السبت، 20 يونيو 2026

دعوة للحكومة التركية

 

إذا كانت هنالك مطالبات دماغية بأن يثبت مسؤول تركي ثقافي تزامني العلني القانوني التركي،

وأثبتّ وجود المطالبات،

فإنني أدعو المسؤول التركي الثقافي ليس موافقة على مطالبات لا أهتم بامتداداتها الفتحاوي، بل لي دعوتي الخاصة.

20-6-2026

10.26

 

اتشرف بدعوة مسؤول تركي ثقافي بشكل آمن له ولي/ أولادي.

العنوان معروف لديكم

الاثنين، 11 مايو 2026

معادلة متكررة

معادلة متكررة

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


التقينا في بيت العائلة القديم، خالها ابو كتّون كان موجودا، يرفض مناداته بغير هذه الكنية، فلا ولد له. ذهب الحاضرن وبقي القليل. انفضت الضجة وزال اللغط وابتعد الحرج. أتت لتجالسنا. كان قد طرأ عليها ما طرأ، وعادت -كما كانت- وحدها تلوذ بمناسبات العائلة، تريد منفسا أو توجيه انطباع. إلى جانبها خالها. جرى الحديث كما تجري الأحاديث وشاركت قليلا. لما تطرق الحديث إلى زوجها الذي طلّق على غفلة وسافر، تركزت العيون عليّ.

الطلاق والزواج شؤون بين اثنين يفترض أن خلفهما في كل الأحوال من يساندهما. من النادر جدا جدا حصول طلاق ودّي، فهناك نظرة عامة وهناك ضغوط على الجميع، والطرفان يحاولان اكتساب الناس لصالحهما، البيئة، لأن الطلاق كسر للمرأة بصرف النظر عن السبب، فيسمح الحمقى بالتدخل فيه. 

بينما الحقيقة دائماً موجودة في طبيعة العلاقة التي كانت بين الزوجين، ومن المستحيل لأحد خارجهما أن يفهمها، والبقية تحايل وحيل وحرب اعلامية، خصوصا إذا اتخذت منحى عاما، سياسة وما شابه! العلاقة بقراراتها خصوصية إذا تجاوزت حيزها إلى خارجه أو تدخل أحد فيها بموافقة طرف او الطرفين، فقد انتهت، مهما طال الوقت اللازم لظهور ذلك.

ماذا أقول؟ قريب منهما؟ نعم، لكن ما دخلي؟؟ اختصرت:

- ما عندي رأي. إذا كنتم تريدون الاستئناف والصلح فانا الشخص غير المناسب.

- أعوذ بالله (هتفت بسرعة وارتدت إلى ظهر المقعد العريض، فتشابك خمارها مع شيء ناتئ حاد في كتف ثوبها. انشغلت بحلحلته)

استثمرت اللحظة وسرّبت الكلام هادئا:

- اذاً موضوع منته، والله لم يحرم الطلاق.

أكتم عن الناس رأيي الخاص أن الزواج للبالغ مثل الطلاق لا يحتاجان لسبب، إنما هنالك واجبات وتبعات، بدليل جوازهما الاثنين لغوا. إنه أمر بيد الرجل وحده، ولو كان هناك قاض أو منح عصمة.

خالها ابو كتّون رجل كبير نحو الثمانين وصحته جيدة. فلاح عتيق لم تغيّره المدينة التي يسكنها منذ نحو عشرين عاما. سيكون مشغولا مهموما بابنة اخته يرى ما تجهل وجوده. هنا عوالم انفتحت من دون حواجز حماية، وهناك افتقاد وعاطفة مضطربة والكثير من الاحتمالات والمخاطر. عدّل جلسته وتقدم بوجهه قريبا مني.

- رغبتي الاستفسار في موضوع..

يخاطبني وفي صوته نبرة خفية.

- خيرا..

- هل كان عندك علم عن "شيء" قبل الطلاق؟

إنّه يلمح لزوجها. 

- اسمح لي بوقت لافكر.

زوجها رجل أربعيني ناشط حين تزوج كان في الثلاثين، وحين طلق كان في الأربعين، من دون أولاد. له شواغله في الدنيا، ومن حيث المعيشة موظف يجري راتبه على الدوام، حتى لو كان معتقلا. الأهالي يلمحون هذا عندما يقررون تزوج بناتهم، والفتاة نفسها، وهي كانت اقل من ثلاثين بأعوام حين تزوجت، تكون قريبة من الأجواء تفهمها بطريقتها وضمنيا. هل أعرف شيئا عنه كان يمهد لطلاق؟ خلاف أو مشكلة؟

لا، سوى أن تناقضاته العامة في العلاقة مع الذين خلف مؤسسته من دوائر، شغلتني. كان يثق بهم ويراهن على وزنه، بينما رأيت وجهته حتمية التصادم وأنهم يستغلون كل تفاصيله ضده، بما فيها انتظام الراتب. 

ما لدي في الحقيقة عن ابنة اخته التي لم تنجب والا لربما تغير حالها، فقد اقتربت منهم طامعة في وزن، بشيء من السأم ورغبة في تسرية واسعة، والله أعلم. أغلب الظن رفض زوجها، ثم تعقدت جوانب فاختصر، خاصة لما قطعوا راتبه.

بعدما تعمدت اطالة السكوت، أجبت بعمومية:

- أحوال دنيا أبو كتّون. كل الناس تتغير، وهناك الذي يريد أكثر. لا أحد يرضى عن رزقه. ناس صغيرون في العقل.

سافر زوجها بعد أن (رأى) شيئا منهم هدده بالكثير، فطلق وهرب. اعتادوا على اعتقاله وحجزه وأحيانا بادّعاء الحماية له، ويقال إن خلافا له طرأ مع جماعته. 

المعادلة مفهومة متكررة، لكن المعطيات متباينة تتغير حسب طبيعة الشخص،  والنساء يقفن مع الدنيا، وهنا سينشغل محامون وكتبة عرائض ورسوم وتغيير وثائق وتُدر أموال. صار الزواج مثل قرارات سياسية تخضع لعوامل استراتيجية وتكتيكية! الذي لا يعرفه هو أنهم سيلاحقونه أينما ذهب فلهم وجوه كثيرة، ومن الأفضل أن يظل في المكان الذي يعرف مشاكله جيدا، ليواجه.

فهم كلامي بطريقته، فتعمّد الرد عليّ:

- تعرف التعريض غير محرم. بعد انتهاء العدة وشهر، سنزوج ابنتنا. ستكون من المدعوين.

ثار فيه من الضيق ما ثار واندفع، غافلا عن أن التعريض للأرامل فقط. لا لم يغفل، أضاف شهرا. هل يشعر بالنقمة ويريد أن يدفع قولا أو يفحمني أنا؟ أم يلمح لشيء متعلق بمصير طليقها، كأنه ميت في الحقيقة؟ ومن قبل مَن؟ أيهدده أم اعتبره قد مات؟ 

لأدفع عني فكره البعيد واكتفي بفهمي أنا. لم يسبق لأبو كتّون أن اقترب في حياته كلها من عمل وطني أو سياسة ولا اجرام، ليتملّكه هذا الغضب. سارعت للتخلص:

- يشرفني ابو كتّون. سأحضر معي لجن عجين واسع. الصبايا لازم يبقين رشيقات ويحافظن على أزواجهن ومشغولات بالبيت.

عندها، نظرت شفتاه أسفل شارب الشيب العريض -مثل شوارب الدروز- نظرة فيها تعرج مكر، وقد فهم موقفي، وربما وافقني، لكن بعد أن أخافني! 

ولبرهة دفعت خاطراً سريعا جدا خفيا، لأنني أجهل معطياته هو وزاويته. المؤكد أن الرجل الناشط طلق وسافر، وإذا كانت هناك حقائق أخرى فستتكشف فيما بعد. ما دخلي بهذه الحكايات؟؟

علقت هي لا يعجبها الكلام، مطالبة بـِ:

- خلاطة كبيرة مولينكس!

وبقيت على عنادي: 

- لجن عجين صيني، أوفر!


دليل معرفة الادباء

 سبق لي أن أجتهدت وكوّنت ما اسميته دليل معرفة المشايخ، وهو موجود على مدونتي. الآن اجتهدت وكونت دليلا آخر في  معرفة الأدباء، استخلصته من تجربتي الشخصية، وله مقدمات في "نظرة في هيكلية الأدب المحلي 2005"، موجود على مدوتني واسترجعته بصعوبة بعد أن كاد يختفي عن الانترنت.

دليل معرفة الأدباء، الفلسطينيين بخاصة:


1- انجاز ابداعي مقنع، ثقافة انتقائية واسعة.

2- تجربة فعلية حياتية يعتد بها.

3- ثبات كامل ليس كطرح فقط، انما بشكل عملي وفعلي وحياتي، متحقق سياسيا.

4- قدرة على تجاوز الفخاخ العامة، والقدرة على التمعن والتحليل والمواجهة العامة.

5- تنازل عن الذاتية والمنافع الشخصية.

6- خلفية اجتماعية ناضجة تحتمل الضربات، وتستطيع المواجهة الشخصية.

7- وعي بمستويات الصراع والرقابة الكاملة والادوار المرتّبة ذات الاستعمال المضاد والمزدوج والاستدراجي، من التقنيات العقلية وصولا للمخبر.

8- قدرة على التصرف الفردي المسؤول، القانوني، بمستوياته الفردية والمحلية والمؤسساتية والعربية والاسلامية والدولية.

9- فهم الفوارق العقائدية والمنطلقات المتنوعة.

10. الارتفاع على الفصائل والحركات مع المحافظة على القناعات.


استنتاج سريع جدا: الكاتبات والمثقفات لا يصلحن.


الخميس، 7 مايو 2026

حكاية حصاة

 حكاية حصاة

قصة قصيرة/ ماجد عاطف.


الحصاة الملساء البيضاء التي وجدت بجوار صخرة طبشورية تفككت مع السنوات، ظلت على حالها. كان يلهو بها الأطفال، ويعيدونها إلى الجورة، مرتع كرات البلور، البنانير، على جانب اسفلت المخيم. ينساها الصغار للحظات بانتظار أن يدفعوا كرة قماشية سقطت إلى جوارهم وجذبتهم.

الحصاة مكتملة الاستدارة، مع قشط على سطح لها تستقر عليه. تلقى جانباً، تستعمل للتكور ودحو شيء لين، ربما ترتطم بها قدم مستعجلة فتزيحها إلى جانب شروش دوال أو جذوع لوز. ربما يجرها كيس علق بساق غنمة من الطريق الترابي الذي سيصير شارعا معبدا. ولا يستبعد أن تدخل أداة في شجار بين مراهقين، أو تستعملها امرأة كبيرة لطرق باب الصفيح وطرد كلب ولج الساحة.

حملها كل قريب ملاحظ مقتدر واستعملها في حاجته. يعتريها قليل أثر من اصابع ولطخات، ولكنه سرعان ما يزول عند تفككه وتحلله والتعرّض للمطر والشمس. بقيت ملساء واضحة البياض وقشطها لم يتغير، لكن موضعها مترتب على القوة أو الشخص الذي يدفعها.

حملها المتخصص الباحث عن ترسبات زجاجية وأحافير ومعادن، قلّبها وتأملها، فأعانه القشط على معرفة المكونات الداخلية والعروق الدقيقية. هي من نوعية لا يريدها. لا تلزمه، وكأنه أيضاً يقدر طبيعتها، أعادها إلى الغبار المتيبّس حولها، ونبتت فيه إلى الجانب عشبة صغيرة جدا، يقاطعها صف من نمل الذر.

والتقطها فتى شجاع مدافع ليلقيها على التي اقتربت، مركبة غريبة، سبقها تهديدها ورصاصها. التفت له الجندي المنتبه المستعد وكان من الخطر جداً أن يلقيها عليه وهو يشاهده عينا لعين، فافلتها في هربه السريع.

احتاج إليها تاجر يتنقل على عربته ويبيع ما تيسر للنساء والعجائز. لم تواز عيار الأوقية بل زادت عليه، فلم ينتفع بها لترجيح الكفة. أدارها في كفه وتلقفها كذا مرة قبل أن يبتلع ريقه وهو يدحرجها.

عاشق مغامر يتنقل بين الحواري يومئ ويوهم ويصرف النظر، وجدها بالقرب من عمود إنارة مساءً. انتظر أن تقترب منه الحسناوات المارات ودق بها على المعدن المجوف للعمود، فانتبهت من فوق، شرفة في الطابق الثالث، حبيبته الخفية المتظاهرة بجمع الغسيل من حولها الاسلاك الكثيرة المتداخلة ومنها ما يتسبب بصعقات كهربائية، بينما انصرفت الانظار إليهن، المتضاحكات، يحسبنه يغازلهن.

صعد عليها دولاب شاحنة قديمة انحرفت إلى تراب الرصيف، فاندفعت بسرعة كبيرة كأنها قذيفة، ولما كان مآلها بين خرق وأكوام خيش مهملة تجمعت على جدار مواز، لم تتضرر أو تتغير. لم يكن في وسع السائق أن يهتم أو يكترث. لم ينتبه أصلا.

فلما كانت في أرض عذراء منبسطة تعود لثري في الغربة من الموسم القريب الماطر، انتبه خائن لها وللحجارة والحصى الأخرى. كانت الأرض غير موطوءة، ومن المؤكد أن "المسلحين" الذين يراقبهم لم يمرّوا من هنا، بل من مكان آخر قريب، فلا أثر.

هي ذاتها كانت صاحبة القرار حين احتكم مختلفون على شيء، فقرروا أن يحتكموا للقرعة، العشوائية في الالتقاط. كل شخص يلتقط اربع حصوات مغمض العينين، والذي يلمس الأكبر فيها، هو الذي يكون الأمير عليهم.

== ==

المتخصص لن يتذكرها إلا فيما بعد وهو يعد بحثاً عن التكوينات المحتملة الوجود لمصادر إضافية، لصالح مؤسسة خاصة أنشأها بالتحايل والتضارب المعنوي تتلقى تمويلا خارجيا. سيقرر أن يعود للبحث في المكان، المخيم بعد أن تعرّض للهدم.

