الجمعة، 18 يوليو 2025

سروالُ المنامة

 سروالُ المنامة

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


كان لديه منذ سنوات بعيدة ومخصصاً للمنزل والنوم. لونه كحلي، قويّ متين القماش. توسّع مطاطه الضعيف رديء النوعية من المنتصف، فظل يسحل عن خصره كلّما ارتداه. وضعه جانباً لا يدري ماذا يفعل به بعد فشل محاولاته لإصلاحه.

بقي مهمَلا لشهور حتى أنه فكّر في التخلّص منه. ولكنه كان يرى نفعاً فيه خاصة وأن قماشه من النوع المتين لم يعودوا ينتجون مثله، فأبقى عليه.

وحيداً في الطريق يمشي على بطء ويغرق في خواطره عن الناس.. الذين تصيبهم ابتلاءات بعضهم يصبر عليها يطلبون من الله الأجر، وغيرهم مستسلمون لقدرهم. البعض لا يقوى على الاحتمال فيموت أو يهرب، أو يموت وهو يحاول الهرب. 

فئة من البشر في العالم، أعداء وأصدقاء ومتفرّجون وعاجزون، ينتفعون. لطالما كانت مصائب قوم عند قوم فوائد، فإكمال سحق البيوت بالجرافات، عن سابق قرار وإصرار، المنازل التي لم تجهز عليها تماماً القنابل والصواريخ، ، صار مهنة مستعجلة يطلبون لها علنا موظفين بل ويجزلون الأجرة.. 

وامتدّت البطالة المستحكمة لتطاله أيضاً، هو الذي يعيش في مدينة بعيدة.. هناك مئات الملايين من البشر مثله، في دول فقيرة خانعة أو أخرى محاصرة.. حمد الله على ما لديه ويفتقده آخرون.

كان غارقاً في خواطره: المارة يمضون في حيواتهم اليومية رغم كل شيء. قد يشعرون بالأسى والحفاظ على النفس أولى. مهما كانت الكارثة واسعة سحيقة، فالاعتياد عليها -إذا استمرت- يجعلها خبراً يوميا لغير الذي يعيشها. هذه هي الدنيا، وعلى كل امرئ أن يتدبّر نفسه، في ظروفه.

لمح على بقعة أرض تجاور حجارة متداعية لسنسلة على الرصيف، بنطالا نسائيا مرميا على الشوك ذا خاصرة عريضة. كان بحالة جيدة. خطر على باله سروال منامته مترهّل الخاصرة، فلم يفكّر فيمن يراه بل مضى اليه وانحنى ليلتقطه بسرعة. بحث عن قطعة زجاجة مكسورة. فكّ الغرز واستخرج منه المطاط.

عصراً نجحت خطته.. 

أكمل آخر غرز الإبرة التي آوى الخيط فيها بصعوبة.. لقد كبر وتغيّرت أفكاره، اقترب من الكهولة ولم يشعر بالحرج أو الخجل، لا يفرّط فيما لديه بسهولة. 

ثم ارتدى الكهل، الذي يعيش وحده في بيته القديم، السروالَ بعد طول إهمال. مشى به فرحاً متحققاً أنه ينطبق على وسطه جيداً، ولن يتمزّق بسهولة. لقد وفّر ثمن سروال ويحتاج إلى المال أكثر من أجل الطعام.


الخميس، 17 يوليو 2025

مجرد محاولة

 مجرد محاولة


ما مِن كلماتٍ يا صديقتي.

لستُ بالشاعر:

متوعّكٌ توقّعي مع الترهّل.

ما مِن عفويةٍ واقتناع 

عند اللقاءِ

في رعشةِ التوتّر.

الانسجامُ المطلوب بداهةً مع أحدٍ،

نشازٌ.

ما مِن طموحاتٍ تغريني،

في غطاءِ المحاسنِ الشفّاف

إنما:

اشتهائي أنيني،

الثقوبُ التي في جاربيّ،

الاعتزالُ والتوحّشُ؛

أشواقٌ شديدةُ الفحش

والتعطّش..

كأنني في الخلاءِ والغرائزِ

وحش!


أناملي تأكلني لألمس امرأةً

في عمق زهرتها

بكل إقبال..

لارتشف من عينيها، وفي آن

-كنحلٍ يجيدُ التطوافَ 

بين البتلات والتيجان-

الرحيقَ والشفتين والفرمونات

مع الندى الحريق.


اختلاطي صار خواءً 

بلا معنى

إلا الثقل والتمدّد والامتلاء،

عند التخّشب..

صلابة القروي وهو يتجاوز

الجبال..

تصلٌبٌ كأنّه 

تحجّرُ الشرايين عن الإدراك..

شياطينُ تبتغي

اللذةَ في المختلفِ الجديد!


هل ذاك الذي يعترينا

حين يمضي الحبُ مع العمرِ

ولا يتولّد مجدداً أو يعود؟!


عينا الحسناء ليسا في وجهها،

يا صديقتي، 

حين أغرق في شخصها،

إنّما:

في العقلين الموغرين

الثابتين طول الزمن

أعلى وأسفل.


الثلاثاء، 15 يوليو 2025

الورّاق

 

الورّاق

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

جلس في مكتبه يقلّب كفيه ويتفحّص أصابعه. الحال نائم والفواتير تراكمت. إنه يعمل عملاً إضافياً بعد وظيفته، ويؤجر الغرفة الثانية من مكتبه لصحافيّ مراسل لصحيفة عربية وعلى صلة بأخريات. من ناحيته توقّف عن ممارسة الصحافة متقلّبة الأحوال والتي تحتاج لمرونة في التعامل لا يطيقها. من ناحية ثانية صارت متطلبات التنقل والتواصل والاتصال، توازي مردودها.. لهذا اجتهد، قبل سنوات، في أن يواصل دراسته الأكاديمية حتى الدكتوراه، فعلاقاته بالأكاديميين والجامعات جيّدة.

ذلك هو الشيء الوحيد الايجابي الذي خرج به من الصحافة، خصوصا بعد سلسلة مقابلات مع المحاضرين والأكاديميين وموظفي الجامعة الإداريين. ومقابل خدمة واسعة مجانية استغرقت شهرا واحدا، تمكّن من الحصول على تعيين في الجامعة. صار يدرّس الصحافة في زمن التقدّم التقني والاتصالات اللذين لا يحتاجان لدارسين.

مضى على تعيينه محاضرا في الكلية الإعلامية سنوات واستقر دخله على معدّل معقول وبعد خصم نفقات المظهر والملابس وتكاليف السيّارة الجديدة. ومكتبه شارك غرفة منه مع الصحافي الشاب الذي خفّض عنه النفقات للنصف.

يقلّب يديه ويتفحّص أصابعه لا يدري ماذا يفعل مع فواتير طارئة لم يحسب لها حساباً.

فجأة رنّ الهاتف.

كانت لمارا الكاتبة في أواخر الأربعينيات من عمرها، الحاصلة على ثلاثة ماجستيرات في آن. ساعدها بإصدار كتابين أدبيين من قبل، وراجع اللغة محرّرا ومدققا، ولم يخبرها طبعاً أن أخطاءً عديدة أفلتت من تدقيقه. كان ذلك في بداية تأسيسه دار نشر تجارية عادت عليه بالقليل من الدخل، ثم تبيّن أن متاعبها التفصيلية والتسويقية والتنافسية كثيرة.

ارتاح للحديث معها في شؤون متنوّعة ونميمة واستمتع، فهي أنثى أخرى إلى جانب زوجته ذات الهموم اليومية والرتيبة. ليست جميلة. كانت كذلك. بالأصل هي شقراء متوسطة القوام ولو اعتنت بنفسها وتخلّت عن كبريائها قبل ذلك بعشرين سنة، لحصلت على زوج مرموق. لكنها كانت متكبّرة تحمل كمية من الأفكار الغريبة والاعتقادات الأنثوية، ترفع لواء الحب والعاطفة والشغف وتغطيه بمطالب نقابية عن المرأة وحركتها ولجانها. تضاعفت كمية الأفكار والاعتقادات، مع غنج وجرأة وهمس، كلما تقدّمت في العمر، وصار لا يراها إلا غريزياً..

إنها ماهرة في إثارة توق الرجل وشغفه ولهفته بكلماتها الحسّية، فكان يحتار إزاءها: هل لها تجربة فعلية أم تلك مهارة طورتها بنفسها نظراً لعنوستها؟

يمكنه أن يحسّ بحفيف صوتها داخل أذنيه. في صدره لهفة للاستكشاف وتوق للتغيير. بنطاله في نقطة الالتقاء والافتراق ازداد حجما وتصلباً.. وإذا ما تركته وذهبت من الهاتف وبقي مستثاراً تأخذه خيالات التقبل، يمكنه أن يذهب لدورة المياه ليعاين تجربة مختلفة، خصوصا في عمره الخمسينيّ. يمكنه أن يرتد إلى اندفاع المراهقة بعض الوقت.

وضعته على المحكّ مرة، بعد تجربة هاتفية مشابهة، فأدركت أنه لا يقوى على كسر التحريم، عندما رفض الالتقاء بها. يعرفها منذ وقت طويل، ولم يواعدها مرة عن قصد، ولكنه ربما التقى بها مصادفة. الأمر صحيح: يخشى التحريم، وهناك سبب إضافي: كان يخشى من غموض خلفياتها أيضاً، يتعجّب من مهارتها، هل لديها تجربة وأكثر، أم أن الأمر عقدة أنثوية من نوع ما؟؟

لم يحاول أن يعرف الجواب. استثناها بعد بحثه ثانية عن زوجة عندما تم طلاقه.

فقط تركها على سجيتها واستمتع بما يبدر منها دون طلب. أي طلب، يعني علاقة، وضمنيا احتمال الزواج. يقبل منها الإثارة والغنج وما يتبعهما من متعة، لكنه لا يستطيع تخيلها لحظة واحدة، بجسمها المتكور وجرأتها الداخلية، زوجة.

