الاثنين، 31 أكتوبر 2022

قصتان: تبغين دائم و نحن نقدس

 

تبغين دائم

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

نقلوه من الخزانة للزنزانة. كان منهكاً متوجعاً تعبا متصلب العظام، فألقى جسمه على الفراش الضيق الرطب القذر، واستغرق في النوم. استيقظ على طرقات معدنية صارخة. ثم سمع صوت الكوة الصغيرة وهي تفتح.

تدلّت ثلاث لفافات تبغ من ثلاث أصابع، وتبعها جزء من قالب خبز وعلبة لبن ليست عربية. أشار له السجأن العجوز بالولاعة، ففهم عنه وأشعل لفافة لا فلتر لها من النوع السيء. حين طلب "الأكامول" لصداع يهاجم رأسه الضاج بألوان الإطباق عند الاستيقاظ، هزّ له جبينه المتغضن المثلث، اليهودي، مقترحا عن خبرة:

-          كل خبيبي، كل..

كان عجوزا تجاوز الخمسين بأعوام كثيرة، لكنه يبدو أكبر من ذلك في تجاعيد وجهه وذقنه المهملة. عراقي اللكنة، بعبرية متذمّرة أو محتجة على الدنيا بأسرها، يرد ببرودة وتذمر بارد على الأوامر والتوجيهات. قد يناديه المحقق بصوته الآمر والشاب:

-          خيّال، بو! (جندي، تعال)

فيأتي بصمت، كأنّه هو المعتقل.

يسلّمه المحقق له. يقتاده والكيس ذو الرائحة العطنة على رأسه، ثم يزجّ به في سراديب خشنة ملتوية ويوصله إلى الخزانة. بعد الأيام الستة، صار يسحبه إلى الزنزانة.

انتهت السيجارة بسرعة، بالنسبة إلى فتى في السابعة عشرة.. دقّ على باب الزنزانة الأعمى ليطلب ولعة أخرى، لكن العجوز السجان تجاهله. في المرّة بعد الخامسة أو السادسة، اقتحم عليه الكوّة الصغيرة، غاضبا من طلبات كان صداها يتردد في قسم الزنازين بمثل طلبه، أو غيره، رافضاً أن يشعلها.

حين مضت خطواته البطيئة في الممرّ المجهول الخفي، سمع صتا من الزنزانة المجاورة، بعد دقة على الجدار الخشن المليء بالقمل، أن "يحتفظ بفتيلة من ورق الحمام –غير الموجود- أو أي شيء". فهم الفكرة، ولكن ليس لديه ورق للحمام؛ ففكر أن يسرقها من غرفة التحقيق، عندما يأخذونه.

بعد جولة السبت السريعة، للتحقيق، والمناديل الورقية (التي سرقها بنجاح عن طاولة المحقق) واستطاع أن يصلها ممدودة معا، انتظر قدوم الولعة. المفاجأة أن الفتيلة التهمت اللفافتين المتبقيتين بنفس سرعة احتراقها، فبقي يضرب كفا بكف: لا هو أقلع (كما في أيام الخزانة السابقة)، ولا هو استمر في التدخين. ففهم سبب اللفافات الثلاث تحديدا: الحرمان -أو التبغين- الدائم..


 

نحن نقدّس

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

غافل الكلب أويساً ابني الصغير ودخل البيت. لعب فوق الأثاث ونتش الملابس وأوقع الأغراض. وعلمت أن الملائكة لن تدخل البيت. ربطت الكلب في الخارج، وقمت ورتّبت خلفه، ومسحت الأثاث وغسّلت الصالة، ثم قرأت الفاتحة وما تيسر من الأدعية. ناديت ابني ذا الأعوام الخمسة. سردت له حديث الرسول صلوات الله عليه، وأمرته أن يتوضأ، وبالتأكيد ألا يسمح ثانية للكلب بالدخول.

-          "نحن نقدّس، ولا ندنّس.."

قالتها، حينئذ، كحكمة وهتاف. كلمة سمعتها من "إيفيلين"، الراهبة الأخت، وتذكرتها عندما دخل الكلب إلى البيت. قالت كلمتها حين كانت تؤدي واجبها اليومي في الباحة، حيث أعمل حارسا للكروم والدير. بعد صلوات الصباح وواجبات الدير من الداخل، تخرج ظهراً للعناية بحصى البان في ممرّ الحديقة. وجدت كلباً فأخذت تهتم به وتلاعبه. كان مشردا أو طريدا، وفي جسمه بقع جافات أو متساقطة الشعر. نهيتها عن ملاعبته لما فيه من نجاسة، فخالفتني الرأي ولم تجد فيه علّة إلا المرض.

سألتها:

-          لماذا، إذاً، لا تدخلون الكلب إلى الكنيسة؟

-          هل تدخلون القطط إلى المسجد؟

-          لا نمانع دخولها، ولكننا لا نتقصّد ذلك، أمّا الكلاب فهي محرّمة للمساجد والبيوت. البيت الذي فيه كلاب لا تدخله الملائكة.

لم تجبني وأخذت تفكّر فيما قلته. كانت تدهن البقع الجرداء على بدن الكلب، وتداوي فطريات في جلده. عنّ لها خاطر، فقالت وهي ساهمة:

-          نحن نقدّس، ولا ندنّس..

هذه المرّة لم أفهم بالضبط ما قصدته. تأملتها: طويلة بملابسها الكحلية والمنديل. تقريبا محجبة. كانت أماً لولد قضى في حادثة. ويظهر أنها تطوعت للرهبانية عن أسى. لم يمض على دخولها وقت طويل، وكانت تتهرّب إلى الحديقة عندما تضج من واجباتها أو التعبّد أو أوامر الأم الراهبة. عمرها يقترب من الأربعين ولا تزال شابة تهتم بوجهها ويديها، بالكريمات. كان ذووها قد توفوا، فلم يعد لها أهل تعيش بينهم، ولا شيء لتفعله. فلما مات ولدها الصغير وجدت حياتها في الدير، بعد أن تأهلت بدورة ما أو دراسة، فسافرت إلى هنا.