الفتى الشجاع سيصير أشد الرجال جُبناً بعدما عاين التطورات وساعده يشتد والمآلات، لأناس في عمره وآخرين أصغر وأكبر. لن يعود يفكّر في شيء لاختلاط المركبات الغريبة وازياء الجنود وتبعات الشجاعة عند كل جهة، والاستعمالات النهائية لها.

التاجر لم يعد يحتاج إلى كيل يزن به، فكل شيء يُباع ويشترى صار مفروضا، لا هامش فيه لربح، إذا ما استعمل مركبة تحتاج مالا وترخيصا ووقودا وصيانة. العربة لم تعد كافية. النساء والعجائز لسن في حاجة لشخص يراعيهن أكثر مما يبيعهن، فكلهن غارقات في هموم الصغار والفتية. كبرن على كل حال، ودخلت المحلات الضخمة والسلع الجاهزة والموزونة إلى العقول.

العاشق إذا ما تذكّرها واحتاج إلى استعمالها، فسيدق رأسه. أتت الدنيا، خاصة بشرها، على مكامن الدفع داخله، والحبيبة سيكتشف أنها خرقاء كغيرها وإنما كانت تتوق فيشع الود على وجهها. ستصير مصيبة حياته التي لا يعرف كيف يتخلص منها.

والسائق آل به المطاف بعد البطالة التي استشرت والأثمان المدفوعة والتحايلات مع الترتيبات والشطار وخطف الفرص، إلى أن يصير صاحب كسارة صغيرة، تُستعمل لطحن الممنوعات في الطريق لخلطها بمواد أخرى. لو وجدها لربما طحنها غاشا في الكمية!

والخائن الذي سيتحول للمحترف المسؤول الاعلامي، سيتذكّر الحصاة ذات لحظة على أنها فن من فنون القذف المتنوّعة عنده، مباشرة وبالمقلوب، لأنه يصير اعلاميا دوليا صاحب صفات متعددة وستتطور طرق التتبع والمراقبة والابلاغ التي يستعملها.

والأمير المبايع بعد تكرر اماراته الصغير والنامية، سيأخذه وقت الله إلى المكان الذي تأمّر فيه عليهم مرته الأولى، مكان الحصاة الملساء المقشوطة، حيث حقول غير محمية بمنازل أو أشجار، ولكن كمطارد جائع مخذول يتنفّس الغبار وهو يختبئ عن العيون.

الثلاثاء، 5 مايو 2026

مقعد مجدول

 مقعد مجدول

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

((هذا نص جيد عندي، فيه مبنى وفكرة وموضوع وشيء جديد.. الخ، وهو مستقل بنفسه. يفي بالغرض. لاحقني كلب من كتبة الوشايات والديباجات والتقارير والتملقات ومجازات الله أعلم بها وما خلفها وكيف تتلاقى مع تقنيات ما، يعرف نفسه، يريد توسيخي وتوريطي في شيء، تهمة، منذ 22 عاما. وطبيعي ان يكون هناك الاستلهام من هنا وهناك، وهو لا حد له، إذ تتضافر مصادر الكاتب كلها -المرئية والمسموعة والمقروءة والمتخيلة ناهيك عن المعايشة- لتوجد شخصية ما.

يهمني التالي: يا كلب عامل الاستلهام، وهو من اختك دون مواربة، كما عاملت الكثير من الناس لا علاقة لهم بشيء ذكورا واناثا. الآن يراقبك الجميع، صهاينة ومحليين "رسميين وغير رسميين" واجانب وعاديين وغيرهم..، اقبض بعض الشواكل الاضافية بتعبك..))


كان يعمل بمستلزمات التراث ذات العلاقة بلجان مرأة ومراكزها: نسائيات، زجليات، أمثال، التراث الشفهي، كتب طبخ، ويمكن أن يصل عمله الاكسسورات والزينة وصيحات الملابس والبراويز والمشاريع المنزلية... اكتفى بأن يركّز على الكتب. كان يبحث عن موضوعات يعرفها جيدا، ويعرف القائمات عليها. إنما اقتضى هدفه أن يتنقل من شخص إلى آخر، مختصة أو مسؤولة، ليصل إليها هي.

منحوه رقم هاتف لها، فاتّصل بها وعرّف نفسه ومن الذي أعطاه الرقم والموضوع. كانت مرحّبة بالحديث، فلديها كتاب ألّفته عن التطريز ولغات النساء المتنوعة، الشخصية والاجتماعية، من منطقة لأخرى في الفولكلور عامة وخصوصيات المناسبات. 

طالعه سابقا كما طالع محاولات شعرية لها. لا جديد في كتابها التراثي لأنه موجود في الأكاديميا ومنثور في مؤلفات ولعل كل الذي فعلته أن نسخته وجمعته. من ناحية الشعر، لعلها أسوأ شاعرة مرّت عليه. تحادثا لدقائق وتنقل الكلام عن منخرطين في المجال هذا وهذه وتلك. انتظر أن تدعوه للالتقاء به، وفعلت. 

ذهب إلى المركز النسوي الذي يعرف قديمه، قبل أن يأتوا هم ويفسدوا حاضره. استفسر من الموظّفة فأكدت تواجدها ثم طلبت أن ينتظر قليلا. انتظر نحو عشر دقائق قبل أن تفتح باب مكتبها وتأتي إليه وترحّب به. ثم ادخلته. تظاهرت بالانشغال واكتساب اهمية لأنه من المؤكد أنها من دون عمل. هكذا خبط لزق: رواتب تمنح لبعضهم على شرط التبرير. يمكن لثلاثين ناشطة أن تحلّ مكان وزارة المرأة كلّها، بل وكل اللجان ذات الصلة.

حالما استقرت في مقعدها المزخرف المجدول، محروق اللون على شيء من أريحية، وشعر بوجود شيء في المقعد، هتفت:

جيد أن يهتم رجل بهذه الأشياء!

لا غنى لنا عنكن. حصلت على كتب لمؤلفات وأريد الحصول على كتابك.

اتخذّ اهتمامها شكل الجدية، وتركّزت نظرتها من خلف زجاج النظارة عليه. إنها تتفحصه. فما لبث أن قال:

أستاذ عدنان بلشان يشكر فيك وفي شِعرك.

لمح حركة سريعة في العينين. أضاف ليسكن قلقها:

أنا وهو اشتركنا في نشاط بباريس. كان الوقت ضيقاً، فسكنا معا. بقينا معا ننتقل بين الأنشطة كلها إلى أن عدنا بعد عشرة أيام، وحدثني بسعادة عنك.

قالت ببطء بعد أن أحسّت موقفه الودّي:

توفي الآن..

نعم، رحمه الله. أكيد لك مشاغلك لا أريد أن اثقل عليك. 

مشغولة بعض الشيء.

هل توجد نسخ من كتابك، ولا أمانع الاطلاع على كل كتبك.

لدي نسخة لكتاب واحد.

دعين أتحزر: الشعر؟

وضحك بتودد. لديها شعور ما برغبتها في أن تبث صوتها. لمح فيه أثر التجربة على سوئه الكلّي. أخبره عدنان شيئاً عنها، وتصوّر الباقي وحدة.

هل يمكنك أن تنتظر؟ سأطلب من زوجي أن يرسل نسخة مع السائق.

إنها حازمة، مجابهة لكن بتهذيب الذي لا يكترث. تعمد أن يتأملها على ادراكها له. الشَعر والقميص الرحب مع فتحة الزنبق عند الصدر. ساعتها الماسية ويدها الدقيقة. لم يغلغل أكثر بدافع الظهور كمهذب، جنتل. ثم نظر إلى عينيها ليقرأها وتقرأه بهدوء. ومثلما فعل هو فعلت هي. ألمحت بذكر زوجها إلى شيء، ففهم عنها.. بعد صمت قصير، أجاب:

إلى حد نصف الساعة لا مشكلة.

أقل..

هل انت مهتمة بانطباعات أو رأي؟

جداً.. بعد إذنك.

اتصلت بزوجها وتبادلت معه كلاما يوميا وأشياء جانبية بينهما، قبل أن تسأله ارسال نسخ الديوان، مع السائق. لعلها كانت معنية باظهار جانب أمامه هو.

كان ذلك ترتيبا مستقبليا ضمنيا، في الالتقاء. وشعر أن عليه أن يسلك مسلكا رسميا أمام الموظفات والمراسل.

أومأ بأصابعه تشير راحتها مع الذراع إلى خارج المكتب، وهي لا تزال تتكلم:

اسمحي لي أن انتظر في الخارج. 

وردت بهزة رأس ويد سريعة.

كان يجلس على المقعد في الممر يعتريه تقلب، وثمة إصرار قوي جدا بارد. عقلي محض. إنه غاضب جدا، ليس عليها هي، ولكنه مسيطر ضابط لنفسه وأعصابه. لم يحاول مرّة الاستناد على مهارة ليست نزيهة مع أحد، غير أنه سيفعل الآن. زوجها مريض بالقلب ولديه علل كثيرة. فهم من عدنان في باريس ما تجاهله في حينه، أن علاقة جمعت بينهما. كان يستعرض حظه وما يحسبه ميزة له مع النساء. لم يتأثر ولا تدخّل. لم يعلق ولا حاول أن يعظ أو ينشل تفاصيل. شيء لا يخصّه.

لما انتبه على حركة أقدام متعجلة تأتي من المدخل الرئيس عاد لنفسه. وصل السائق أو المراسل يحمل رزمة مغلفة ببلاستيك ودخل إليها. وبعد قليل خرجت بنسخة عليها اهداء بخطها المنمنم الجميل باسمه. ابتسم لها وشكرها، ولم يتبق إلا المصافحة والذهاب. كانت فرحة على نحو ما. ظل أن يحصل على الكتاب التراثي، فكلمها واتفقا على أن تحضره له بعد يومين. كان ذلك موعداً ضمنيا آخر. في سبيله للخروج من المدخل الرئيس تعمّد الالتفات لها مرة أخيرة. هكذا هم، حمقى يبنون أفكارهم على طقوس جاهزة ورومانسيات من الوهم، أنه -مثلا- إذا ما استدار ليراها فقد تركت فيه انطباعا جيدا. وبالفعل، كانت تنظر له.

قرأ الديوان دفعة واحدة وسجل ملاحظات. على عكس عادته، اختار أن يجعلها تتناولها هي بعيداً عن التقييم. نعم، كانت ملاحظات شخصية جدا، تلاعبا جماليا بلغة شبه مجرّدة مع ودّ متفهم، مدونة على الكتاب الذي قرر أن يعيده لها. بل إنه استعمل قلما سائلا زهري اللون معطرا. يريد أن يترك بصمته مع سابق اصرار وتعمد، وليس لأنه لا يستطيع ذكرها شفويا أو لا يستطيع اخفائها. يستطيع فعل ما يفعلونه ويرفضه، غير أن هذه المرة مختلفة.

بعد يومين أعاد الكتاب واستلم الآخر، ولم يجلس أو ينتظر.

كان لديها رقم هاتفه من الاتصال الأول بينهما، فاتّصلت به متحمّسة. فهمت أنه فهمها جيدا، وكان لبقاً في التعليق، مما يشير للاتجاه الآخر، الموقف نحوها كامرأة أو شخص، وبما أنه أتى على ذكر عدنان، فقد عرفت ما يقصده. ظل لبقا مهذبا في الحديث الهاتفي على ود. هذا ما يريده الناس، التفهم والقبول، ولكنه هو لا يريده جهلا وغباء وتصنعا أو اضطرارا. كلّهم غارقون في مآسيهم شؤونهم ينتظرون نسمة من منفس. ما الذي كانت تعرفه عنه؟ لا شيء، فقط اكتفت بالبيئة ومظهره، واذا ما أضافت تعليقاته، فقد صار لديها زاوية خاصة بها.

الكتاب الثاني، التراثي، قرأه ولم يرغب هذه المرة في التعليق. اتصل بها مساءً، بعد الثامنة، غالباً زوجها إلى جانبها وسألها:

هل لا تزالين مهتمة بالانطباعات؟

أكيد.

متى نلتقي وأين؟

اينما تشاء..

كانت الجملة مفتوحة على اتساعها. يستطيع أن يلتقي بها في مقهى عام أو كافتيريا. يستطيع حتى أن يجالسها بوجود زوجها الذي حرصت على ابداء جانب من أمورهما أمامه. لكنه قرر ترك المكان لها:

خطرت لي عدة أماكن. ربما من الأفضل أن تختاري أنت.

صمتت بعض الشيء، وكانت تفكّر. 

موجودة؟

موجودة. هل تمانع أن أعرفك بصديقة لي ونلتقي عندها؟

ما يريحك.

انتظر مني الاتصال.

وهو كذلك. سلام.

الصديقة تعني عالمها الخاص، وستحتفي أمامها بخطه المعطّر. لا يجهل طقوسهم الغبية وأين تؤدي وكيف يفكّرون. يستطيع أن يفعل مثلهم، لكن ما فائدة شيء مصنّع؟

عادت له بعد ساعتين. أملت عليه العنوان واعطته رقم صديقتها وحددت الوقت. كان في صوتها المبحوح قليلا لهفة. خصوصية وعطش. ما يردنه هو وضعك أول السياق المناسب لهن، لتتابع الأشياء على طبيعتها، والمتبقي احتواء اجتماعي لأن التجاذب بديهي. يمكنه أن يختصر من الربع ساعة الأولى، ويمكنه أن يمطّها لأسابيع مع الاستمتاع بالتجاذب والتدافع ومهارات اللعبة.

وصل العنوان واتّصل بصديقتها ليشعرها بقدومه، فاكدت انتظارهما، وتحدّثت الأخرى من هاتف صديقتها، متحمسة.

كان قد أعد نفسه ورتّب هندامه بشكل خاص. ليس جميلا بصورة مرتفعة ولكنه يعرف أنه وسيم، ويستطيع الوصول لدخيلة المرأة في الفهم والكلام. وهي لم تكن بحاجة لأكثر من رجل يختصها بفهمه ويضمن لها الاطمئنان، في هذا العالم الذي دمّروه وكان قبلهم صحياً أكثر.

سيكون لها تصورها الخاص وبرنامجها وأسبابها في العلاقة. لا يحفل، لا يريد تجاوز حد موضوع له.

الشقة في عمارة راقية، والمدخل مبهج مكلف، والمصعد حديث وأنيق. نقر الجرس بوصوله فانفتح بعد برهات. ليس غريبا عن أجواء الصالونات، ولا الاستقبال والزيارات. رحبتا به ووجهتاه للصالون الذي إلى جانبه غرفة معيشة وقبالته مطبخ وما من جدران فاصلة، سوى أن هناك غرفة نوم غير ظاهرة يخفيها ممر، وربما غرفة أخرى للضيوف ولن تنعدم شرفة وبلكونة.

إنه غاضب ذلك الغضب الذي يفسح له بالتمثيل جيدا، دون أدنى مظهر. سطحه الخارجي أشبه بمضرب التنس عندما يرد الكرة بتلقائية وسرعة. انفتح الموضوع وأسهب، رداً وتعليقا واحيانا ابتدارا، بل تعمّد أن يشير إلى ما يفترض أنه مشترك مع الاسرائيليات في التطريز من ناحية المصادر القديمة، وذلك ما يدور عليه عمل مركزها في الحقيقة: تأريخ ومعرفة بُنيتا على اساطير العهد القديم، فلا يعتمدون غيره، بينما عمر البشرية كحد أدنى –لا 11.000 سنة بل- لا يقل عن 124.000 عاما بعدد الأنبياء والرسل إذا منحنا كل واحد عاما، فبعد اربعين عاما فقط من بناء آدم للكعبة بُني الأقصى، ولا بد من وجود حضارة حوله. ما سبق يجد تغليبا لأشكال/ مفاهيم/ مطرزات على أخرى، وفيها حيوانات منهي عن رسمها، وتعمم لأغراض بعيدة كقاسم انساني مشترك بين و.. 

لقد سبق له أن وقف امام تصويرات الخضر والفارس والاسكندر وطيور وغيرها، وارتعب من هندسة عجيبة في لوحة خمرية كبيرة مرّت عليه.

عندها رمقتاه الاثنتان بنظرة خاصة، متفحصة، فقد كانت اشارته عادية ليس فيها نبرة تفاجؤ أو مأخذ أو تدخل، ولكنها تشير لأمر خامرهما..

لما تركته صديقتها معه وغابت في احدى الغرفتين المغلقتين، النوم أو الضيوف، تأملها. كان يتفحصها جزءاً جزءاً بلا خجل ولا اندفاع ولا اي انفعال، لدرجة أن خفتت الإثارة من عينيها بالتدريج.

وضع يده على راحتها معيداً لها بيده الأخرى كتاب التراث، وقال لها:

لا أنظر لك بسوء أستاذة. عالمي بعيد عن عالمك. وأنت لا تعرفينني. فقط تأذيت من قريبك الوحيد هنا كثيرا، هل من الممكن أن تخبريه أنني غير مهتم به؟

سحبت يدها. شعرت بالخوف والاستغراب. انتظرت مقدم صديقتها التي احضرت شيئا للضيافة، ولمحت الطارئ المتوتر في تلبّده داخل الحيز الذي من دون جدران، فتناول حبة حلوى مبتسما لهما وأستأذن بالخروج.

الاثنين، 4 مايو 2026

موقف كلي

 موقف كلّي

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


انتبه إلى أن الفراشة النهارية البرتقالية الصغيرة ذات النقوش الصفراء والبُنية، ساكنة طويلا على غير عادة الفراش، على حدود شوكة.

حولها شوك وخرفيش وتيجان لزهر اصفر ونبتات خضراء واعشاب في الفسحة المتكدّسة التي جلس فيها أكثر من مرة.

خطر له أن ينفخ عليها فلم تتأثر، أو لم تكن نفخته بأقوى من النسيم، ولكنها تمايلت قليلا.. ابتهج. أعاد النفخ فتمايلت مرة ثانية، وليس من فعل النسيم أو الريح. كأنها أحست بميله العفوي فمالت مستجيبة.

أصابه فرح عجيب ما كان ليطال غير كئيب شديد الايغال والتعقيد مسّ اللهو بعد طول تأمل لمحاذير الدنيا التي في رأسه. أخذ يفكر في حال الفراشة النهارية هذه. موضوع مسلٍ يصرف الانتباه.

الفراش عامة ليس صديقاً للبشر ولا عدوا. له دوره الذي خلقه الله له، وفي الأثناء يسبّح. لا يعرف ما هو موقعه في السلسلة والهرم الغذائيين، بل لا يعرف على ماذا يقتات وإن قدّر الرحيق.

فكر في النفختين لعشر دقائق والفراشة لا تزال مكانها. ثم أقبل يهم بالنفخ عليها ثالثة، ولكنها نهضت على سيقانها ورمشت بالجناحين المرتفعين مثل التضخم، فبدت له النقشات عيونا خيالية تهدد. تراجع عن نيته. نسي الموضوع من زاويته هو وأخذ يفكّر فيه كموقف مستقل متكامل، داخلي العلاقات.

كان المكان، ترابا وحشائش وأضغاثاً ما بين أخضر وأصفر ونباتات متنوّعة متفرّقة ومتكدسة وصراصير متعددة الأحجام والأنواع أسفل السيقان وعلى أوراق النباتات وقرّاصات ونمل يتأقلم مع المنحنيات صاعدا وهابطا.

أحسّ الحركة الغريزية مثل استياء وجه امرأة مهتمة نحوه لمحها قبل سنوات لحظت تعجلاً منه أو سذاجة فبدر -فوق طاقتها- ما بدر، وتعرف عن الأطرافا الكثيرة أكثر مما يعرف هو.. تذكّر من هي. فيها تفهم وشيء من تلاعب ولكن الفهم الكلي أشمل، وطالها الخطر.

ما من مبرر فيه هو، وهناك شيء محيط: الموقف الكلي.

عندها قرر أن ينظر جيداً بل يبحث عن الكائنات التي تتغذى على الفراش. على الجانب تحت جذع رطب لا يزال ترابه وحلا، ضفدع يكفي حجمه لابتلاع الفراشة إذا ما وصله لسانها. هناك عناكب رقيقة وسمينة تتراكض لن تمانع الحصول على فرصة لوجبة. وأخيرا، كان هناك العقرب الأشقر الذي لو لسعه لكان في امكانه أن يتسبب له بألم شديد.

نهض بسرعة متجنّباً الخطر ونفض عن ملابسه الغبار والشوك. قتل العقرب احتياطا على سبيل السُنة ودفع الأذى فلربما جلس جلسته غيره، ودفنه داخل التربة اللينة غارزا عصارته وسمه مع العود. 

الضفدع البري الصغير دفعه إلى المغادرة، لا أمر بقتله بل تجنّب أذاه وهو ليس من فصائل الافرازات السامة، نادرة الوجود في البلاد وليست نجسة. 

العناكب اكتفى بالتحريك حولها لتغادر، بينما ظلت الفراشة البرتقالية المحذرة ذات النقشات طوال الوقت محلها، على الشوكة، قد ركنت إلى الشمس الدافئة لمدة أطول لكن انخفضت سيقانها، ساكنة الجناحين، قد زال عنها التهديد.

سيقرر أن يقرأ عن عادات الفراش، فلم يفهم ما الذي تفعله بسكونها وسط المخاطر. أم ترى نفخته كانت ستغير معادلة قائمة مكانيا بين المتربًص والمتشمس والذي ينتهز تطفلا والذي يأتي على الجيف والذي يرجع ببقايا الجناحين؟

لم يخطر له لمس جناحيها الجميلين، فقط أعجبته لعبة النفخ وطريقة ميلانها المسلية. لكنه الذي خطر للفراشة ربما أو ما أحست به وسلكته. شكر الخالق على الغريزة التي تجعلنا أقوى، في الأحيان المناسبة. سيتوجب عليه، في حياته ومحاذيره، أن يتعلم منها ويفعل مثلها.

أما المرأة التي تذكّرها بغتة، فقد أعاد النظر في موقفها الكلي بعلاقاته الكثيرة في ذلك المكان والتي ادّت للاستياء على وجهها.. ولا يزال يحتفظ باحساسه الغامض تجاه مخاطر/ نوازع خفية قائمة.

الأربعاء، 29 أبريل 2026

اعتداد مقشوش

 

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


رأيتها على السيل، مكان قطعي المعتاد، من حيث أعبر وحدي دائما. اتجنّب "المقطع" المعروف للكل حيثما يقطعون السيل، لأبقى وحدي. العيون كثيرة ولا ابغي تضييع فهمي لما يدور. افرض عليهم أن يتحرّكوا حركة ملحوظة، ليظل خصومي مكشوفين، هم هم، لا يتغيرون مهما طال الزمن، وطريقي مسدود.

لا اقرب الدرك ومخافرهم، ولا متاجرهم ولا احتاج إلى معاملاتهم وأختامهم. رزقي على الله، اتنقل وأفعل ما اريد دون أن ينالوا منّي. ما عندهم مبرر ليقربوني.

الحصان تبع حوافره المتعودة على مكان خطواتها، وفي المنطقة الأعمق توقّف في الماء لينظر خطوته المقبلة. كان التيار يرتطم بساقه اليمني، ولشيء امتنع عن التقدم. نظرت فلربما هناك أفعى ماء. ما من شيء. 

نزلت عن السرج بانتباه، وقدته للناحية الثانية. وقتها، فوق كومة الشعير المكدّس إلى جانب الشجرة، على التلّة، لمحتها. 

كانت تقف تجمع وتقشش، تصعد وتهبط بالبالة. ميّزتها من قامتها التي ما اعتادت غير العباءة الخفيفة، وتحتها يكون لباس افرنجي. لم يسبق أن فعلتها فهي ابنة التعليم وتسكن الحضر وتمرّن الصبايا الصغيرات، قد تركت حياة الشظف حاسبة العلم الضمانة النهائية. 

ما الذي طرأ فأعادها هنا، بيوت حجر قليلة وبيوت شعر متفرقة؟

في وقفتها انتظار. لمّا اقتربت اسحب اللجام لم ابدّل عادتي التي استحدثتها -فصار لي طريقي الصغير الخاص- مهدته قدمايّ وأقدام الحصان، لمحت جانب عينها. 

اعتداد وسرور واعتزاز.

كيف أجد طريقة لأقول لها، أنني أحترم النساء ولا أقبل لهن الاستعمال؟ يحسبون مدخلي من خلال صبية..؟؟

ذكرتها في غربتي قبل أن أعود، وما خطر لي لحظتها أن كلامي مرصود. لم أذكرها بالاسم غير أن معرفة شخصها، إذا ما تتبع أحد، هين. بعدها بقليل أوصيت صبياً كان يعمل في اسطبل الخان أن يوصل كلامي المسموع من الكل لأخيها، حماية لها. اعطيته بعض المال. ولا أدري اذا فعل أم لا. 

انطلقت إلى مناطق أخرى وانشغلت أو نسيت.

تشاغلت بالرسن واستعجال الحصان، واكملت طريقي.

الغافلة! 

إذا وصلها الكلام ففهمت منه أنني اعني شخصها وأقنعوها بتافه المقصود يخلطون به اطلالتهم عليها بضلالهم، فستكون عندها غارقة –بدل التجنّب- في الاعتداد. 

هذه أمور في مكانها ومحلها، لا يطرقها إلا أصحابها، ويستحيل على أخيها ذلك. لا يقبل فوق أن يفهم. سيستعملونها ضد أخيها أولا، ولا يستبعد ايقاعه في شيء فيحبسوه. شدّدت على الصبي أن يخبره، قبل أن أرحل. هل وصلوها من نساء الحضر أم قالوا لها تعالي نريدك، أنت الفهمانة، في خدمة؟

ستتنطع وتتجاوز. تعصر الشعير بالطريقة الخطأ وتحزمه كيفما اتفق. أكثر من واضحة، ليس لي بل وكل أولئك، الذين يتلصصون حولنا في المحيط. معتدة، مزهوة، جانب وجهها تمثال شمعي جمد على بهاء. ليس وقتك يا بلهاء، أخبري أخاك!

كان يستحيل قول شيء لها. 

أكملت دربي ماشياً لم التفت. وحين انبسطت الأرض عدت وركبت الحصان. انشغلت بتخيّل القدر الذي وصلوا اليه، وهم يتتبعون دروبي في الدنيا. غافلون واثقون، يحسبون الدرك دركا، وأن البلد مثل البلدان الأصيلة.. ستحسب هي وأخوها أنهما محور الحدث والحديث، ويعتزان أولا طامعين طامحين، وثم يجدان أنهما يدفعان عن نفسيهما، ولربما أنهما يستطيعان التقرير فيأخذان وزناً. أخيراً يضحكون عليهما ويستدرجونهما، وأنا رأيت عشرات التمثيليات.. الجميع تحت العين وأنا وحدي -حالياً- من يتتبعون له خطأ أو جرما.

نبهتهما وانتهيت، وكلٌ يجد صنيعة يده! 

بعد "عين القيزة"، الجبل الأحدب، قالوا عن راعٍ أن لديه فرسا من تالي عرق قديم، لا أدري إذا كان يقبل بيعها لي. استطيع تحصيل بعض القروش لا يلزم غيرها.

الثلاثاء، 31 مارس 2026

عن مَثَل مقاتلة الناطور

 

المثل عند العرب، حكاية أو قصة تتضمن عبرة ويتم تلخيصها في كلمات قلائل تذكّر بالقصة الأصلية وتحيل إلى القصة الحديثة من ناحية الشبه. تُنسى القصة الأصلية وتظل الخبرة.

والمثل الشعبي الشيء نفسه، تتضمن قصة وعبرة وخبرة، إنما بلهجة شعبية

توقفت مرة أمام المثل: "بدك عنب والا تقاتل الناطور". ويُضرب للذي ينسى غايته المهمة وينجر لصراع جانبي أحمق. وبينما يمكن البحث عن القصة في المثل الفصيح، لا يمكن ذلك في المثل الشعبي إلا إذا كان هو نفسه القصة. أو ربما لم تمر عليّ القصة. وظّفت المثل فنيا وجعلته بنية قصة قصيرة تنتهي بالجواب التالي:

-         لا أريد أن أسرق.

 

والحقيقة هو مثل مجرّد متخلّف يحث على السرقة وخيانة الأمانة، ولكنه يتضمن خبرة حياتية. فأمور الدنيا لا يمكن تحصيلها لمجرد أنها عادلة وحق. فالمثل يجعل الناطور/ الحارس صاحب القرار في اعطاء العنب، بينما ليس ذلك من مهمته، إنما حراسة كرم العنب ورعايته.

وطالما الأمر هكذا، فهو يعني التشجيع على السرقة بمهادنة الناطور أو استمالته. ولا يوجد حق لأحد في طلب العنب إلا في حالة واحدة: الاضطرار لدفع غائلة الجوع ونحوها. بهذا، حتى من ناحية فقهية دينية، يصير أخذ العنب عنوة، وبالتالي مقاتلة الناطور إذا لزم الأمر، حقا للمضطر لكن بمقدار فقط وليس للتكسب والبيع. ولا يقاتل الناطور أحد إلا سارق. فإذا أخبره المضطر لم تعد سرقة.

فإذا وسعنا الدلالة الحديثة لتشمل السلوك المعتمد على الحق والصدق، فإن الخبرة الشعبية رغم تخلّفها تتجلى، لأن ذلك صعب جداً ونادر. لا شيء في حياتنا الحديثة، ويبدو منذ وقت طويل عند البشر أيضاً، بجوانبها المختلفة، يسير على أصله، فيتحوّل الناس عندئذ إلى أعداء إذا ما واجهت كل واحد. ولا مناص من اللجوء للمهادنة والاستمالة كأنك تسرق!!

الجمعة، 2 يناير 2026

مطعم العاصمة الادارية

 مطعم العاصمة الإدارية

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

حبيبي يونس، حين أخبرتك أنني اواجه صعوبة في الحصول على عمل، اتهمتني بالتقصير. استعملت هاتفك للاتصال، وهذا هو صاحب العمل)

الطامعون في المربح السريع والكبير في المدينة، لا ينتسبون إليها. فيها عدد مطاعم ضخم يفوق قدرتها على استيعاب الزبائن بأربعة أضعاف، وكلهم يعتمدون على أن تسود المحبة بين أبناء حام وسام وخام (نسيت اسم الثالث)، ويُفرج العربان عن أكياس فضتهم وذهبهم، ويأتي الأعاجم بصناديق مدخراتهم، إلى مدينة كانت لأربعين سنة خلت، بلدةً، لا أكثر ولا أقل. بل إن السينمات القليلة أغلقت كلّها وأبقوا واحدة منها ذخيرة للمتفشّرين والمطبّعين.

ما سبق ليس بحكم كوني واحداً من الزبائن المعتادين للمطاعم الصغيرة السريعة أو الراقية الفخمة، فأنا لم أدخل مطعما إلا مرّة واحدة في حياتي. كان ذلك حين سلّمتني الأخت الكبيرة أختها الأصغر، لنمضي معاً في طشتنا داخل المدينة.

اسمع عن العزائم وقلت أتدبر واحدة. فلما جلسنا إلى المائدة وتناولنا القائمة الشعبية، لم يخطر لي أن أسألها ماذا تريد، فطلبتُ لنا صحنين ضخمين من المسبّحة والحمص ولم اكن اقترب من بروتينات الحيوانات. نَكَشَت كلا الصحنين برأس اللقمة، رمقتني بنظرة كليوبترا الغامضة، وعنفصت في بدنها وقالت يا مسهّل، إلى خارج المطعم.

لحقتها بعد أن دفعت ثمن الصحنين من دم قلبي، ولم أكن أعرف وقتها كيف استرده من أختها الكبيرة.

وهذا بخصوص المطاعم، ولم أفهم ما فيه من أسرار خفيت عليّ إلى أن سألت طالبة عربية على الانترنت، فقالت أنه كان يتوجب عليّ أن أسألها ماذا تطلب.. فإذا صح إخلالي للاتيكيت، فلا شك أن إخلال ذات اللقمة به أعظم. (وعلى كل حال تخلّصت منها بعد أيام، مستغلاً سردا لها عن منحة جامعية لبلد أوروبي فباركت لها، وهذا هو وجه الضيف).

ثم صادفتني طالبة العلم الأوروبي في الشارع بعد شهور مترعِاً بكأس عاطفية جديدة، لم تترفّع على السندويشات ولا أي شيء أقدّمه. حنّت أو رغبت في الاستئناف فقطعت عليها الطريق مخبرا إياها أنني على وشك خطبة، فسألتني عن العروس. خشيت من حسد الأنوثة وسعي النساء للتخريب، فتحفّظت في جوابها.

أما دخولي المطاعم، فهو إمّا من أجل شراء شيء لغيري، أو للعمل كعامل على المجلى.

== ==

ومن مميزات العمل في مطعم الوجبة والمشرب، وإذا كان العمال محترمين فنسبة من البقشيش. على أنني أكره مسح الطاولات وتنظيف البلاط، واقتصر على المجلى صحونه وطناجره ومقاليه وأكوابه.

وكان لي ان احتجت العمل، وكان أن فتّشت على الإعلانات المجانية، فذهبت.

== ==

صاحب المطعم أربعينيّ يصغرني بأعوام، محسوب على أصعب جهاز أمني، له فتية ذكور وفتاة أوسطهم مراهقة، وزوجته ترافقه، وبسبب من دورها تحققت أنها شاركته في مال المطعم، وتريد المشاركة في الربح والإدارة.

وأنا لا يشغلني هذا ولا ذاك. 

أهدف للخلوة، وفي رأسي دودة تفكير تجعلني أجلي الطناجر الضخمة المحترقة أو المقالي بآلية تهرب من أن يقاطعها أحد. كان قد تراكم لديهم معدن أسبوع من غير تنظيف، فلمّعته، متى عنّ لي أشعلت سيجارة بعد أن افتح النافذة، ومن ناحيتهم كانوا مسرورين يحضرون الشاي والقهوة. وكان لفتاهم الكبير بحث في الجامعة طلبت أمه مني أن أعينه عليه (لعلها كانت تريده جاهزاً له)، فأوضحت للفتى أصول البحث العلمي وكيف يتهرّب منه الأكاديميون ويحوّلونه لهيكل فارغ. 

لقد اختار موضوعاً صعبا وهو عن المصالحة، وله شعبة في الرأي جيدة.

قبلها أو منذها، تنبهت إلى أن العائلة غزية، والوالد هارب. حاورته ليجسّم أمامي أفكاره. طلبت أن يدوّنها، وأن يختار افتراضا، وأن يضع لها مصادر صحافية، ويقوم بالتحقق سلباً أو إيجابا من افتراضه، وذلك قبل الصياغة. 

بينما علّمه المحاضر -الذي يريد نموذجاً سهل التصحيح ومنح العلامة- العكس.

كنت أتوقّع أن ينتهي إلى وجهة نظري، إنما كان عليه أن يخوض العملية وحده كاملة، فالمتبقي عندي هو أن أراجع كتابته، أساعده في التنظيم والفقرات واللغة والتحقق من الإحالات وسلامة الاستنتاج.

لم أكن أخشى من الوالد رغم تجربتي التعيسة مع أمثاله، ففي فراغ من المجلى والزبائن كنت أجالسه نتناقش ويدخن على حسابي!

له اطلاع وباع في تفاصيل.. مثل من يرى الأمور من داخلها، لكن ليس لديه قدرة على التفكير والتحليل. ابن فتحاوي كان في دولة عربية، وعند قيام السلطة كان والده –صاحب الرتبة العالية، وهو الشخصية الحقيقية- من بين الذين عادوا، مع عائلته.

الأب فشخصية وطنية تعلو على الخصام، والابن صاحب خصومات ورفع سلاح، ولما حوصروا بعد انفجار الصبر عليهم اضطر للتهرّب إلى حدود غزة، ومن بعدها جلب عائلته، يكابد متطلبات العاصمة الإدارية الخيالية، بينما بقي الأب شامخاً في غزة لا يتعرّض له أحد، خاصة المنتسبين إلى أطر منافسه.

كنت على بعض اطلاع، فجاهد ليقنعني، مثلا، إن فرق الموت كانت قوات حماية لشخصيات، وأن القسّام مافيات أو لا يختلفون عن الأجنحة الأخرى، من ناحية فرض السلطة والبطش.


وأستغرب من تخصصاته "العسكرية" كدورة في الإنزال الجوي! من أين الطائرة والمجال..؟؟ دورات عسكرية لا سبيل لتحقق لوازمها ولو بعد خمسين عاماً، فكان لي أن استنتجت أنه..

لأؤجل استنتاجاتي.

هي عدة أسابيع جعلتني أركّز على شخصه وكيفية تعامله: لا أعرف رتبته، فرتب هؤلاء ليست حقيقية، ولكنها فوق المتوسط من ناحية الالتحاق قبل العشرين ودون دراسة جامعية. يقدّم الوعود ويبني عليها ويتباهي بمعارفه.

لما تصادموا مع القسّام، ادّعى أنهم كانوا يبطشون بالناس ومنازلهم وخزانات مياههم بينما يقرّ أن قسامياً شخّصه وسمح له بالهرب، من وراء لثامه. نساء معارفه أيقن أنه ميت لا محالة، فدفعنه للاغتسال والصلاة ليقابل الله مسلما في حالة مات، 

وبسبب المناسبة التي هزّت بُنيته لم يترك الصلاة، ولكنه كان عادي الأداء يميل للفرض فقط، منفردا، ولا صلاة جمعة. عقدت له محكمة عسكرية في غزة ورفض الامتثال لها، وصدر عليه حكم بالإعدام، وأنا نفسي سمعته يؤكد إصابة واحدة له.

بعدها حصلت حادثة خطيرة، كان الإعلام الغزّي قد نشر تفاصيلها وكلام الشهود، وبعض الكلام المنسوب له تكرر حرفياً في كلامه معي مما يعني أنها شخصيته، فاقتنعت برواية غزة التي تناولت محاولة اغتيال لشخصية كبيرة تسعى للمصالحة، وفيها انتحال على سلفيّي سيناء. كان في وسع رواية الشاهد أن تنسب إليه أكثر، لكن محدوديتها بالذات دلالة على صدقها.

دخل المطعم لم يكن يبرر نفقاته ولا قلّة الزبائن. عصراً كل يومين تقريباً يحضر شبان أقل/ أكثر من الثلاثين وينفرد بهم مطوّلا، مستغلا أبهة المكان وإيحاء الرتبة، والغموض... ...

بعدما اطلعت على تفاصيل له، انتابني شك فيما إذا كان الإعلان المجاني قد وجّهني نحوه بفعل الهندسة الرقمية أم ما حصل مصادفة، ولكني لم انو الاستمرار أكثر.

الأجرة سيئة فعلا، وساعات العمل طويلة ومرتبكة لا تترك مجالا لنوم منتظم، لكنهما لم يكونا سبب تركي. شغلني عدة ليال وأنا أحلل كلامه على منشوراته في الفيسبوك، وخرجت بنتائجي. وافق على رفع الأجرة وتحديد الساعات، وكنت أعرف أنه يفعل ذلك مضطرا، وبسبب طبيعة شخصيته فسينتقم فيما بعد.. هكذا عالمهم الذي يتلهّون فيه.

أكل عليّ 250 شيكلا، مكذّبا كلاما له دخل أذني من فمه، وهرب من كلام عليه شهود، ومَنّ علي بقطع سمك زائدة لم أطلبها ويكرهها الأولاد ولم تقبل بأكلها حتى القطط. وضعني في تناقضات، ثم فسرّ الأمرين كيفما يحلو له. تجنّبت مشاهدة مطربة كانت تؤدي في سهرتها ببدنها أكثر مما يفعل صوتها، ثم سألني عن رأيي فيها!

كان عليّ أن أجيبه بعمومية (فالصلاة بالكاد نجوت بها بعد فترة طويلة من الاستغراب الجمعي)، وإلا تورّطت في أضابير جهاز المخابرات، فقلت: "لا بأس بها لو كانت تؤدي لوناً مختلفاً.."، ولا أدري كيف فسّرني، ربما كما رغب ابنه الذي لم اكتب له بحثه حين التفت لفخذيها المكشوفين، منتقداً ممتعضاً، متناسياً أن والده هو الذي استأجرها. 

أخيراً نصّحته أن يذهب إلى غزة ويواجه المحكمة العسكرية.. سيأخذون في الاعتبار أنه صراع تنظيمي مسلّح، ولن يعاملونه معاملة خائن، وسيضعونه في بنود المصالحة. لكن كلامه وأفعاله كانا من الوضوح أن غايته في الدنيا هي الانتقام،

فحسب.

ولم يتبق شيء لينتقم منه. 

أبادوا عمران غزة، مئات آلاف شهداء وجرحى، الكل في الخيام جوعاً وبرداً ومرضا؛ وخصومه –كلّهم- انتقلوا للرفيق الأعلى شهداء (لا لبس فيهم). ومثله فقط، الذي اشتد ساعده بالفتوة والزعرنة فشكل فرق الموت، صار الآن فرق مرتزقة عميلة للاحتلال: الجندي 1000 دولار، والضابط 1500.

فعرفت أن إسلامه لم –وقد لا- يحسن.

منذ وقت مررت على المطعم من باب الفضول.. مغلقٌ استحال مقهى ومشاريب ساخنة، لأن هذه هي حال العاصمة الإدارية فعلا: قهوة/ شاي، وأراجيل.

لكن ماذا عن الأجرة المرتفعة، الخيالية، للمكان؟؟

لقد رفعوا أجر رام الله وأسعارها من دون تثمين حقيقي مبنيٍ على طلب وظيفي.

ظل في روعي أن كثيرين في أجهزة الأمن، لا يعدّون سواء من ناحية كميتهم أو تخصصاتهم ودوراتهم، والحال في السياسة ومفاوضاتها ما نعرفه...، إلا من أجل المشاركة ضد شعوب دول بعيدة و/ أو قريبة..


نسر أحمر!

 نسر أحمر!

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


تحدّث مدير العمال الأربعيني باستفاضة وهو يقود السيارة عن اعتقاله الأكبر الأخير الذي استمر لثلاث سنوات ونصف.

قال إنه كان "نسراً أحمر"، مطاردا، يبات في المقابر ويحمل مسدسه دائما معه. الحزب ربّاه وهو لا يعرف شيئا آخر غيره وغير العمل. والآن هو مضطر لإعالة زوجته وأولاده، ولحسن الحظ لديه راتب آخر من "الأمن الوطني"، الطريقة الالتفافية ليأخذ بدلاً عن فترة اعتقاله. ما دام قد بادر بالكلام إليه، فهو الآن ينتظر استجابة.

تعمّد إسناد راحته فوق فتحة مكيف الهواء أمامه جانبياً، واتقاء عينيه بمتابعة الطريق، ليمرّر كلماته العادية وراء خوفه في انزعاجه من المطبات، مهوّنا محرّفا فهمه:

- فقط سجنت عدة شهور، ولا تنطبق عليّ شروط راتب الأسير. التزمت رفيقا وانتهى الأمر.

لا جديد في المعلومة، فهي لدى اليهود ناهيك عن المعارف. حاول مدير العمال أن يستفسر في المصنع عنهم، مع كيك أحضره وعصير في الاستراحة، فتذرع بالنسيان وأنه كان مراهقا تحت السن القانوني.

كان يعود به من مصنع البلاستيك ويوصله لبيته "ما دام في طريقه". السيّارة صغيرة قديمة تُستعمل لنقل البضائع القليلة ذات الطلبيات القريبة، في المدينة. النقطتان الجوهريتان في كلامه، أنه "أمن وطني"، وأن "النسر الأحمر"، عضوية ونشاطا وتدربا وحملا للسلاح إذا لم يستعمله محققا إصابة، تقتضي حتى 10 سنوات سجنا. وما من رفيق حقاً يقبل أن يُسجّل في لوائح جهاز أمني، حتى لو مات من الجوع.

غالباً هو كاذب.

لمّا وصل الحارة القديمة، وبيته، وهي المرة الأولى التي يوصله، كان لزاما عليه أن يبدي ترحابه فيدعوه لشرب فنجان قهوة، فالأدب يلزمه بهذا، طالما أوصله بسيارته.

شكره الآخر على الدعوة وجامل بـ "سعادته وعدم وجود مشقة وأنه في طريقه".

تعمد دخول بوابة البيت أمامه، بل واقترب من باب البيت بعد الساحة وتظاهر بفتح الباب وسيارة الآخر تمضي ببطء. لكنه لما تحقق من ابتعاده، انتظر بعض الوقت لينتقل إلى مخبئه الحقيقي البعيد ثلث ساعة، تسللا من الحواكير.

== ==

كان قد مضى عام على انتهاء عمله في المصنع، بفعل تضييق وجده هناك وفي غيره، بعدما لم يفلح التودد في أخذ معلومة منه أو اجتذابه.

ضيّع خلفه ثلاثة مراقبين متابعين مشاة بهواتفهم، وتجاوز الاطلاع الآني الحيّ عبر كاميرات الشوارع بأن ولج مباني خاصة تحتاج ساعات لتفرّغ حواسيبها من صور المراقبة، وانتقل من سطح مبنى إلى آخر، ثم تسلل من ثلاثة شوارع عبر حواكير ومداخل يحفظها.

على مطلع الشارع العلوي أحس بسيّارة مسرعة تلاحقه تأتي من خلف المنحنى مباشرة، فما كان منه إلا أن أخرج قلمه ودفتره الصغير وتوقف في منتصف الشارع ليوقف السيارة ويأخذ أرقام لوحتها، ففي هذه الحالة يصير لديه دليل، وإمكانية شكوى.

المفاجأة أن "النسر الأحمر" كان سائقها وهي سيارة خاصة لا يمتلك مثلها، فلا بد أنه كان مكلّفا أيضاً. سجّل الرقم فشعر الآخر بالخطر، فنزل وأمسك به –لا تهذيب ولا استفسار ولا رفاقية- من كتفيه وطلب الشرطة تواً من هاتفه.

انتبه أنه لم يكن هنالك مبرر.

كتب له على الدفتر جملة خطرة، فرد النسر بشتائم ضد بعضهم، الذي كان يتغنّى بهم في الأمس، فغافلة ومضغ الورقة وبلعها.

لما حضرت دورية الشرطة روى ما فعله وقال عنه إنه مجنون.. اتّصل الشرطي السائق بضابطه المسؤول. والمفاجأة، بعد نقل الاسم ورقم الهوية، هو تركه يذهب.

ففهم عندها أن السلطة/ الشرطة، خسرت جولة إضافية..  وليس أخطر من واشٍ، رفيق سابق.

12-2025


نسختها في يافا

نسختها في يافا

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

حين كنا في الروضة، أنا وميسون، كنا نتشاجر كثيراً حول المقصود بكلام المِس، معلمة الفنون، ونحن نصغي ونشتغل على الديسك.

هي تفهمها بطريقة وأنا أفهمها بطريقة أخرى. هي تدقق في الحرفية والشكل، وكنت أرى الغاية والقصد. فإذا أعطتنا المِس اوريت، العانس الأوكرانية القادمة حديثا، عجينة الملتينة لنصنع منها مجسّم بقرة، كانت ميسون تحرص على تفاصيل الأذنين والذيل والأطراف فتبرزهما بدقة مليئة بمزاجها الخاص في  النسبة والتناسب فلا يخلو الأمر من تشويه كان طريفاً يدفعني للضحك منها، بينما كنت اهتم بالقوة والإنجاب وتناسب الحجم مع الشكل.

ذات مرّة عجنت ميسون أطرافاً لحمار وحشي كانت رفيعة أكثر مما يحتمل البدن، فاعوجت السيقان أسفل البطن، وطبعا لا الذيل ولا الأذن ثبتا مكانهما.

بينما كانت تلكزني باستمرار أنني دفش يهمني الحجم والبشاعة المتعمّدة، نظرا لاعتقادي حول الوظيفة، فعندي "الزرافة عبارة عن رافعة خشبية مع عنق نعامة ورأس ديك"، ثم تخرج لسانها وتلوي بوزها، وتذهب لتتهامس مع صاحباتها في مخزن الفنون، عليّ!

كبرنا وكبر خلافنا معنا إلى أن وصلنا كلية الفنون الجميلة. اهتممت أنا بالفسيفساء والزخرفة والخط، واهتمت هي بالتشكيل والأداء ثلاثي الأبعاد، في عالم الـ 3D.

آخر العهد بزمالتنا الطويلة أن تشاجرنا شجاراً فظيعا شهدت عليه الجامعة، عربا وعجما، واستمرت تتلو تفاصيله لأسابيع وأشهر، مما جعلها وجعلني في حالة عداء مستمرة تجاوزت، في المجمل، عشرين عاما.

 

منذها، كل ما يؤذيني منها أزخرفه وانحو به في "ألحان" الخط أو قطع الفسيفساء، وتظل مكانها في أماكنها الفعلية عند أصحابها، بعد أن التقط لها صوراً وأعرضها على موقعي.

لم أكن أؤذيها فعلا، إنما أردت أن أنهى العداء هذا لأتمكن من مواصلة حياتي، وبحثت عن مناسبة لنتصافى.

لهذا فكانت زخرفاتي إطراء لها مع الملاحظة، فكانت تستفز أكثر لما يصلها هذا من زميل أو زميلة من معارفها، ما يدفعها لمجسمات كاريكاتيرية مضادة تتناول دائما شخصي وشكلي. ويعود الزميل أو الزميلة بوجه خائب يحسب نفسه بذل إصلاحا (لم اطلبه منه)، فإذا به متحامل عليّ منحاز لها، يحسب أنني اقترفت شنيعة بحقها.

وكيلا أتورّط أنا، فقد بقيت صامتا لا انبس بحرف أنشغل بنفسي واهتمامي فقط لا أتطرق إليها ولا أكلم أحدا عنها، غير عالم إذا ما كانت تعبأ بزخرفاتي أصلا أم لا، وهذا الأمر الأول الذي كان يهمني.

وبدأت مجسّماتها تنضج وتتطور وبدأت أحسّ بوجود رموز فيها، تتخلل السرعة في العرض والألوان وتعدد الزوايا.

آخر مجسمين كانا على الشكل التالي:

الأول: يشبهني وأنا أرصف أو أرمم أرضية مسجد، لكن الوجه أكثر يناعة وفتوة بعقدٍ منّي ويلوّن أرضية حانة، إلى جانبه أنثى صاحبة شقراء الشعر.

سرعان ما بريت براعتي ورددت عليها بفسيفساء معلّقة تبرعت بها لمجلس البلدية أصوّرها بخطوطها الدقيقة وأحدهم -بخطوط أخرى- يملي على ظلها ماذا يفعل، وما أكثرهم! (عرضت صورة فوتوغرافية على موقعي).

الحمدلله أنني انزويت جانبا، فلقد نبت لها معارف -من كل اللغات- يروّجون مجسّماتها بتقارير تتكرر كثيرا في الأخبار والقليل منها فيه إتقان، ويثرثرون بكلام لا تخصص فيه. كيف لا وهي أنثى بلبل في العبرية والانجليزية!!

مجسمها لم يصمد، فلقد قرأت في نشرة المجلة المختصة أنها تراجعت عن عرضه وطلبته من مدير معرض لتتلفه. ومن ناحيتي حشرت نفسي بين من اطمئن لهم في الزخرفة والخط وتباديل الأشكال الهندسية، ولو بقلّة في العرض والإصدار، كيلا نتواجه في مكان أو تخصص مشترك.

الثاني: يشبهني كثيراً من حيث الملامح إنما بصورة مضادة. مثل الأول، لكن مع مساحات لقاعات متاحف مفترضة وميادين موسيقية عامة، ووجوه كثيرة كخلفية مشاهدين. يا الهي كم تفتنها الشهرة وتشغلها، ولو كانت صناعية كاذبة!

لم يكن في استطاعتي البوح لأحد ولا حتى لنفسي، أنها تبادلني اهتمامي بقوة ليست أقل. فقط اختارت نسختها الخاصة منّي.

كلانا من قرى عكا، ولكن...

فقررت عدم الرد، ما دمت عرفت الجواب الأهم للسؤال الثاني الذي شغلني منذ الروضة: هل أؤثر فيها أم لا؟

على أني نسيت الأولوية: هل كان يحق لي أن أؤثر في أحد، أنثى تحديدا، ما دمت لا انتوي نية الرجل الشرعية نحو المرأة؟

مضت ثلاثون سنة وقليل، والثلاثون عاما المتبقية، بحسب حديث متوسط العمر، الأجدر أن تكون نزيهة ومرتاحة البال خاصة في عكا المشغولة المرهقة جداً، بعكس يافا المبتلعة، حيث صارت تقيم هي، وباسمها الفنّي مايس.


السبت، 27 ديسمبر 2025

سلّم على الشباب

 سلّم على الشباب

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


يعرفه ولا يعرفه.

جمعهما قبل أقل من أربعين عاماً دربٌ كان الميل فيه واضحاً للعامّة، في الشوارع، والخاصة، على حدٍ سواء. لم يكن من أصدقائه ولا مقرّباً له، ولكن هكذا كانا يعرفان بعضهما بحكم الأجواء، ولا خفاء أنهما كانا زملاء يتلاقيان في النادي ذاته (وكانت النوادي مقسّمة بين الأطر)، وربما تنافسا على طاولة التنس ذاتها، أو اختنقا بغاز المظاهرة ذات المناسبة الحصرية، نفسها.

مع مضي السنوات والشهور، واعتقال من هنا وإصابة من هناك وشهيد في مظن ثالث، تراكمت المعرفة عنهم لدى غيرهم.

عقيل أبو فرح، بعدما تكشفت أسرار في اعتقالات وتحقيقات ومحاكمات، كان من مجموعة حسني الذي استشهد. وعكس المألوف، فقد كانت خليتهما مكونة من أربعة أفراد لا اثنين أو ثلاثة. أمضى المعتقلون مددهم التي حوكموا بها، وتفرّقوا بعدها.. غالبا استأنفوا نضالهم بعض الوقت، لكن أتى من السياسة الرسمية ما أوقف النشاط وغيّر الأحوال عندما وقعوا اتفاقا، افتتح مرحلة جديدة.

حسني استشهد. حنّون سافر لعلاج إصابته وتزوج من فلسطينية في الجالية الأوروبية وبقي هناك. أما مطاوع، فقد انتهى به المطاف عاملا في شركة مقاولات كُبرى، على حنين.

وبالنسبة له، هو الذي يعرفه أو لا يعرفه، محمد، فقد صار مثل حادي القافلة الذي يشغف بالخطوات القديمة والحالية ويتتبع المفارقات.

== ==

استجد لعقيل أبو فرح أمر على مشارف الخمسين. ارتدى الثوب الدشداشة بقلنسوة وقصّر السروال وأكرم لحيته وامسك بسبحة لم يكن لديه وقت قبيل وبعيد الصلاة ليستعملها، ناهيك عن أن السُنة أن تسبح بأصابعك.. لم يكن محمد قد صادفه من قبل في المسجد هو المصلي منذ زمن لم يعد يتذكّره ولكنه كان ليلمح أبو فرح. الزي إعلان حاد نظرا للاعتقادات اليسارية القديمة وسيرة فيها بعض تفلّت، بالرغم من النضالية المشهود لها. لم يحاول أن يحتكّ به عند وصوله صحن المسجد وعند خروجه، أو يسأله شيئاً بانتظار أن يتعرف إليه هو، والغريب أن هذا لم يحدث معه بالذات، فلطالما التقت عيون المصلين.

فهم من حديث جانبي بين رجلين في الساحة أن أبو فرح يسكن المنطقة نفسها، وأنه رب أسرة وموظّف. لم يحاول أن يسأل عنه كيلا يلفت الانتباه. إن نهضت الأمور من تلقاء نفسها فكان بها، وألا فلتذهب لغايتها الاعتيادية. إنه واثق من أنه لم يطلب العلم ولا حصّل حفظ الكتاب ومتون السنة. في زيه تكلّف لا يسلكه أئمة مشهود لهم ولا خطباء جمعة. لا يسلكه إلا مَن فرّغ قلبه من كل الدنيا، وجعل صلاة الجماعة غايته.

والحقيقة أن شكوكاً راودته حول اختيار عقيل أبو فرح للمسجد، وكتمها في نفسه. لا يلتزم بالزي تحديداً إلا ملتزم كامل ودائم، بينما بالكاد حضر منذ شهور وأسابيع لصلاة الفجر في المسجد. ولم يتعرّف عليه عكس آخرين رفاق قدامى صوّبوا الارتكاز وأكملوا المسيرة. الثابت فيهم لا يخجل مما صار عليه، ولكنه لا يتشدد في الشكل، لأن الطريق طويل والعدّة كثيرة. لم يرغب في التعرّف عليه وتجاهله، وهذا يعني موقفاً مرتبكاً وخجلاً وتصلّب البدايات. إنّه وحيد أو متوحّد. الوقت فقط سيحسم ما هو عليه فعلاً. فإن واصل وحدته في بيت الله مطوّلاً، فلعل ابتلاءً دنيويا أصابه، وهو يصلي يبتغي أولا التماسك. ومع هذا الاحتمال، فإن المنطق على جريانه يقتضي أن يخرج من وحدته متى وجد له أخوة في الإيمان والثبات على الابتلاء. يأتي في الوقت ولا يبكر، لا يصلي إلا صلاة سائر الناس، يحضر ويغيب. تسبيح قصير جدا لا تلزم معه سبحة، ولا ذكر أو تلاوة أو تنفّل.

كل شيء سليم إلا الزيّ.

وإنما لهذا كتمها في نفسه وأبقى التجاهل قائما، لأن الاحتمال قويّ في أنه يريد منح انطباع عن نفسه، تمهيداً لما قد يستجد بعده.

من ناحيته، محمد، فكل شيء فيه عادي. لا يلزم نفسه أكثر بالمستطاع. بل إنه يتعمد إبقاء ذقنه حليقة طالما هو يدخن ولا يحفظ من القرآن إلا قصيره، من أجل الصلاة.

== ==

وكان لمحمد أن يلتقي بمطاوع وهي يبحث في كبائن شركات المقاولات عن عمل. تعرّف إليه مطاوع واستفسر عن الأخبار، وبعد أن أجابه بقلة الأعمال وأن العمّال يسرّحون من أشغالهم نظراً للضائقة المستفحلة على الجميع، أحسّ بجرأة مناسبة ليسأله عن عقيل. ليس غريباً أن يسأل، فللماضي المشترك مبرراته.

أكّد له مكان السكن وزواجه ورزقه لبنات إضافة إلى وظيفته الثابتة في مؤسسة. أما مطاوع فقد فهمه بطريقة مختلفة، فيها نبرٌ وإيماءة، عندما ودّعه:

- سلّم على الشباب..

لا شيء عنه معروف ليفسّر "الشباب" تفسيراً مختلفاً، وهذا يعني أن طوارئ أبو فرح، وهو يتابعه اجتماعيا، ليست حقيقية، وأن هناك ما هو منتشر عنه..

لقد اجتمعا مرّة وتبادلا الأخبار العائلية والاجتماعية، فإذا به يسأل محمداً عن شخص زوجته، متحققاً: التي كانت شقراء؟ ليس المهم سبب السؤال ولا خلفيته، إنما صيغته، فما من مسلم يتجرأ ويسأل رجلا منتبها للون شعر زوجته.

حنين مطاوع كاذب، وهو لا يهتم إلا بمغريات الدنيا ونضالها كان فترة منتهية، وطالما معرفته متصلة بأبو فرح، فالأخير على مذهب صاحبه.

وفهم محمد ما فهمه من المداومة الحديثة على صلاة الفجر والزيّ والتكلّف والسبحة، فقرر أن يتجاهل عقيل أبو فرح، حتى لو تعرّف الآخر إليه. مسلكه مع مظهره الموجّه ليس إلا انطباعاً يقع فيهما الغرّير فقط... ما أصعب الدنيا على المؤمن والذي قيل عنه: أنت الجماعة ولو كنت وحدك..


بسطات وندوات

 بسطات وندوة

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


التقيت به في شارع الكتب، بسطات الكتب على القرميد المبلّط في الساحة. كنت أتفرّج لا نية لي بالشراء. أقرأ الخلاصات من أغلفة الكتب داخل البلاستيك الشفاف واكتفي بها. وصلت إلى مرحلة أقدر معها على توليد التفاصيل ومبنى الكتاب، غالبية الكتب، من خلاصتها. أعرف الموضوع وزاوية النظر واستكمل من عندي. إذا اهتممت بشكل خاص وكان متاحاً تصفّحت الفهرس والمراجع. وقد -بعد ذلك- أحاول الحصول عليه مجاناً من الانترنت.

الأكاديميا لا أحبها، هراء للمتعلّمين والباحثين عن الشهادات والسيرة المتصنّعة لأناس يجترّون دون قدرة على الابتكار.

الأدب فيه إسهال شديد، والفنون قليل منها يسترعي انتباهي.

أما العلوم والابتكارات فهذه أتابع مبادئها فقط، لا قدرة لي على التخصص فيها. الدين أعرف خريطتي جيداً بين المذاهب والطوائف والاتجاهات خاصة السياسية. لطالما تمكّنت بالمنطق وحده من الوصول للتأصيل الشرعي وأنا لا أحفظ الكتاب والسنة. كان لي أصحاب نتناقش معا، أنا معالجة منطقية، وهم معالجة فقهية، ومؤخراً صار لدي من أشجعه على المعالجة الفلسفية كتصور إسلامي وليس فلسفة مستقلة.

== ==

أتيت إلى البسطة الأكبر. أسعارها المطبوعة الملصقة تجارية بحسب العرض والطلب والتسويق الإعلامي السطحي. ليس لدينا بيع للكتب المستعملة الحقيقية. في الدول الأخرى تكون من أمهات الكتاب، أما عندنا فقد تنتهي لحاوية النفايات. كان قبلي متفرجون وأتى بعدي. من الواضح أن سوق الكتاب ميّت وأن الباعة "يتلصصون" على أحوال المهتمين بالكتاب. جلّهم وقائي ومخابرات وذلك لسبب بسيط: لا أحد يقف طوال اليوم من أجل 20 شيكلا من الأرباح (في حالة حقق مبيعات!). لا تغطي مواصلات ولا أجرة سكن، غير الأكل والشرب والسجائر. 

والكتاب، خاصة التعليمي للجامعات، متوفر في أماكن أخرى بشكل اقتصادي.

إلى جانبي انتبهت إلى رجل كان يتأفف من عرض الكتب بلا نظام ولا تصنيف. له هيئة ساق شجرة الليمون الذي يرتدي معطفا وسروالا، كما الفزّاعة. وجهه، لما استدار إليّ يحاول كسب اهتمامي وربما تأييدي، في حواره ضد البائع، نحيف بذقنٍ قصيرةٍ إبريةِ الشعيرات وجلدٍ متجعدٍ وشعرٍ قصير. عرفته. لم يتغير منذ ثلاثين سنة وأكثر. 

آخر مرة جلسنا معا في المقصف قال لي:

- إنهم مافيات كاملة. ولو كانوا محسوبين على الكتّاب والمثقفين!

"المافيات" هذه سأتحقق منها طوال عشرين سنة، كما يحدث عند اختلاط السياسة الرديئة بالأمن الوهمي المزدوج والاقتصاد المتوحّش. سأكتشف، بعينٍ مدهوشةٍ مرعوبةٍ، صلات عجيبة بين الكتّاب وكل بؤرة مضروبة في العالم: مكافحة إرهاب، جرائم وجنايات، احتيال مالي، هدر في الدوائر، محسوبيات في الصحافة والتوظيف والصدى، مؤسسات خاصة هي أوكار لما لا يصدقه عقل ولا يخطر على قلب إنسان عادي.

وهو، آدم، كان مزاجيا استثنائيا انتقائيا. حقق انجازات أدبية وثقافية، حاضَرَ بعض الوقت في الجامعات رافضا طقوسهم وبروتوكلاتهم، ناقض حتى المقررات بحصص جانبية.

كنت أسمع عنه وأنا أنشأ، وقرأت له، فانطبعت في عقلي صورة جلّها احترام، ولا أدري كيف ومتى تغافلت عنه وعن أخباره، أم انقطع عن المشاركة والحضور كما انقطعت أنا.

أظن أنه شارك في بيان جماعي من عدة أشخاص، ثم انعزل عن كل شيء، منشغلاً بحياته.

- حضرتك د. آدم؟

- ما في داعي للدكترة والأستذة.

- أكيد لا تعرفني. قرأت لك قبل العشرين من عمري عدة كتب. والتقينا فقط مرة واحدة.

- وجهك أتذكره، لكن يغيب اسمك عني.

ذكّرته باسمي. جامل وهز رأسه وتبسّم كأنه تذكّرني، لكن الحقيقة لم يخطر له اسمي أبدا.

- كم عمرك؟

تنبّهت وأنا أجيب إلى أن هيئته أصغر من عمره، ولم استغرب قوله لي:

- هَرِمتَ بسرعة.

تركني وأخذ يبحث عن كتب بعينها. من تصنيفات علمية ونقدية وسياسية. تخصصه ثقافي في شهادة الدكتوراه فاستغربت بحثه. كان يدفع ثمناً مرتفعاً لقاء الكتاب الواحد، فنبّهته إلى استطاعته الحصول عليها بأثمان ارخص، من أماكن أخرى.

ردّ أنه يريد نسخة أصلية مع فاتورة رسمية.

لم أفهم مقصده، فانتحى لي جانبا.

- هذه كتب لا تعرضها المعارض مع أنها صادرة عن دور نشر حقيقية. فهي تعرف أن المواضيع منتحلة ومسروقة من كتّاب مهمّشين أو يتم التهميش عليهم ومحاصرتهم والتجسس على مخطوطاتهم وأنشطتهم. وقعت بنفسي ضحية موضوع كهذا.

- كيف ستثبت الانتحال والسرقة قانونيا؟

دفع بورقة نقدية كبيرة مقابل 5 كتب وتناول الكيس الأبيض البلاستيكي المتين. قطع له البائع الوصولات وعلى كل واحد اسم الكتاب ودار النشر والعام والمكان. جذبني من كتفي وتمشينا خارجين من الساحة المبلطة بالقرميد، نحو شوارع السوق والمحلات الشعبية.

- في زمننا الرقمي المهندس تقنيا من الهاتف للحاسوب للجي بي أس والكاميرات، من الصعب إثبات شيء قانونيا، إلا أن يأتي من المصدر. غرضي شيء آخر.

- وحقوقك؟

- هناك أهم منها. لديّ ندوة خاصة أسبوعين، بشرط المشاركة التلقائية الآنية، وعدم استعمال أي جهاز من أي نوع داخل المكان.

تذكّرت البيان الأخير الذي وقّع عليه وقامت الدنيا على رأسه هو وجماعته ولم تقعد، وخشيت أن تكون له علاقة بالتنظيمات أو شيء يؤدي للتضييق والحبس، فأكثر.

أعربت له عن خشيتي بكلمات وترادفات وتفصيلات جانبية. 

فهم جوابي، فقال بحزم:

- العمل السياسي في فلسطين الآن لأصحاب الصفات والانتخابات والتنظيمات، وقريبا لن يكون مسموحا إلا لتعيينات تحت السيطرة أو الاقتراع المسيطر على مساره. لن نفعل شيئاً بوصفنا جماعة تلتقي في ندوة، بل بصفتنا أفرادا نتبادل الأفكار، وكل شخص يترجمها حسب مجاله واهتمامه وقدرته وبيئته الفردية. لا وجود لهيكليات ومهام وواجبات وميزانيات.

أخذت انظر في وجهه وأتفحص هيئته. بذلة عمرها ستة أعوام على الأقل ذات اهتراء في أماكن الاحتكاك والغسل المتكرر. أسنانه تحتاج إلى تبييض وأغلب ظنّي أنه لا يمتلك ثمن ذلك. حذاء مصبوغ بكثرة لا يزال صالحا معها للارتداء. سألته عن عمله، فإذا به بعد المحاضرة في الجامعات يمتلك قسماً من محل لبيع الخضراوات، "وسرّا"، كما طلب مني أن أحفظ. شرح لي أن كل جوانب الحياة كلما تقدّمت التقنيات يتم استعمالها للإخضاع ولا خيار من الرد عليها باستقلالية كل فرد. ثم قال:

- أترى هذه الكتب؟؟

- ما بها؟

- هي ومثلها الكثير حصيلة تجسس علينا وتحوير للأهداف، نحن أصحاب الندوة المحلية الصغيرة وهذه دور نشر مدعومة أوروبياً. لن نستطيع الملاحقة قانونيا، لكننا سنثق بتأثيرنا الشديد ضد من يتجسس علينا، والمراكز التي تصدر الكتب، ولهذا اشتريتها مع وصولات وعلى حسابي. عندما يتحققون من قوة أفكارنا واضطرارهم لتعطيلها، سيثقون بأنفسهم أكثر.

ثم أضاف بفرحٍ بدا لي أن وجهه ازداد عرضاً معه:

- وعندها سننتقل للمرحلة الميدانية الثانية!


السبت، 20 ديسمبر 2025

روحية

روحية

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

(1)

من الصعب الجزم ما هو، أبو محمود. تجاوز الستينيات، عامل قدم من غزة، وتعرّف في مخيم على امرأة، صباح، وتزوجها على زوجته. كان لا يستطيع العودة أو لا يريد، مع أنها لم تكن تتعرض لقصف أو شيء. أبناؤه في طوله متفرقون بين أعمالهم ودراستهم يتدبرون أنفسهم، حول أمهم. في مدينته الجديدة، من الصعب أن يّطلع أحد على صلته بزوجته الأولى لأنه لا يتكلّم على الهاتف سوى بالمألوف، ولكنه تركها مع أولاده.. لم يكن لديه عمل مستقر ويتنقل بين المتيسّر لرجل في عمره: بستنة هنا، وتنظيف هناك، ومقاولة صغيرة إذا ما أتيحت.. أي شيء. إذا تحصّل على مبلغ يستحق، قام بتحويله. أغلب الظن أنه امتلك حريته على كبر، ولكن شيئاً حدث معه أجبره على ترك غزة، وطبعا بالتصريح.

ينتابه غموض لمن يتنبّه. ملابس عادية وبنطال مع معطف يرافقه تقريبا طوال العام، وعلى رأسه طاقية من صوف، وملامح مقدودة من مكابدة، ولا يخلو وجهه من انبساط مع الغرباء، مجاملة بوجهه الحليق.

إنه عصبة من إيمان ذي قدر، يخوض بين الناس بتسليم العارف أنه مهما تدافع فلن يفلت مما كُتب عليه. يعرف القراءة فقد خاض صفوفا إعدادية، غير أن النظر لا يسعفه، لهذا يكتفي بما يصل مسمعه من تلاوات إذا ما ولج مسجدا ليستريح فيه أو يصلي. وليس مواظبا على الصلاة ولكنه مؤمن بمغفرة الخالق.

ولا يمكنه أن يتذكّر كيف قادته خطواته للتعرف إلى التي ستصير زوجته التالية. هل كان يسعى لمقاول وعرض عليه -تسهيلا وتخفيفا للتكلفة- أن يبات في غرفة مسقوفة بزينكو إلى جواره، في المخيم الصغير المحتشد الذي لا يختلف عن مخيمات غزة؟

هل كان يبحث عن غرفة مفردة أو فيها من يسكنها ليشاركه؟

لكنها، هكذا، نمت المرأة في وجهه داخل الزقاق ببساطة وثبات. ولأنه غريب فقد ألف المودة الطفيفة التي لا تفارق المجاملة.

ولئن كانت من مخيم، فهي تعود لمدينة أكثر راحة وأوسع تنقلا ويسرا.

مضى لأعمال المقاولة مع رجل يصغره غير أنه يتمتع بالصلات والمعارف، فكان لأسابيع، عند عودته بعد العصر، يواجهها. والاهتمام يجمع تفاصيلها ببطء. إنها مطلقة مرتين ومن دون أولاد، ليس لها إلا قريب بعيد. تجاوزت الأربعين بقليل، فلم تحتج التقديم والتلويح ولفت الانتباه. التقط رغبتها الواضحة وكانت تريد الزواج. وفهم أنها تعتاش من شراكة في بقالة وذلك شيء جيد.

ليس أنه طمع بها بل أنها لن تكون متطلبة.

وكان عليه أن يكتشف أي نوع من النساء هي ولماذا تريد الزواج، بعدما أفصح في حديثه مع شريكه، وعلى مسمعها، أنه متزوج وأولاده خلفه مع أمهم قد لا يعود إليهم ثانية. فلما لم يرَ أثر الخيبة أو الصدمة حدس موقفها الأولي. إنها لا تمانع. كانت عيناها تترقبُ إفصاحاً أكثر. ثم استدارت في الزقاق قد سكبت ماء الغسالة بعدما سُدّ المصرف.

كان معلّقا في شعور يشبه الإقدام. الحياة متاعب وتعقيدات إذا ما انتظر إجابة. ما الذي عنته له؟ لا شيء. جميلة نظرا لما هو عليه، ممتلئة طفيفا في مواضع المرأة العربية، وجاوزت المرحلة التي يمكنها أن تنتسب فيها إلى عمر محدد. شعرها تحيطه بمنديل وما من مساحيق بل القليل من ترفيع الحاجبين لتبدو صبوحة أكثر.

ومتحكّم بنفسه ما من مغريات. عائلته خزانته البعيدة، وهي جارور جديد لن يضير إذا ما اقفله على نفسه. ربما لا يستطيع أن يمكث وحده أو يريد بعضاً مما ألفه، الذي صار خلفه. لن يعود ولعله يبحث عن جذور. ربما أراد شيئا فيها يشغله بنفسه.

قطعا لن يخبر أولاده ولا أمهم. هذا شأنه وحده.

== ==

وصار عليه أن يفتّش عن تفاصيل عنها، ليعلم كيف ينقل ما يريد قوله لها، وما الذي تريده. يقولون إنها درست عاما في جامعة ثم تركت. زوجا صباح لم يمكثا مجتمعين أكثر من سنوات أربع، وكانت من القوة والصرامة بحيث واجهتهما، عندما لم ترد فيهما أشياء. الأول صارعته لأقل من ثلاث سنوات، ثم تخلّصت منه. الثاني لم تتعب نفسها معه وركلته بسرعة بعد أن تسببت له بفضيحة لشيء فعله.

تنتابها أقاويل التسلط واللسان الحاد. يخافون منها في المخيم، ولكن النساء يفهمنها، مع خوفهن منها إذا ما شاققت. قطعت الحد الذي تحتاج فيه لاطلاع رجل وتستطيع التصرف بنفسها، خصوصا مع غياب أقارب لها.

باختصار كانت ثيباً.

بدأت ترد إليه حكايات تكشف عن جوانب لها. وإنه ليراكم طية فوق قماشة. لقد ركز عليها فشغلته وأخذت تحضر في باله. مودات الصبا لا تعنيه، ويبدو أنها مماثلة، هكذا تخيّل.

فما كان منه إلا أن عزم أمره واعترض صباح في طريقها لشأن من شؤون شراكتها في البقالة. دون تعريض أو مواربة، قال إنه في الستين خلفه عائلة ولا يريد الرجوع لغزة. مهتم بها ولكنه لا يريد أن يدفع نفقات مرتفعة.

ردت من فورها، كأنها مستعدة:

- بتصير العصمة في إيدي.

- لا. لكن بنحط اتفاقنا.

بعدها لم يكن من بد من التقاءات في بيت الشيخ في المخيم، بحضور الشيخ وزوجته. كانت أحاديث غريبة بعض الشيء، ولكن تم الاتفاق.

== ==

لقد عزم على إخفاء زيجته من صباح، ولكنه ناقض نفسه فأخبر أولاده ثم أمهم. كان قد جاوز العام الثالث من تركه غزة ويبدو أن الخاطر فيها تمهّد. الأولاد ردّوا بأدب، وهي صمتت.. لا طائل طالما هو بعيد. إنه خارج أثرها لتفعل شيئا. وهي تصغره بأعوام قليلة قد نفضت شواغل كثيرة من يدها. متداخلة في قريباتها وأقاربها، وهي أم وخالة وعما قريب قد تصير جدة.

بالنسبة له ولها، ودون كلام أو اشتراطات، وجد الغريبُ الوحيدةَ. ومضت الأيام على فروض الواجب. ليس بالضبط، إنما معروف ومألوف سلكاه معا، ولكل منهما شخصه. بدأت وبدأ في الاكتشاف وطرح أسئلة داخلية. ليس عن زوجيها السابقين بالطبع ولا عن عائلته هو. كصخرة صماء غسلها البلل وارتوى قشرها، كانت تطالعه كلما صفن فيها مساءً مع العودة من الورش. فتبتسم. وهي جعلته دمية من نوع حي وبالغ تلهو به. لعله صار نصبا على وضوح في خطوات التبجيل. تنشغل ببيتها الذي انتقل إليه لم يجلب غير ملابسه، وتتمدد خلال النهار كنبتة إلى نساء الحارات وأخبارها.

كانا كمن صنعا فيئاً من تعريشة أعناب، وقنعا بها.

(2)

ولها جارات بدأن يلتفتن لها فيهن شابات. يتساءلن متوددات بخفاء عن أخبارهما. في البداية كانت مسرورة وتجيبهن بأريحية لتطبع في وعيهن صورة بعينها، تعلو بها عليهن. وتنقل الواحدة أو تتلافاه لتعقد مقارنة. وتتسرب تفاصيل لا تخلو من خصوصية. لكنها أحسّت بشابة ثلاثينية كانت تزورها بنوع من المواظبة الرسمية، تدخل وتشرب القهوة تقول كلمات شكر ومن ثم تغادر، أحست فيها باهتمام مختلف.

ليس تجاهها فقط بل تجاههما معاً هي وزوجها.

كانت متعلّمة خريجة جامعية جميلة على تعبس لا تعمل. لا تحدث بما جرى معها، لكنها دخلت المستشفى غير مرة. ولهذا كانت تتركها على راحتها تتصرف على نحوها متى قدمت لشرب القهوة في الصالون بل لا تمانع إخراج مقعد لها على البلكونة.

إنها قليلة الكلام وتصغي كثيراً وإذا ما أفصحت فمن كلمتين مبهمتين أو عامتين. ولا تستفسر منها رادة السبب إلى المستشفى ومرضها المعروف في المخيم.

فيها غموض يخيف وفيها ما يأسر. وهي مؤدبة لا تتطرق لمواضيع النسوة العادية. لربما لم تكن تريد أن تسمع شيئاً بل أن تغير المنظر.

ولسبب مبهم عقدت مقارنة بينهما.. لا، زوجها تجاوز الستين ولن يحفل بهذه الشابة. غارق لأذنيه بمشاغله قد فتح الله عليه يرسل مبلغا لأولاده ويسلمها البقية ليأخذ مصروفه منها، تاليا.

إذا ما قارنته بزوجيها السابقين اللذين يصغرانه فلا بأس به يدفعه المزاج فقط، لا الاستطاعة ولا التلبية. ويعاملها بمودة فيه التكلّف الذي تعرفه، لكنه لم يخدعها منذ البداية أو يصور لها أوهاما. فهمته وأنه يريد حياة مختلفة بعدما أرهقته مطالب الزوجية والأبوة واستهلكت السنوات. وهي تتدبر نفسها..، تقضي وقتها الذي امتلأ بموضوع. حنينها الذي تتمناه لو قدّر لها طفل، لأن هذا الذي وقف وراء زيجتيها الفاشلتين حقيقة، وليس التشاجر أو المشاكل إلا مبررات جانبية. المال للضرورة وشيء من المتعة من دون إسراف.

كانت تجالسها في الصالة تضع ساقها على أختها بعدما شغّلت التلفاز لها على قناة. استشعرت اهتماما وخطرا، لكن كان داخلهما اقتران متوازٍ.. لو تسنى لها لواصلت جامعتها ولحظيت بأجواء الجامعة، ومن المؤكد أنها كانت ستعمل بالشهادة لتحصل على مستوى معيشة وزوجاً لائقا وتطرق الدنيا سفرا وزيارت وهدايا وملابس. بينما هي، روحية، غارقة في ثقوب داخل عقلها لا تدري ما الذي يراودها. قناة الطبيعة والجبال والأنهار والحيوانات شيء تضع نظرها عليه، والدليل أن يدها لا تزال تقبض على كوب القهوة لا تحركه ولا ترتشف منه، كأنها متخشبة.

ثم نادتها..

-         حبيبتي روحية، أجيبلك قهوة ثانية؟

فانتبهت للكوب وأخذت ترتشف منه. وجلست جانبها لتتحدث معها عن الحيوانات. كلمات قصيرة، متعلمة أو مثقفة، وبربرات بلغة ليست انجليزية. ولما انتهت من الكوب، نهضت وأشارت إلى بطة أم تسبح في جدول داخل الشاشة وخلفها فراخها:

-         شفتي كم هي حلوة!

كان إعجابا وتثمينا وسخرية في وقت واحد، فلم تفهم شيئاً.

وغادرت الصالة لتفتح الباب وحدها من غير وداع، فعلّقت على روحية بعد أن صارت في الخارج:

-         مجنونةّ!

(3)

أبو محمود وشريكه وروحية وهي وطفلة تركتها أمها من الحي عندها ريثما تقضي مشواراً، اجتمعوا ظهراً في البيت ولم تعرف ماذا تفعل مع هذا التعارض.

الشريك القصير المدور ذو الشارب الكث الذي يسكن المدينة، جلف وقح يأمر ويطلب طعاما وأشربة.

أبو محمود يداريه ويخفض من حدته ويقضي بعض طلباته بنفسه.

روحية تتفرج على غرائب كأنها قفص قردة وتتعجب وتتابع.

الطفلة تصرخ طوال الوقت ومصابة بإسهال جعلها تغير حفّاظتين لها.

لما أشعل الشريك سيجاراً ضخما معطراً، المستعمل للتباهي، وأجبرها على النهوض وفتح درفة الشباك بذراعها الحرة، اقتربت منه روحية وطلبت واحدا.

إنها لا تدخن ولا تعرف الرجل وفي حالة ما لا تأبه للتأويل. شيء عنّ لها وفعلته أو قالته. تقلّص القصير على نفسه من الارتباك وربما الخوف وأخرج بسرعة واحدا، الواحد المتبقي، وقدمه لها. في تلك اللحظة كان أبو محمود يعود بصينية الشاي عوضاً عن زوجته. إنه الأكبر بين الجميع ولكنه شعر لحظتها أنه الأصغر.

تناول الطفلة من زوجته ريثما تذهب صباح لتفعل شيئا ما. وبينما اضطر الرجل للتقدم والاشعال لها، سألته:

-         أنت صاحب كازية البنزين قبل عشر سنين؟

اشتعل إدراك في وجهه، لكن الصوت السريع هو ما نبّه أبا محمود:

-         لا، كنت بس شريك..

شربت روحية نفساً من السيجار وأخذت تسعل من الاختناق. شيء ما دفع أبو محمود للتدخل كمن وقع على لقية.

-         إذا زبطت معك بنعمل سوا كازية!

كلمة في الهواء المحتمل. والشيء الذي حققه أنه رد على طلباته وأوامره بالأطعمة والمشروبات. عينا الرجل تدوران وتهربان إلى الجانب. أمسك به أبو محمود ولكنه لم يفهم الموضوع بعد. وبقيت روحية تمسك بالسيجار دون تدخينه تبتسم لنفسها على شيء ما، ربما ربما، أنها أخيرا وجدت شيئا مشتركا مع أبي محمود. أحس بها الأخير، وبفطرته الغزّية لمح في أفق المجهول مسعى.

ولما عادت زوجته، صارت روحية من أرباب الحكمة الخرافية، واقتادتها من يدها إلى الداخل، المطبخ أو غرفة النوم،  لتخبرها شيئاً. الأخرى لم تكن تفهم ما يدور.

== ==

وتباسطت روحية. صارت تأتي دورياً. وفي المرة الأخيرة، أرفقت معها ولدا صغيراً قريبا لها ابن أخت أو أخ. جو ما ودّي ومتفرقات قليلة عن المستشفى. القليل الغامض أو الأغمض عن عائلتها هي، التي تسكن مقدمة المخيم في بناء حجري حديث. لا تثريب ولكن ما من تقريض. وفهمت هي أن ذلك بسبب إجبارها على المستشفى. وفهمت أن في "الموضوع" شابا ما من الجامعة. وهبتها لمحة فقط لا أكثر، فلم يكن لها إلا أن تلزم حدها.

وعندما كان أبو محمود يأتي منهكاً والغبار على شعره ملتصق رغم الغسل، تقبض يد الولد أو تخرج مباشرة إذا ما كانت وحدها.

لقد صادفتهما روحية في سوق المخيم مرّة، ذلك الذي لا تتردد عليه، وأخرى في مطعم في المدينة. كانت مع والدها. في الأخيرة رفعت لها يدها بترحاب وبهجة. ولما كانت مع زوجها، اكتفت بالإيماءة السريعة عدم راغبة في التعارف الجمعي، نظرا للمكانة.. سيتودّد له زوجها محاولا التأثير فيه وترك انطباع طيب، أو لخطة مستقبلية يضعها لمستقبل نافع. صارت تعرف زوجها أكثر، واستنتجت أنه آلة لما هو مفيد محتمل، ولو كان لا يتضمن خطة.

هكذا هم الغزّيون ويختلفون عن مخيمات الضفة. سيتفلّت منها وربما تسبب لها بالمشاغل والمتاعب لولائم وعزومات.

أما في منع تجول طارئ، فقد كان عليها أن تطرد زوجها ليختبئ عند الجيران لأن روحية عندها. شيء ملح جداً اخبرها أن تفعل ذلك. والغريب هو بهجة حلّقت لوهلة قصيرة من وجهها وشعرها، فلما تمعنّت في تقاطيعها، ابتلعتها روحية بسرعة. طائشة مجنونة صغيرة. لم تغادر روحية عندما انتهى حظر التجول كما توقعت، فكان أن عاد زوجها وجلس معهما.

من تحايا ومجاملات إلى استفسارات يوجهها أبو محمود أو يتلقاها. روحية تسأله أسئلة فضولية مثل متى كان عمره عندما دخن أول مرة، وهل كان ذلك في حقل أو حول حيوانات. تريد أن تعلم عن الأفلام المعروضة قبل أربعين عاماً في السينما. لما أخذوا يتكلمون في إصابات الحوادث حين عمل أبو محمود مراسلاً في مستشفى، أخذت تسمع الكلمات الانجليزية والفرنسية. تركتهما لتتخلص من ملابسها العَرِقة وتبدلها. وهي تفعل لك إلى جانب دفّة الخزانة، وصلتها ضحكيهما المنطلق. لم تسمع زوجها أو روحية يضحكان بهذه الطريقة من قبل. أصابها انزعاج وأسرعت في ارتداء المنامة والخروج إليهما. تكفل وجه أبو محمود بسرد خلاصة القصة المضحكة، فعاد إليها اطمئنان.

== ==

كانت عينا روحية تلمع ببريق جميل وقوي في آن. ثم سحبت ضحكها وجمال بريقها وقوتها واستأذنت في الخروج. أغلقت صباح الباب وسدّته بالمفتاح والمزلاج. وجدت نفسها وهي تجلس في الصالون إلى جانبه تسأله:

-         ما رأيك في روحية؟

-         الظاهر مسكينة، وخلفها قصة معقدة.

-         صدقت.

-         ما هي؟

-         يجوز تورّطت مع شاب في الجامعة، وما أكملتها، دخلوها مستشفى.

نظر إليها أبو محمود بعينين مستوعبتين خاليتين من الدهشة والمفاجأة، ثم قال:

-         والشاب شو صار معه؟

الغريب أن نساء المخيم وعجائزه، الناقلات الأخبار عن رجال وشباب، لم يأتوا على ذكره.

-         ما عندي علم.

-         ووالدها شو عمل؟

-         يقولون أنها انهارت في الجامعة وحجزوها في عيادة الكلية لحد ما أتى ونقلها لمستشفى.

-         نقل لمستشفى مرة وحدة خبط لزق؟

-         يقولون!

-         ... ...

كان يتفكّر يركّز بصره في قناة التلفاز.

== ==

بعد أيام سألت صباح روحية عما حصل معها وأوصلها إلى المستشفى.

ردت روحية بكثير من التبرّم أنها لا تستطيع التذكر إلا القليل. عرضوها لأسابيع إلى صدمات كهربائية أفقدتها الذاكرة القريبة ولا تتذكر الأحداث السابقة.. استدركت:

-         هناك كلب حاول أن يؤذيني..

-         ماذا فعل؟

-         كانت عنده مشكلة مع صبية طلبت مني التدخل، ولما تدخلت هاجمني بالكلام، وبعدين مد ايده عليّ، فضربته وفضحته في الكافتيريا..

-         ... ...

-         الكلب ترك البنت تحمل منه، وما تعرّف عليها.

كان الجواب صدمة وخوفا ونفورا. داورته وسألت بهدوء:

-         وأهل البنت؟

-         لما سمعوا كلمة حمل، الكل كذّبني حتى الصبية أنكرت، ووالدي التافه نخّ للجامعة ومجلس الطلبة ودخلني مستشفى، مع أنه كان عنده إثباتات.

-         غريب أنه نخ..

-         جبان.. ضيع عليّ الجامعة!

-         مين الشاب؟

-         متذكرة شريك زوجك صاحب الكازية؟ قريب اله..

-         فهمت..

ودّعتها روحية وهي تختلس لنفسها ابتسامة سرّية، كأنها كانت واثقة من أنها ستنقل الكلام لزوجها، وهو ما تريده.

في تلك اللحظة بيّتت خطتها الصغيرة: أن تدفع للغزي أبي محمود مقابل أن ينتقم من الشاب، عرفات، ووالدها الخائف على نفسه، الضعيف معهم، مجلس الطلبة والموظفين. فكّرت أن تضيف إليهما الصبية، لكنها تراجعت. لقد نالها الكثير وتحطم مستقبلها، وبعد أن تنتقم منهما ستحوم حولها الأسئلة والشكوك.

(4)

في يوم شتوي بعد أسبوعين كانت تعلم أن أبو محمود فيه لن يعمل فيه، تعمّدت الذهاب قبل الظهر لعلها لا تصادف صباح في البيت. خاب أملها عندما فتحت لها الباب لم تصافحها بيديها المشمرين لجلي الصحون والطناجر، ولكنها تركتها في الصالون مستأذنة خمس دقائق إلى أن تنتهي من عمل المطبخ. بسرعة قالت:

-         أبو محمود.. أحتاجك في موضوع خاص..

سكتت وفهم أبو محمود المشكلة. قال مشيرا بأصابعه نحو المطبخ ومرتفعة ربع دائرة:

-         تكلمي، صباح مثل أختك الكبيرة.

تأملت الصالون بسرعة وقبل أن تعود صباح من المطبخ هتفت بسرعة:

-         لا ينفع، هي بالذات ما لازم تعلم.. والبيت ما ينفع.

-         أين نلتقي؟

-         سأذهب إلى عيادة مستشفى المدينة غدا، موعدي هو العاشرة ظهرا، فتدبر نفسك لتكون هناك مع حجة قانونية..

انزعج أبو محمود من كلمتي "حجة قانونية".

-         خيرا؟

-         غدا أخبرك.

ولئلا تنتبه زوجته صباح لما أصابه من قتامة، أخذت تتحدث معها عن وصفات طبخ شاهدتها على القناة الفضائية الخاصة. كان وجهه غائراً في خواطر من قلق وخوف يلاحظ حديثها فاهما غايتها متسائلا عن غرضها في الغد. لقد تذكّر تلميحات انتبه إليها من شريكه صاحب الكازية.. شيئاً عن عمل مشبوه سابق لوالدها قبل قدوم السلطة، وعن تبرعات متباعدة كبيرة يقدمها هنا وهناك من بينها أقساط الجامعة علّه ينشر عن نفسه سمعة جيدة. روحية نفسها لم تخلو من طرطشات قبل العشرين سهرات في بلدات وسباحة في برك مختلطة وتساهل في التخالط مع الشبان. لكن ذلك كلّه لم يفسّر ما حدث معها في الجامعة إلا عندما أخبرته صباح قبل أيام عن الفتاة الحامل والتكذيب وإدخالها المستشفى. كان خبراً حصرياً، وفهم الآن لماذا أخبرت هي صباح.

== ==

كانت المقاعد في ساحة انتظار العيادات مكتظة. لم يحصل على موعد يلائم موعدها تماماً عند العاشرة، ولكنه سجّل لدى الموظّف وأخذ موعداً سريعا لتحليل بوله، بعد شكاة مزورة عن حرقة وصعوبة في التبول. صار لديه من نصف ساعة إلى ساعتين بانتظار أن ينادوا عليه ويأخذون عينة.

كانت تجلس إلى جانب المقاعد، في الطرف القصي الأيسر، متطرفة عن بقية المنتظرين والمراجعين.

كانت ملثمة تقريبا بشالها لا يظهر فمها، لولا أن ميزها من عينيها وقوامها. عرفها من صوتها المنخفض الهادئ لما اقتربت من وقوفه الجانبي وتمتمت له:

-         أخبرتك صباح عن الجامعة والمستشفى؟

رد بحيطة منخفضة النبرة:

-         أخبرتني.

-         هل تفعل لي شيئا وتحصل على 10.000 دولار؟

تذكّر ما قالته له البارحة، وأحس بخطورة ما ستقوله. كان يحمل جريدة وقلما فكتب على هامش الصفحة:

-         ما هو؟

-         بدي انتقم؟

كتب ثانيةً:

-         من مَن؟

-         عرفات قريب شريكك، ووالدي.

لقد أحس وقتها بوجود شيء، نقطة ضعف، بين شريكه ووالدها. شريكه كان رجلا لا يحب شيئاً ولا يفعل شيئاً -ويفعل أي شيء- من أجل المال. حتى أنه يعلم عنه النصب والاحتيال إذا استطاعهما، ومتاجرته بالحشيشة. طافت في مخيلته خاطرة خطرة، عن صلات غير علنية، أكثر من جرمية.

كتب على الهامش:

-         هل والدك وشريكي نفس العجينة؟

ردت بمغلف يخترق الهواء وصوت أعلى:

-         نفس العجينة..

-         أمور غير وطنية؟

لم تستطع أن تنبس إيجابا فهو والدها الذي أنجبها، ولكنها هزت برأسها وشعرها الذي يقتسم ظاهره شالها، أن نعم.

-         تريدين موتهما؟

-         ... ...

كتب لها:

-         لو كنتُ في غزة لساعدتك في الوصول لمن يفعل الأمر لك مجانا وعن نزاهة، هنا الأمور أصعب. ما يمكنني الثقة حتى بك.

-         أبو محمود، فاهمة.. العائلات عائلات، لكن أبناءها مش كلهم واحد.

فهم أبو محمود الآن وضعها الخطير. لكن لحظة تراخٍ منها في المستقبل قد يوصله للمؤبد والقتل. بقي سؤال أخير كتبه على هامش الصفحة الثانية من الجريدة:

-         ما الذي اتهمك به عرفات في الكافتيريا؟

-         قال إن الصبية دسّها والدي عليه وإنها حاولت تسقطه..

صوتها كان مرتعشاً ضعيفاً كأنها باحت بالأصعب، ليس عن نفسها بل عن والدها. فهم عندها الصورة: ابنة عميل تطالب بعدالة لفتاة طائشة، والشاب الذئب استغل سمعة والدها ليتخلص من الفتاة الحامل، وطاش صواب مجلس الطلبة والإدارة، وخافت الفتاة نفسها وربما رشوها وأجهضوها، ثم اتفقوا على إدخالها هي المستشفى.

شطّب الكلمات التي على هوامش جريدته جيدا. سيتلفها لاحقاً. الخيانة إثباتها في الضفة ومخيّماتها صعبة جداً، والعقاب شبه مستحيل. الحركات الإسلامية تمتنع عن قتلهم هنا، خاصة عندما أتت السلطة. لا يستطيع قتل أحد ولو بمال الدنيا، لكن بحنكته في الحياة يستطيع أن يتسبب لغني بمئات آلاف الدولارات من الخسائر. عرفات نفسه صاحب فرع كازية مثل شريكه، والموضوع بعض الترتيب لينفجر الخزان في الصباح الباكر الخالي من السيّارات والشاحنات بعد مغافلة الموظف، والكاميرات والتمويه عليها.

تركها دون أن يعطي جوابا. عليه أن يتأكد أولاً من أناس في غزة، إذا كانت لديهم معلومات موثّقة، وإذا كان يستطيع فعل ذلك مقابل المال.

أما والدها، فيجب أن تنتقم منه بنفسها..