السبت، 16 أبريل 2022

طول نظر

 طول نظر

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


يجلس عصرا خالي الوفاض من أي فكرة، وفارغ الذهن.

في شبابه كان لا يرتاح. دوما شغلته فكرة من الأفكار المتناسلة التي يتبادلها مع أصحابه المسيّسين كلما التقوا، أو كلما تكلموا في شأن ما، أو كلما قرأوا، أو كلما أراد أحدهم أن يعبر عن موضوع يشغله. كانوا يجلسون في مكان ما يشربون الشاي، أو يتمشون يتكلمون في أي أمر من الأمور المزدحمة. أمّا في المعتقل، فكانت الجلسات بوتقة للأفكار التي تنصهر-أو تنصقل- فتلد أخرى. في الجامعة كانت المحاضرات مناسبات جانبية للتفكير الذاتي، وكثيرا ما كان ينحرف الموضوع من الأكاديميا، للهمّ الفردي أو العام. يكفي أن يبدي أحدهم -أو احداهن- ملاحظة لتنطلق الملاحظات الذاتية من كل صوب.

وفي الأسرة، كانت الاحتجاجات والمصادمات مناسبة للتفكير أو ابداء الفكر المختلط مع الهجوم على الوالد المتسلّط -أو الدفاع- في وجهه.

الآن مضت عشرات الأعوام، وتلاشت السياسة وانتهت الجامعة ولم يعتقل ثانية ولم تعد له أسرة. صار يعيش وحده في البيت الذي خلا من اخوته وأخواته باستقلالهم وزواجهم، بعد أن رحل والداه. لم يتزوج هو بعد أن علم من الطبيب أنه عنين. يعود من عمله في المصنع كما يذهب إليه. آلية مريحة تسللت من بين الاهتمامات والمشاغل لتستقر حياته على نمط محدد: أيام الأسبوع للعمل، ويوم العطلة يقضيه في البيت والتسوق الدوري لضرورات الأسبوع بأكمله. بل إنّه يكره الحديث هو الستينيّ ولا يتناول منه إلا المختصر فقط. في المصنع لا يتكلم إلا لغرض وظيفي، ومع الزملاء والجيران التحايا والأخبار الآلية. الأقارب يجاملهم باختصار في مناسباتهم وهو لا يطمع في ردهم لها، لأنه من دون مناسبات. السائق يكتفي بـ تفضل وهو يمد الأجرة له، وبـ شكرا وهو ينزل من السيّارة. الحلاق يشير له بقصة الشعر بأصابع تترافق مع الكلمات القليلة: واحد من فوق، وثلاثة من الجانبين. البائع لا يفاصله ويعرض عليه الثمن العادل الذي يراه ملائما وهو غالبا مناسب. قلّما يزور الطبيب. أخوته يكتفي بكلمات قليلة كالتهاني يرددها في الهاتف. لا يذهب إلى الحفلات والمقاهي والمناسبات العامة أو الثقافية، ولا يسافر أو يعرف الرحلات. راتبه بالكاد يكفيه، وهو لا يفكر في تغيير وظيفته رغم أنها ليست على شهادته أو في تخصصه. آثر عملا عاديا قليل المسؤوليات يلبي احتياجاته.

وكتبه التي تراكمت مع السنوات تخلى عنها. حمل غالبيتها ذات أزمة عاصفة مع الفكر والثقافة الحديثين، وألقى بها إلى حاوية النفايات. أبقى على بضعة كتب دينية ومختلفة فقط وأخذ يصلي. ليس له نصيب في الدنيا فلا أقل أن يكون له في الآخرة.

ليس له إلا التلفاز الذي ملّ من أفلامه المكررة ومسلسلاته الباهتة وبرامجه الوثائقية الميتة.

كان يجلس خالي الوفاض من أي فكرة، وفارغ الذهن تماما، يستشعر برودة دبت في أطرافه، وخمولة في عقله حولته إلى ما يشبه الخلايا اللحمية الصمّاء. كان جالساً في البيت القديم المألوف يحاول أن يفكّر في حاله.

//

عليه أن يغيّر من نفسه وأن يستعيد حياته التي كانت له. الأصحاب لا غنى عنهم وإن كانوا طفيليين مزيفين مدّعين لا يثبت أحدهم أمام نائبة. العمل اقترب فيه من التقاعد وبقيت له شهور قلائل. ليكن أنه عنين لا ينجب، لكن المرأة ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها ولو أنها، كما يرى مع مَن حوله، حافلة بالمتاعب. لا بأس إن ذهب في سياحة وجرّب الرحلات هو الذي لم يألف غير مدينته في بلده وليس له فضول من أي نوع تجاه غيرهما. ستسعفه أموال التقاعد وتسمح له بتجربة حظه. الحمدلله ما من أمراض مستعصية لكن دب الوهن في مفاصله وبدأ ظهره يؤلمه من الوقفة الطويلة أمام الآلات في المصنع، ناهيك عن اصفرار أسنانه وتسوس بعضها.

كلها مشاريع بعيدة وهو بحاجة إلى شيء قريب.

//

نظر إلى مكتبته فرأى بعض الكتب المتبقية بعد إلقاء غالبيتها، يعلوها غبار واصفرار. الجريدة سطحية ولن يجد فيها إلا أفكارا سريعة، وهي إلى ذلك بعيدة المنال فعليه أن يخرج ليحضرها. إنه متعطش لتحريك خاطره وتليين عقله وبعث بعض الأفكار. نهض ومد يدّه والتقط الكتاب السميك ذا الغلاف الارجواني المجلّد. كان رواية تاريخية تغوص في زواريب التوارة وتعيد النظر في تفاصيلها المتغيّرة مع الزمن. قرأه قديما وأبقى عليه لسبب في نفسه لا بد أنه قوي.

صنع شايا وضعه إلى جانبه، ومهّد سريره محضرا غطاءً ليمدده على جسمه الذي صار يبرد، وأشعل سيجارته المرافِقة. لمّا تجاوز صفحات الفهرسة والعنوان والتقديم، تجمّدت السطور في عينيه خطوطا متتابعة مثل أثلام حقل بارزة، مع عدم قدرة على رؤية الكلمات نفسها، خصوصا تحت الضوء العصري الضعيف الآتي من الخارج.

بعد ثلاثين عاما من عدم قراءة شيء، اكتشف أنه مصاب بطول النظر لا يمكنه قراءة الكلمات القريبة، وأنه يحتاج إلى نظارة!

 

الخميس، 14 أبريل 2022

سجود

 سجود 

قصة قصيرة/ ماجد عاطف 

 

يجلس في شبه زنزانته -برام الله، بالقرب من قبر الرئيس المنبوش- على وضعية السجود، المركِّزة خارج النفس، واضعاً بطحاء قدمه اليسرى تحته، ومُثنيِا -على انفراج- قدمه اليمنى، وهي وضعية -صعبة- موصوفة في السُنة من شأنها تركيز الجسم على السجود، (ومن دونها ينفع أيضاً لمن تتعسر مفاصلهم). كل الموجات التي تسلّط على عقله وجسمه لا يمكنها أن تؤثر فيه، إلا قليلا، طالما يسجد كما وصِف. يشدّ جسمه في سجوده وانتصاب ظهره وانحنائه أو هبوطه. وكما كان يسيطر على جسمه بحركات الصلاة المتابِعة للتسبيح والتكبير، فإنه يسيطر أيضاً على إرادته بالتحيات والصلاة الابراهيمية، ويتحقق منها في يده الممدودة على فخذه بحركة التشهد، الاصبع الشاهد المحلّق رويدا رويدا. فيما مضى، استطاعوا التشتيت طفيفا على كل حركات الجسم لمدة محدودة وبتركيز شديد مؤقت للطاقة (عندما يستحم بالماء، أو ينتفض، كانت موجات التركيز تذهب، وتعود بعد وقت). لم يستطيعوا تقليد حركة التشهد البتة، حيث انحصر الصراع العنيف، بكل ما لديهم من قدرات، بين الايمان وشياطين الانس، على هذه الحركة بالذات. هي، وتحرّك اللسان –ومن الأفضل مع الصوت- كما في تلاوة القرآن الكريم، لا يمكن التأثير فيهما ابدا. الوضوء أيضا، الماء الذي خلق منه كل شيء حي، يغسل الجسد من الطاقة الحيوية، الزائدة ربما، في الجسم، والمستعملة ضده؛ والدعاء الخاشع، الذِكر عموما، ينفّس الضغط الانفعالي من الصدر. وأباح الله التيمم، فلا بد أنه نافع كذلك.. 

لقد سمح الله سبحانه وتعالى هذا لشياطين الجن دون مادة، فليس غريبا أن يتاح لشياطين الإنس الماديين. 

سلّم يمينا على إخوته في غزة، ثم شمالاً على القادمين من الشام!! 

الأربعاء، 13 أبريل 2022

روج

     روج

    قصة قصيرة/ ماجد عاطف

حان دوره ونودي ليدخل صالة المكتب الداخلية. جلس على المقعد الذي أشارت الموظفة الهادئة المحجبة ليجلس عليه. دقائق ودخلت شابة ترتدي عباءة وغطاءً للرأس، في الثلاثينيات، وجلست على المقعد الآخر المقابل للطاولة. عرفها من صورتها التي سبق وأن رأها في الملف قبل أيام، ولكنها هنا وضعت الروج على شفتيها. انزعج بشدة وأخذ يفكر لمن تضع الروج الزهري؟ ليس لنفسها لأنها لا ترى نفسها، وليس له لأنه لم يفكر فيه، وهي إلى ذلك عبرت عشرات الشوارع والأرصفة وقابلت مئات الناس.. اتخذ قراره ونهض ليواجه الموظفة طالبا الرسوم التي دفعها.
قالت، بصرامة، إنها لا تسترد!
هذه هي إذاً غاية المكتب الاسلامي للزواج! والبقية ادّعاءات.
- هل ازعجتك بشيء؟
سألت الشابة.. كان ملفها الذي طالعه ايجابياً، لكن مسألة الروج هذه قلبته رأسا على عقب. لم يقل شيئا وهو يغادر.

الخميس، 7 أبريل 2022

المتهم

 

المتهم

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

اشتعل خوفا على خالته الملطوشة عندما علم من المتحدثين أنها مريضة، مكسورة، لا تقوى على الحركة تحتضر.

كان قد غضب عليها بسبب اتهامها له، أمام جيرانها، بسرقة مصاغها، هو وغيره.. حاول أن يدافع عن نفسه، أن يناقشها ويطلب إثباتها (وسأل هذا فعلا بعض الحاضرين فلم تقدم شيئاً)، أن يطلب منها البحث عن مصاغها مجددا، فلربما وضعته في مكان ما داخل البيت ونسيته؛ لكن الاتهام كان قد انطلق وتلجلج في آذان السامعين ولاكته ألسنتهم، وانقسموا بسرعة مجنونة بين (مصدومين) من الاتهام و(عقلانيين) في التعاطي معه و(محايدين) لا معها ولا معه و(شكاكين) فيه، وكلّها تقسيمة مؤذية للنفس.

فشعر بالإهانة والغضب، حتى عندما سانده جارٌ لها هامسا أنها فبركت الاتهام لتفتعل مشكلة إن لم تكن معه هو فمع غيره.. نظر ساعتها إلى وجهها، وقال بتأنٍ:

-         طالما اتهمتني -يا خالة- فلن أدافع عن نفسي، لكن هذه هي نهاية قرابتنا..

ما فائدة دفع تهمة يوجهها قريب بعد أن تُطرح؟!

-         مع القلعة يا حرامي! أعد المصاغ أولا!!

أخفض رأسه بحزن ثابت ومضى يتبعه جيرانها المشتبهون يتهامسون عليها، فطلب منهم السكوت، لأنها –في النهاية- قريبته. ومضى الأسبوع تلو الأسبوع.

في الأسبوع الثاني، أخبروه أن فالجاً قد أصابها وأن كلامها تثاقل كثيراً. شعر بارتياح لأن لسانها الذي اتهمه قد عوقب! بعد أسبوع قالوا أنها وقعت وكسرت ذراعها، فتأسى قليلا عليها. في الأسبوع الخامس قالوا إنها مريضة بمرض غامض، على صلة بحزنها على فقدان مصاغها. شعر بالقلق. في الأسبوع الأخير قالوا إنها مريضة مجبّرة الذراع لا تقوى على الحركة تحتضر، وأن مَن تستعين به من الأولاد يعذّبها.

عندئذٍ تراجع غضبه وأخذ يشعر بالخوف عليها. ومع أنه كان ميالا في سريرته للرأي الذي يقول أنها لم تفقد شيئا بل تحاول افتعال مشكلة لتتخلص من بعض واجباتها الاجتماعية نحو جيرانها، فقد سكن غضبه، وثارت -بدلاً منه- اللوعة عليها.

واقتحمت مخيلته التصورات والاحتمالات: أن تكون غير قادرة على جلب شيء، هي طريحة الفراش، أو أكله، أو دفعه! ألا تكون قادرة على حكّ أرنبة انفها! أن تموت وهو مقصر في حق صلة الرحم!

بعد تردد وخطوات تكررت أمتارها جيئة وذهابا، حسم أمره وذهب يأكله الارتياع نحو بيت خالته العانس، التي يأبى أخواله أنفسهم الاحتكاك بها، كما صار يفعل الجميع أيضاً. كانت الحديقة مهملة كثيرا، وكان الدرب مليئا بالأوساخ، أمّا الملابس المعلّقة على الحبل بالملاقط الخشبية، فقد تأرجحت ذيولها -أو أذرعتها- في الهواء علامةً أنها جفّت منذ وقت ولم يجمعها أحد.

دق الباب الخشبي المغلف بطبقة من الصفيح، وسمعه ينفتح بصريرٍ بطيء أشبه بالتعذيب. ومع كل خوفه على خالته التي لا أحد لها غيره، فوجئ بها تظهر سليمة معافاة لا أثر للجبيرة أو المرض أو حتى الحزن، وتهزّ يدها في وجهه، صائحة بصوت لا ضمير له:

-         هل أحضرت المصاغ يا حرامي؟!

مجددا لم يجد ما يقوله. استدار وعاد أدراجه. في اليوم التالي طلبه جيرانها لأنها وجدت ميتة في الساحة.

الأربعاء، 6 أبريل 2022

الشيكلان

 

الشيكلان

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

في المرة الأولى اعترضه مساءً وهو عائد من عمله على رصيف شارع قرب مركز المدينة. كان مرهقا من الوقفة الطويلة في العمل وبالكاد يستطيع المشي. خاطبه الغريب:

                   ·يا عمي، ممكن دقيقة من وقتك؟

                   ·تفضل.

أخذ الشاب بتتابع وأدب يسرد عليه قصة تتماوج نبرتها مع الكلمات: أنه من قرية كذا وأنه يعيش مع أخته، وأنه أتى من الأردن منذ سنوات، وأن والديه متوفيان، وأعمامه لا يتعرفون عليه، وأنه لا شيء في البيت يؤكل، وأنه لا يملك أجرة المواصلات ليعود إلى قريته. كان شابا في أوائل العشرين بملامح نضرة وصحة جيدة. وطلب أن يعطيه مالا.

لم يكن لديه ما يعطي منه لو أراد. والكذب يتغلغل الاتقان والنبرة تمثيلية ولا سائل يستعمل حكاية فعلية تبدو (كريمة) ليستجدي، إلا إذا كان طامعا. مرت عليه أوقات لم يجد فيها الأكل لأيام، ولم يسأل أحداً شيئا. السؤال اجبار للآخر وإذلال للنفس. هو متعاطف مع من هو مثله أو أقل، لكن بصرامة.

ولماذا يستوقفه السائلون ذكورا وإناثا  بكثرة؟ ملابسه أقل من عادية وليس عليه أي مظهر للغنى. يبدو أن وجهه يوحي بالسهولة ويستيسرون اقناعه. لحيته مهملة أكثر منها مطلقة. يجد صعوبة في حلقها أو تقصيرها فيتركها تنمو ويحلقها مع شعره فقط، عندما يزور الحلاق. هل لاحظه الشاب وهو يعود من عمله كل مساء فاستنتج أنه مستطيع؟!

اذا ما توفر لديه مال قد يتصدق من تلقاء نفسه، لكن على الذين لا يلحّون. يقرأ وجه الواحد منهم أو الواحدة ويقرر. المحترفون يبتعد عنهم. النساء يتعاطف معهن لكن ليس أي نساء. منهن من اتخذتها مهنة بلا حياء، خاصة كبيرات السن. الأطفال قلة قليلة ولا يردهم. يدرك أن الحاجة المباشرة قد لا تكون خلف السؤال. منهم محتجون، كما هو ذلك الرجل السليم المعافى الذي يجلس أمام محل البُن. إنه لا يتكلم ولا يلتفت ولا يحدّق. يدخن سجائره مستغرقا في التأمل وإلى جانبه -أو في يده- كوب قهوة ورقي كبير. على الأرض علبة السجائر والولاعة. يفتح يده الأخرى الممدودة كيد تمثال معدني واضعا فيها عدة قطع نقدية ليوهم المارّة أنه رائج، بينما لا أحد يعطيه. يأتي في الوقت نفسه صباح كل يوم ويغادر في تمامه، كأنه دوام. إنه محتج بطريقة غامضة على شيء ما، وسؤاله الناس موقف عام. خلفه حكاية مضطربة على الاغلب وربما يريد احراج بعضهم.

عندما يتصدق لا يفعل ذلك من أجل السائلين أنفسهم. قد يكون المبلغ قليلا، لكنه يكفي شخصين أو ثلاثة خبزاً ليوم واحد، أو على الأقل وجبة. ها قد أكلت عائلة. إنه عالم صعب لا أحد يعرف تفاصيل عائشيه. أغلبهم مَن ليس لديه أحد في هذي الدنيا وسؤالهم أكثر من احتياج بعينه. المال من السهل تقديمه مقارنة بالمطلب الخلفي، ومن العسير جدا على أحد أن يتصدق بنفسه أو موقفه. كلٌ لديه مشاغله وهمومه. وليس من اليسير بالنسبة لشابة صغيرة مثلا وتحظى بقسمات وملامح طيبتين، أن تضحي بكل تفاصيلها العائلية والاجتماعية متنازلة عن خصوصيتها وخياراتها لتسأل الناس. لا بد أن هنالك حكاية قد احتدمت وألجأتها إلى المصلين كملاذ أخير. ويفهم المصلون هذا دون وعي -أو به- ويتفاعلون، حتى عندما يحذّر الإمام أو الخطيب منها ويقوم بطردها، غير آبهين بتحذيره فالمسجد ليس ملكه.

ومنهم من وجد طريقة للحصول على المال السهل ويمكن تمييزه من انتظامه واحترافه وخبرته وملامحه التي مات فيها التحرج ومن المستهدف الدسم الذي ينتقيه، كأن يكون مبتور اليد أو القدم. أهو معوق؟ نعم، لكنه ليس محتاجا، فهناك مخصصات له ولديه وثائق للجمعيات بل يستعمل إعاقته للمزيد وجمع المال، لمجرد أن عذره ظاهر. في الغالب لا يلتفت اليهم الناس خاصة بعد تداول معلومات عنهم. الأطفال شأنهم آخر لا يعون أبعاد ما يفعلونه تماما، ليسوا محترفين، لكن من يدفعهم ويكون منتظرا في الخلف، يدرك تأثيرهم العفوي ويرجو أن ينال شيئا، ولرجائه في الغالب داعٍ عميق.

لا حسنة تذهب هباءً وما عند الله باق، وأحيانا تعود مضاعفة في الدنيا. مرّة أعطى عشرة شواكل كانت متبقية في جيبه بعد شراء حاجياته وواصل طريقه. كان قد دفع أجرة الغرفة وليس لديه أي شيء باستثناء فراش على الأرض وغطاء وملابس يكورها تحت رأسه كوسادة. في ميدان مكتظ صادفه رجل يوزع المصاحف على الناس وقدّم له واحداً. كان يستعمل ما في المسجد ويحتاج مصحفا للبيت، وكان يعرف مسبقاً أن تكلفته، بالضبط، عشرون شيكلا!

تجاوز الشاب قد فهم طبيعته، وأكمل طريقه.

//

خارجا فجراً بعد عام أو أكثر من مسجد يقع طرف المدينة حيث يسكن، التقى مع الشاب نفسه. لم يتعرّف اليه في البداية. بادره بالاستئذان وأخذ يحكي حكايته محرّضا على أعمامه "الذين لا يتعرفون عليه وعلى أخته". عرفه. أضاف هذه المرة، مستبقا العلة التي طُرِقت على ما يبدو من قبل آخرين، "أنه يبحث عن عمل ولا يجد". العمل المتخصص صعب، لكن يتوفر منه ما يسدّ الحاجة. يستطيع أن يدله على عنوان. حسّن قصته وطورها، ومن الواضح أنه لا يطلب مبلغا زهيدا، بل يطمع في الكثير. لم يشر إلى أجرة المواصلات. لا سائل شاب، إن كان صادقا، يأتي عند الفجر من قرية نائية ليقف منتظرا خروج المصلين من مسجد بعيد في المدينة، إلا إذا كان محترفا أو يسعى للاحتراف. تكلفة المواصلات وحدها تكفي قوتاً لاثنين، يومين. كان متيقناً من كذبه ومع ذلك قرر التعاطي معه. ليس لديه في جيبه على أي حال إلا شيكلين ثمن كوب القهوة للطريق. لو كان لديه مبلغ أكبر، لما أعطاه.

                   ·ما معي إلا شيكلين، هل تقبلهما؟

انقلبت الآية وتراجع الشاب خطوة للخلف. تجمد وجهه في غبش الفجر الذي يتفتح، ولم يقل لا نعم ولا لا. من الجلي أن مسعاه قد خاب وأن حكايته لم تدرك غايتها. لا بد أنه قال في نفسه: اقنع شخصا واحدا بي أو قلّة، وأنال الكثير. إنه يحبك الحكاية ويختار الأماكن والأوقات وينتقي من يراهم سهلين وينسى أنه قابلهم، وله كما يبدو مدّة طويلة هكذا. لقد وقع في الحرج وإذا رفض انفضح.

دفع الشيكلين إلى اليد التي استجابت. أخذهما الشاب وأقفل عائداً فذهب بدوره في سبيله. لا قهوة الآن وعليه أن يسرع للوصول إلى عمله. بعد خمس دقائق، وبجوار كشك للمشروبات الساخنة، يسمع صوتا ينادي عليه. إنه صاحب قديم لم يره منذ زمن يقترب منه ويصافحه. ويدعوه إلى شرب القهوة، فيقبل. لا يزال لديه وقت ولقد رجع الشيكلان!

السكين

 

السكين

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

رأتني وجود. لم تتم الواحدة والعشرين. كانت حزينة. قالت لي هي الآتية من المظاهرة بعد أن استراحت وردّت الباب، واضعة كتبها الجامعية على المقعد، مستغربة:

-         ما الذي تفعله بهذا السكين يا عبد الستار؟!

نظرت إلى عينيها. كانتا متسعتين مليئتين بأكثر من الاستغراب. قلت لها، علي أي حال، والعصر يتلاشى من الشباك:

-         سكين أمسك بها، وقد أحتاج إليها.

-         لم؟؟

لم يزل الاستغراب ففهمت عنها:

-         لأشياء عديدة، لا تخطر لك على بال..

-         ألن تتأذى بها؟!

ضحكت في عينيها الزرقاوين. كان الحجاب الأبيض يؤطرهما على نحو هادئ. تغافلت عن الطلقات التي نسمعها في الخارج، وأجبتها باعتياد:

-         اطمئني يا أختي، فأنا حذر جدا في استعمالها..