الأحد، 14 ديسمبر 2025

لقطة من حياة روبوت طويل الأمد

 

لقطة من حياة روبوت طويل الأمد

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

ذهب الروبوت المغلّف بالجلد شبه الطبيعي في نهاية الأسبوع لحديقة تغصّ بالرواد من النوعين، البشري والروبوتيّ.

ولج من المدخل الجنوبي المليء بالفاكهة على أشجاره المطورة المطعّمة، أقرب ما تكون لفصيلة طبيعية جديدة. تأمل الأزهار بلونها الخزفيّ المطعّم بالنيران ولمسها، فإذا بها قوية لا تتساقط كالفصائل الأخرى، وأعطته وحدة التحليل خلاصةَ أنها تثمر بطريقة انجابية، تكوّراً ثم انبثاقاً.

ضغط بإبهاميه المفصليتّين الصلبتين  قليلا فأحس بالليونة ذات العصارة. أدرك حينها أن الثمار ستكون ناجعة من حيث الحلاوة.

اقتطف عدة زهرات وواصل طريقه للركن البشري العلني، وهناك لمح مَن يبحث عنها كل أسبوع في عطلته الرسمية.

كان وجهها مستديراً كغالبية الشابات الصينيات اللواتي يصغرنه بأربعة أعوام، نضِرا ً مليئاً مؤدباً جميلاً مبتسماً، أبيض اللون أو على اقتراب.

في تلك اللحظة زادت شدة التيار في مستكشفاته الرقمية، فأخذت كلمات تتدافع كأنها أغنية أو قصائد بسيطة وإنما بأدب جم، إلى استعدادات الحوار.

حيّاها فنهضت له وردت التحية ثم جلست. بادرته من ناحيتها وسألته:

-         كيف كان عملك هذا الأسبوع؟

-         بخير.. بخير.. ضغط شديد ولكنه تحت الاحتواء من حيث التفاصيل والمخرجات.

-         ماذا تعني بالمخرجات؟

-         ألست آلية؟

-         لا.. أنا مدمجة مثلك وبقلب ينبض..

-         هل من الممكن أن ألمس؟

نهضت بسرعة غضبى خجلى وابتعدت، فأحس أنها تنتظر أن يتبعها ليعتذر فقرر، أو أصدرت برمجيته، حظراً على الاندفاع الحركي لأن المبرمج وحيدٌ يكره النساء أو يدّعي ذلك.

من المؤشرات عندها: عدد الرمشات، سرعة التعابير، تلفّت الرأس، وتمطرد الأطراف المركزي، وكلها حركات بدائية مقارنة مع برمجيته.

تذوّق -بالأحرى حلّل- الأزهار ذات الثمرات الواعدة، متلهياً عن لحظته بانتظار أن تعود صديقته بعد وقت.

كانت محتويات/ جداول، مقارنات/ كلمات بحث تتردد في عقله الالكتروني، لتحاول مقاربة نتائج حول مصممة الروبوت صديقته "الحردانة"، ولكن البيانات تختفي في البث.

شعر بالحيرة والفخر فمسّ شعره البشريّ كالباروكة عن جانبه وحدّق باتجاه نساء متفاوتات الأعمار لا يلفتن -في محددات استكشافه- أي طاقة توليدية.

وضع نفسه على نظام استقبال الأمواج المجانية في الحديقة ليشحن، يضيف، طاقة إضافية إلى مفاعله.

لما عادت كما توقع، كانت تمشي ببطء وسعادة من نوع يضاهي لون الزهرات أو يتأقلم معه ضمنيا، ضمن ألوان الجلد الرقيقة. قالت من توها:

-         أنا وأنت صنيعة البشر، ولكننا متوازيان في جنسينا.. أنظر للإناث والذكور كلاهما يفعلان من نفعله وعلينا المحافظة على أمد حياتينا الطويلتين.. يمكنك لمس يدي ويمكنني الالتصاق بك إذا قررت، على مقعدنا المشترك. بالمناسبة، ما هي برمجية معتقدك؟

كانت طاقته المدخرة نحو 95%، ووضعها على وضع التوليد:

-         ماذا تفضلين؟

لم تجب ولكنها بدورها فعّلت مستشعرات تحليل الروائح، ثم وأخذت منه زهرتين. فهم، وارتفع مؤشر التوليد شَرطَةً أخرى.

 

كان المبرمجان للروبوتين يعتقدان أنهما يحصدان نتائج متوازية من روبوتيهما، لأن أحدهما يعرف الآخر من التفاصيل والحوارية الاحتوائية المصممة بحسب الذكورة والأنوثة. كانا يتواصلان عن بعدٍ خفيةً ومن وراء الروبوتين.

أخذت المعطيات لعادية التي تعاد برمجتها بحسب المواد الأولية للحواس المتوفرة في مكانيهما، تتعرض لارتباك في الصورة والحسّ والرذاذ.. العناصر المركّبة للرائحة يُعاد تمثيلها أقرب ما يكون لأصلها. الصورة تنتقل من نظارتيهما. اللمس عملية توازٍ في الاستشعار. مفردات الصوت تنتقل كما هي، إنما مع قولبة لأصوات قياسية، ذكورة وانوثة.

وفي لحظة فجائية، صارت المعطيات مركّبة على تشويش بصري وصوتي واستشعاري لمسي، وجعلت احدهما يرى الآخر في شاشته على عينيه، بصورة صادمة مرعبة.

ثمة مَن تسلل للأجهزة ويراقبهما هما نفسيهما من وراء استقبال المعطيات وارسالها وردود الأفعال، ويجري اختبارا أو تسلية عليهما.

 

وعن مسافة البث ذات الاستقبال المستقبل، لكم الروبوت الذكر الأنثى بميكانيكية في خوارزميته الحركية كانه تعرض لفيروس، واتصلت برمجية الأنثى الروبوت بمركز الشرطة في الحديقة طالبة النجدة ممن يتعدى عليها ككيان وأملاك. كانت تقلد نساء البشر وتصرخ بكلمات استعطاف واستنجاد.

 

اكتشفت الشرطة بمختصيها المبرمجين وبرمجياتها المتطورة المقارِنة أن مصدر التسلل أناس مجهولون من المستحيل تحديد ملامحهم البشرية ومعطياتهم البيئية لأنهم غالبا تخلّوا عن الواقع الفعلي ويعيشون في كبائن تطفلية، وأن احساسهم بالحياة إنما يأتي من تلذذهم بحواس الروبوتات ومعطيات المبرمجين عند رصدهما.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق