قصص قصيرة/ ماجد عاطف
بهذا
التناغم
اطمأننت
لزوجين من الحمام، كل زوج من ذكر وأنثى. وبحسب راصدي الطبيعة في فلسطي، فالذكر
أكبر حجما من زوجته.
والزوجان
متناغمان في التقاطهما الفتات وفي تحركهما على الأرض التي نثرت فيها الخبز داخل
حاكورتي الصغيرة.
من
المستحيل توجيه أربع حمامات في آن بهذا التناغم، فلم يُذكروا حتى لنبي الله سليمان
وهدهده.
حجر
بقوى خفية
كانوا
من هواة التوقع للمناخ والطقس والأعاصير المدمر ليأخذوا بعد ذلك العقارات.
حصل
في تلّة شيء خطير لا يعلم به إلا أصحاب الأقمار الصناعية.
بنوا
مخططا خطيراً جداً على أمل أن يتحرّك حجر متوسط الوزن لا لا يزييد على 5 من
الكيلوغرامات من مكانه، بفعل قوى أخرى خطيرة.
هبّت
عواصف مطرية طوال ربع قرن، ما بين زخات مطر غير منتظمة وفصول متقلقلة ومؤامرات ذات
مطامج، مع أمل أن تهب رياح شديدة تحرّك الحجر من مكانه.
مات
من مات في الانتظار، واختفى من اختبأ، وتورط أكثر لصوص العقارات في جرائم أكبر
وأكبر.
كلما
اقتربوا من تلة الحجر حصلت لهم مصيبة وكاشفة.
بقي
الحجر في أرضه الرطبة إلى حانب حصى وشجر ونبات. لم يتحرّك من مكانه ولم يستطع أحد
الاقتراب منه خوفاً من الانكشاف.
فزعموا
أنه حجر محمي بقوى خفية.
ساعة
ليس
متأكداً إن كان فوضويا مهملا ينامُ متى نعس على سريره ذي النوابض والأزيز، ويستيقظ
متى استوحش أو انزعج أو شبع من النوم. فيصلي بعد الأذان ولو كان المؤذن مراهقا
يلهو بسماعته في الجوار. إن لم يسمع شيئاً وتذكّر صلاته السابقة قدّر وقت الصلاة
وقضاها.
يُراقب
سعي الناس وحركتهم ويسألهم عندما يشكّ أن ساعة هاتفه تعاني من خلل وأنه لم ينتبه
جيداً لأشعة الشمس وظلالها المتحركة في الساحة.
من
الصعب جداً على مدينيٍ شابِ لم يشهد مطالع الشمس والقمر في فصولهما أن يقدّر الوقت
وحده.
عند
تيسّر العمل، يدرب نفسه ليلتين فالثالثة، ولو بعدم النوم والترقب. بعدها ينغمس في
الوقت كما يفعل بقية الناس.
ساكت
عن حق
لئن
أخطأ الإمام، الضخم الشديد، الجسور في منصب الأوقاف، في التلاوة، وكان هو يحفظ
السورة ويعرف الخطأ، فلا ينبهه لأنه لن يستطيع الدفاع عن نفسه أمامهم (لو أنكر
والمصلون المتزلّفون تنبيهه).
إنه
من العوام ولا يحفظ إلا بعض السور.
إذا
ما ردّه عن جانبه أو أمامه أو خلفه صوتُ مصلٍ حافظٍ معروفٍ لا يكذّب، سكت وأكمل.
فإن
لم يرده أحد أو يسبّح لتنبيهه، صوب خطأ التلاوة في سرّه وتابع الإمام. ثم يتأخر
برهات عن أسراب الركوع.
وإلا
-عند الخطأ البليغ- فإنه يتظاهر بنقضه للوضوء فيعيد الصلاة وحده، في مسجد
الحركيين..
حوت
في طبريا
ترافق
الأسماك المركب وتتبعه. له شكلُ متنٍ يشبه ورقة لشجرة، وخلفه مستعرضٌ مستوٍ يتسابق
إليه السمك. يقود السرب ذكر، وعن جانبه دعائم منافسة من أفراخ شابة.
كان
الشاب يتأمل من فوق ويتذكّر. في جامعته تعلم معاني جديدة عن الأشياء والبشر. دون
أن يعرف السبب بالضبط هتف مشيراً بإصبعه يده:
-
حوت صغير..
التفت
له الرجل الأربعيني الذي استصدرت شركته له التصريح. إلى جانبه كان يقفان: ابن حيّ
في المدينة، وآخر ابن قرية. كلاهما عرف أنهما لم يدفعا مثلما دفع هو لقاء الرحلة.
علم متأخرا ولم يأبه. أراد فقط الاستجمام قبل عودته للمغرب فترة طويلة يقتضيها
التخرّج.
-
أين الحوت؟
سأله
صاحب الشركة.
-
قط هي كلمة..
اقترب
منه ابن الحي، الشاب الثلاثيني، أما ابن القرية فلكزه في كتفه.
بدأ
الرجل حديثا معه، فيه ود وتباسم عن الحيتان. اخبره ببساطه أنه لم ير حوتا وجها
لوجه من قبل.
ابن
القرية الجاحظ نكأه من كتفه أن يسكت. الثلاثيني ابن الحب انتبه للحركتين، واسرّت
عيناه ما اسرتاه..
ضحك
صاحب الشركة:
-
لا تعرف معنى الحوت هونا
-
نستعمله بشكل عادي
-
أين؟
-
في المغرب.
-
هل ترددت على الشواطئ كثيراً؟
-
فقط في العطل القليلة
هزّ
رأسه وذهب لمقدمة المركب التي تشق سطح البحيرة والتيارات القوية. تبعه ببطء
مستعيداً ذكرياته حول "الحوت الصغير".. كانت سوء فهم منذ بدايته يشبه
سوء فهمهم الآن له. عرف في النهاية
أن الحوت في المغرب يعني السمك المأكول.
بعد عودته، ظل نائما ما بعد المغرب إلى اليوم التالي.
فأظهرت وأعصرت وهو في فراشه. مساءً حلّ الطرق والصخب والاقتحام والتفتيش، ثم
اقتادوه ببيجامته إلى التحقيق. كان مستغربا شاعرا بالخوف الشديد. لم يتأكد مما
يحدث. لما سمع السؤال الأول: "مع من كنت ترى الحيتان الصغيرة؟" تذكر
كلامه في الرحلة.
-
أي حيتان؟
-
التي ذكرتها على المركب البارحة.
-
لم أذكر حينان.
تلقى الصفعة التي تلت الركلة من مجند يقف خلفه.
-
لا تكذب.
-
والله لم اذكر أي حيتان
تلقى قبضتين اضافيتيين.
-
تذكّر قبل أن نسلّمك
عندئذ تذكّر مرغما وأقرّ:
-
لم أقصد الحيتان، إنما السمك..
-
ما حكاية السمك؟
-
وقعت في سوء الفهم نفسه عندما سمكت كلمة الحوت أول مرة.
-
مِن من؟
-
إنها فتاة.
-
مَن هي؟
-
.....
تلقى صفعتين وعدة
قبضات وركلة.
-.....
- .. لا تهمنا
الفتاة القحبة، بل مَن كنت تتحدث معهم عن الغواصات الصغيرة، وماذا فعلت.
-
أي غواصات؟
طوابع
عندما رفع الموظف، كاتب المؤسسة، ثمن الطوابع الخاصة
بمعاملته، انتبه وطلب منه أن يشتري طوابع ثانية يأخذها معه إلى البيت. طمع الموظف
بالفارق في السعر فباعه الطوابع مع أن الأمر غير قانوني تقريبا، ليضعه في جيبه.
وخاب أما عندما ترك المشتري "الصرافة" قائلا:
-
تبرعاً للمؤسسة..
نظر المشتري اليها، في مبنى أقدم أضعافاً من تاريخ قدومهم،
واليه.. موظف في العشرينيات لم يفعل شيئاً في حياته سوى التخرج والعمل في وظيفة..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق