بريق العتمة
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
-
هل يستطيع ربّك أن يطعمك؟
أتى الصوت
الغريب، صوت اليهودي المتنكّر كجار عربي، كمّا قدّر، الذي يراقب من البيت الملاصق
كل ما يحدث في غرفته الفقيرة عبر الكاميرات وتقارير المناديب المحليين الذين
ينفذون أوامره أيضا.
لم يكن
يستطيع معرفة مصدر الصوت بالضبط. إنه ينبعث كصدى شامل في أرجاء الغرفة ومن جميع الاتجاهات، لكن
لا مركز واضحا له. ولا استطاع معرفة أماكن الكاميرات التي ترصد كل حركة من
حركاته، ثم سرعان ما يأتيه تعليق صوتي يدوّي في رأسه أو سؤال. رشّ الزوايا والأماكن
التي شكّ فيها بالطلاء، ولكن الصوت المعلّق على أفعاله استمر يصله. استفسر من عابرين
في الشارع إذا كانوا يسمعون الصوت ذا التعليق على كل ما يفعله ويقوله، فكان الصوت ينقطع
كلما ادخل غريبا ليتحقق.
خشي أن
يتهم بالجنون، فتجاهل الأمر ولم يعد يخبر عنه أحدا.
مع الوقت
وتراكم الملاحظات ولهجة المتكلم، صار يميّز بين الأصوات والمتكلّمين.
إنّهم
يهودي ومحليون يأتمرون بإمرته يلاحقونه حيثما ذهب. كان ينتمي قبل سنوات لفصيل خارج
المنظمة وكان يرى الساحة مرتّبة مدبّرة، منذ لحظة التأسيس، لامتصاص الطاقات وإحباطها
قبل أن تنضج وتتفعّل، أكثر مما هي متصادمة فعلا أو مخلصة. على كل حال، لم يفعل
شيئا ذا بال، وبمجرد اعتقاله وانكشاف العلاقة، جمّد نفسه. أي تنظيم خارج الساحة
المتقاسمة، على ما يبدو، يشكّل خطرا شديدا على الاحتلال والسلطة، في آن، أكثر من
خطر أي فصيل آخر. يستبقون الصراع منسقين فيما بينهم إلى المعيشة واللقمة، بدل أن
يتطور إلى شيء حقيقي. هذه هي الخلاصة التي توصّل إليها.
سُدّ باب
العمل. بعد طول تفكير استنتج أن هناك أمرا بمنعه من الوظيفة، ولم يأته رد واحد على
عشرات طلبات العمل التي قدّمها في المؤسسات الرسمية. والعمل الخاص تكفّل مناديب الأجهزة
بملاحقته فيه.
فما أن
يقدّم طلبا، حتى يلاحقوه عند رب العمل قبل التشغيل بالتقوّلات أو بعده بقليل، مجرّد
أيام، بالتخويف والتأليب والتشويه. يتجاوز المقابلة بنجاح وتقول كل المؤشرات أنه
سيعمل، وعندما يراجع رب العمل المذعور الخائف على عمله، يرى عدوانية لا مبرر لها.
وفيما بعد قد يحصل على تلميحات خائفة تشير لما حصل.
وإذا نجح
بالعمل ارتجالا، تواً وفي الحال، في المصانع والمشاغل، دون طلبات، فبمجرد أن تصل صورة
فيما بعد عن بطاقة هويته إلى التأمين (ولا بد من التأمين، قانونيا، ضد الحوادث)، يلمع
-كما يقدّر- تحذير أحمر على الحاسوب البعيد، وتبدأ الاتصالات والتقلبات والمتاعب متدرجة.
بعد تودد ومدّ بساط وثناء يأتي الخوف والارتياب، لتنتهي بطرده من العمل، بحجة
جانبية وليس مباشرة، رغم أنه يبذل جهدا فوق العادي المطلوب.
يئس من
العمل في مناطق السلطة، وتقدم بطلبات تصريح للبحث عن عمل خارجها، ورُفض كذلك مرات
كثيرة لكن -على الأقل- بوضوح. إنه معتقل سابق ويعلم أن اسمه مدرج على اللوائح.
ظلّ
عاطلا من العمل طوال سنوات، فاضطر، هو حامل الشهادة الجامعية، إلى العمل في الورش
المرهقة عملا متقطعا. ويئس من إيجاد وظيفة أو عمل مريحين ثابتين، وكثيرا ما كان
يضطر للاعتماد على الشوارع عند الإفلاس التام، وما سقط في الطريق أو السوق.
-
هل يستطيع ربّك أن يطعمك؟؟
حريق
داخله من الجوع والضغط والصبر.
-
وهل أستطيع الإجابة أنا عن ربي؟ لكني واثق تمام الثقة أنه سيرزقني،
وربما يكون جوعي رزقي. لا أحد يعلم حكمته.
-
We will see!
كانت
انجليزية اليهودي ثقيلة اللكنة، ليست بريطانية أو أمريكية. إنّها جافة متكسّرة
أقرب لشخص نشأ على لغة أخرى، الروسية مثلا.
توضأ
وأخذ عدته للصلاة. بمجرد أن خرج إلى الشارع، لاحظ شيئا غريبا في أعمدة الإضاءة.
هناك أضواء كثيرة مطفأة وأخرى قليلة لا تزال تبعث ضوءها. مضى في الشوارع المضيئة
يبحث عن أكياس الخبز الزائدة التي يعلّقها الناس على الحاويات أو إلى جانبها،
تحرّجاً من إثم رميها، أو أي شيء يصلح للأكل.
المناديب
المحليون كانوا يحسّ بملاحقتهم كأشباح بعيدة لا تظهر ملامح أصحابها جيدا، باستثناء
المشية المنتصبة وإيقاع البساطير. عل كل حال لهم سمات أخرى فيمكنهم أن يكونوا
طلابا أو باعة أو من الجيران. الحاويات كانت مفرّغة كلّها، وتعلموا من لياليه
السابقة فتغيرت مواعيد تفريغ الحاويات وكثرت أيدي عمال النظافة. لم يعودوا يتركون له
شيئا يقتات عليه. الشوارع التي اعتاد المرور فيها نظيفة تماما كأنها قاعة مستشفى. والأشجار
القليلة المثمرة على رصيفي الشارع، لا شيء يؤكل عليها، إن نجحت أصابعه في الوصول
لغصن وتحسس براعمه.
ربع ساعة
مسافة الطريق إلى المسجد مضت، ولم يجد شيئا.
ثم
انطفأت الأضواء كلّها من الشوارع وكذلك واجهات المحلات المتروكة ولم يعد يرى غير
مئذنة المسجد الخضراء التي ومضت لبرهة قبل أن تعمل على المحرّك. أخذ يفكّر فيمن ذا
الذي يستطيع، فعلا، التحكّم في الإضاءة، كما الماء والهاتف والطرق.
أخيلة
سوداء للمباني والسيّارات المتوقفة، مثل أخيلة الاحتمالات التي تكبس على تفكيره. بالكاد
يتبين طريقه على الرصيف.
-
سبقناك وأزلنا كل شيء!
هتاف
مندوب محلي يأتي من بعيد، من الأمام أو الخلف، لا يعرف بالضبط.
-
أنا مطمئن، سيرزقني ربي وإن كنت لا أعلم كيف.
واقترب
من منحنى المسجد. كان هناك موقف سيّارات الداخل وكانت سيارة أجرة متوقفة من تلك
التي تحمل العمّال المبكرين. الأضواء معتمة تماما، ومن الصعب جدا أن يرى شيئا، مع
ذلك كان يشعر بالاطمئنان.
وأتت
سيارة من مركز المدينة، ربما سيارة أجرة أخرى، وبعثت ضوءها الأمامي القوي باتجاهه.
كانت السيّارة المتوقفة فارغة من الركاب والسائق. وفي العتمة ومع تنظيف البلدية الشديد
ولا احتمال لأن يجد شيئا، انعكس بريق فضي أو زجاجي عن الأرض، تحت العجلة الأمامية
للسيّارة المتوقفة.
ميّزة
بسرعة وحدد مكانه.
مرّت
السيارة الثانية وذهب الضوء. اقترب خلسة وبسرعة، كما اعتاد عند الالتقاط، وتحسس
بيده تحت العجلة حتى وجد القطعة المعدنية. بعد دقيقة وهو يدخل بوابة المسجد المضيء،
نظر إلى قطعة النقود بين أصابعه، فوجدها من فئة الخمسة. بحث عن ظلال المناديب فلم
يجدها. حاول أن يرصد صوت اليهودي، فلم يسمع شيئاً. هل انخرسوا منهزمين أم صفت
حواسه؟
ربما هي
وساوسه أو جنّه تجسّدا له.
بعد
الصلاة، إن شاء الله، سيشتري من المخبز ما يطعمه عدة أيام.
ملاحظة: (القصة تمزج بين واقع سياسي بمنع المنتمين
لحركات ما أو ناشطين خارج المساحات المتنفّذة من العمل، وفصلهم أو ملاحقة مصادر
دخلهم ومحاصرتهم؛ وواقع نفسي لبطل القصة. إنّه واقع عالمي وعربي وليس فلسطينيا فقط)