بعد تبادل أخبار وقال وقيل وأحاديث ممتعة، دخلت صلب الموضوع. اتخذ صوتها في الهاتف الذكيّ مسارا جديداً وقالت بجدية حريصة:

- طبعا ترخيص دار النشر لا تزال تحتفظ به؟

- طبعا..

- لدي عدة شبان وشابات واعدون أقنعتهم بإصدار كتبهم الأدبية الأولى وسيدفعون جيداً لقاء ذلك..ما قولك؟

لا مستواها هي، حين راجع كتابيها السابقين مساعداً إياها على نشرهما، ولا مستواه هو، حين قارن أسلوبية بأسلوبية عشرات الكتّاب الآخرين، يسمحان بأن يقررا نشر الكتّب.

لم يجب على الهاتف بشيء، واستدركت هي:

- على أن تأتي هذه المرة بطالبين ممتازين في اللغة العربية.

ارتجفت أصابع يده في ذراعه التي تستند على المكتب بينما كفّه الأخرى تحتوي الهاتف وتلصقه بصيوانة أذنه. لقد ضبطته متلبّساً بسبب الأخطاء التي أفلتت من تدقيقه. لهذا السبب قال بسرعة:

- لدي أشغال كثيرة..

كان يكذب، فالمحاضر الجامعي، مع الفوارق بين المدرسة والجامعة، بعد أن يتجاوز السنة التدريسية الأولى، يصبح آلة تكرير وروتين، والاعتماد يصير على الطالب نفسه. العلامات التي يمنحها للطلاب لا تقيس سوى الثقافة العامة، لأنه هو نفسه ضعيف في التخصص الأكاديمي. ومتى توفرت الثقافة العامة والقدرة على الثرثرة بالكلمات يستطيع بعد منح صاحبها العلامة المرتفعة أن يحصل على علاقة نافعة معه ومع ذويه وأقاربه.

- المضمون سيعجبك..

عندئذ ثار فضوله على حدسٍ خفيّ جعله يسأل:

- المضمون؟!..

- رومانسي أقرب للأيروتيك الناعم..

ضحكتها اللذيذة جعلته يدرك أن حدسه أصاب كبد التوقّع.

كانت تضحك ضحكات متناثرة صفيقة تأتي من سماعة الهاتف لتربكه.

- واحدة من الشُبان طالبة لديك..

شعر بالخطر فانكمش على نفسه وتمسّك بسكوته.

إنها تفهمه وهو يفهمها.

هناك خط أحمر لا يستطيع تجاوزه متى اقتربت المخيلة من الواقع والوقائع. لم يرغب في السؤال عن الطالبة.

لم تحتج لمارا للكثير من الوقت لتدرك خطّه التحريمي الذي يكسره ويكتفي بالكلام، فقد قارنت بين حاليه على الهاتف وعندما يتصادفان. في الحاضر لا يجرؤ على النظر بانكشاف الرغبة. إنه خائف وحبان ليس أكثر. انتقلت مباشرة للمهم:

- سيدفع كل شاب ألفي دولار، ولن يلزمك شيء أكثر من تدقيق قوي رخيص لطالب لديك. الأغلفة جاهزة مع مونتاج الكتب، ثم ترسل الكتب للمطبعة باسم دار النشر، ووزّع النسخ القليلة على المعارض سواء بيعت أم لم تُبَع.. عددهم اثنا عشر كاتبا مواعداً، ولا تلزمني إلا لأن لديك ترخيصاً.. سأعطيك الثلث، مقابل أسبوعين من العمل. ما رأيك؟

كان ذلك ما حصل معها، الذي فعله هو.

خفق قلبه من المبلغ الذي تيسّر فجأة ويسدّد فواتيره.

- سأفرغ نفسي، موافق..

- متى احضر الفلاشة لك؟ لا أريد إرسال الملفات بالبريد الالكتروني.

إنه يخشى منها والالتقاء بها.  لا بدّ أنها غرقت في عوالم اليأس والجرأة وهي قد تخيف أي رجل بعنوستها المتهوّرة. سيحرص على الغياب عن المكتب للأسبوعين القادمين وسيكلّف الصحافي بالاستلام. إنه محترم، بدلته مظهره الاجتماعي ورأسماله، محاضر جامعي، متزوّج مجدداً.. ليتها لم تكن بتلك السمنة والجرأة، وإلا لتزوجها هي!

- في أي وقت خلال الأيام التالية.

- اتفقنا، باي..

فقذف لها الجملة النهائية الحاسمة:

- إذا كنت متأخراً في الكلية بسبب طلابي، فضعي الفلاشة مع شريكي في المكتب..

سمع هاتفها يغلق بعد ثوانٍ من التأخر ومحاولة الإدراك..

لم يكن راضياً عن نفسه.. فكّر بخبث غير آسف: "الكاتبة الطالبة سيعرفها بنفسه، بالضرورة".. وإلى كونه مجرد رجل يسعى لتدبر أموره الحياتية في زمننا المعقّد، يحمل درجة الدكتوراه ومحاضر جامعي، فهو ورّاق لا يمانع الحصول على بعض المال. وهي؟

 لمارا لا تختلف كثيراً عنه. هذه حال الدنيا.