الجمعة، 9 سبتمبر 2022

المشبوه

 

المشبوه

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

معذرة يا صدى.

أنا ثائر ومستوحش وأتردد كالكرة داخل ذاكرتي. لا أفعل شيئا سوى التفكير والتفكير إلى أن أفهم. كنت خارجا مؤخراً من المسجد حين لمحتك. لم استطع دفع نظري عنك كما يتوجّب عليّ، لأنني -ولو عن مسافة- عرفتك، ورأيت ملامحك. إنها ليست مجرد ردة فعل بل موجهة وشديدة المقت. هذا يعني أنك انشغلت وفكّرت في أمور ما أو ناقشتها، وخلصت إلى نتيجة. ليس في وسعي في الوقت الحاضر أن أرد عليك ولا أظن أنني ساستطيع، لأسباب دينية. جرّبت مواجهة الآخرين بأنفسهم من أجل تغييرهم، والذي خلصت إليه أنهم يزدادون خوفا. لم أتعلم بعد، أو ربما لا أريد، التغافل.

بخصوص المسجد والصلاة أو الدين عموماً، لا أبالي وأدفع هذا الثمن عن طيب خاطر. إن لم يأتك وقتك، فسياتي يوما ما، وستفهمين. اصبري حتى تهتز تصوراتك وحواسك وعقلانيتك ومحيطك. ستحتاجين إلى شيء أكبر من معتقد بشري ثقين به ويوضح لك. هذه هي الدنيا: هناك أشياء لا بد أن تمر علينا ولو بتفاوت، لنفهمها.

وظلت نظرتك تلح عليّ مع امتعاضة زاويتي الفم. لم انتظر شيئا أو -آسف للتعبير- أن تبتسمي.  الكثيرون والكثيرات صاروا غرباء، ولا بأس في الأمر. الغرباء مريحون ومطوبون. غير أني استغربتها. وأنا بنفسي أفعلها حين يكون لدي اقتناع تجاه شخص وأخذت منه موقفا. لا أريد أن يتنفس على مقربة مني. أتجنّبه فقط حتى لو مد كفّه لي.

لكني بقيت افتّش في نفسي: أين أخطأت. لا تكفي الصلاة سبباً لها. هذا أمر أعتدت عليه، ويدعوني بعضهم إلى قدح من البيرة ساخرا مني، وثان يسألني عن ذقني التي قد اهملها، إن كانت ذقن شيخ أو (....)، وآخر يرتد إلى الخلف مذعورا ويسألني عن داعش. وهناك مَن إذا عرف أنني إذا تركت التدخين -ولو لعدة أشهر- أصابه الذعر.

أفهم ردات الفعل هذه وشبيهاتها ولا أبالي بها، لكن بخصوصك أنت قلقت. ترى أين أخطأت؟

لا أريد شيئا منك، لكني لم أفعل شيئا.

حاولت متابعة تطوراتك عن بعد، وأحسب أنك تعلمت درس الحياة أيضاً. نعم، الأكاديميا أفضل من أي هراء فكري.

هل تحتاجين اثباتا مني أنني لا أهرب من شيء فعلته، وأواجه نتائجه؟

حتى هذا الاسم، صدى، فأخوك الكبير نفسه واجهته به. حين سألني عن الحكاية، وضعته في جانب منها، الذي يهمه فقط. في البداية كان مرتبكا يطلق الوعيد الذي هو مخاوف، فصبرت عليه إلى قرّغ شحنته (لأنني المخطئ)، ثم هدأ واطمأن. قبلها كان يريد أن يستغل الظرف ليسجل موقفاً عليّ، فلم أسمح له وسبقته وسخرت منه على الرصيف أمام زملائه. وقتها هرعتِ أنت لأنك حسبت أن الأمر سيتفاقم. لا. لم يكن هكذا. لم أرد له إلا أن يهدأ لأتمكن من التحدّث معه.