".. نقدّس، ولا ندنّس".. تأملتها وتذكّرت شعائرهم في الدير والكنيسة وفي الصباح وفي المساء، وفي كروم الحديقة والقبو الخلفي.. يحملون الصليب كأنه آلة لمعجزة، ويقدمون الكسرات (جسدا) للمسيح الذي يأكلونه.. ويرتشفون دمه النبيذ. يعرفون أن كتابهم المقدّس ناقص ومحرّف و"ليس دقيقا لأسباب تاريخية" –كما قالت إيفلين مرّة- فيخضعونه للتصويب و"التطوير" بين الفترة والأخرى، ومع ذلك يقدّسون حروفه. رأيت الحروف –أو الشعائر- أصبحت كالأوثان، لذاتها تنوب عن أصل ليس موجودا. كلّما طرأ طارئ اجتماعي أو سياسي غيروا الأحكام والكلمات. "البابا" عمّا قريب سيصير زوجاً  وخليلا.. لا سؤمنون بالطلاق، لكنهم يطلقون مثنى وثلاث ورباع! الايمان –في الآحاد- ضرب من الطرب! يريدون إلها أبا وابنا خارقا إنسياً، وصلة من نوع تمرّ فيهم أولا لتصل بينهما. أما في نهاية الأسبوع، فيصلّون محتفلين بالمناسبة كمن يتخذ سبيله إلى حفلة.

كلّها أشياء قدّسوها فأصبحت كالأوثان: تنوب عن أصل، ومستقلة بذاتها.

داريت خواطري، وأخذت عنها الكلب لأدهنه. ولكني أعدت وضوئي للصلاة، خاصة أن لعابه أصاب يدي. في الخارج كان أهل القرية الذين أهملوا الكلب أو طردوه يبحثون عما تبقى على الدوالي من قطوف العنب العالية، لأنهم جوعى. كنت أسمع أصواتهم وشجاراتهم وأنا أصلّي، قد أهملت –عن عمد- وظيفتي..

 

السبت، 29 أكتوبر 2022

الحاج

 

الحاج

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


دلّوني على "الحاج" الذي يكبرني بأقل من عقد، عندما سألت في القرية عمن يبيع التبغ البشاري. كان يمت لي بصلة قربى بعيدة> كان وجهه مألوفا لي، نتبادل السلام، بعد الصلاة في المسجد، لكن لم تكن بيننا علاقة. سألت عن بيته حتى وصلته. إنه بيت قروي قديم تنضاف فيه الغرفة تلو الغرفة. دققت البوابة الكبيرة، وناديت بصوت عال. خرج وعرفته. أخبرته عن غايتي، فقال لي إن التبغ سيصل غدا من الفرّامة ولكنه يمكنه أن يمدني ببضع سجائر. شكرته وأخبرته أنني أتدبر نفسي حتى الغد.

متوسط علبة السجائر المصنّعة من النوع المقبول عشرون شيكلا، وهذا يعني ستمائة في الشهر. مصروف عائلة من الطعام! لهذا بدأت، منذ نسيت متى، أدخن التبغ المحلي، البشاري، بعد لفّه في المنزل، عبر ماكنة صغيرة رخيصة. كان دخاني "امبريال": دخان محلّي مصنّع وقوي.

في البداية آلم حلقي تبغ البشاري، لأنه قوي من دون إضافات، وبنسبة رطوبة قليلة، ثم اعتدت عليه، ولم أعد أتوافق مع غيره. سيجارة واحدة تضاهي عدة سجائر مصنّعة مليئة بأربعين مادة كيماوية تسهّل وصول النيكوتين إلى الدماغ، وتزيد الادمان عليه. بمعدل تدخيني، كنت أحتاج إلى علبتي امبريال يوميا، بينما تكفيني 15 سيجارة من البشاري، التبغ المحلّي.

في اليوم التالي كان الحاج قد أتى إلى بيتي، ولما لم يجدني، وضع كيس التبغ لدى دكانة قريبة. ناداني صاحب الدكانة وسلّمني كيس التبغ. كان يقارب النصف كيلو من شلل التبغ الطازج. حين جربته وجدته أقوى من معتادي ولكنّه جيد. مررت على بيت الحاج لأدفع له. أبى في البداية ولكنه قبل بعد إصرار منّي. أخذ ثمن اوقية فقط. وفّرت تكلفة المواصلات إلى المدينة التي تعني اسبوعا أو عشرة أيام من التدخين.

تبادلت الحديث معه. فهمت أنه يزرع التبغ على نوعين: بعلي دون سقاية، والآخر يسقيه بالماء. كنت أريد تبغ القطفة الأولى من المسقي لأنه أخف، لكنه يبيعه في السوق حيث يجلب له سعرا جيدا. يجمع كل قطفة عشرات الكيلوغرامات من الأوراق، ثم يأخذها ليفرمها في يعبد. وأراني أين يخبئ تبغه الخاص: يضعه داخل سطل بلاستيكي مع أوراق نبتة ما تضفي الرطوبة عليه دون أن يتعفن، فيظل طازجا لوقت طويل. ومنه يعطيني. صرت زبونه. كل أسبوع أو عشرة أيام، بعد صلاة العشاء في المسجد القريب، أمرّ عليه بعد أن أنبهه باتصال هاتفي ليحضّر لي حاجتي.

