الاثنين، 24 أكتوبر 2016

رؤوس أقلام لتصوري في الأدب الاسلامي الحديث

رؤوس أقلام في تصور الأدب الإسلامي الحديث
(النص/ القصة/ الرواية/ المسرحية)

1= الهدف/ الفكرة
عقائدي أولاً.
مجال مفتوح على كل القضايا.
الحسم المعرفي/ العلمي بحسب ما هو صريح في القرآن.
الأمن القصصي والاعتماد على الخيال المنطلق
تحقيق التدبر والتفكّر والتمثل.
الموضوع/ تجنب الفلسفيات والوثنيات
تأصيل المعاصر.

2= الشروط
أ= أخلاقياً:
لا خطاب اختلاطي أو تكشّفي أو اشاعة لفاحشة
لا مهادنة في طرح الموضوع
لا فضائحية (أو إحالة مباشرة إلا إذا كانت مدروسة)
السياسة مخفية أو ضمنية
الذاتيات ملطّفة
الابتعاد عن السوداويات
عدم قول ما لا يُفعل
حسن الظن والأمانة في المعادل الفني
الترميز أمثال فطرية –طبيعية- لا وثنية
الأصالة: تجاوز الذاكرة/ الانتحال.
الوحدة الاسلامية رغم الانحياز: الاحتواء المذهبي و(الطائفي)
مناقشة حقيقة الوصايا العشر المعاصرة عند أهل الكتاب.
تناول التحريف في النص عند أهل الكتاب من النواحي الأخلاقية والاجتماعية في علاقتهم مع الأغيار.
التقديس والتدنيس عند من لا يؤمن باعجاز نصه الديني
(معان أو اعتقادات لا يستطيع أهل الكتاب فهمها ومواجهتها)

ب= فنيا:
تجاوز الوعظ الساذج (الاعتماد على خصائص سورة يوسف)
الجمع بين السببية والقدرية
العفوية
الدراما (استلهام الجرح والتعديل)
إضافة في كل مرة
تجنب الخلق الفني
نسبية السرد والقص
الاعتماد على التوصيف النفسي/ واللمحة الحسية

4=
دقة اللغة:
العودة للقرآن أولاً (تجنب المفردات المؤولة)+ الحديث (الحسن فما فوق)، القاموس ثانيا والتراث اللغوي العربي.
تجنب الايقاع الموسيقي الذي يصنّم الأفكار ويجعلها غير وظيفية (الابتعاد عن زخرف القول).
تجنب المفاهيم والمصطلحات المعاصرة خاصة تلك التي لا مصدر لغوي لها.
لغة وظيفية سهلة ممتنعة على صلة بزمنها
مستويات للغة تناسب الأعمار
تجاوز الكلاشيهات اللغوية والسياسية والتراثية

5= الشخوص
-       الاستعانة بشخوص القرآن الكريم والسنة كمرجعية للتأصيل (مفتوحة)
-       رب العالمين. أي امكانية فنية لتشخيص كل المخلوقات بما فيها كائنات غير مشخصة. (؟)
-       التمثيل -اللا تمثيلي- للملائكة والجن والعفاريت مع المحافظة على النسبية
-       المرجعية في الكائنات الحية بالمقاربة مع القرآن والسنة
-       عدم مخالفة الحديث والسنة في المنهي عنه –دلالة- لوظيفة الحيوانات
-       مقاربة شخصيات مثل يأجوج ومأجوج دون الحسم لغير المحسوم.
-       عدم تجسيد الأنبياء.
-       عدم التطرق لشخوص الأساطير وأهل الكتاب، غير المثبّتة في القرآن.

6 = الشكل
متحرر بحسب الفكرة الوظيفية
الاعتماد على (النص)

7= الأغراض
-       الحكمة
-       اللعب لا اللهو
-       الجهاد
-       الدعوة
-       جهاد النفس.

-       ... الخ

الأحد، 16 أكتوبر 2016

دليل معرفة الشيخ

صرنا في وضع انقلبت فيه الأحوال والمقاييس!
عليك في زمننا أن تعرف من هو مدرّسك ومديرك وصاحبك وحزبك وشيخك.. الخ، قبل أن يكونوا كذلك.
وهذا ليس لمرة واحدة، إنما مع المراجعة كل فترة. بالنسبة للأخير، شيخك، اقترح التالي، وهو ما يخطر لي:

دليل معرفة الشيخ
1. معرفة توجهاته السياسية، فهي تلخيص لطبيعته الكلية. فإذا وجدته حزبيا أو من علماء القصور أو علماء القبور (لا دخل له إلا بالموضوعات الجانبية) أو ممن يهاجم مباشرة الحركات الاسلامية المخالفة، فاعرف أن فيه نظراً. بعضهم لا يتدخل في السياسة ويهتم بالشأن العلمي أكثر، ولا بأس في الأمر، فكثيرون هكذا، ولكنهم بالمقابل يبتعدون عن كل ذي سلطان أو صاحب مال أو اعلام يتجنبون المواجهة، لكن إذا اضطروا صدحوا بالحق. أما إذا كان جبانا، فاحذر منه لأنه سيوردك المهالك الشرعية بجبنه، وسيقف –كالدروز- مع القائم في السلطة.
2. معرفة جديده الذي قدمه. فإذا وجدته من المكررين والمحفّظين ويقتصر على الاعادة، لا تتعب نفسك معه. غالبا كتابه الأول سيلخّصه لك، وعدة شرائط تكفيك منه!
3. عليك أن تنظر أين درس ومن درّسه والجامعات. اذا وجدته أكاديميا أو دارسا في جامعة غربية أو في منطقة قريبة من أوروبا (أعني في بلاد المغرب العربي)، فاحذر منه. سيسرّب لك المفاهيم التي يطلع عليها بلغته الفرنسية أو الانجليزية، ويعرّبها لك مع الكثير من الآيات والأحاديث، ثم ستكتشف فيما بعد أنه يؤرب الاسلام كي يحظى بحظوة هناك وينال مكانة هنا، على هذا الترتيب. هذا النوع يعتد بالدرجة الأكاديمية ويعتقد نفسه مرجعية للعلم ينافس بها ابن تيمية أو الثوري أو حتى الصحابة، وطريق الأكاديميا يقيس العلاقة مع الوسط الأكاديمي والعلامات والعلاقات، لكنه ليس دليلا على التحصيل العلمي الفعلي.
4. إذا وجدته يعتد بفكره أو يدعو لفلسفة اسلامية، فاعلم رعاك الله أن التفكّر في الاسلام مطلوب من الجميع، ولا يوجد في تاريخنا كله من ادعى التفكير كـ (مفكّر)، وإلا لوصف أنبياء بهذا وهم أولى. في أحسن الأحوال كانوا يقولون تأمل، تدبر، نظرة، خاطر.. لأن الفكر عند علمائنا ليس منظومة عقلية مبنية على أفكار مجردة كما هي الآن ويتولد عنها نظرة شمولية أو تيارات، لن تجدها ولا عند المعتزلة أو الأشاعرة. أما الفلسفات فأمرها مكشوف.
5. إذا وجدته ثوريا ينادي بالديمقراطية ومحاربة الارهاب والعدالة والحريات والمساواة والجندر ويتبنى مفاهيم تسرّبت إلينا لا أصل اشتقاقيا لها عندنا في العربية، فاعلم أنه ضحية الاستشراق والاختراق. مثلا (هوية) عندنا مجرد نسبة لـ هو، وفي أحسن الأحوال قرارة البئر، أما في التسلل والتعريب فصارت:
هُوِيَّةُ الْإِنْسَانِ : حَقِيقَتُهُ الْمُطْلَقَةُ وَصِفَاتُهُ الْجَوْهَرِيَّةُ  (لا يعلمها إلا الله)
الْهُوِيَّةُ الْوَطَنِيَّةُ : مَعَالِمُهَا وَخَصَائِصُهَا الْمُمَيَّزَةُ وَأَصَالَتُهَا (الوطنية عندنا ترجمة للقومية عند الغرب، وفي الاسلام لا فرق بيننا الا في التقوى)
بِطَاقَةُ الْهُوِيَّةِ : الْبِطَاقَةُ الشَّخْصِيَّةُ تَحْمِلُ اسْمَ الشَّخْصِ وَتَارِيخَ مِيلاَدِهِ وَعَمَلَهُ وَجِنْسِيَّتَهُ
الهُوِيَّةُ) في الفلسفة ) : حقيقةُ الشيءِ أَو الشخص التي تميزه عن غيره
الهُوِيَّة : إحساس الفرد بنفسه وفرديّته وحفاظه على تكامله وقيمته وسلوكيَّاته وأفكاره في مختلف المواقف (تعريف نفسي، ومدارس علم النفس كلها الحالية مشتقة من الفلسفة)
أزمة الهُوِيَّة : الاضطراب الذي يصيب الفرد فيما يختصّ بأدواره في الحياة ، ويصيبه الشكّ في قدرته أو رغبته في الحياة طبقًا لتوقّعات الآخرين عنه ، كما يصبح غير متيقن من مستقبل شخصيته إذا لم يتيسّر له تحقيق ما يتوقَّعه الآخرون منه فيصبح في أزمة (الانسان مخلوق للعبادة والخلافة)
ما سبق مجرد مثل. عند الشك في المفهوم يجب العودة للقرآن الكريم، والسنة، ثم الاشتقاق اللغوي الأصلي وقول العلماء من أمثال ابن تيمية تحديدا فيه، قبل تبني معناه المتسلل. فيما يتعلق بالمفاهيم، هذا مجرد توضيح للآلية، لأننا نشأنا كلنا على مفاهيم متسللة، بينما لم نعد إلى أصلها الاشتقاقي المختلف.
6. إذا وجدته يهاجم عوام الشيعة أو الفرق الباطلة فهو مؤلب، مثلما إذا وجدته يميل إليهم علنا فهو متأثر، ومتشيع سياسيا على الأقل. في الحالتين لا يؤخذ بمن يتشاطر على قتل عامي مسكين لشيء نشأ عليه، ويسكت عن كبائر سياسية تسفك فيها دماء الآلاف يقترفها حكام سنة. لقد عشنا معا أكثر من ألف سنة وكانت أداة المواجهة العقائدية عقائدية، إلا وقت المحن. أمّا إذا تذكر المظلومية التاريخية وطالبنا بدفع ثمنها، نحن من لا ذنب لنا فيها، فهو متشيع. ما الذي سيستفيده أحد الآن بإدانة الحجاج أو التشكيك بالأمويين وفيهم حديث شريف؟؟
7. وإذا وجدته يسوق نفسه ومكانته ويحب الاعلام كثيراً ويحب صورته في الشاشات والصفحات، تجنّبه هذا فارغ، والعالم الحقيقي لا يتعامل مع الاعلام أو يبرز نفسه، إلا مضطراً لأمر ما. كذلك إذا وجدته يكثر من تقبيل الأيادي والعباءات ويدّعي الأخلاق الشكلية، ويطالبك بكل ما سبق تحت تسمية الأدب، فهذا لديه عقدة نقص!
8. في المرأة، إذا وجدته يكثر من الإشارة لطالبات العلم أو مجالسهن أو الاختلاط (العلمي) الحداثي من انترنت ووسائل اتصال وقاعات وانفتاح، فلا تتعب نفسك معه. هذا هجرته النساء، فإن لم يكن ناكحاً لأربع فهو على الطريق! ولا يعيب العلماء الحقيقيين تعدد النساء، إنما يفعلون ذلك بصمت وبخصوصية.
9. أمّا إذا كان من دعاة الحوار بين الأديان والحضارات ويتقبل (المختلفين) ويدعو للسلام العالمي والأديان السماوية، فلا تأخذ منه شيئاً على الاطلاق. اذا لم يكن مغررا به سيعتذر بعد سنوات عن التغرير به، سيكون جاسوسا!! هناك جدال بالحسنى لكن الحق معروف وهناك مناظرات شرط ألا تلغيك سلفاً وهناك دعوة للدين، لكن قلائل جدا من يتمكنون خوض هذا التيه بسلام.
10. إذا وجدته في المواقف الحيوية تعيساً في اللغة العربية يكثر من الخطأ واللحن، انصرف عنه، لأن اللغة ليس مجرد أداة تعبيرية بل هي ذاكرة وحفظ وطريقة تفكير ومحتوى. كذلك أذا وجدته يقتبس من شعراء مشهورين، خصوصا الحداثيين، معروف عنهم توجههم الأيديولوجي والمريب، فهذا لا يهتم إلا بالسائد والشهرة، ويقدّم الجمالي على العقائدي.
11. إذا وجدته يفسر القرآن الكريم بعلم حديث تجريبي حتى لو أظهره لك على أنه اعجاز قرآني، تجنبه، هذا يعبد العلم وسيلحقه كمضبوع. فكتاب الله سيستمر اعجازه حتى يوم الدين، والعالم الحقيقي لا يجرؤ على تفسير القرآن الكريم بعلم تجريبي، وفي أحسن الأحوال يشير لملاحظات وتوافقات وعجائب لكنه لا يدعي التفسير العلمي التجريبي، ما لم يكن هناك نص صريح.

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2016

نظرة في هيكلية الأدب الفلسطيني

نظرة في هيكلية الأدب الفلسطيني
(نشرت المقالة عام 2005، وكانت موجودة حتى البارحة على موقع آي ثقافة، الذي اغلق اليوم لأسباب مالية.. واعيد نشر المقال الذي بالكاد استرجعته في حين ذهبت مادة أخرى أدراج الرياح. ابقيت كل شيء كما هو فقط أزلت التاريخ من العنوان، لأن شيئا لم يتغير)
بقلم: ماجد عاطف
كنت أتمنى لو أحيل آرائي إلى أصلها الواقعي مباشرة وبالأسماء أيضاً لأثير أكبر قدر ممكن من النقاش علّ شيئاً يتغيّر، لكن عملاً كهذا لن يكون حكيماً فوق أنّه سيتسبب بمشكلات لا حصر لها. لي الآن سبع سنوات في عالم النشر والإصدارات وهي فترة قليلة إذا قارنتها مع الكتّاب الآخرين. مع ذلك يثقلني جداً ما عاينته كما لو أنني كهل يحمل على ظهره حملاً ثقيلاً.
* المشهد في أصله:
لأبدأ بالسؤال: كيف يتكون المشهد الأدبي في بلد ما؟ قبل الاحتكاك المباشر مع عالم الأدباء والكتّاب كانت إطلالتي عليه من خلال الكتب. مبدئياً كنت متابعاً لما صدر ويصدر من خلال وسط مستنير نسبياً: ثقافي/طلابي/ سياسي. وتحسب في البداية أنه وسط فلسطيني خاص ببيئته المحددة، ثم تكتشف مع الوقت أنّه على اتّصال، ربما أكثر من أي مكان آخر، مع محاور التأثير المختلفة، سياسية وثقافية وأدبية ليس فلسطينياً فحسب، بل وعربياً أيضاً. وكثير من الأدباء العرب المعروفين كانوا ضمن برامج ثقافية حزبية لبعض التنظيمات الفلسطينية (إذا لم تكن كلّها)، وكانوا (يُدرّسون) بهذه الصفة، أي أنّه متقارب مع التنظيم المعيّن، والقائمة أطول من أن يتم حصرها. ولا غرابة لأن الأوساط الأدبية هي ذاتها، مع شيء من التعديل، الأوساط التنظيمية والثورية على امتداد العالم العربي، وغالبية ضخمة من الأدباء هم (ثوريون) أيضاً. وأظن أن هذا الأمر يختلف عنه في العالم الغربي أو بعض المجتمعات العربية التي حظيت نسبياً بحياة أدبية طبيعية، فالثورية في العالم الغربي ليست بالضرورة سياسية أو حزبية. والكتب التي كانت تصلني أو أقتنيها أو أطالعها في المكتبات العامة والخاصّة كانت تقدّم لي رؤية جيّدة للمشهد، فقلائل هم الأدباء –الفلسطينيون- الذين تعرّفت إليهم ولم تكن لدي فكرة قديمة عنهم من خلال كتبهم، وحتى الذين لم أعرفهم فقد كانوا في غالبيتهم من الشعراء، واهتمامي بالشعر لم يكن قوياً مع أنني أقرأه وأتذوّقه ولكني لا أحب أغلب المعاصر منه، خاصة الفلسطيني. وبعكس ما هو شائع، فإنني أرى في شعرنا موطن ضعف، وأرى كثيراً من الشعراء الفلسطينيين المعروفين مجيّرين لأسباب غير أدبية ترتد في معظمها لعلاقتهم بـ (م ت ف)، بما تنطوي عليه من سقف يتقاطع –وهذه أسباب ثانية- مع توجّهات فكرية مختلفة ليست بريئة، واستحواذ إعلامي، وإرث كل ما سبق والذي لم يتم التحرر منه بعد.
* سياسة أم أدب؟
وليس بوسعي إيجاد شاعر فلسطيني حديث، أنجز شيئاً من الفنّية، ليس منحازاً فكرياً/حزبياً سلفاً (وبالتالي تنظيمياً أو سياسياً) بحيث أن تجربته الأدبية لم تكن العامل الأول في تقديمه وانتشاره. ومثلما كانت المؤسسة السياسية رافعة للأدب تستخدمه، فقد كان الفكر رافعة أخرى لكثير منهم، خاصة متنبّيي العصر الجديد.. الكثيرين! فأرى على سبيل المثال في (أبرز) الشعراء الفلسطينيين -على ما هو سائد- شاعراً فصّلت على مقاسه معايير نقدية أكثر مما أنجزت تجربته، ولا أزال أحسّ كلّما قرأت له أنّه يلعب لعبة كبيرة ذات أصول استهلاكية وحرفية وجدلية (من الجدل: بمعنى الديالكتيك اللفظي) وانتهازية وإعلامية وسياسية خاصة في قصائده الأخيرة التي ركب فيها على ظهور شهداء وأطفال، مثلما ركب قبلها على ظهر المقاومة (وعندما لم تعد مجدية وتكشّف عيبها في الأدب تنصّل –بوضوح- منها). ومجدداً لا غرابة لأن ظهوره، بدايته الفعلية، قُدِّر لها أن تكون على يد ثوري سياسي يصنّف الساحة إلى مع وضد، ويريد اكتساب كل مَن يستطيع اكتسابهم، خاصة أولئك المتورّطين مع المعسكر الخصم.. بالنسبة لي شعره –وأسباب انتشاره- تعود إلى أصله "الراكاحيّ" والذي لم يكن غريباً عليه أن يصير –في تطور طبيعي- (م ت ف).. فالأوّل صهيوني و-رأيي في- الثانية أنّها مهادنة لدرجة التصهين، ولا أرى في الأفق أملاً ما دامت باقية واعتقد أن بديلاً أصيلاً في مشاربه وفكره وبنيته وأساليب عمله وشخوصه وأدبه وثقافته، آخذ بالتبلور..
*استطراد في القمّة: النموذج الأخطر!
وإذا كنت قد توقّفت عند هذا الشاعر، فلأنني لمست عن قرب أثره الخطير، فهو عقدة معمّقة لمعظم الأدباء العرب والفلسطينيين يجابهونها أحياناً دون القدرة على تجاوزها. وللغرابة فإنني لم ألتق ناقداً أو أديباً لم يوافقني على الكثير من آرائي فيه، بل والتقيت صحافيين التقوا أدباءً معروفين (عرباً وفلسطينيين) أبدوا الآراء ذاتها لكنهم خشوا من التبعات فطلبوا ألا تُنشر أسمائهم، ولم تنشر المادة بالطبع. مع ذلك، فهؤلاء (المنتقدين) ليس فيهم إلا مَن يتودد له ويحاول الإفادة منه، فقد تحوّل الشاعر (الكبير) إلى مرجعية أدبية، وإشادة صغيرة منه قد ترفع المعني إلى أعلى عليين، أو العكس عند موقفه السلبي. فتجد الأكاديمي الذي يفتتح دربه النقدي عبر التملّق له، مثلما تجد الشويعر الذي يتتبع خطاه. وإلى ذلك فهو مهيمن بصلات قوية جداً على عشرات الخيوط: العلاقات مع الآخر (التي تظهر كأنّها صدامية في حين هي متواطئة يستفيد الآخر منها بغسل العقول، فأدرجها مثلاً في مناهج مدرسية)، ومع المؤسسة السياسية المسيطرة، ومع المؤسسة الرسمية، ومع المؤسسات الغربية، ومع عشرات المنظّمات الأهلية والأدبية، ومع الجهات الصحافة، ومع لجان التحكيم، والكثير الكثير، لدرجة أن أي أديب مهما بلغ إنجازه لا يستطيع الحصول على منحة أدبية إلا إذا اعتمد عليه ودخل من (بوّابته). وهو يحتل موقعاً مركزياً في محيطه، الذي يتّصل عضوياً، مؤسساتياً وصحافياً وإعلامياً، مع أغلب الأجسام القائمة، خاصة في فلسطين. فإذا دققنا النظر في (مؤسسته)، رسمية النشأة والتمويل، التي تدّعي أنّها غير حكومية زوراً، تجد أن كل المشاركين فيها هم في صلب أجسام متعددة أدبية وصحفية ومجتمعية وتجارية وأخرى. وعدا عمّا سبق فإنّه يلعب اللعبة (الأدبية) حسب أصولها: السياسة شاغله الأوّل وقلّما صدرت عنه نزعة فنّية ليست متساوقة مع السائد السياسي بل إن شعره تنظير لها لا يختلف عمّا كان يفعله مداحو الملوك سابقاً، ولا تجد له مواقف مغيّرة أو مؤثّرة تتصادم مع أية قوى، اللهم تلك القوى التي يضطر للتصادم معها بحسب خلفيته، نعني بها الدينية. وهو دبلوماسي رفيع (لبق) بحيث أنّه لن (يزّعل) منه أحداً، ذا وزن. وذات سؤال عن الشعراء، بلغ به (لطفه) أن أجاب: "كل الشعراء ممتازون". وهو يعلم أن التورّط في موقع رسمي بشكل واضح سيضعه في موقف واضح بحيث يشق حوله (الاجماع) ويحجّمه أيضاً، لهذا فهو لا يتورّط أبداً في موقف كهذا لكنه يظل باستمرار يوازيه كما فعل خلال عقود، فقيمته (سياسية) بالدرجة الأولى وعليه أن يحافظ عليها. ويتلمّس من له باع أدبي أو نقدي ويتعمّد أن يبطل مفعوله، بحيث أن كل مَن حاكمه نقدياً، على حدّ علمي، لم يصمد أمامه حين التقاه بشخصه (اللطيف). وذات مناسبة كان قادراً على إملاء ما يرغب فيه على موظفّين رفيعين في إحدى الوزارات فقام بتحريكها، مثلما حرّك عشرات الأجسام الأدبية وغير الأدبية، من ضمنها، مع الأسف، أجسام سياسية متجذّرة لم تتنبّه بعد لمخاطره. ورأيت بعيني كيف يركض الشيخ (الوقور) لمجرّد أن يحتّك به كلما لاحت له فرصة، وكيف يتهافت الصحافيون عليه، أو كيف يتراكم حوله الكَتَبة، وكيف تتأثر موضوعية هيئات ولجان بما يظهره من ميل أو رأي أو تفضيل، بحيث أن اكتسابه، على أي صفة أو مستوى، يضمن سلفاً النتيجة، بل وكيف يفسِد ذائقة أجيال ويدس لها سمّه في دسمه، وكيف تحتاجه المؤسسة -مشبوهة التأسيس أو الغايات- لتأخذ شرعيتها منه، وأشياء كثيرة لا حصر لها. ونظرة متمعّنة إلى تمويل (مؤسسته) ومؤسسات أخرى، ستظهر مدى خطورته. فإذا كان يمنح الشرعية كما فعل الرئيس الذي اشترى كل مَن حوله وأمسك بخناقهم، فهو بالمثل يعقد خيوط الشرعية الأدبية بإصبعه، فهذا تكتيكه الذي اتّبعه طوال السابق والذي، بالمناسبة، يتّبعه أيضاً حتى للمحافظة على رأسمال ما وضعه في البنك مع فائدة، بأن اشترط الحصول على فائدته ببقائه على رأس (مؤسسته). وأتأمل خيراً في السنوات القادمة لأنه إذا كان الرمزّ السياسي المزوّر قد تفكك دون أثر كأنّه لم يكن يوماً، فإن الآخر (الأدبي) على الطريق.
*الاعتراف بالأديب- النشر- الذائقة السائدة- الترجمة:
لنعد إلى السؤال: كيف يصير المشهد الأدبي مشهداً؟ سؤال حيّرني، لأن الجواب البديهي ينبغي أن يستند على الأدب ومعيار أدبي، في حين هو –حتى تاريخياً- ليس كذلك. ففي حين يتوجّب على الأجسام الأدبية أن تكون على اتّصال مع الناس منهم تقدّم الأدباء مثلما تقدّم لها نصوصهم، يحدث العكس تماماً بحيث أن الأديب لا يُعرف لأسباب أدبية، وغني عن الذكر أنّه لن يُقدّم مساهمة أو يترك أثراً يذكران. (هيكلية) العالم الأدبي هنا تشابه هيكلية أي جسم آخر قائم، لا مجال لدخوله إلا مِن خلال (أبوابه)، وهذا عنى -ويعني- تاريخياً أن تحوّلات الأدب ستظل مرتبطة بتحوّلات الواقع/ السياسة، أي أنّها ستقيّده دائماً، ولهذا لا مناص وطائل من التغيير الأدبي الذي لا يصاحبه تغيير سياسي. في البداية الأديب يحتاج إلى ظهور واعتراف به، ولكنه لا يظهر أو يُعترف به من مجتمع أدبي بناءً على نصّه، إنّما من الصحافة أو صلاته الخاصة بها. فأغلب الذين حققوا الاعتراف بهم أدبياً، كانت لهم صلات عضوية مع محررين وصحافيين، حتى قبل أن يكتبوا في كثير من الأحيان، بل إن كمية كبيرة منهم كانت/كانوا أصلاً صحافيين أو إعلاميين أو موظّفين ذوي صلة. ويمكن إجراء تجربة تقود إلى هذه النتيجة بوضوح في الوقت الحالي عبر إرسال المواد الأدبية بأسماء مستعارة، كما فعلت أنا، عبر البريد العادي أو الإلكتروني إلى تلك الجهات التي تطرح نفسها معنية بالأدب، فلن تجد مادة أدبية منشورة مهما كانت قيمتها مرتفعة، إلا إذا كان لدى المحرر معرفة بصاحبها أو صلة به. وقد يبدو الأمر مبرراً لأنّ شكّاً قد يقع في صاحب النص غير المعروف، هل هو له أم هو منتحل؟، لكن هذا الشك لا يظهر غالباً عندما يمتلك صاحب النصّ صفة وظيفية أو مهنية حتى لو لم يُعرف عنه اهتمامه بالأدب (أي أن الصلة مع جهة الوظيفة هي المطمع لدى المحرر وليس النص)، فوق أنّه ليس مشكلة بالنسبة للكاتبات، لأن هؤلاء النشر لديهن أيسر مع عدم التعريف. وكم داعبتني فكرة النشر باسم فتاة! وقد جرّبت بنفسي إرسال المادة ذاتها باسم مستعار واسم صريح لكثير من الصحف والمجلات، فوجدت أن المستعار يتم إهماله تلقائياً، وحتى دون نظر في المادة، مع أنها تنشر عند التصريح. وهذا ما لمسته أيضاً ذات إطلالة من داخل جريدة ما. ويعني الارتباط بالمحرر، كما في السياق السابق، التقيّد ليس بعلاقة معه فحسب قد لا تكون مريحة بل وبذائقته أيضاً، لأنّه على الرغم من عدم كونه ناقداً أو مؤهلاً للتقييم فإنّه يلعب دوراً نقدياً –تقييمياً- خطراً بمحض نشره أو عدم نشره، لأنّه إن جاز تشبيه المحرر بالمشرف على قاطرات السكّة، فهو وحده مَن يسمح بمرورها أو عدم مرورها، بما يعنيه الأمر من صورة يعكسها وذائقة ينشرها، والأخيرة تنعكس بوضوح شديد خاصة عند ترجمة النصوص، فهناك خصائص محددة للمترجم إلى اللغات الأخرى تحديداً في الموضوع، فيجري الخضوع للكثير من الاعتبارات التي تهم الآخر ولا تعبّر عنا، أو تعبّر عنا ولا تهم الآخر. كما أن المحرر لديه اعتبارات قاتلة، مناسباتية، فقد ينتظر أحد النصوص شهوراً لينشر في سياق مغاير تماماً لسياق كتابة النص، وغالباً مصحوباً بتوجّه يفسد وجهته. وسأتوقّف في المستقبل عند هاتين النقطتين: الإعلام، والرقابة. بهذا المعنى نُشرت، خلال سنوات سابقة، نصوص موّجهة ضد موضوع ما، وغيّر سياقه بحيث تم تقويله، عن طريق التوقيت والمونتاج والمواد الأخرى المرافقة، ما ليس فيه. والارتباط بالمحرر بنيوي أيضاً، لأن العلاقة معه من الصعب أن تتحدد بمادة ونشر، فتتحول شيئاً فشيئاً إلى الانتظام داخل منظومة أو جماعة تؤدّي لبعضها منافع متبادلة، فهذا يشيد بذاك، وذاك يرد على هذا، وثالث يُكلّف، ورابع مشدود، وخامس مغرر به.. الخ. بل إن في تتبع الكثير من النصوص الأدبية وأماكن نشرها أو جهة إصدارها والمقدّمين والناقدين أو مصممي الأغلفة والمخرجين، إضافة إلى المواد الصحفية التي يفترض أن تكون موضوعية تعكس الواقع- تتبع ما سبق يوصلك إلى نتيجة مفادها أن المشهد ليس طبيعياً إنّما مصطنع. إن معركة الكاتب الفعلية تبدأ ليس قبل الاعتراف به أو النشر، بل بعدهما.
* المنظومة: أركان المشهد:
والمشهد الفلسطيني في اصطناعه لا يعرف البتّة تضارب المصالح أو التعارض، وهو بالتأكيد يستحيل أن يكون موضوعياً معبّراً عن واقعه الفعلي، وينقسم بشكل تلقائي على أقسام وظيفية متواجدة، كما أعتقد، في المجتمعات العربية، ويمكن رصد التالي منها:
الأكاديميون. وهؤلاء على الرغم من حيادهم الظاهري لا يبحثون إلا عن صفّات تكرّس مهنتهم الأولى، وهم في الغالب نقّاد -أدباء فاشلون- تعرّفوا على الأدب من خلال الدراسة، يريدون وضع حجر ثقيل لهم في المدماك المزوّر الهشّ. فإن تجاوزوا جامعاتهم اتّصلوا ببؤر الجذب الأدبية التي لا تتواجد دون مؤسسة مع الأسف، فلا تجد ناقداً معروفاً إلا وتصدّى لـ (عناوين) أدبية أو ذات ثقل وظيفي أو إعلامي، بالرغم من أن (العنوان) المقصود تم قتله بعشرات المقالات والدراسات. ونادراً ما يلتفت أحدهم لأديب غير معروف بصرف النظر عن قيمة نصّه، وإن التفتوا فذلك في سياق آخر، كأن يروّجوا لأنفسهم هم وندواتهم وأنشطتهم وتحكيمهم أو يكونوا مكلّفين من قبل جهة ما. هؤلاء لا يكتبون لأسباب معرفية أو نقدية بل منفعية أو مناسباتية، وغالباً ما تكون كتاباتهم (نصيّة) مبنية على النص، بمعنى أنّهم يحفلون بأنفسهم لا بالنص الذين يتصدّون له، فوق أن مناهجهم وما يأتون به من خلاصات مرميان في قاعات الجامعات وكراريسها، ويمكن القول إنّهم يعيدون إنتاج ما تعلّموه حرفياً لا أكثر. ولا أتمالك نفسي من الانفعال كلّما قرأت دراسات وكتباً نقدية تقول سلفاً بعضاً مما يلي: اتّجاهات فلانية، ومذاهب علانية علماً أن (الاتجاهات) ليست كذلك و(المذاهب) لا يفقهها نقادها. وكم أود لو تتاح لي سلطة إجراء اختبارات لهؤلاء في المقررات التي يدرّسونها بالذات منذ عقود!
الصحافيون المتأدبون: وهؤلاء لا علاقة لهم بالأدب إنّما بالإعلام، وشيئاً فشيئاً يتحولون إلى أدباء، ولا غرابة لأنّهم في عمق المطبخ الأدبي يرون الطبخة وهي تعد فإن لم يفقدوا احترامهم لها رافضين التعويل عليها تساوقوا معها، ويرون تدني مستوى المنشور فلا يتحرّجون بالتالي من المساهمة. وكثيراً ما يحدث ذلك في سياق تطوّر وظيفي من صحفي يشقى وراء الأخبار والتسلية والتغطيات إلى التحرير، وهذا يرسل كتاباً، وذاك هو في حاجة، وثالث يجب التواصل معه، فتجده قد تحوّل إلى أديب قد فقد أهم قدرة في الصحافة وهي القدرة الخبرية. ومكمن الخطر فيه بالتحديد أنّه عدو طبيعي لكل ما يشعره بدونيته، خاصة إذا امتلك سلطة الحجب أو النشر. وهو مرّوج بالضرورة طبّال بما يطيح بعقول الأدباء، خاصة الشباب منهم. أمّا إذا أجرى مقابلة فهو لا يقرأ ولا يكوّن رأياً وأسئلته تافهة توليدية لا علاقة لها بالنص بقدر تعبئة حجم محدد، وهي تتبع نمطاً في الغالب بحيث يمكن القول إن كل مقابلاته بل والكثير من مضامينها عبارة عن مقابلة واحدة. والمأساة أنّه يأخذ سلطة من –على- الأدباء، بحيث أن الأديب الذي يجري لقاءً معه يصرف النظر عن مساوئه طمعاً في صدى إعلامي. وهؤلاء يحبّهم بعض الأدباء والمؤسسات فيعمد كلاهما إلى شرائه بطريقة أو بأخرى، عبر (حصرية) ليست خبرية أو إعلامية أو مكافأة أو جائزة، فيتحوّل الصحفي بعدئذ إلى امتداد للمؤسسة أو الأدباء لكن في جسم الجهة التي يعمل فيها. ويمكن ملاحظة هذا في جهته التي يعمل بها، من حجم الأخبار وتكرارها وطبيعتها وطريقة إبرازها بل وحتى ألوانها والصور المرفقة. ومع شيء من المراس أو العادة تصير لغتهم (أدبية) من ناحية التلاعب بالألفاظ والتشبيهات والمجازات، لكن تدقيقاً طفيفاً في مفرداته يقودك إلى استنتاج مفاده أن هذا الصحفي لا يعرف ما الذي يقوله وبالتأكيد لا يعنيه.
موظّفو المؤسسات (الأهلية): لأغلبهم علاقة سابقة بالأدب والسياسة (في الأدب لم يتجاوزا الاعتراف بالوجود، وفي السياسة الكادر المتدني)، لكن اللافت للنظر تحوّلهم عن الأدب باتجاه الثقافة والأبحاث والتربويات والإنسانيات دون أن يُخرجوا من سياق الأدب الذي انقطعت علاقتهم به. ومن البديهي أنّهم لا ينجزون شيئاً في المجال الجديد الذي تحوّلوا إليه، بعد أن يكونوا قد فقدوا عملياً مجالهم الأول. وتتكرّس علاقتهم الجديدة بالأدب من خلال المؤسسة التي يعملون فيها، وأنشطتها أو نتاجاتها، ويلعبون بذلك دوراً يؤثّر سلباً في الأدب ويحاول توجيهه نظراً لامكاناتهم المرتفعة، ولأن مجتمعهم المستهدف وحيّز نشاطهم يكون غالباً من الكتّاب المبتدئين والشباب وصغار العمر. وهم إلى ذلك أعضاء في أجسام مجتمعية يمثّلون مؤسساتهم فيها، فيأخذون منها، كما يمنحونها، الشرعية، فتجد الشخص ذاته في جسمين على الأقل. وتكون أنشطتهم المكتوبة -أو غير المكتوبة- عبارة عن منافسة داخل تلك الأجسام المجتمعية تبغي الوصول إلى حالة سلطوية من التأثير والاستحواذ مستعينة بإمكاناتهم. وعندما لا يكونوا أدباء أو مسيسيين سابقين يلفت الانتباه فيهم حجم المتخصصين –أصلاً- بالإعلام أو السينما، المحسوبين مع ذلك على الأدب، والخطرين جداً لأنّهم يلعبون ضمناً دوراً سياسياً بالنظر لأماكن دراساتهم ومحيطهم الأصلي وطريقة حياتهم واتصالاتهم بل ولغاتهم.. فتحت داعي الفن أو السينما أو الأدب يقومون بتجسير ضفاف متباينة، ومن الطبيعي أن يكونوا في مركز الثقل لأنّهم حلقات الوصل. ويمكن ضمّ قُسيّم إلى هؤلاء وهو يتضمن موظفي اللجان النسائية والعمالية والحزبية والبلدية على أنّهم يقومون بتوظيف من يستطيعون ضبطهم من الأدباء الذين لم ينجزوا أدبياً ولم يجدوا مكاناً لهم.
(النخبة الرسمية): وهؤلاء بالأصل سياسيون وكوادر مرتفعة، كلّما ارتفعت مكانتهم التنظيمية والحزبية ارتفعت معها تلقائياً، بما يشبه الترفيع الزمني، مكانهتهم الأدبية، فالمشهد الأدبي فضفاض متسامح يحتوي بعداً زمنياً يلجه هؤلاء بحكم تواجدهم في النسيج الاجتماعي لا بإنجازهم. ولذلك فهم أعضاء لجان مركزية وأمانات عامّة ومجالس وطنية ومكاتب سياسية وأقاليم.. الخ، ويمكن توزيعهم على مؤسسات رسمية أو شبه رسمية أو حركية أو تنظيمية أو ملحقات بأجهزة. وهؤلاء ترقّوا في أدبهم كما في مواقعهم تلقائياً، ويلفت الانتباه تقلّب مواقفهم، فقد يحدث لأحدهم أن يكون موالياً أو منتمياً، ثم ينقلب إلى حال أخرى. وقد يكون (نقدياً) تجاه المؤسسة الرسمية ثم يصير أحد أركانها، أو يكون نقابياً ثم ينتقل للرسمية، أو العكس من الرسمية للنقابية. وقد يجمع بين الصفات المتعارضة كلّها! وهم قريبون من الإعلام المرئي والمسموع والمقروء. وبديهي أن هؤلاء مرحّب بهم من قبل الفئات السابقة نظراً للتكريس –التواطؤ- المتبادل، ويمكنهم نشر أي شيء يكتبونه، وسيجدون بسهولة من يسوّق لهم. وسمتهم أنّهم شعراء في الغالب، فإن لم يكونوا فهم بعيدون عن الجنس الأدبي.
المهمّشون: ينقسمون على قسمين: القسم الأول: عاديون يبحثون عن مكان لهم، أي مكان، في الوقت الذي لا يمتلكون ما يقولونه في الأدب وغيره، فتجدهم محررين في صغار الصحف والمجلات والنشرات الدورية، لكنهم يتمتعون بميّزة غريبة لا يستطيعون استثمارها بحكم تكوينهم وهي اتّصالهم مع المجتمع في أكثر نقاط اتّصال معه، ويكون مجتمعهم قريباً من الناس لابتعاد الأدباء ذوي المكانة عنهم يميلون إلى المهنيات والخبريات والتقارير والتحقيقات العلمية والبيئية؛ أو جادون يقدّمون مساهماتهم الفردية ذات القيمة العالية ما تيسّر النشر لهم لكنهم من دون ارتباط بأية أجسام، وعلاقاتهم مع الذين سبقوا ضمن الحد الأدنى لهذا فهم غير معروفين. ومنهم –القسم الثاني- فئة معروفة خارج الحيّز المحلّي لأسباب سياسية حزبية أو رؤيوية (من الرأي)، وليسوا معروفين محلّياً لانغلاق الأبواب أمامهم عن تعمد. ويميلون في معظم نتاجهم إلى الفكر.
الملتزمون دينياً: وهؤلاء رغم ورودهم جزئياً فيمن سبقوا، منفصلون تماماً عنهم، ومنهم مَن لا يعترف من الأجناس الأدبية إلا بالشعر، والتراثي منه. ومنهم مَن له توجّهات عقائدية حديثة، حزبية، تحاول أن تستحدث طريقاً جديداً –حتى في الأدب- بناءً على نماذج مثل حزب الله. وهم يتركّزون في مواقع الإنترنت المختلفة غير معروفين بشخوصهم نظراً لعلاقاتهم التنظيمية المحظورة، انتقائيون في نصوصهم الأدبية المنشورة، معظمها تاريخي، يهتمون بالأجناس القولية ويتابعون الكتب والدراسات من دون الفنون التشكيلية والأدب، وقد بدأوا بتشكيل دور نشر خاصّة بهم تهتم، جانبياً، بالأدب، خاصة الرواية والقصّة. وبعضهم متّصل جانبياً بمؤسسات دينية كالأوقاف والمساجد على أن تأثير هؤلاء محدود جداً.
العمليون: وهؤلاء متأقلمون يبحثون عن الإفادة ملوّنون قريبون إلى الأدب كما يُفترض بمحيطه أن يكون مستقلاً محترفاً (لديهم للكتابة، لا الجنس الأدبي)، ومعظمهم حديثو العهد لا يكتبون نصّاً واحداً من أجل سواد عيني النص أو الرغبة في التعبير عن الذات أو إثارة قضية، بل تكون وجهتهم الكتابية –القصصية أو الروائية أو المسرحية- محددة سلفاً وبتوقعات مجزية مالياً بحيث أنّك لو تتبعتهم فلن تجد نصّاً في جريدة أو مجلة تنشر النصوص دون مقابل، بل لن تجد نصّاً لم يُكتب خارج مناسبة محددة سلفاً. ويعتمدون على علاقاتهم المهنية مع الجهة المقابلة كالمونتاج وإخراج الصحف والمجلات والكتب، والعمل في المجلّة ذاتها، ويُعرفون أيضاً من خلال الأنشطة كالندوات واللقاءات والمناسبات التي يتبناهم فيها ناقد ما أو مؤسسة يحسبون عليها، وإذا نشروا فمن خلال مجلة (مرموقة)، وكثيراً ما يُعد أحدهم كاتباً لمحض النص الواحد (القصير أيضاً) والنصّين، خاصة إذا كانوا كاتبات. أهم صفة لهم أنّهم لا ينحازون لجنس أدبي معيّن، بل يكتبون في أي جنس يبدو مجدياً فيتنقلون بين الشعر والقصّة والرواية والمسرح والسيناريو. وهم أيضاً لا يعرفون قومية بعيّنها أو فكراً ما، يمكنهم أن يكتبوا مع –أو لـِ- صهاينة أو أوروبيين أو فلسطينيين، بالعربية أو العبرية أو الإنجليزية. وبسبب ظروفهم الجيوسياسية التي تضعهم في حيّز محايد إلى حد بعيد قابل للاستقطاب والجذب والاستغلال (من جميع الأطراف) فإن صلاتهم أخطبوطية واسعة جداً، وكلّهم تقريباً حصلوا على منحات سفر أو إقامة أو تعليم أو تفرّغ، أو أكثر من واحد مما سبق، وبصرف النظر حتى عن الجهات ولو تناقضت.. ولهم نمط شخصية يكاد يكون موحّداً، فهم يعانون من الفوقية تجاه محيطهم أو أصولهم والدونية تجاه الآخرين، مع تبني النزعات الجديدة، ويعانون من أزمة هوية شديدة الوطأة تصل بهم حد الانفصام.
الصحافة الصفراء المتّصلة بصحف ومواقع في أمريكا تحديداً. مجهولون لا ينشرون بأسمائهم ومتوارون وهم ملاحقون من قبل أجهزة الأمن، لكنّهم على الأغلب صحافيون عاملون وظيفياً في أجسام قائمة، ولا علاقة لهم بالأدب، يظهر هذا من أساليبهم ولغاتهم ومفرداتهم.
*خلاصة:
وكما نلاحظ، فالمشهد الأدبي صحافي بالدرجة الأولى، ولا يتمتع بأي درجة مقبولة من الاستقلالية عنه. وباستثناء المنعزلين الذين أشرنا إليهم، تجد الكثير من الفئات السابقة متداخلة بنيوياً: فمدير دائرة ما في مؤسسة رسمية أدبية، هو ذاته المسؤول عن تحرير ملحق ثقافي، ومؤسس في جسم ثالث، وعلى اتّصال مباشر مع جسم رابع. وذاك سكرتير هنا ومدقق هناك ومدير تحرير في جسم ثالث. ومدير تلك المؤسسة له فندقه الذي تعقد الندوات والأنشطة فيه، والأكاديمي عضو جسم نقابي وعضو هيئة تحرير في ثالث ومؤسس لرابع. والصحفي مراسل بالسر أو العلن لغير صحيفة، ولجنة تلك المؤسسة أو مجلسها سبق أن انتفعت ممن تنفعهم الآن، وضيف الأمسية هو فرد سابق من الهيئة التي أقامتها، وكذلك الحال في بقية المشهد، مع العلم أننا لم نتناول إلا الأدب لا الفن التشكيلي ولا المسرح ولا السينما.. الخ. بالنسبة للعلاقات مع الخارج الأدبي فهي إعلامية من حيث جوهرها. إمّا أن تكرّس شخصاً لأنّه موضوعاته ليبرالية أو حسّية (خاصة الكاتبات) أو متساوقة فكرياً وسياسياً، أو تبحث عن محض تمثيل للساحة المنشودة بحسب ما يظهر منها دون تدقيق في الخلفيات أو الدوافع أو العلاقات أو الملابسات، فما يهمّها منها أن تكمل مساحات فيها. لا أعرف إذا كان هذا حال جميع بقاع الأرض، لكنّي أشك في هذا، وأستشعر سوداوية هائلة. بالنسبة لي المشهد الأدبي (أو المجتمع الأدبي) شبكة مرعبة تدفعني إلى الابتعاد ولا أطمع منها إلا بالحد الأدنى: النشر. والسؤال المؤلم الذي يظل يخطر لي: إذا لم تكن، أو تستطع أن تكون، في أية فئة، فأين –ومنّ وكيف- أنت؟؟