وفي مساء اليوم التالي او الذي بعده، مضيت حيث أعرف أنه موجود. انتظرته أمام الواجهة الزجاجية للمحل، وخرج. قلت له إنني أريد أن اتمشى معه. تفاجأ وخاف ولكنه أيضاً كان فضوليا. قال لي معرّضاً إنه كان "يريد أن يتّصل بأناس ليأتوا ويأخذوني". ضحكت وقلت له إن المهم هو لباسهم الذي سيرتدونه! كنت من ناحيتي أعني لباس الأطباء والممرضين ولا أدري كيف فهمها هو.

لم يعلق. أخبرته دون مواربة أنني الذي وضع الورقة على نافذة السيارة. سألني عن السبب ولم أخبره إلا عن جانب يسير. المهم أن يعرف هذا، وأنني هنا في مواجهته، البقية لم تكن مهمة.

سأخبرك شيئا: لديه عينان عاطفتيان وذكيتان، تثيران.. على نحو ما احببت نظرته. حين يدوّر فكرة في رأسه أو يقلّبها، فإنه يورجح رأسه بسرعة عدة مرات، ثم فجأة يضيء الاسنتاج ويتوازن الوجه.

لا أتذكّر ما الذي تناقشنا فيه طوال ربع ساعة، لكنه اقترب من اللب وسألني:

-       يعني نزوة؟

نفيت. لم أقبل التوصيف. لا ليست نزوة وإن طافت حولها. درستها بالكامل عن سابق اصرار وتصميم من نوع الورق والخط -خطي- والكلمات والاسم والموضع. لم يكن ليفهمها على أي حال غيرك. كنت اريد موقفك أنت، أنت تحديداً، في ظل هذه الظروف التي اصطنعتها، وأخرى غيرها.

وكنت مندفعا جدا في تصميمي الشديد، لدرجة أنني غفلت عن تفصيل صغير، وهو أن يلمحني جيرانكم. لم يخطر لي الأثر الاجتماعي. عندما رأيتهم متأخرا، لم أهتم ولم أعد لأخذ الورقة.  كان بوسعي انتزاعها، ولم أفعل. شيء تحجر داخل عقلي وجسدي.

ردة فعلك، او جوابك، تأخّر يومين وكانت مع (ن)، ورأيت قبلها (م) على الشارع، وادركت ماذا حصل. فهمت ما أردت فهمه.

كنت افكّر بك؟

طبعاً، لكن ليس كما تتخيلين.

سأصف لك: هل تعرفين بوتقة الاعصار؟ تخيليها من لهب تدور وتدور، متضخمة، مع وهج شديد لا يحتمل توتره في المركز، وألم يطال أطراف الجسد، كالتنميل الفظيع، يمنع من الاستغراق والنوم واليقظة. هذا ما كان يدور داخل جمجمتي ويسيطر عليّ. وأهلع فجأة لأنتصب من تمددي، وأنا عاجز عن التنفس الهادئ. وصفته لمتخصص، فقال إنه قلق شديد. لا حسّية ولا عاطفية. هما مستحيلان، واظنك تدركين السبب.

كنت غاضبا بشدّة من كل شيء. ولأفعل شيئا أي شيء تركت التدخين. ناسبتني المعاناة اللحظية التي استمرت إلى أن ارتفع الحاجز مع النيكوتين. كانت تلك أول مرّة أتركه، واستمرت أحد عشر شهرا. بعدها تحوّلت إلى حجر صلد، وفي ظروف معينة بلغت إرادة اليأس. إنها شديدة القوة والاندفاع واللا مبالاة.

في ذلك الوقت، كان موقفك متميزاً عن الآخرين المحيطين الذين سرت السلبية فيهم: هل كان تميّزك حقيقيا أم ادعاءً يركب الموجة عبر نقيضها؟

هل عرفت لماذا أسميتك صدى، في ذلك النص البدائي الذي لم يعجبك، واستعملت الاسم فيما بعد؟

لأنك لم تكوني، للأسف، ذاتك. بل صدى غيرك. وأنا آسف أنه صدر مني تعبير ذات يوم حين قلت أمامك -وكانت (ن) و (م) جالستين- أنك مثل ممثلة لا تعرف كيف تمثّل. ما لم اكمله هو أن الصادق يعجز عن التمثيل.

ولم تكوني الوحيدة، إذ تكرر الأمر فيما بعد في تعقيد أشد، وهزني بشدّة، بل إنني تخلّيت عن كل ما أعرفه وبدأت من جديد.

باستثاء اخيك، لم أخبر أحدا بشيء كي ينحصر الأمر فيّ أنا ولا يتلقى غيري المسؤولية، وهذه هي المرة الأولى التي اتطرق اليه، منذ تلك السنوات البعيدة.

نعم، لا أبالي ولا أنسى.

حين أهتم بشيء وأريد معرفته، أفعل ما هو غير معتاد أو مألوف. لو أخبرتك عن الأشياء التي أفعلها في هذا الوقت لما احتملت دقيقتين من متابعة التعقيد الذي أخوضه وحدي، مع فارق أنني نصف مجنون. لا، لست مجنونا على الاطلاق، لكنني أحتاج إلى الكثير الكثير من الوقت، لأتمكن من تصوير ما اختبرته. حتى الغيبيات، أنا الماركسي السابق، آمنت بها، لأنني اختبرت قريبا لها. لكي اتمكّن من الاستيعاب، قلّصت عالمي. لا احتاج إليه على كل حال، فلدي ذاكرتي ومخيلتي التي انكسرت فصارت ترى الغريب البعيد.

ورغم أننا التقينا بعدها -في  ذلك في المكتب العام بين الآخرين- وتحدثنا، وسألتني -أو استنتجتِ- أنني كنت أفكر بك، إلا أنني عرفت موقفك الفعلي وانتهى الأمر. لهذا واجهت أخاك وقدّمت اعتذارا، وانهيت الموضوع. هل انتهى حقاً؟

ثمة جوانب لا تشرح، ولا اريد الإشارة اليها كيلا يتم استغلالها من احد. لكن صدقيني: يمكنني تقبل كل أوصاف السوء في العالم، لكني أؤكد لك أنني لست انتهازيا، مع أنني استطيع. انا مثلك يا صدى، كنت عفويا وبسيطا مع شيء من الحماقة، وكان عليّ -في امر معين- أن ارد اعتباري أمام نفسي، فدربت نفسي بنفسي وتدبرت أمري، إلى أن فعلت.

وأشبهك، أو اظن أنني أشبهك، في بعض المعاناة. أعرف سطحية الاخرين ومعاييرهم التافهة وزيفهم، وحاجتهم -عند اللزوم- للصدمة (بالمناسبة لم أتب قط ويبدو أنها طريقة ستستمر معي). أعرف معنى أن يخوض الانسان ضد التيار عن قناعة، حتى لو ارتد الأمر عليه ودفع الثمن -الواسع- بعد ذلك، ثم غيّر قناعته، لا عن ضعف، بل لاقتناع جديد. أعرف الاهتمام بالمصداقية والسعي لها. أعرف الحساسية والاضطراب والتقلقل. ادّعي أنني أعرف الجرأة التي قد تكون تهوراً. كنت في ذلك الوقت اقدّر ذكائك ومزاجيتك وحدتك الذهنية وتجريدك وروح النكتة فيك. كنت وسط ازمة ثقة شديدة ولم يكن أمامي إلا خوضها.

الشيء الذي لم أعرفه في حينه، وفكرت فيه فيما بعد، كأنني كنت احدس واهجس بشيء أحس به، هو علاقة أخيك بما حصل وحطم لا دنياي وحدي فقط. هذا عرفته من أبي غسان، واخوك يعرف من هو وما أخبرني به.

لا أنسى، وبمشيئة الله ساناقش، في الظرف الملائم، ما على الجميع ولهم.

هرم أخوك الآن. التقيت به قبل مدّة وتحادثنا وتبادلنا الاستفسارات، وحمّلته تحية لك. إنه يخوض الحياة بهمومها. عنده كومة من اللحم، وعيناه زائغتان، وهو نحيف الجسم. لدي تخيّل لما طرأ عليه.

أخيرا، اسمحي لي أن أخبرك لماذا اكره الموقف المتأخر، القابل للتقلّب والهزّ على ما يبدو: ماذا لو توقف على تلك الورقة العلنية (التي كانت لديك كل الأدلة المشيرة إلي لتفسيرها)، شيئا مصيريا أو حياة أناس، وتصرّفت كما تصرّفت، أنت المطلة على خلفياتي طوال سنوات لصيقة؟

الآن احترفت التوصيف الذي ذكرته امامكم ذات أمسية ونحن نتناقش: المشبوه. لا أريد أن ابدّله. سأحتفظ به دائماً لأنه زودني برؤية فريدة من نوعها، وغير نظرتي للدنيا. أريد أن اظل علامة سؤال بلا إجابة أو رحمة، لا لي ولا لغيري. وإذا ما استقرت إجابة، فسانسفها بنفسي. صرت أعي أشياء لا يعيها غيري. بل إنني استعمله بطرق لا تخطر على بال أحد، وأحقق أشياء لا يستطيعها غيري.

الخميس، 8 سبتمبر 2022

سقف يأخذ الوجل

 

سقف يأخذ الوجل

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

كانت الدورية من الطراز الأمريكي الحربي، ذات الأضواء الواسعة الكاشفة، تلاحقه. الجندي من على كوة السطح يطلق النار يحاول اصابته. خرقت صلية من الرصاص الزجاج والبدن، لكنها لم تصبه. واصل القيادة. توقّع أن تنضم دوريات أخرى، فلم يكن له بد من الانعطاف إلى الطريق الترابي، الفاصل بين حدود "المناطق"، والذي يمرّ عبر التلّة والحرش، ملتفا حول الشارع الرئيس. الظلام مطبق على الطريق المترب لولا مخروطي الضوء، والعتمة تلوح كأشباح في ظلال السرو والصنوبر. تأخرت الدورية عنه، كأنها تخشى من كمين.

لم يفعل شيئا، لكنه هارب. تشاجر مع صاحب المسلخ، وكل ما في الأمر أنه احتج. كان الخلاف على من يتحمل مسؤولية التقطيع الخاطئ (أو المتعمد)، للنعام والحبش.

تدخل ذو الجدائل واتهمه.

حاول أن ينفي مسؤوليته، لأن معظم عمله في التغليف والتخزين ونادرا جدا ما يذهب إلى ركن التقطيع. لمع في رأسه أكثر من احتمال، لكنه لم يقبل أن يحملها لغيره. أحسّ أن ثمة شيء في الأمر كلّه مفتعل. كانت لديهم كاميرات ولا يحتاجون لسؤاله. موقفه واضح: الاتقان في العمل مقابل الأجر، لكن ليس التدخل في العمال أنفسهم. هذا ما عمل عليه طوال شهور في العطل.

لم تسر الأمور كما يجب. عرفة الذي شغّله بنفسه، منذ البداية، كان يرى أن يأخذ فرصته في العلاقة مع صاحب المسلخ. إنه يراهن على لغته العبرية والمجاملات والتزلّف والتبادل الخفي. يحسب أن اليهودي يكترث لشخصه. كان لا بد من وضع الحدود. العلاقة اضطرارية وليست خيارا، وتحتاج إلى ضوابط. وهنا نشا الخلاف بينهما.

لو كان ممكناً، فالعمل لديهم مرفوض. يجب رفضهم ورفض اقتصادهم كلّه. لكن الناس لديها مسؤوليات وحاجات وربما طموحات، والأجرة المتدنية المحلية لا تكفي. وعندما يرى أحدهم كيف تتم الصفقات في السياسة، فتصبح شريحة من (المناضلين) أصحاب حسابات وشركات وعقارات، وكيف يفرض السماسرة المختلفون أنفسهم جانين الأموال على حساب الناس، وكيف يتلون التجار والموظفون...، يكفر بكل الادعاءات، ويجد نفسه مضطرا للعمل عندهم، والتعامل مباشرة مع المصدر.

المصانع المحلية بأكملها مزيفة، الالات والمعدات والطاقة والخامات والصيانة والمستلزمات والخبرات بل والسوق أيضاً. البنايات والمكاتب للغرباء والانتهازيين، والوظائف وهمية غير منتجة. لا صناعات ولا زراعات. أخبار مكررة ومسلسلات... ووكالات فكرية أو ثقافية أو اجتماعية، لا تختلف عن وكالات الكوكا كولا والجي أم سي. البقية، ادعاءات (وطنية)، بأجرة استغلالية متدنية جداً مع ذهاب الفارق إلى الجيوب.

حلوا مشكلة مئات الالاف من المنتفعين الذي تغلغلوا، على حساب ستة ملايين.

أحسّ أن سعيه الخلفي للتوصل إلى تفاهم بين العمال يبقيهم منسجمين ومرتاحين ومنتجين، قد بلغ..

قال له اليهودي، وهو يشير إلى مؤخر رأسه:

-       الي عنين هون..

إمّا أن يعرف من أحد العمال أو (مراقِب) عربي. الأخير يفتح الاحتمال على مهمات اجتماعية لـ (المراقبين)، وليست سياسية أو امنية.

نظرات ذي الجدائل اختلفت، إنها متوجسة عدوانية مراقِبة. عندما يمر إلى جانبه دافعا العربة يشحذ السكين ويذبح بقسوة. ويناديه، ليكلّفه بالنفايات، مع أنها مهمة غيره. وقد يصرخ عليه دون سب ليتدخل عرفة و(يحل) المشكلة.

لم يكن هنالك أي بعد سياسي ولا حتى نقابي لانشاء ضغوط تحسّن ظروف العمل. لكن عرفة وقف ضدّه. إنّه من مدينته نفسها ويعمل إلى جانبه، في البرّادات. لم يستطع فهم دوافعه بالضبط. شخصيته غريبة: صغير الحجم قليل الانتاجية، يسعى للتميّز. قد يخطئ في عمله وغيره يتحمل عنه، لكنه يغطي على أخطاء غيره كذلك ويستغلها.

ثم اكتشف أن له علاقات مع النقابة المحلّية التي هي حركية ولا تستطيع فعل شيء بحكم السياسة والقوانين. أما الهستدروت فاللجوء إليها أسوا..

تحوّل العمال إلى مجموعة من الكائنات المتوجسة الحذرة التي تتنافس وتصعد على ظهور بعضها وتستغل نقاط الضعف. عرفة ماهر في هذه المعادلة.

أتى مرّة مقترحا ترتيبا يعمل بموجبه فقط على البرادات. أزعجه أولا أن يرتّب انه امتلك صلاحية، ثم صحيح أن (الترتيب) مريح له شخصياً، لكنه يعني فصل عامل لديه أسرة، فرفض.

دون أن يؤدي وظيفته جيداً في التحميل والتنزيل (ما يدفع غيره لفعل هذا)، بنى صيتاً عند العمال من النوع العجيب: بين التواطؤ والابتزاز والتنفّع. الجميع يكرهه والجميع يهابه والجميع مضطر للقبول به.

صاحب المسلخ انتبه له كذلك، كذلك ذو الجدائل.

جاء الأمن واحتجزه في غرفة جانبية. احتج وصرخ ودق الباب على أمل أن يخرجوه أو أن يتضامن معه أحد فيضطرون. بنو جلدته، على عادتهم، ما بين شامت وخائف وجاهل. لا مبرر للاحتجاز.

حاول ان يركّز في حادثة الحبش والنعام. كان التقطيع بعيدا عن المفاصل ونوعا اللحم متداخلين. ذو الجدائل بربر بشأن حرمة الرب القومي. صاحب المسلخ تحدث عن القانون. عرفة الذي ترك شاحنته دعا إلى "البشويش بشويش" ولعله يتدخل ليتهرب من العمل، هذا إذا لم تكن له هو علاقة به. لديهم كاميرات ويستطيعون تحديد المسؤول مباشرة.

ثم خطرت له فكرة، فلم يتردد وأخذ يكبّر.

فتحوا الباب بسرعة، وبدا عليهم الجنون. في طريقه للخارج، حيث يجهل ما ينتظره، رأى التوتر والتململ على وجوه العمال. الاضطرار سرعان ما يزول عند أول عودة للنفس أو زوال السبب. ولما رأى مصباحي الدورية الضيقتين، عرف ما ينتظره. إنها الشرطة. ارتد إلى الأصل ودفع أحد رجلي الأمن فأوقعه أرضاً وتملّص. ركض كيفما اتفق. ساعة كاملة وهو ينتقل من اتجاه شارع إلى آخر، ومن سور مصنع إلى مدخل سوق. ساعده الليل. ثم سرق سيارة وتمكن من تشغيلها. عندما اكتشفوا أمره، لم تكن الدورية ذات الأعين الضيقة هي التي تلاحقه، بل الواسعة.

عند نهاية التلة واول حدود "المناطق" الفاصلة، لاحظ وجود حاجز مرتجل وسيارت شرطة محلية. نسقوا فيما بينهم، وأطبقوا عليه. لم يعد استعمال السيّارة ممكنا. فأوقفها وترجل.

ثم حدث شيء غريب، كأن كل ما حدث له إنما رتّب ليصل إلى هذه الغاية بالذات:

الدورية الحديثة من خلفه متوقفة لا تتقدّم ولا تطلق الرصاص، وسيّارة للشرطة المحلية موجودة أمامه تنتظر، فتحت له الباب الخلفي ليدخل بنفسه. قد يضطرون فيسلمونه للسجن، وقد يتفقون فيسجنونه. الأمر لا علاقة له هو به.

كان ثمة أضواء برتقالية متجمّدة تحذف الجانبين، الأراضي المكشوفة، عن بصره، وكان الزمن صامتا لا يتنفّس، أمّا من الأعلى فسقف لا نهائي يأخذ الوجل.

يستطيع كلاهما أن يفعل ما يشاء به، لكنه يرفضهما معا. الأمر لم يعد حادثة أو جناية أو صوابا وخطأ. ودون أن يفكر في احتمال أن يطلق عليه أحدهما النار أو يعتقله رغماً عنه، مشى بهدوء وتجاوز باب السيارة المفتوح له، عائدا إلى بيته. سيكون مفيدا له أن يمشي على قدميه..

الأحد، 4 سبتمبر 2022

المكتبة

 المكتبة

قصة قصيرة/ ماجد عاطف
في العاشرة من صباح مارسيليا، كالعادة، حضر إلى المكتبة ومعه -هذه المرة- صفيحة من الوقود. وضعها في الخارج، في الساحة، إلى جوار الباب الزجاجي. دخل إلى المكتبة كعادته وقرأ ما يهمّه من الصحف المجانية. جلس إلى الحاسوب، وفتّش بريده الالكتروني وتركه مفتوحا على رسالة طويلة وبعض المواقع، ثم وضع سماعة الاذنين على رأسه وشغل تسجيلا هادئاً.
فجأة ترك السماعة على الطاولة، وتسلل بخفة وسرعة إلى موظف الاعارة. كان مشغولا بمشاهدة شاشة حاسوبه ولم ينتبه له، ففاجأه وأمال الشاشة ناحيته. كانت النافذة الرقمية مطلة على الرسالة، رسالته..
نقر كتفه بلطف واستأذنه أن يأتي معه. خنع الموظف وتبعه محرجا. عندما خرجا، أشار إلى الصفيحة البلاستيكية التي بجوار الباب:
- أترى؟ هل تعرف ما الذي فيها؟
أعرف من أنت والذي خلفك. أستطيع الاثبات كما شاهدت، ومع ذلك لست بحاجة إلى أدلة ومحاكمات. بمجرد أن اقتنع، انفّذ فورا ما أراه مناسبا، ولا أبالي بالسجن أو غيره. أستطيع حرقك وحرق المكتبة كلها بلا ندم، غير أني أتركها من أجل المحتاجين.
ليس لدي أسرار، ولا أحب أن يتطفل عليّ أحد ويمارس بذاءته. أخبر هذا للعمدة فرانسيس، وقل له أنني لا أنسى شيئا.