة وقبل أن تعود صباح من المطبخ هتفت بسرعة:

-         لا ينفع، هي بالذات ما لازم تعلم.. والبيت ما ينفع.

-         أين نلتقي؟

-         سأذهب إلى عيادة مستشفى المدينة غدا، موعدي هو العاشرة ظهرا، فتدبر نفسك لتكون هناك مع حجة قانونية..

انزعج أبو محمود من كلمتي "حجة قانونية".

-         خيرا؟

-         غدا أخبرك.

ولئلا تنتبه زوجته صباح لما أصابه من قتامة، أخذت تتحدث معها عن وصفات طبخ شاهدتها على القناة الفضائية الخاصة. كان وجهه غائراً في خواطر من قلق وخوف يلاحظ حديثها فاهما غايتها متسائلا عن غرضها في الغد. لقد تذكّر تلميحات انتبه إليها من شريكه صاحب الكازية.. شيئاً عن عمل مشبوه سابق لوالدها قبل قدوم السلطة، وعن تبرعات متباعدة كبيرة يقدمها هنا وهناك من بينها أقساط الجامعة علّه ينشر عن نفسه سمعة جيدة. روحية نفسها لم تخلو من طرطشات قبل العشرين سهرات في بلدات وسباحة في برك مختلطة وتساهل في التخالط مع الشبان. لكن ذلك كلّه لم يفسّر ما حدث معها في الجامعة إلا عندما أخبرته صباح قبل أيام عن الفتاة الحامل والتكذيب وإدخالها المستشفى. كان خبراً حصرياً، وفهم الآن لماذا أخبرت هي صباح.

== ==

كانت المقاعد في ساحة انتظار العيادات مكتظة. لم يحصل على موعد يلائم موعدها تماماً عند العاشرة، ولكنه سجّل لدى الموظّف وأخذ موعداً سريعا لتحليل بوله، بعد شكاة مزورة عن حرقة وصعوبة في التبول. صار لديه من نصف ساعة إلى ساعتين بانتظار أن ينادوا عليه ويأخذون عينة.

كانت تجلس إلى جانب المقاعد، في الطرف القصي الأيسر، متطرفة عن بقية المنتظرين والمراجعين.

كانت ملثمة تقريبا بشالها لا يظهر فمها، لولا أن ميزها من عينيها وقوامها. عرفها من صوتها المنخفض الهادئ لما اقتربت من وقوفه الجانبي وتمتمت له:

-         أخبرتك صباح عن الجامعة والمستشفى؟

رد بحيطة منخفضة النبرة:

-         أخبرتني.

-         هل تفعل لي شيئا وتحصل على 10.000 دولار؟

تذكّر ما قالته له البارحة، وأحس بخطورة ما ستقوله. كان يحمل جريدة وقلما فكتب على هامش الصفحة:

-         ما هو؟

-         بدي انتقم؟

كتب ثانيةً:

-         من مَن؟

-         عرفات قريب شريكك، ووالدي.

لقد أحس وقتها بوجود شيء، نقطة ضعف، بين شريكه ووالدها. شريكه كان رجلا لا يحب شيئاً ولا يفعل شيئاً -ويفعل أي شيء- من أجل المال. حتى أنه يعلم عنه النصب والاحتيال إذا استطاعهما، ومتاجرته بالحشيشة. طافت في مخيلته خاطرة خطرة، عن صلات غير علنية، أكثر من جرمية.

كتب على الهامش:

-         هل والدك وشريكي نفس العجينة؟

ردت بمغلف يخترق الهواء وصوت أعلى:

-         نفس العجينة..

-         أمور غير وطنية؟

لم تستطع أن تنبس إيجابا فهو والدها الذي أنجبها، ولكنها هزت برأسها وشعرها الذي يقتسم ظاهره شالها، أن نعم.

-         تريدين موتهما؟

-         ... ...

كتب لها:

-         لو كنتُ في غزة لساعدتك في الوصول لمن يفعل الأمر لك مجانا وعن نزاهة، هنا الأمور أصعب. ما يمكنني الثقة حتى بك.

-         أبو محمود، فاهمة.. العائلات عائلات، لكن أبناءها مش كلهم واحد.

فهم أبو محمود الآن وضعها الخطير. لكن لحظة تراخٍ منها في المستقبل قد يوصله للمؤبد والقتل. بقي سؤال أخير كتبه على هامش الصفحة الثانية من الجريدة:

-         ما الذي اتهمك به عرفات في الكافتيريا؟

-         قال إن الصبية دسّها والدي عليه وإنها حاولت تسقطه..

صوتها كان مرتعشاً ضعيفاً كأنها باحت بالأصعب، ليس عن نفسها بل عن والدها. فهم عندها الصورة: ابنة عميل تطالب بعدالة لفتاة طائشة، والشاب الذئب استغل سمعة والدها ليتخلص من الفتاة الحامل، وطاش صواب مجلس الطلبة والإدارة، وخافت الفتاة نفسها وربما رشوها وأجهضوها، ثم اتفقوا على إدخالها هي المستشفى.

شطّب الكلمات التي على هوامش جريدته جيدا. سيتلفها لاحقاً. الخيانة إثباتها في الضفة ومخيّماتها صعبة جداً، والعقاب شبه مستحيل. الحركات الإسلامية تمتنع عن قتلهم هنا، خاصة عندما أتت السلطة. لا يستطيع قتل أحد ولو بمال الدنيا، لكن بحنكته في الحياة يستطيع أن يتسبب لغني بمئات آلاف الدولارات من الخسائر. عرفات نفسه صاحب فرع كازية مثل شريكه، والموضوع بعض الترتيب لينفجر الخزان في الصباح الباكر الخالي من السيّارات والشاحنات بعد مغافلة الموظف، والكاميرات والتمويه عليها.

تركها دون أن يعطي جوابا. عليه أن يتأكد أولاً من أناس في غزة، إذا كانت لديهم معلومات موثّقة، وإذا كان يستطيع فعل ذلك مقابل المال.

أما والدها، فيجب أن تنتقم منه بنفسها..