إنّه مزارع حقيقي. يعتاش على مشتل لديه يربي فيه الأشجار والتراقي والفسائل، ويزرع الخضراوات البلدية ويجفف الفاكهة من تين وعنب، ويزرع التبغ. إلى ذلك يزرع الحبوب في أرض لديه أو أخرى يستأجرها من أصحابها. التبغ يدر عليه مردودا جيدا، إذا لفّه في البيت وباعه بالكروزات حسب الطلب. خيّرني أن يلفّ لي الكروزات ويبيعني إياها جاهزة، ولكني كنت سأتكبد ضعف التكلفة، ففضلت أن ألف بنفسي. في الواقع ألمحت له أن أساعده في اللف إذا كان الطلب عليه كبيرا، ولكنه لم يستجب.

أيام الجمع، يبيع القرنبيط والطماطم وما هل من منتوجات في مواسمها والبيض البلدي أمام المسجد. إلى ذلك يسرح في الخلاء ويجمع شوالات اللوف وأوراق نبتات أخرى تلفّ بالرز، والزعتر والميريمية. أحيانا يوصونه على أعشاب بعينها، تستعمل كعلاجات لأمراض مستعصية فكان يحضرها بسرور.

ويشتغل أحيانا في التحطيب. يقطع الأشجار بالأجرة، أو يتاجر بالحطب.

مرة سمعته يقول إنه كان يدرس الفول على البيدر. استغربت فعلى حد علمي ليس لديه دواب، وما من ماكنات ظلت تفعل هذا، فابتسم لي وقال إنه يدرسها بدواليب سيارته!

كانت لديه زوجة مريضة بالسرطان، وهو لا ينجب، لكنه يعيش حياته باعتياد يوميّ منغمّس. إنه لا يعمل عند أحد، ويتدبر أمره. عندما لا يكون موجودا، تخرج وتخبرني ذلك. مرّة مساءً ذهبت لأشتري منه ولم يكن لدي رصيد هاتفي، فخرجت عليّ امرأة قالت إنه في بيت الأجر بالقاعة.

- أي بيت أجر؟

- زوجته توفيت.

إذن هي قريبته، أخته مثلا.

- رحمها الله. الآن فقط عرفت.

فهمت من شبان عابري الشارع أنه اليوم الثالث الأخير لبيت الأجر، وأنا كنت مشغولا بعملي ولم أسمع أي خبر، ولم يتصل بي أحد ليخبرني شيئا. سارعت وتدبرت هيئتي وذهبت إلى صالة بيت الأجر. كنت المعزّي الأخير. اعتذرت له عن التأخر وعزّيته. بعدها بدقائق سكبوا كاسات الشاي كعلامة على انفضاض بيت الأجر وقرأوا الفاتحة. أظن أنه غضب عليّ. كان في حالة مرتبكة جدا.

من والدتي التي تتبادل الأحاديث مع النساء، عرفت أنه كان منهارا في دفن زوجته وكان يبكي بكاء مرّا، ويصرخ مناديا عليها. إنه متأثر كثيرا ويبدو أنه كان متعلّقا بها بشدة، ولم يتوقع وفاتها رغم مرضها. صار مضرب مثل في المحبة والوفاء، وصار حديث نساء القرية.

بعدها بأقل من شهر، صار مضرب مثل للرجال هذه المرّة!

لأنه جمع أقاربه المباشرين وأولَمَ لهم في بيته وأخبرهم أنه عقد قرانه على امرأة مطلقة لديها ثلاثة أبناء تخلّت عنهم لأبيهم من أجل زواجها!

وبينما عُقدت المقارنات بين الحالين الضاجتين اللتين تفصل بينهما أسابيع قليلة، وتخرج الاستنتاجات الحادة، والمفارِقة، والتعليقات الصاخبة، أظن أنني فهمته: لم يحتمل الغياب والفراق والوحشة والفقدان. لو صبر عدة شهور لصار بامكانه أن يحتمل حاله لسنوات، لكنه كان يعيش تحت طيف زوجته الميتة التي تحلّق بروحها في المنزل وتتسبب له بمشاعر مرعبة من الخسارة والخوف والوجل. فسارع إلى اقتناء رفيقة تذهب عنه وحشته.

انطبق عليه المثل القائل: أعزب دهر ولا أرمل شهر!


رقدة الغفلة

 رقدة الغفلة

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 استيقظ أبو فانوس، في الأسبوع التالي، على عقله. كانت الدنيا عادية وهادئة ومثل الحقول المحروثة. بدا له أنّ ما عُلِّق على رأسه غير موجود، وأن مركبات الشرطة -أو أنصاف المجنزرات- لا ترصده، وأن نيرانهما في الهواء مصادِفة (تلاحق مخالِفا ومخالَفة أو هاجساً يجوس في الخلاء)، والجامع بيت الله يعبد فيه ويُسبّح له.

آمن أن الناس لا تخاف منه أو تخدعه أو تدلّس عليه، وأن الأشياء كعادتها. وكل ما في الأمر أنه يسيرُ الحظ ومقدّر عليه أمره في الرزق والعشق، وأن الصبايا لا تبال به لزيّه وقامِته، وأن أهازيجه لا يهتم بها أحد وهو يرددها على ظهر أتانه، ذاهبا إلى حقله (ذي الآبار القديمة) الواقع إلى جانب المستعمرة؛ وأن جاره مالك البغل لأبيض إنما يحرث له الأرض من أجل الأجرة وحدها، وأن قريبه يكنّ له القربى والمودة؛ وأن الشارع يتوسّع من أجل المرور والمركبات، والشاحنات ذات العجلات الأربع والاوتومبيلات، وأن الباعة كعادتهم يطمعون في ربحٍ مستمرٍ منه أو سُمعة؛ وأن المواسم تحب حضوره لما يشاركه فيها؛ وأن منافسيه أشراف كالمتوقع، وأن.. وأن..

إلى أن سقط عن أتانه أمام الجامع وهم يهم بركوبه بعد صلاة العصر؛ فتراءى له، فوق رأسه، ورغم ضوء النهار، في أقل من نظرة، الفانوس ثانية: كان راقدا رقدة الغفلة، والرياح تحمل ذرى دَرْس القمح والشعير حوله، على بيدرٍ عجيبٍ:

-         الشرطة ونصف المجنزرة، تلمحان معاني في رأسه تخيِّل على التلال وهو يعمل في حقله، ولهذا تقذف الطلقات على الصخور والآبار.

-         الجامع المعتم من الداخل، المضيء على نور اللوكس، يتمايل خيال ضوئه لا على بشرِ بل على جنّ قصار، طوال الأنوف، مكّارين، ذوي وجوه رمادية مستطيلة، فتاهم أخبث من كهلهم، ونساؤهن يتسللن خفيات يعقدن الأحجبة بدم نجس ويحرقنها كالبخور له دخان أزرق. يتلوون القرآن وقصدهم باطنٌ: كسحرٍ أو دنس، أو رَصْدِ باطلٍ يخادِعُ -على دفين- حقاً.

-         الناس –كلّها- ما بين متورّطه تخدعه، أو معادِيه تحاربه وتستهدفه، و/أو مرتجفة: تلقي عن نفسها الأذى.

-         أما أهازيجه فلا تدرك إلا كشهوتين: ميلٍ لبارود، أو هوى ميلٍ (لغجريةِ على "الخط" الموصل للمدينة).

-         الحرّاث ابن الحمولة المناسِبة المصاهِرة، الجار، ينتظر موته أو شلله، ليستولي على الحقول، مثل قريبِ دمه و/ أو أكثر.

-         والشارع أتى لا لشيء إلا ليشق أرضه هو بالذات، رغم غياب مخططات المختار والديوان، ويستولي على أمتار منها.

أقلّهم مكرا وأكثرهم اتّضاحاً كان "التركي" ابن فاطمة المكتوب، تاجر الحبوب والسكر والبُن والكاز والدخّان والكِشك..: يبيعه إياها ويرفع ثمنها، عازفا على قوله:

-         خيراً يا فلاح، خيرا.. خيرا!!

أما الأخبث فهم المنافسون: ينتظرون عرسا ليغنوا فيه أهازيجهم المسروقة، الملحّنة على مقاسه، سخريةً منه، نظرا (للغجرية) ذات الراية الخفية في القرية المؤقتة!

 

لما لم يحتمل ما رآه، وقف على ظهر أتانه وأستعاذ من الشياطين وإنسها، وألقى بنفسه، في ثانيةٍ تالية/ نظرة أخرى؛ ليقع على أمّ رأسه.. فلربما يرى شيئا مختلفاً، في الأسابيع كلّها، ويعود إلى رقدته.

الأربعاء، 26 أكتوبر 2022

معتزل جديد

 معتزل جديد

 

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

دوّى الأذان في المدينة الشمالية، وهو يمشي يدفع عن رأسه الخواطر والتخاطرات. كان الأذان جماعيا متداخلاً يصعب ترجيعه. إن ردّد "الله أكبر"، سمع "الله أكبر" أخرى، وثالثة. كذا مع "أشهد أنّ لا اله الا الله"... ابتكر ترجيعه الخاص، وهو أن يتلو الأذان كلّه وحده دفعة واحدة؛ مستغربا من تقاربٍ في الأماكن، أو تباعدٍ في الصوت، لأن الأذان كان يُقام بالحلق وحده.

إذا تأخر في القدوم للمسجد دقيقة، سبقته السمّاعة بإقامة الصلاة. إذا كان مرهقاً، أطال الإمام صلاته. كان يعرف أغلب المصلّين، منهم مساكين ومنهم لئام، وآخرون لا يبالون بشيء (ولا يعرف لم يصلّون). الإمام السمين ذاته ينتقي آيات موسى والتسليم لله، و"إن جنحوا للسلم فاجنح لها"، يعني بها ما لا يدرك معناه، غيرُه، ويرفضه.

وترتطم كتف بكتفه أو قدم بقدمه عند الوقوف، أو تزاحمه على السجود اصابع كفّ تلامس جانب أصابع كفّه. يغمض عينيه على صور تتجسّد في مخيلته وهو يستمع للتلاوة؛ فهناك من يترصّدها: ذوو أسلاف طويلة، في مكان داخل العقل مقسّمٍ على طبقاتِ عجاب، مدنسو العمر صغارٌوالعقيدة، ليستعملوها ضد مصلّين غيره.

منظف الحمامات اتخذها مهنة: يضع صندوقا لا تَعرفةَ له، لكنه مفتوح على ما لا حدّ له، بحجة الصدقة والإحسان. أمسكين هو رضي بعقابٍ وثني، أم طامع بالاثنتين: الكسب المرتاح والايمان؟ كان عندما يستعيذ من الخبث والخبائث، وهو يضع قدمه اليسرى أول الدرج المؤدي للخلاء، عانيا بها (الخبيثين) ممن قبلوا بما لا يقبله الخالق؛ كان يسمع نخرة أنفه، أو أنف غيره؛ أو –في الحمّام- قرقرةَ شيء خشبيِّ كباب ومعدنيَّ الصوت كارتطامة، كأنهما تنهرانه عن استعاذته..

خادم المسجد، حركيّ الانتماء، مستمتعاً، لا يفعل شيئا سوى المرور بالمكنسة الكهربائية أمامه، عندما ينتحي جانباً؛ ليضايقه ويدفعه للخروج.

وحين يرفض كل ما يحيط به، ويغمض عينية ليستجمع سكينة الخشوع، تتضخم عليه "سوادات" ذات كهرباء –في النفس، أسفل عمق الجبين- صاعقة ومؤذية، ليضجّ الصفّ، في اللحظة ذاتها، بتيار متمايل صوتياً من النهرات الجافة، تهدّده. أما صدره فيغلي منقبضاً بشتى الانفعالات، ما بين ضنك وضيق.

//

لم يقبل هذا (التزامن) العجيب، واعتقد أن المصلّين قد أصابهم شيطانٌ إنسيٌّ -أو أكثر- بمّس جماعي. عند السجدة، أو الركوع، أو حتى الوقوف، يتراءون له كخيالات متحركة صغيرة تتراقص في رسوم على السجادة المزخرفة، عكس السُنّة: ألا يكون هنالك تصوير.

لمّا بلغ به الوعي والتضجر حدهما الأقصى، ترك الصلاة مع الجماعة مرّة، وأقامها في الركن الخلفي أمام الباب، وحده، مخالفا ترتيلهم وتصويتهم وقيامهم وسجودهم...

أحسّ أنه الجماعة والبقيّة قلّة، في الأرض المرتفعة المقدّسة.

الجمعة، 9 سبتمبر 2022

المشبوه

 

المشبوه

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

معذرة يا صدى.

أنا ثائر ومستوحش وأتردد كالكرة داخل ذاكرتي. لا أفعل شيئا سوى التفكير والتفكير إلى أن أفهم. كنت خارجا مؤخراً من المسجد حين لمحتك. لم استطع دفع نظري عنك كما يتوجّب عليّ، لأنني -ولو عن مسافة- عرفتك، ورأيت ملامحك. إنها ليست مجرد ردة فعل بل موجهة وشديدة المقت. هذا يعني أنك انشغلت وفكّرت في أمور ما أو ناقشتها، وخلصت إلى نتيجة. ليس في وسعي في الوقت الحاضر أن أرد عليك ولا أظن أنني ساستطيع، لأسباب دينية. جرّبت مواجهة الآخرين بأنفسهم من أجل تغييرهم، والذي خلصت إليه أنهم يزدادون خوفا. لم أتعلم بعد، أو ربما لا أريد، التغافل.

بخصوص المسجد والصلاة أو الدين عموماً، لا أبالي وأدفع هذا الثمن عن طيب خاطر. إن لم يأتك وقتك، فسياتي يوما ما، وستفهمين. اصبري حتى تهتز تصوراتك وحواسك وعقلانيتك ومحيطك. ستحتاجين إلى شيء أكبر من معتقد بشري ثقين به ويوضح لك. هذه هي الدنيا: هناك أشياء لا بد أن تمر علينا ولو بتفاوت، لنفهمها.

وظلت نظرتك تلح عليّ مع امتعاضة زاويتي الفم. لم انتظر شيئا أو -آسف للتعبير- أن تبتسمي.  الكثيرون والكثيرات صاروا غرباء، ولا بأس في الأمر. الغرباء مريحون ومطوبون. غير أني استغربتها. وأنا بنفسي أفعلها حين يكون لدي اقتناع تجاه شخص وأخذت منه موقفا. لا أريد أن يتنفس على مقربة مني. أتجنّبه فقط حتى لو مد كفّه لي.

لكني بقيت افتّش في نفسي: أين أخطأت. لا تكفي الصلاة سبباً لها. هذا أمر أعتدت عليه، ويدعوني بعضهم إلى قدح من البيرة ساخرا مني، وثان يسألني عن ذقني التي قد اهملها، إن كانت ذقن شيخ أو (....)، وآخر يرتد إلى الخلف مذعورا ويسألني عن داعش. وهناك مَن إذا عرف أنني إذا تركت التدخين -ولو لعدة أشهر- أصابه الذعر.

أفهم ردات الفعل هذه وشبيهاتها ولا أبالي بها، لكن بخصوصك أنت قلقت. ترى أين أخطأت؟

لا أريد شيئا منك، لكني لم أفعل شيئا.

حاولت متابعة تطوراتك عن بعد، وأحسب أنك تعلمت درس الحياة أيضاً. نعم، الأكاديميا أفضل من أي هراء فكري.

هل تحتاجين اثباتا مني أنني لا أهرب من شيء فعلته، وأواجه نتائجه؟

حتى هذا الاسم، صدى، فأخوك الكبير نفسه واجهته به. حين سألني عن الحكاية، وضعته في جانب منها، الذي يهمه فقط. في البداية كان مرتبكا يطلق الوعيد الذي هو مخاوف، فصبرت عليه إلى قرّغ شحنته (لأنني المخطئ)، ثم هدأ واطمأن. قبلها كان يريد أن يستغل الظرف ليسجل موقفاً عليّ، فلم أسمح له وسبقته وسخرت منه على الرصيف أمام زملائه. وقتها هرعتِ أنت لأنك حسبت أن الأمر سيتفاقم. لا. لم يكن هكذا. لم أرد له إلا أن يهدأ لأتمكن من التحدّث معه.

وفي مساء اليوم التالي او الذي بعده، مضيت حيث أعرف أنه موجود. انتظرته أمام الواجهة الزجاجية للمحل، وخرج. قلت له إنني أريد أن اتمشى معه. تفاجأ وخاف ولكنه أيضاً كان فضوليا. قال لي معرّضاً إنه كان "يريد أن يتّصل بأناس ليأتوا ويأخذوني". ضحكت وقلت له إن المهم هو لباسهم الذي سيرتدونه! كنت من ناحيتي أعني لباس الأطباء والممرضين ولا أدري كيف فهمها هو.

لم يعلق. أخبرته دون مواربة أنني الذي وضع الورقة على نافذة السيارة. سألني عن السبب ولم أخبره إلا عن جانب يسير. المهم أن يعرف هذا، وأنني هنا في مواجهته، البقية لم تكن مهمة.

سأخبرك شيئا: لديه عينان عاطفتيان وذكيتان، تثيران.. على نحو ما احببت نظرته. حين يدوّر فكرة في رأسه أو يقلّبها، فإنه يورجح رأسه بسرعة عدة مرات، ثم فجأة يضيء الاسنتاج ويتوازن الوجه.

