الأربعاء، 17 أبريل 2019

تأصيل شخصي للأدب الإسلامي الحديث (حتى هذه اللحظة)


تأصيل شخصي للأدب الإسلامي الحديث (حتى هذه اللحظة)

(النص/ القصة/ الرواية/ المسرحية)
تأصيل نقدي:
يفترض في كافة العلوم والفنون والمعارف والعبادات أن تكون قد بدأت مع (علّم آدم الأسماء كلّها)، بينما النظرة )العلمية( تراها تجريبية تطورية وتراكمية منذ كان الإنسان قردا. (المعارف) ليس من الضروري أن تكون صحيحة، ويمكن لمصدرها أن يختلط مع التطور النسبي والتحريف والأساطير بل وحتى الهلاوس والكوابيس والشعوذات. وبما أن القرآن الكريم (فيه تبيان لكل شيء)، والسنة الشريفة هي الممارسة لها وفيها تفاصيل لم ترد في القرآن الكريم (وما ينطق عن الهوى)، فيمكن الاستناد إليهما مباشرة في تأصيل الأدب الإسلامي الحديث (في منطلقاته النقدية وأساليبه وأشكاله وصفاته.. الخ)، وليس كما يفعل غالبية النقاد المعاصرين من استنساخ تجربة ما، كالترجمة، من ثقافة مختلفة، ثم إلصاق آيات بعيدة وعامة، و"أسلمة" شكلية لتلك التجربة أو الجنس الأدبي أو المفهوم؛
أو التورّط في صيغة وعظية جامدة، زمنيا، للقصص القرآني والنبوي، كما فعل الفقهاء/ علماء اللغة طويلا.

1= تأصيل عقائدي/ علمي/ فكري:
-       الهدف من الكتابة الأدبية عقائدي أولاً: أي عبادة وتعبدا، ويمكن لأي سلوك في الدنيا أن يكون عبادة قبل أن يصير وظيفة/ مهنة أو تسلية أو ربحا... (التعلم من نماذج معاصرة معينة: الشعراوي/ الحويني/ جرّار/ أبو قتادة)
-       الموضوعات مفتوحة على كل القضايا الاسلامية، مع الالتزام بالخصوصية الفلسطينية.
-       الحسم المعرفي/ العلمي بحسب ما هو صريح في القرآن، سواء في النظرة التاريخية أو الاقتصادية أو العلمية .. الخ (بالمعنى الشرعي والتطبيقي، أما العلوم المعتمدة على الفلسفة فلا)
-       تحقيق التدبر والتفكّر والتمثل.
-       تأصيل المعاصر.
-       حماية المقدّس من التدنيس/ ورفض تقديس ما ليس مقدسا، في كل شيء. بالنسبة للبشر، لا عصمة إلا لنبي. (الحرافيش مثلا أو بداية ونهاية لنجيب محفوظ، هي كتابة فلسفية تستهدف تدنيس الأنبياء عليهم السلام بتحويلهم، الكاريكاتيري أيضاً، لمجرد أجيال من الفتوات، في حين يُرفع سفلة لمقام تبجيل مثل السادات وغيره). في الموازي الثقافي/ ما فعله طه حسين في نظرته للقرآن الكريم وطروحات الانتحال الشعرية والتراثية، ليتمكن في النهاية من التشكيك في حفظة القرآن والسنة.
-       تناول قيمة الحياة، من حيث هي استخلاف للبشر، وهنا يتم الالتقاء مع آداب الأقوام الآخرين بأديانهم ومعتقداتهم.

2= التأصيل الأخلاقي والفنّي: (مراجعة التصوير الفني في القرآن، ومنهج الفن الاسلامي)
أ= أخلاقياً:
التصريح بحسب الضرورة الموضعية، كما هو التلميح.
لا خطاب اختلاطي بمعنى تكشّفي يثير الغريزة أو فيه إشاعة لفاحشة.
لا مهادنة في طرح الموضوع.
لا فضائحية للناس والقضايا (أو إحالة مباشرة إلا إذا كانت مدروسة)
تجنّب الغيبة والنميمة.
السياسة مخفية أو ضمنية إلا إذا كانت مدروسة.
الذاتيات ملطّفة
الابتعاد عن السوداويات
عدم قول ما لا يُفعل
حسن الظن والأمانة في المعادل الفني
الترميز أمثال فطرية –طبيعية- لا وثنية
الأصالة: تجاوز الذاكرة/ الانتحال.
الوحدة الإسلامية رغم الانحياز: الاحتواء المذهبي و(الطائفي)
مناقشة حقيقة الوصايا العشر المعاصرة عند أهل الكتاب.
تناول التحريف في النص عند أهل الكتاب من النواحي الأخلاقية والاجتماعية في علاقتهم مع الأغيار.
علاقة الأدب الإسلامي الحديث من ناحية المقارنة مع الآداب الأخرى. (تأصيل)
ب= فنيا:
تجاوز الوعظ الساذج (والاعتماد على سورة يوسف في اشتقاق الخصائص الفنية)
الجمع بين السببية والقدرية (الأخيرة دون ادعاء) عند معالجة الأحداث.
السلاسة في القص و(العفوية) الدرامية
البناء الفنّي المؤكّد على عناصر كل جنس أدبي، مع الانحياز للعناصر الموجودة في القرآن الكريم، أو الأجناس الأدبية العربية، كالمقامات والأخبار والطرائف.. (الرواية الأدبية الحديثة ترتد في أصول ملامحها الفنية للمسرح الوثني، من ثم العهد القديم، فالآخر الجديد)
إضافة في كل مرة من حيث الفكرة المقترحة أو الموضوع أو البناء.
تجنب )الخلق( الفني واستعمال الايحاء المفتوح
نسبية السرد والقص (علاقة القص في القرآن الكريم، بالسيطرة على الأحداث وتوجيهها)
الاعتماد على التوصيف النفسي/ واللمحة الحسية

3= التأصيل اللغوي: اللغة الإسلامية الحديثة:
-       دقة اللغة: القرآن أولاً (تجنب المفردات المؤولة)+ الحديث (الحسن فما فوق)، القاموس ثانيا (إلا عند التقمّص).
-       الحسم النحوي والصرفي.. الخ، اعتمادا على القرآن/ الحديث الصحيح/ الشعر الجاهلي والتراث/ ثم اقوال العلماء.
-       - أصلية المفهوم المستعمل (قرآن/ سنة/ نصوص العلماء والتراث العربي) وعلى علاقة بالمعنى الأصلي اللغوي.
-       المحافظة على بنية اللغة العربية، في مواجهة التراكيب الدخيلة التي تنتشر في الأكاديميا والصحافة والترجمة، ويتشربها الناشيء دون تمييز لها أو إدراك أو تفريق.
-       تجنب الإيقاع الموسيقي كهدف قائم بذاته (النهي عن الغناء/ والابتعاد عن زخرف القول). تجنب المفاهيم والمصطلحات المعاصرة خاصة تلك التي لا مصدر لغوي لها.
-       لغة وظيفية سهلة ممتنعة على صلة بزمنها متطورة أيضاً، لكن آفاقها أرحب من الآني وتعود للتراث وتنفتح على المستقبل.
-       تجنب المفاهيم المتسللة، ومع الوقت محاولة تأصيل (معجم المفاهيم الحديثة).
-       استعمال منهجية (الجرح والتعديل) في التوصيف والقصّ، ضمنيا أو بشكل صريح، أو عند متابعة الشخوص الأدبية.
-       مستويات للغة تناسب الأعمار.
-       تجاوز الكلاشيهات الصحافية واللغوية والسياسية والتراثية الجامدة، إلا عند التوظيف.
-       ردّ اللغة الشكلية/ الديكالتيكية/ الجدالية التي تعتمد على التلاعب اللفظي والفلسفة الداخلين في (زخرف القول).
-       العلاقة مع اللغات غير العربية، يجب أن تنضبط بضوابط معيّنة (تأصيل) (مراجعة المدرسة العلمية التي تقول إن اللغة العربية أصل اللغات –السامية وغيرها- ولغة آدم عليه ولغة أهل الجنة، إضافة لاستعمال القرآن لمفردات تنتسب للغات أخرى).

4= تأصيل الشخوص
-       الاستعانة بشخوص القرآن الكريم والسنة كمرجعية (مفتوحة).
-       عدم تفصيل القصص القرآني والابقاء على اعجازية القص في القرآن الكريم.
-       رب العالمين. إمكانية تشخيص كائنات غير مشخصة. (؟)
-       التمثيل -اللا تمثيلي- للملائكة والجن والعفاريت مع المحافظة على النسبية والتأويل الفردي.
-       محاربة الترميز ثلاثي الأبعاد/ الأصنام، وأمثالها المجرّدة في الأدب. (تعريف الترميز: كل ما ينوب عن أصله ويستقل بقيمته الذاتية دون وجه حق) (دراسة التجريد من حيث كونه ترميزا)
-       المرجعية في الكائنات الحية بالمقاربة مع القرآن والسنة.
-       عدم مخالفة الحديث والسنة في المنهي عنه –دلالة- لوظيفة الحيوانات والنباتات. مثلا الهدهد في الثقافة المعاصرة، على صلة بهدهد (الكتاب المقدس). (دراسة كليلة ودمنة، من وجهة نظر أدبية اسلامية حديثة، والخروج بضوابط (شخصنة) الحيوان.)
-       مقاربة شخصيات مثل يأجوج ومأجوج دون الحسم لغير المحسوم.
-       عدم تدنيس/تجسيد الأنبياء أو (تقديس) غير المقدّسين، كما عند الصوفية والمناطقة والشيعة.
-       عدم التطرق لشخوص الأساطير الوثنية أو عند أهل الكتاب، غير المثبّتة في القرآن، إلا بالرد. الثقافات الغربية، كما الشرقية (الهند والصين واليابان.. الخ) لها شخوص متفق على رمزيتها، وهي متسللة إلى الثقافات العالمية من ثم الاسلامية أو العربية بفعل التبشير/ الاستشراق/ الأكاديميا التابعة. مثلا، (صخرة سيزيف) كحكاية واسطورة وتاليا توالدها المفاهيمي في آداب كثيرة، مع أن (العبث) أو العدم/ مقولات فلسفية على علاقة صدامية بطروحات كنسية، ولا توجد في الثقافة الاسلامية. بالمثل بوذا، والساموراي.. الخ.
-       تأمل (الشخوص) الواردة في الثقافات غير الإسلامية، مع عدم التورّط في (الموافقة) عليها. فقط تأمل، ومحاولة ردّها للأصل: انحراف عن عقيدة بظرفها المكاني والزماني.
-       الشخوص الإسلامية عدم استعمالها بشكل حاسم، إلا ما اتفق عليه أو اجمع، مع ترك المجال النسبي مفتوحا.

5 = التأصيل الشكلي:
متحرر بحسب الغرض/الفكرة الوظيفية مع الميل للنثر.
الاعتماد على (النص) الذي يجمع بين عناصر/ ملامح أكثر من جنس أدبي، وليس لعجز عن إتقان واحد منها، كما هو منتشر.
القصّ (التتبع، الصدق، الموضوعية، الغاية الوظيفية) هو الأساس وليس الحكي أو الروي (موجودان في "العهد القديم")، والاستعانة بقصص القرآن الكريم.
القصّ الأسطوري عند الشيعة –لغياب الإسناد والسلسلة- يمكن تطويره في الأدب الإسلامي الحديث، كذلك (الأخبار) و(الإسرائيليات الموافقة) و(المقامات). لعل (الأسطرة) عند البشر، منذ عهود وثنية، من ثم في "الكتاب المقدس"، أصل كتابات سريالية ووجودية وعبثية، بل ورومانسية، ناهيك عن تواجدها في الأدب الكنسي الذي يدرّس بصفة مستقلة، وقد امتدت مثلا لأساطير الشيعة التي تدور حول أهل البيت عليهم السلام والإئمة، من ثم اختراع أجناس بكائية وحكائية في المجالس.. النقاد العرب والكتّاب لا يعلمان.
بالنسبة للشعر، دراسة هيكلية المديح النبوي عند أهل السنة، والصوفية، والبكائيات عند الشيعة.

