السبت، 27 ديسمبر 2025

بسطات وندوات

 بسطات وندوة

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


التقيت به في شارع الكتب، بسطات الكتب على القرميد المبلّط في الساحة. كنت أتفرّج لا نية لي بالشراء. أقرأ الخلاصات من أغلفة الكتب داخل البلاستيك الشفاف واكتفي بها. وصلت إلى مرحلة أقدر معها على توليد التفاصيل ومبنى الكتاب، غالبية الكتب، من خلاصتها. أعرف الموضوع وزاوية النظر واستكمل من عندي. إذا اهتممت بشكل خاص وكان متاحاً تصفّحت الفهرس والمراجع. وقد -بعد ذلك- أحاول الحصول عليه مجاناً من الانترنت.

الأكاديميا لا أحبها، هراء للمتعلّمين والباحثين عن الشهادات والسيرة المتصنّعة لأناس يجترّون دون قدرة على الابتكار.

الأدب فيه إسهال شديد، والفنون قليل منها يسترعي انتباهي.

أما العلوم والابتكارات فهذه أتابع مبادئها فقط، لا قدرة لي على التخصص فيها. الدين أعرف خريطتي جيداً بين المذاهب والطوائف والاتجاهات خاصة السياسية. لطالما تمكّنت بالمنطق وحده من الوصول للتأصيل الشرعي وأنا لا أحفظ الكتاب والسنة. كان لي أصحاب نتناقش معا، أنا معالجة منطقية، وهم معالجة فقهية، ومؤخراً صار لدي من أشجعه على المعالجة الفلسفية كتصور إسلامي وليس فلسفة مستقلة.

== ==

أتيت إلى البسطة الأكبر. أسعارها المطبوعة الملصقة تجارية بحسب العرض والطلب والتسويق الإعلامي السطحي. ليس لدينا بيع للكتب المستعملة الحقيقية. في الدول الأخرى تكون من أمهات الكتاب، أما عندنا فقد تنتهي لحاوية النفايات. كان قبلي متفرجون وأتى بعدي. من الواضح أن سوق الكتاب ميّت وأن الباعة "يتلصصون" على أحوال المهتمين بالكتاب. جلّهم وقائي ومخابرات وذلك لسبب بسيط: لا أحد يقف طوال اليوم من أجل 20 شيكلا من الأرباح (في حالة حقق مبيعات!). لا تغطي مواصلات ولا أجرة سكن، غير الأكل والشرب والسجائر. 

والكتاب، خاصة التعليمي للجامعات، متوفر في أماكن أخرى بشكل اقتصادي.

إلى جانبي انتبهت إلى رجل كان يتأفف من عرض الكتب بلا نظام ولا تصنيف. له هيئة ساق شجرة الليمون الذي يرتدي معطفا وسروالا، كما الفزّاعة. وجهه، لما استدار إليّ يحاول كسب اهتمامي وربما تأييدي، في حواره ضد البائع، نحيف بذقنٍ قصيرةٍ إبريةِ الشعيرات وجلدٍ متجعدٍ وشعرٍ قصير. عرفته. لم يتغير منذ ثلاثين سنة وأكثر. 

آخر مرة جلسنا معا في المقصف قال لي:

- إنهم مافيات كاملة. ولو كانوا محسوبين على الكتّاب والمثقفين!

"المافيات" هذه سأتحقق منها طوال عشرين سنة، كما يحدث عند اختلاط السياسة الرديئة بالأمن الوهمي المزدوج والاقتصاد المتوحّش. سأكتشف، بعينٍ مدهوشةٍ مرعوبةٍ، صلات عجيبة بين الكتّاب وكل بؤرة مضروبة في العالم: مكافحة إرهاب، جرائم وجنايات، احتيال مالي، هدر في الدوائر، محسوبيات في الصحافة والتوظيف والصدى، مؤسسات خاصة هي أوكار لما لا يصدقه عقل ولا يخطر على قلب إنسان عادي.

وهو، آدم، كان مزاجيا استثنائيا انتقائيا. حقق انجازات أدبية وثقافية، حاضَرَ بعض الوقت في الجامعات رافضا طقوسهم وبروتوكلاتهم، ناقض حتى المقررات بحصص جانبية.

كنت أسمع عنه وأنا أنشأ، وقرأت له، فانطبعت في عقلي صورة جلّها احترام، ولا أدري كيف ومتى تغافلت عنه وعن أخباره، أم انقطع عن المشاركة والحضور كما انقطعت أنا.

أظن أنه شارك في بيان جماعي من عدة أشخاص، ثم انعزل عن كل شيء، منشغلاً بحياته.

- حضرتك د. آدم؟

- ما في داعي للدكترة والأستذة.