لا أتذكّر ما الذي تناقشنا فيه طوال ربع ساعة، لكنه اقترب من اللب وسألني:

-       يعني نزوة؟

نفيت. لم أقبل التوصيف. لا ليست نزوة وإن طافت حولها. درستها بالكامل عن سابق اصرار وتصميم من نوع الورق والخط -خطي- والكلمات والاسم والموضع. لم يكن ليفهمها على أي حال غيرك. كنت اريد موقفك أنت، أنت تحديداً، في ظل هذه الظروف التي اصطنعتها، وأخرى غيرها.

وكنت مندفعا جدا في تصميمي الشديد، لدرجة أنني غفلت عن تفصيل صغير، وهو أن يلمحني جيرانكم. لم يخطر لي الأثر الاجتماعي. عندما رأيتهم متأخرا، لم أهتم ولم أعد لأخذ الورقة.  كان بوسعي انتزاعها، ولم أفعل. شيء تحجر داخل عقلي وجسدي.

ردة فعلك، او جوابك، تأخّر يومين وكانت مع (ن)، ورأيت قبلها (م) على الشارع، وادركت ماذا حصل. فهمت ما أردت فهمه.

كنت افكّر بك؟

طبعاً، لكن ليس كما تتخيلين.

سأصف لك: هل تعرفين بوتقة الاعصار؟ تخيليها من لهب تدور وتدور، متضخمة، مع وهج شديد لا يحتمل توتره في المركز، وألم يطال أطراف الجسد، كالتنميل الفظيع، يمنع من الاستغراق والنوم واليقظة. هذا ما كان يدور داخل جمجمتي ويسيطر عليّ. وأهلع فجأة لأنتصب من تمددي، وأنا عاجز عن التنفس الهادئ. وصفته لمتخصص، فقال إنه قلق شديد. لا حسّية ولا عاطفية. هما مستحيلان، واظنك تدركين السبب.

كنت غاضبا بشدّة من كل شيء. ولأفعل شيئا أي شيء تركت التدخين. ناسبتني المعاناة اللحظية التي استمرت إلى أن ارتفع الحاجز مع النيكوتين. كانت تلك أول مرّة أتركه، واستمرت أحد عشر شهرا. بعدها تحوّلت إلى حجر صلد، وفي ظروف معينة بلغت إرادة اليأس. إنها شديدة القوة والاندفاع واللا مبالاة.

في ذلك الوقت، كان موقفك متميزاً عن الآخرين المحيطين الذين سرت السلبية فيهم: هل كان تميّزك حقيقيا أم ادعاءً يركب الموجة عبر نقيضها؟

هل عرفت لماذا أسميتك صدى، في ذلك النص البدائي الذي لم يعجبك، واستعملت الاسم فيما بعد؟

لأنك لم تكوني، للأسف، ذاتك. بل صدى غيرك. وأنا آسف أنه صدر مني تعبير ذات يوم حين قلت أمامك -وكانت (ن) و (م) جالستين- أنك مثل ممثلة لا تعرف كيف تمثّل. ما لم اكمله هو أن الصادق يعجز عن التمثيل.

ولم تكوني الوحيدة، إذ تكرر الأمر فيما بعد في تعقيد أشد، وهزني بشدّة، بل إنني تخلّيت عن كل ما أعرفه وبدأت من جديد.

باستثاء اخيك، لم أخبر أحدا بشيء كي ينحصر الأمر فيّ أنا ولا يتلقى غيري المسؤولية، وهذه هي المرة الأولى التي اتطرق اليه، منذ تلك السنوات البعيدة.

نعم، لا أبالي ولا أنسى.

حين أهتم بشيء وأريد معرفته، أفعل ما هو غير معتاد أو مألوف. لو أخبرتك عن الأشياء التي أفعلها في هذا الوقت لما احتملت دقيقتين من متابعة التعقيد الذي أخوضه وحدي، مع فارق أنني نصف مجنون. لا، لست مجنونا على الاطلاق، لكنني أحتاج إلى الكثير الكثير من الوقت، لأتمكن من تصوير ما اختبرته. حتى الغيبيات، أنا الماركسي السابق، آمنت بها، لأنني اختبرت قريبا لها. لكي اتمكّن من الاستيعاب، قلّصت عالمي. لا احتاج إليه على كل حال، فلدي ذاكرتي ومخيلتي التي انكسرت فصارت ترى الغريب البعيد.

ورغم أننا التقينا بعدها -في  ذلك في المكتب العام بين الآخرين- وتحدثنا، وسألتني -أو استنتجتِ- أنني كنت أفكر بك، إلا أنني عرفت موقفك الفعلي وانتهى الأمر. لهذا واجهت أخاك وقدّمت اعتذارا، وانهيت الموضوع. هل انتهى حقاً؟

ثمة جوانب لا تشرح، ولا اريد الإشارة اليها كيلا يتم استغلالها من احد. لكن صدقيني: يمكنني تقبل كل أوصاف السوء في العالم، لكني أؤكد لك أنني لست انتهازيا، مع أنني استطيع. انا مثلك يا صدى، كنت عفويا وبسيطا مع شيء من الحماقة، وكان عليّ -في امر معين- أن ارد اعتباري أمام نفسي، فدربت نفسي بنفسي وتدبرت أمري، إلى أن فعلت.

وأشبهك، أو اظن أنني أشبهك، في بعض المعاناة. أعرف سطحية الاخرين ومعاييرهم التافهة وزيفهم، وحاجتهم -عند اللزوم- للصدمة (بالمناسبة لم أتب قط ويبدو أنها طريقة ستستمر معي). أعرف معنى أن يخوض الانسان ضد التيار عن قناعة، حتى لو ارتد الأمر عليه ودفع الثمن -الواسع- بعد ذلك، ثم غيّر قناعته، لا عن ضعف، بل لاقتناع جديد. أعرف الاهتمام بالمصداقية والسعي لها. أعرف الحساسية والاضطراب والتقلقل. ادّعي أنني أعرف الجرأة التي قد تكون تهوراً. كنت في ذلك الوقت اقدّر ذكائك ومزاجيتك وحدتك الذهنية وتجريدك وروح النكتة فيك. كنت وسط ازمة ثقة شديدة ولم يكن أمامي إلا خوضها.

الشيء الذي لم أعرفه في حينه، وفكرت فيه فيما بعد، كأنني كنت احدس واهجس بشيء أحس به، هو علاقة أخيك بما حصل وحطم لا دنياي وحدي فقط. هذا عرفته من أبي غسان، واخوك يعرف من هو وما أخبرني به.

لا أنسى، وبمشيئة الله ساناقش، في الظرف الملائم، ما على الجميع ولهم.

هرم أخوك الآن. التقيت به قبل مدّة وتحادثنا وتبادلنا الاستفسارات، وحمّلته تحية لك. إنه يخوض الحياة بهمومها. عنده كومة من اللحم، وعيناه زائغتان، وهو نحيف الجسم. لدي تخيّل لما طرأ عليه.

أخيرا، اسمحي لي أن أخبرك لماذا اكره الموقف المتأخر، القابل للتقلّب والهزّ على ما يبدو: ماذا لو توقف على تلك الورقة العلنية (التي كانت لديك كل الأدلة المشيرة إلي لتفسيرها)، شيئا مصيريا أو حياة أناس، وتصرّفت كما تصرّفت، أنت المطلة على خلفياتي طوال سنوات لصيقة؟

الآن احترفت التوصيف الذي ذكرته امامكم ذات أمسية ونحن نتناقش: المشبوه. لا أريد أن ابدّله. سأحتفظ به دائماً لأنه زودني برؤية فريدة من نوعها، وغير نظرتي للدنيا. أريد أن اظل علامة سؤال بلا إجابة أو رحمة، لا لي ولا لغيري. وإذا ما استقرت إجابة، فسانسفها بنفسي. صرت أعي أشياء لا يعيها غيري. بل إنني استعمله بطرق لا تخطر على بال أحد، وأحقق أشياء لا يستطيعها غيري.

الخميس، 8 سبتمبر 2022

سقف يأخذ الوجل

 

سقف يأخذ الوجل

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

كانت الدورية من الطراز الأمريكي الحربي، ذات الأضواء الواسعة الكاشفة، تلاحقه. الجندي من على كوة السطح يطلق النار يحاول اصابته. خرقت صلية من الرصاص الزجاج والبدن، لكنها لم تصبه. واصل القيادة. توقّع أن تنضم دوريات أخرى، فلم يكن له بد من الانعطاف إلى الطريق الترابي، الفاصل بين حدود "المناطق"، والذي يمرّ عبر التلّة والحرش، ملتفا حول الشارع الرئيس. الظلام مطبق على الطريق المترب لولا مخروطي الضوء، والعتمة تلوح كأشباح في ظلال السرو والصنوبر. تأخرت الدورية عنه، كأنها تخشى من كمين.

لم يفعل شيئا، لكنه هارب. تشاجر مع صاحب المسلخ، وكل ما في الأمر أنه احتج. كان الخلاف على من يتحمل مسؤولية التقطيع الخاطئ (أو المتعمد)، للنعام والحبش.

تدخل ذو الجدائل واتهمه.

حاول أن ينفي مسؤوليته، لأن معظم عمله في التغليف والتخزين ونادرا جدا ما يذهب إلى ركن التقطيع. لمع في رأسه أكثر من احتمال، لكنه لم يقبل أن يحملها لغيره. أحسّ أن ثمة شيء في الأمر كلّه مفتعل. كانت لديهم كاميرات ولا يحتاجون لسؤاله. موقفه واضح: الاتقان في العمل مقابل الأجر، لكن ليس التدخل في العمال أنفسهم. هذا ما عمل عليه طوال شهور في العطل.

لم تسر الأمور كما يجب. عرفة الذي شغّله بنفسه، منذ البداية، كان يرى أن يأخذ فرصته في العلاقة مع صاحب المسلخ. إنه يراهن على لغته العبرية والمجاملات والتزلّف والتبادل الخفي. يحسب أن اليهودي يكترث لشخصه. كان لا بد من وضع الحدود. العلاقة اضطرارية وليست خيارا، وتحتاج إلى ضوابط. وهنا نشا الخلاف بينهما.

لو كان ممكناً، فالعمل لديهم مرفوض. يجب رفضهم ورفض اقتصادهم كلّه. لكن الناس لديها مسؤوليات وحاجات وربما طموحات، والأجرة المتدنية المحلية لا تكفي. وعندما يرى أحدهم كيف تتم الصفقات في السياسة، فتصبح شريحة من (المناضلين) أصحاب حسابات وشركات وعقارات، وكيف يفرض السماسرة المختلفون أنفسهم جانين الأموال على حساب الناس، وكيف يتلون التجار والموظفون...، يكفر بكل الادعاءات، ويجد نفسه مضطرا للعمل عندهم، والتعامل مباشرة مع المصدر.

المصانع المحلية بأكملها مزيفة، الالات والمعدات والطاقة والخامات والصيانة والمستلزمات والخبرات بل والسوق أيضاً. البنايات والمكاتب للغرباء والانتهازيين، والوظائف وهمية غير منتجة. لا صناعات ولا زراعات. أخبار مكررة ومسلسلات... ووكالات فكرية أو ثقافية أو اجتماعية، لا تختلف عن وكالات الكوكا كولا والجي أم سي. البقية، ادعاءات (وطنية)، بأجرة استغلالية متدنية جداً مع ذهاب الفارق إلى الجيوب.

حلوا مشكلة مئات الالاف من المنتفعين الذي تغلغلوا، على حساب ستة ملايين.

أحسّ أن سعيه الخلفي للتوصل إلى تفاهم بين العمال يبقيهم منسجمين ومرتاحين ومنتجين، قد بلغ..

قال له اليهودي، وهو يشير إلى مؤخر رأسه:

-       الي عنين هون..

إمّا أن يعرف من أحد العمال أو (مراقِب) عربي. الأخير يفتح الاحتمال على مهمات اجتماعية لـ (المراقبين)، وليست سياسية أو امنية.

نظرات ذي الجدائل اختلفت، إنها متوجسة عدوانية مراقِبة. عندما يمر إلى جانبه دافعا العربة يشحذ السكين ويذبح بقسوة. ويناديه، ليكلّفه بالنفايات، مع أنها مهمة غيره. وقد يصرخ عليه دون سب ليتدخل عرفة و(يحل) المشكلة.

لم يكن هنالك أي بعد سياسي ولا حتى نقابي لانشاء ضغوط تحسّن ظروف العمل. لكن عرفة وقف ضدّه. إنّه من مدينته نفسها ويعمل إلى جانبه، في البرّادات. لم يستطع فهم دوافعه بالضبط. شخصيته غريبة: صغير الحجم قليل الانتاجية، يسعى للتميّز. قد يخطئ في عمله وغيره يتحمل عنه، لكنه يغطي على أخطاء غيره كذلك ويستغلها.

ثم اكتشف أن له علاقات مع النقابة المحلّية التي هي حركية ولا تستطيع فعل شيء بحكم السياسة والقوانين. أما الهستدروت فاللجوء إليها أسوا..

تحوّل العمال إلى مجموعة من الكائنات المتوجسة الحذرة التي تتنافس وتصعد على ظهور بعضها وتستغل نقاط الضعف. عرفة ماهر في هذه المعادلة.

أتى مرّة مقترحا ترتيبا يعمل بموجبه فقط على البرادات. أزعجه أولا أن يرتّب انه امتلك صلاحية، ثم صحيح أن (الترتيب) مريح له شخصياً، لكنه يعني فصل عامل لديه أسرة، فرفض.

دون أن يؤدي وظيفته جيداً في التحميل والتنزيل (ما يدفع غيره لفعل هذا)، بنى صيتاً عند العمال من النوع العجيب: بين التواطؤ والابتزاز والتنفّع. الجميع يكرهه والجميع يهابه والجميع مضطر للقبول به.

صاحب المسلخ انتبه له كذلك، كذلك ذو الجدائل.

جاء الأمن واحتجزه في غرفة جانبية. احتج وصرخ ودق الباب على أمل أن يخرجوه أو أن يتضامن معه أحد فيضطرون. بنو جلدته، على عادتهم، ما بين شامت وخائف وجاهل. لا مبرر للاحتجاز.

حاول ان يركّز في حادثة الحبش والنعام. كان التقطيع بعيدا عن المفاصل ونوعا اللحم متداخلين. ذو الجدائل بربر بشأن حرمة الرب القومي. صاحب المسلخ تحدث عن القانون. عرفة الذي ترك شاحنته دعا إلى "البشويش بشويش" ولعله يتدخل ليتهرب من العمل، هذا إذا لم تكن له هو علاقة به. لديهم كاميرات ويستطيعون تحديد المسؤول مباشرة.

ثم خطرت له فكرة، فلم يتردد وأخذ يكبّر.

فتحوا الباب بسرعة، وبدا عليهم الجنون. في طريقه للخارج، حيث يجهل ما ينتظره، رأى التوتر والتململ على وجوه العمال. الاضطرار سرعان ما يزول عند أول عودة للنفس أو زوال السبب. ولما رأى مصباحي الدورية الضيقتين، عرف ما ينتظره. إنها الشرطة. ارتد إلى الأصل ودفع أحد رجلي الأمن فأوقعه أرضاً وتملّص. ركض كيفما اتفق. ساعة كاملة وهو ينتقل من اتجاه شارع إلى آخر، ومن سور مصنع إلى مدخل سوق. ساعده الليل. ثم سرق سيارة وتمكن من تشغيلها. عندما اكتشفوا أمره، لم تكن الدورية ذات الأعين الضيقة هي التي تلاحقه، بل الواسعة.

عند نهاية التلة واول حدود "المناطق" الفاصلة، لاحظ وجود حاجز مرتجل وسيارت شرطة محلية. نسقوا فيما بينهم، وأطبقوا عليه. لم يعد استعمال السيّارة ممكنا. فأوقفها وترجل.

ثم حدث شيء غريب، كأن كل ما حدث له إنما رتّب ليصل إلى هذه الغاية بالذات:

الدورية الحديثة من خلفه متوقفة لا تتقدّم ولا تطلق الرصاص، وسيّارة للشرطة المحلية موجودة أمامه تنتظر، فتحت له الباب الخلفي ليدخل بنفسه. قد يضطرون فيسلمونه للسجن، وقد يتفقون فيسجنونه. الأمر لا علاقة له هو به.

كان ثمة أضواء برتقالية متجمّدة تحذف الجانبين، الأراضي المكشوفة، عن بصره، وكان الزمن صامتا لا يتنفّس، أمّا من الأعلى فسقف لا نهائي يأخذ الوجل.

يستطيع كلاهما أن يفعل ما يشاء به، لكنه يرفضهما معا. الأمر لم يعد حادثة أو جناية أو صوابا وخطأ. ودون أن يفكر في احتمال أن يطلق عليه أحدهما النار أو يعتقله رغماً عنه، مشى بهدوء وتجاوز باب السيارة المفتوح له، عائدا إلى بيته. سيكون مفيدا له أن يمشي على قدميه..