6= الأغراض
-       قضايا  المسلمين العاجلة، بيت المقدس بخاصة.
-       الحكمة، كقاسم إنساني بشري.
-       التأمل.
-       اللعب لا اللهو: المتعة الموظّفة. المتعة الأدبية التي توازي المتعة العلمية المشروعة.
-       الدعوة (مراجعة قصص الدعاة من أمثال ديدات والألماني ويوسف) / الجهاد/ السياسة.
-       الإعلام: توثيق التجارب الإسلامية اليومية أو الحيوية والتي لا تستطيع الأنظمة ولا الأحزاب الرسمية -بمؤسساتيهما- التطرق إليها.
-       جهاد النفس (علم النفس الإسلامي).
-       (أدب الخلفاء)/ أدب العامة. آداب العلماء والخواص.
-       التأريخ والتسجيل المحمودان.
-       .... .....

7. الأمن الأدبي:
- الاعتماد على الاحتمال والممكن والنسبي (والصحافي والإعلامي، بعد غربلة زاوية النظر).
- الاعتماد قدر الممكن على الخيال والعصف التخيّلي، خاصة عند التعرّض لمعنى تفصيلي.
- الابتعاد عن الكذب والقذف والافتراء.. الخ. (أخلاق الجرح والتعديل)
- تقنيات: التقية الأسلوبية. التعريض. الإيهام. الكناية. المجاز. تعميم/ تخصيص. تبسيط/ تعقيد.
- النظر للظاهرة والحوادث بمعنى عام وليس ضيقا مرتبطا ببيئة محددة، إلا عند التوجيه المدروس.
- الترميز الفني الإسلامي: مستويات من الدلالة لا تقع في محظور شرعي وتنفتح على معانٍ أوسع، بشرط أن تكون الأخيرة نسبية لا تأخذ قيمتها من نفسها. (مراجعة الحديث الذي يروي فيه النبي عن الخالق/ نسيت الاسم)
- التزام الأخلاق الإسلامية عند تناول ظاهرة بعينها بما فيها من شخوص، والابتعاد عن الغيبة والنميمة والدس... الخ.
- تجاوز الظرفية من مكان وزمان، إلا عند الإحالة المقصودة.
- عدم خلط الأجواء أو التواصل شخصيا/أدبيا.

8. خصائص الأدب الإسلامي الحديث:
-       عقائدي: ملتزم بالنظرة الاسلامية العامة، ولا مانع من رؤية مذهبية أو فردية لا تتعارض من النظرة العامة.
-       واقعي: يعبر عن تجربة محتملة (في الماضي والحاضر والمستقبل)
-       أخلاقي: ضوابطه محددة، مع القدرة على التوغّل لأي موضوع مهما كان حسّاساً.
-       وظيفي: ليس مجانيا أو لاهيا أو عبثيا، بل مرتبط بضرورة تلعب وظيفة، يحددها صاحبها ضمن الوظيفة العامة المقبولة.
-       ايجابي: بعيد عن التقليعات الاجتماعية والثقافية، نظرته للخالق والخلق والحياة والمخلوقات ايجابية.
-       مستقبلي: تصوير بيئة/ أهداف مرغوبة أو يؤدي إليها...
-       شامل: من حيث الموضوعات والتعامل مع كافة تفاصيل الحياة وأناسها المختلفين.
-       اسلامي الجمهور، مع مراعاة النظرة لغير المسلمين. عربي الوعاء. فلسطيني المدخل.
-       الانسانية لا تسبق العقائدية.



= (النص)، يُستعمل في التراث الفقهي الإسلامي للإشارة إلى القرآن الكريم والحديث الشريف، وعند علماء اللغة للاشارة إلى فقرة في كتاب أو قصيدة أو مقامة، وعندهم أي شيء له معنى يمكنه أن يكون نصا. أما النص في التصنيف الأدبي الحديث، فهو الذي لا ينتسب لجنس معروف ويحمل خصائص جمالية وفكرية. هكذا الخاطرة أو التوقيع يمكنه أن يكون نصا.
= الرواية. الذي أعلمه عنها أن أصلها العربي يعود للروي والراوية الذي يقص الأخبار والأشعار. وفيما بعد تطورت لتشمل الأحاديث الشريفة -والحكايات الحقيقية و- الملفّقة، والرواية كجنس أدبي بدأت في القرون الوسطى في أوروبا، بعد اختراع المطبعة، بغرض الترفيه والتسلية. لا توجد رواية اسلامية بخصائص الأوروبية، والذي لدينا حكايات وأخبار ومقامات وقصص (تختلف عن القصّة الحديثة). وبملاحظة شخصية، استنتجت وجود صلة مباشرة بين (رواية) الأساطير ذات الأصل العقائدي المنحرف، أي الوثنية، وبين تطورها الفنّي، بدليل وجود مسرحيات شعرية ممثلة على المسرح ومدونة منذ الاغريق والرومان. من بعد دخلت مع التحريف إلى الكتاب المقدس بعهديه القديم/ المزعوم أنه التوراة والجديد/ المزعوم أنه الإنجيل.لهذا السبب لا توجد رواية فنية يابانية أو هندية أو فارسية (كلها تعرف الرقص التمثيلي على مسرح مخصص، أي المسرحيات) أو عربية، بل مرتبطة حصراً بأهل الكتاب. أظن أن أقدم رواية أدبية في التاريخ هي (العهد القديم).
= عقائدي، نسبة للعقائد، وهو –كمفهوم- اختلف استعماله عن الاستعمال التراثي. كان نسبة للعقد، عقد الايمان، وصار ينسب للعقائد بمعنى اعتقادات. وهو تطوير لمعنى الايمان مع التأثر. هكذا يستعمله الشيوعي والمسلم المعاصر والوثني والنصراني واليهودي، بمعنى متساو، بينما المعاني ليست هكذا، وفي القرآن الكريم تفريق. "عقيدة" لم ترد في القرآن الكريم، ولا اتذكر ورودها في السنة، وبالتالي تجاوز كلام الله عنها أو تجاوز سنة نبيه، لهما معنى عميق، وإلا لدخلا في التعهد بحفظ الذكر. معنى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، أن كل الحياة، بمفاهيمها ومصطلحاتها ومعانيها، يجب أن تجد طريقا للقرآن الكريم، وإلا فإنها من دون حاجة)
= الأكاديميا مثلا، مصطلح دخيل لم يخضع للتعريب واستعمل كما هو، وبالتأكيد هناك فوارق بين أصله واستعماله عندنا، ليست في صالحنا. من الملاحظ أن التراث العربي لم يعرف المدارس إنما المساجد والمعلمين وحلقات العلم والكتّاب والمشايخ، وأن (المدرسة) مفهوم حديث نسبيا أصله اللغوي مختلف في معناه عن معنى المفهوم المنتشر. كيف يمكننا ترجمة (أكاديمي)، بمعنى جامعي أم مدرسي، وكلاهما مختلفان؟ الجامع عندنا، تسمية شعبية للمسجد، بينما الجامعة، مؤنث جامع، عندهم مؤسسة تشمل الاثنين ولا علاقة لها بالسجود أو الصلاة أو الجمع، أكثر من جمع الطلاب والمحاضرين المدرّسين. لهذا السبب الجامعة عندهم منفصلة عن الكنيسة في الظاهر، لكنها في المضامين مرتبطة بالكامل بها. لو راجعنا التاريخ مثلا، أو الجغرافيا، أو مقارنة اللغات لوجدناها تستند إلى (رواية) العهد القديم تحديدا، بينما تنفي ذلك في العلن. فصل الدين عن الدولة، أو العلمانية، تسللت إلى الأكاديميا لكن بطريقة غريبة: سمحت بالفصل، مع الاعتراف بالاثنين. أما النظرة العامة، فتسيطر عليها الكنيسة الخاضعة لسطوة العهد القديم لأنه جزء من الكتاب المقدس، خاصة بعد حذف نسخ الانجيل التي زادت عن مئة، والابقاء على أربع منها فقط.


الخميس، 11 أبريل 2019

مبعد فلسطيني


مبعد فلسطيني
قصة قصيرة- ماجد عاطف


ألصقوا اليافطات الحركية والملصقات على الجدران والواجهات ترحيبا بعودته إلى الوطن، هو المبعَد المناضل، قبل أسبوع من موعد عودته. كانت له لحية حديثة أحسن تشذيبها وتحديدها، بحيث تظهر التزامه الجديد. أمضى عقودا من حياته منخرطا في تنظيم علماني لا عقيدة له، وفي السنتين الأخيرتين، قدّم نفسه ملتزما بالدين.
رحّب أنصار الحركة الإسلامية بالتزامه المعلن، لكنهم كانوا على حذر منه وتجنّبوا الاحتكاك به. لم يعتمدوه عضوا فاعلاً كما فعلوا مع غيره، بل لم يتحمّسوا لإدخاله أجواءهم الاجتماعية أو يوكلوا له أي مسؤولية. ثمة شيء حتى في وجهه مريب. إنه مظلم شديد القسوة إجرامي.
كان حريصاً على المظهر، واستطاع الظهور –على التلفاز- في المسجد الخاص بالزعيم. إنّه يصلي بشكل ثابت، وفي المسجد أيضاً، منذ سنتين. ويمكن للمئات أن يشهدوا له. الإيمان والسريرة أو الندم والتوبة، الخالق عز وجل هو الأدرى بها ولا يملك أحد أن يتمحّصها. لم يتأثر تنظيمه العلماني بل لعله سعد به، كحلقة وصل اجتماعية على الأقل، مع جمهور الحركة الإسلامية. أو كنموذج على وجود متدينين في التنظيم الذي يحوي أخلاطا من الناس والمذاهب والاعتقادات والدوافع. عاد الناس إلى الدين بعد تجارب من التقومج والتبعثن والتمركس والتمومو والادعاءات الوطنية. كان الاستقبال حاشدا من جميع التنظيمات التي رحّبت به في حفل الاستقبال.
بعد تجاوزه لإجراءات المعبر الذي سبقه طلب رسمي، استقبلته قافلة من السيّارات تحمل أعلام الوطن والتنظيم. ركب في مؤخرة شاحنة صغيرة مفتوحة فيها مكبّرات صوت تصدح بأغان حماسية، وأخذ يتصرّف كقائد يحيي الجماهير بوقفته وحركة يديه.
هو ليس مبعدا تماما. عند اعتقاله في شبابه وُضِع في ملابسات قانونية بحيث يتعرّض لحكم طويل بسبب تهم ثقيلة العيار: مؤبد؛ أو يقبل الإبعاد.
كانت البيّنات ضده مشوشة (لا) اعتراف لديه ولعل هناك نيّة أوسع لتعمية ما حصل فعلا. حتى تنظيمه لم يتمكّن من الحصول منه على تقرير اعتقالي فعلي ليدرسه. وكانت عليه اعترافات تستند للسماع فقط. وهو لاذ بالصمت على اعتبار "الصمود" الخرافي في التحقيق، وتاليا إلى الإبعاد. ولأن الأمور فوضوية فأؤخذ بالظاهر: عمل فردي بطولي (صمد) صاحبه!
تداخلت (التقديرات) مع الجهالة والادعاءات المختلفة. في المحصّلة لن يتحمل تنظيمه أي ناتج سلبي عنه لأنه لم يصدر له أمرا، فيما يمتلك للمباهاة والتبني أمام (الجماهير) ادعاءات نضالية.. وأهل القتيل لم يستطيعوا النبس بحرف. تحت الضغوط الاجتماعية والتشهيرات والمخاوف الجنائية، لأن ابنهم لم يكن يخلو
من لصوصية ومطالبات مالية، تبرأوا منه، فصار يمكن لأي شخص قتله دون مساءلة. نجا القاتل، ومن خلفه التنظيم، من أي مساءلة حقيقية.
الناس من ناحيتها لم تصدق مبررات القتل المبهم. ظلّت تهمس خفية إن خلف الجريمة مطمع متعلّق بقطعة أرض ما للضحية أو على علاقة به. لكنها بالطبع لا تقول كلامها علنا أو في محفل رسمي.
عقد محاميه الصفقة وقبل الحل الأخير مع بعض الضمانات التي تفسح المجال للعودة في المستقبل. صار مبعدا!
نشاطه في دولة الإبعاد اقتصر على الإعلام وحضور الأنشطة بهيئة ذات هندام ووقار. لم تكن له مرتبة فعلية. لكن صداه تضخّم بين الناس، في الإبعاد أو مدينته، الذين صاروا يهتفون باسمه وقد يلجأون إليه ليساعدهم في أمر ما أو يحتكمون إليه، وتقمّص هو الدور؛ فزادت أهميته بالتالي أمام تنظيمه.
على المنصة ومع وفد الاستقبال الوطني، قرأ آيات من سورة تروي قصة سيدنا موسى عليه السلام، عندما بعثه الله سبحانه وتعالى لفرعون، بعد فراره والعودة من مدين. كان ثمة شيء في اختياره متعلق بالقتل الخطأ، كأنه يبرر أو يمهد أو يعتبر نفسه يستشهد/يتأسى بنبي..
ثم أخذت "الجماهير" التي لم تنتبه لمعنى الاختيار، على الأقل في لحظتها، واكتفت باحترام المقدّس، تصعد الدرجات الخشبية وتصافحه مهنئة بعودته المظفّرة؛ وتلتقط، بالطبع، الصور معه. سيعلّقونها في صالوناتهم ومحلاتهم للإيحاء والإثبات والتباهي. جلّهم انتهازيون نفعيون يبحثون عن تيسير للمصالح ويركبون الموجة، أو بسطاء، أو صغار ما بين مخدوعين ومتحمّسين.
التلفاز الرسمي بث فعاليات الاحتفال بثا حيا ومباشرا.
متفرّجة من تلفاز مستعمل صغير بعيد في غرفة مستأجرة فقيرة، يتردد داخلها الغضب والتأزم والهوس، كانت امرأة اغتصبها (رفقة آخرين قادهم هو)، وتحت تهديد السلاح الأبيض. أوشكوا لحظتها على قتلها، وسكتت هي بعد أن صاحت في الضحى ولم ينجدها أحد، إلى أن هربت منهم. فيما بعد لاحقوها في الشوارع وتحرّشوا بها كلما استطاعوا ونجحت في التملّص والانتقال إلى مدينة ثانية. هناك طمرت ما حدث في نفسها وتناست الموضوع. تخبّطت في أشياء كثيرة ولكنها نجحت في أن تحفظ سواء السبيل. إنها عبارة عن حريق من العقد والدوافع لا تخمد ناره أبدا.
عندما علمت من الصحف عن إبعاده، شعرت براحة خفية.. عصابته انفرط عقدها وتفرّقت بين السجون والنبذ الاجتماعي، دون أن يتكشّف ما فعلته بالناس، أو لربما سُكت عنه. هي ظلّت تفكّر باستمرار في نقطة واحدة لا غير: هل أخطأت بالاستسلام أم كانت تستطيع المواجهة؟ ألم يكن عليها أن تقاوم حتى الموت؟؟
أحدهم شلّ مقاومتها بلوي ذراعها خلفها، وآخر لم يتردد في طعنها في بطنها، وثالث كتم صوتها بكفّه، فيما كان آخر يراقب لهم. كانوا معتادين ومحترفين. ثم تناوبوا عليها. عندما علمت أن كبيرهم، المبعد، لم يتردد
في القتل، أدركت أنها نجت بصعوبة. ما كانوا ليترددون في قتلها لو أبدت مقاومة أكبر، ولا يزال هذا التهديد قائماً. شيء مرتعش فيها يخبرها هذا، فيما لو تسرّب ما يدينهم.
لم تنس ما حصل، لكنها تنتظر اللحظة المناسبة لتقتص. لن يصدّقها أحد لو ادّعت عليهم، خاصة مع مضي السنين، حتى لو أثبتت أربعة اغتصابات أخرى تباهوا أمامها، بالأسماء، بارتكابهم لها، وصارت تعلم عنها. ضحاياهم كلّهن تعرّضن للاتهامات والتشهير من تلك الحركة التي تفتعل الحدث ضد ضعيف ثم تشيعه ليتفرّق الوزر، من ثم تستفيد –بطريقة ما- من الوضع الناشيء. كلّهن سكتن عمّا حدث معهن.
تتذكّر قصة شابة شقراء لم تتجاوز العشرين في حينه، انكشفت. الذي اغتصبها كان ابن مسوؤل من عائلة (إزنكنا/ iznikna) المعروفة، وجارا لها، بعد أن أسكرها في حفلة. وصار تاليا مسؤولا في جهاز أمني، بل وضعوا مقراً للجهاز في بيتٍ ملكٍ لعائلته!
انفضحت الشابة وشهّروا بها. بعد سنوات، تدخل بعضهم وتدبر لها زوجا.
كانوا محسوبين على تنظيم.
ومهما فعل أو قال أو قالوا هم، لا يمكن للص مغتصب جماعي متسلسل كرر جريمته وقاتل أن يكون مناضلا أو مجاهدا. مسالك التوبة، إذا صدق صاحبها، صعبة جدا وتقتضي التكفير. وأول خطوة تحمّل المسؤولية. فعله أسوأ من خيانة ونفاق، بل أسوأ من حرابة وفساد في الأرض، لا علاج لهما إلا بصلب على جذوع وتقطيع من خلاف. عندما تتوغل النفس في انتهاك الحرمات واقتراف الفواحش، فإن التوبة صعبة جدا، لأن الآثار الجانبية والرئيسة تظل تتردد كصدى عنيف.
//
خبا الاستقبال وبردت التهنئة وعاد الناس لحياتهم اليومية. حرص المبعد على الحصول على كل حقوقه المالية، مع تحويل سنوات "نشاطه" الطويل ليصبح من (المقاتلين القدامى). كان رقم راتب خيالياً، بإعانة المتوسّطين، لا يحصّله وكيل وزارة. لم يخرج من بيئته السابقة كما لم يكفّ عن تشويه الآخرين، بل تشويهها هي نفسها، كما بلغها واضطرت للتجاهل، مؤقتا.
هل كان رابضا مترصّدا على أمل أن يصير، في اللحظة المناسبة، كادرا -أو قياديا- في الحركة الإسلامية التي تتوسّع أكثر وأكثر، وتوضع أمامها كل العوائق بما في ذلك مخططات الاختراق الفوري والمتوسط والبعيد؟
كانت تشعر أن المسألة مسألة وقت قبل أن تنكشف الحقيقة، وأن خلفهم ما خلفهم رغم مضي عقود لم ينته بعد.

الثلاثاء، 9 أبريل 2019

هاجس

استيقظت متأخرا على هاجس/ ملاحظة شديدة الازعاج: يعرفون أن الثورات قد تأكل أبناءها، وهذه مقولة منتشرة في الثقافة تستخدم بمعان مزدوجة.. لا تهمني. ومعروف أن ثورات التحرر، قد تتبع استعمارها بعد (الاستقلال). ايضا لا يهمني أمرها، كل الأنظمة العربية هكذا. لكن المذهل أحيانا عند تأمل التاريخ هو ذلك التشابه بين (احتلال/ استعمار معين) وثورة ضده تبين مع الوقت أنها منخورة قديما، وأنها تحوّلت إلى ما هو أسوأ من (الاحتلال/ الاستعمار) في الأداء الاجتماعي والاقتصادي والأمني والثقافي.. الخ، ناهيك عن السياسي المعلن الذي هو تغطية لمضمر عميق.
العدو يستطيع قصفك قتلك وأشياء كثيرة، لكنه لا يستطيع تغيير البنى الاجتماعية إلا بتواطؤ من فيها، أعني من يوجهها.
بالنسبة لي تخليت عن ثقافة ما ولم أعد اكترث بالاستراتيجيات والتكتيكات، فقضية فلسطين مثلا، الأرض المقدسة والمباركة، بيت المقدس وأكنافها، لا ينطبق عليها إلا نبوءات القرآن، وسورتي الكهف والاسراء تحديدا.. أما هراءات التحرر والمرحليات مثل هراء المجتمع الاشتراكي أو المدني أو الديمقراطي، فلم يعد يعني لي أكثر من طروحات للاستهلاك.