- أكيد لا تعرفني. قرأت لك قبل العشرين من عمري عدة كتب. والتقينا فقط مرة واحدة.

- وجهك أتذكره، لكن يغيب اسمك عني.

ذكّرته باسمي. جامل وهز رأسه وتبسّم كأنه تذكّرني، لكن الحقيقة لم يخطر له اسمي أبدا.

- كم عمرك؟

تنبّهت وأنا أجيب إلى أن هيئته أصغر من عمره، ولم استغرب قوله لي:

- هَرِمتَ بسرعة.

تركني وأخذ يبحث عن كتب بعينها. من تصنيفات علمية ونقدية وسياسية. تخصصه ثقافي في شهادة الدكتوراه فاستغربت بحثه. كان يدفع ثمناً مرتفعاً لقاء الكتاب الواحد، فنبّهته إلى استطاعته الحصول عليها بأثمان ارخص، من أماكن أخرى.

ردّ أنه يريد نسخة أصلية مع فاتورة رسمية.

لم أفهم مقصده، فانتحى لي جانبا.

- هذه كتب لا تعرضها المعارض مع أنها صادرة عن دور نشر حقيقية. فهي تعرف أن المواضيع منتحلة ومسروقة من كتّاب مهمّشين أو يتم التهميش عليهم ومحاصرتهم والتجسس على مخطوطاتهم وأنشطتهم. وقعت بنفسي ضحية موضوع كهذا.

- كيف ستثبت الانتحال والسرقة قانونيا؟

دفع بورقة نقدية كبيرة مقابل 5 كتب وتناول الكيس الأبيض البلاستيكي المتين. قطع له البائع الوصولات وعلى كل واحد اسم الكتاب ودار النشر والعام والمكان. جذبني من كتفي وتمشينا خارجين من الساحة المبلطة بالقرميد، نحو شوارع السوق والمحلات الشعبية.

- في زمننا الرقمي المهندس تقنيا من الهاتف للحاسوب للجي بي أس والكاميرات، من الصعب إثبات شيء قانونيا، إلا أن يأتي من المصدر. غرضي شيء آخر.

- وحقوقك؟

- هناك أهم منها. لديّ ندوة خاصة أسبوعين، بشرط المشاركة التلقائية الآنية، وعدم استعمال أي جهاز من أي نوع داخل المكان.

تذكّرت البيان الأخير الذي وقّع عليه وقامت الدنيا على رأسه هو وجماعته ولم تقعد، وخشيت أن تكون له علاقة بالتنظيمات أو شيء يؤدي للتضييق والحبس، فأكثر.

أعربت له عن خشيتي بكلمات وترادفات وتفصيلات جانبية. 

فهم جوابي، فقال بحزم:

- العمل السياسي في فلسطين الآن لأصحاب الصفات والانتخابات والتنظيمات، وقريبا لن يكون مسموحا إلا لتعيينات تحت السيطرة أو الاقتراع المسيطر على مساره. لن نفعل شيئاً بوصفنا جماعة تلتقي في ندوة، بل بصفتنا أفرادا نتبادل الأفكار، وكل شخص يترجمها حسب مجاله واهتمامه وقدرته وبيئته الفردية. لا وجود لهيكليات ومهام وواجبات وميزانيات.

أخذت انظر في وجهه وأتفحص هيئته. بذلة عمرها ستة أعوام على الأقل ذات اهتراء في أماكن الاحتكاك والغسل المتكرر. أسنانه تحتاج إلى تبييض وأغلب ظنّي أنه لا يمتلك ثمن ذلك. حذاء مصبوغ بكثرة لا يزال صالحا معها للارتداء. سألته عن عمله، فإذا به بعد المحاضرة في الجامعات يمتلك قسماً من محل لبيع الخضراوات، "وسرّا"، كما طلب مني أن أحفظ. شرح لي أن كل جوانب الحياة كلما تقدّمت التقنيات يتم استعمالها للإخضاع ولا خيار من الرد عليها باستقلالية كل فرد. ثم قال:

- أترى هذه الكتب؟؟

- ما بها؟

- هي ومثلها الكثير حصيلة تجسس علينا وتحوير للأهداف، نحن أصحاب الندوة المحلية الصغيرة وهذه دور نشر مدعومة أوروبياً. لن نستطيع الملاحقة قانونيا، لكننا سنثق بتأثيرنا الشديد ضد من يتجسس علينا، والمراكز التي تصدر الكتب، ولهذا اشتريتها مع وصولات وعلى حسابي. عندما يتحققون من قوة أفكارنا واضطرارهم لتعطيلها، سيثقون بأنفسهم أكثر.

ثم أضاف بفرحٍ بدا لي أن وجهه ازداد عرضاً معه:

- وعندها سننتقل للمرحلة الميدانية الثانية!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق