تأثير
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
كان واقفا معانداً في وسط الغرفة، بطارية
معنوياته 98%. وبدل أن يظل متحرّكا جسديا ليشتت التأثيرات، قرر أن يتحدّى فتوقّف،
لعله ينتهي من المعاناة.
: بدأ التأثير من أخمص قدميه. يشعر به مثل
تيار كهربائي بارد متوسّع يؤدي إلى الجمود والتشنج. ربما هو الطاقة الحيوية، أو
أفعى الطاقة. شيء ما، عن بعد، يؤثر في جسمه. من الدماغ ربما، الذي له موجات وبصمة.
هل يمكن أخذ البصمة من دون التعرض لمسح أولا؟! وكيف؟ وأين؟
يجهل.
ارتفع الشلل ذو الوجع إلى الربلتين. لم تتأثر
معنوياته إلا طفيفا. وصل إلى الركبتين فأخذتا ترتجفان. زاد المنسوب عن الركبتين
بفتر أو شبر، فبدأت معنوياته تهبط. نحو 85%. إنه يخاف من فقدان السيطرة الجسدية،
لهذا كان قبل قراره يظل يتحرّك ويرقص ويتمايل ويستعمل الماء فيستحم ويبلل جسمه،
ويتحسن وضعه بالفعل.
وبقي في حالة تحدٍ وتأهب.
لا بد من وجود وسيلة واعية يوحي بها إلى جسده،
غير الأولى التلقائية، ولكنه يجهلها. لم يدرس التأمل ولا اليوغا، ولا يعرف شيئا.
مجرد أفكار بسيطة مصدرها السينما وقراءات مختلفة من هنا وهناك، من "فلسفة
المواجهة" والباراسيكولوجي، وكتابات في الانترنت عن التخاطر/ التلبثة
والاختراق العقلي.
الألم اشتد وتجمّدت الساقان اللتان التفتا على
نفسيهما فنزل إلى الأسفل. وإن الوجع ليصعد، يقترب من البطن ويؤثر في التنفس.
أخذ ينهج ويصدر صوتا متألما قريبا من البكاء.
لحسن الحظ لا أحد في البيت غيره. التحدي والمواجهة، في مواجهة ما يجهله، خطأ
ارتكبه. لكن لمن يلجأ؟!
عندما انخفضت المعنويات إلى 60% خشي أن تنزل أكثر،
فتنصّل من الوضعية التي تسمح بالتأثير فيه، فأرخى جسمه، ثم، فجأة، قفز.
قرر أن يعود إلى التهرب والفرار، فلا قبل له بما
هو فيه. ولو أخبر أحدا -كما حاول مرارا- أن هناك "قوى" من الخارج تدخل
الدماغ وتتسلل إلى أماكن السيطرة الجسدية والأعصاب، بل وإلى الذاكرة العضوية
ومحتوياتها، مع شيء من التحسين الرقمي، وإلى مناطق التفكير واللغة، وكل ما سبق عبر
التخاطر، فلن يصدقه إذا لم يتهمه بالجنون ويجبره على تلقي حقنة ما.
تفلّت جسده فرقص رقص المجنون الدرويش السكران الرياضي
ذا الباليه والتقرفص، معا. أي شيء، أي حركة عشوائية تخرجه مما هو فيه.
لا يدري كيف ينام فجأة كأن كهرباء يقظته قطعت
بفعل فاعل، ولا كيف يستيقظ. ولما رأى صدى خارجي لذاكرته منذ الطفولة يعرض على وعيه/
خياله، الذي يتحول إلى شاشة ما، ناهيك عن الأصوات الداخلية، كأن العقل مسرح من
طبقات، فقد افترض أن هناك تقنية ما، متصلة بدماغه. مزروعة فيه.
لهذا السبب أجرى فحصاً بالرنين المغناطيسي لجمجمته
لم ينه ما هو فيه، والذي يستمر كنوبات من أربعة اشهر، بمعدل مرة كل سنة وقليل، منذ
عشرين عاما.
في النهار يغرق في التجمعات والأسواق والمساجد،
ويحتمي بها. وفي الليل السير في الشوارع المترامية مع ترديد للتسبيح الصوتي، مما
يسمح له، على خلفيته، باستعادة تفكيره؛ الأمر الذي سيؤجل أو يبعد (التدخل) عنه.
إن للإنسان قرينا يطلع على السرّ ويوسوس له، من
دون وسيط مادي، أفلا يتاح الأمر لشيطان الانس بوسيط؟
وإذا كان للتأثير وصول للتنفس والجهاز الهضمي،
فهو يطال نبض القلب بالتأكيد، ومن هنا شدة الخطر.
خرج يكرّر، بصوت كلما كان وحيدا، وبحركة لسانه ذي
الأسنان المطبقة إذا ما اقترب منه أحد، مقلّدا شرط التلاوة في الصلاة، ما بين دفع
الخوف والرجاء والحماس والايمان:
-
لبيك
اللهم، لبيك. لبيك لا شريك لك، لبيك..