شرطة الصلاة
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
لم أكن من الجيش ولا عينا له، ولا خائفا من
جيوش أخرى أو من عيونها. لم اهتم بالتجارة إنما التنقل مع القوافل ومعاينة الخلق
وخلائق الله. أتجنّب الكثيرين لمجرد تمييزهم، وصرت أعرفهم من ثيابهم وصبغهم وأوشامهم.
المسجد لا يزال ولكنه مليء بحظائر الخيول.
ثمة بقع نظيفة متاحة للعوام، اتاحوها، تنفعا واستعدادا من قادم محتمل. كنت أستغل
ما تيسر من تدافع الأشياء لأصلي، فلما رأوا الاتجاه اسبقه، وكان جيش الامام يهزمهم
معركة تلو معركة، عرفوا أنني إنما على طريقه.
كانوا متأكدين من أنني لست في جيشه ولا
مسلكي مسلك عين تبحث عن ثغرات وعورات.
"أولئك" مكروهون بشدّة، وغالب
الناس من العجم والعمال تخاف منهم. النصارى أقرب مودة لديهم من الاطلالات على
تاريخ الإمام أسرار. التجار القادمون للخان والأجراء جلّهم مسلمون. إمّا يبيعون
البضائع في قوافل ويتنقلون، وإما أجراء فقراء عند أرباب الحرف.
كان الماء قليلا والآبار أو العيون يمتلكها
محتكر يبيع السقاء بالمال ولو لظمأ الخيول. عزّ عليّ وضوئي فكنت اتدبر الارتواء من
كيران الحدادين أو فاضل عن غسل ملابس تركته جارية أمام دار مالكها ما لم يتغيّر
طعمه ولا لونه ولا ريحه.
فلما اهتديت لزاروب اسفل ايكة من الشوك،
أطلّ علي قصيرٌ مع فتيان بهراوات واشترط
عليّ بيعه لي مدّعيا أنه مالكه. ما جرؤت على مجابهته فاشتريت دلوا.
سلّط علي غلاما شقياً سكبه على قدمي وأنا
اتوضأ بحجة الاسراع في استعادة الدلو.
صومعات النصارى اتجنبها ما استطعت، ولكن
على مداخلها آبار ينفعني ماؤها ما لم تترك
الخيل روثها على الجانب، أو يرسل القصير من ينجسّها نكايةً بي.
المصلّى لم أقبل أن يكون في حظيرة وما يحل
لي. والتنظيف يجلب لي ويلات فرسان مدرّعين ينتظرون، فوق أن المكان أثر على عين. الأطلال
حجارةٌ في ساحات نجا فيها الشجر. اتنحّى ما استطعت لبقعة فيها شمس وريح جافة لا
عطن فيه ولا متروك لأحد. الآثار كدمات حجارة أعرف أنها أسفلها مسجداً يخفونه.
يتركونني وشأني إذا لم ينهزموا في معركة، فإذا
هزموا، اخرجوني من مكاني ولوثوا ثيابي. ويطلبونني أجيراً متى احتاجوا واحدا. أمضي بيت
بيوت التجار والملاّك وجواري للأديرة.
يوهمني القصير بفارسين أنه يعرف وضوء
المسلم، فإذا لم اتمكن من دفعه عنيّ، توضأت على اجماعنا في معرفته، ولكني مخالفة
له أتيمم احتياطا.
لم يكن للصلاة صوت ولا مَن يرفع الآذان،
وقلة من المصلين المتفرقين يجتمعون بعيداً عني ما أحببت التطفل عليهم ولا أن أدلّ
على شيء من خلل فيهم.
أؤدي الصلاة في وقتها لو لم يشغلوني عمدا..
استبقها قصرا وجمعا، ثم متى اتيح لي أعدتها. انتبهوا إلى عدد الركعات، فكنت اتعذر
بالسهو وأقلب النية في الصلاة.
الجهر أكثر خشيتهم، فأقرا آيات السلم
واتخيل في المصحف ما سبقه أو تبعها. لا أحفظ القرآن كلّه ولكني نسخته غير مره
واتذكر المواضع على الرق وجلد الغزال.
وصل مسمعي، لما تراخوا معي، خبر عن مفاوضات
ورسل وجيش اقترب مخيّما على مسافة ساعات دون أن يتقدّم. أدركت أنه الفتح عندها.
ابنة قسيس يملك الخان اهتمت بملبسي ومأكلي،
وكانت ترسله للخان الرخيص، نزلي، مع خادمها. والدها كان يمنع الطعام والملبس
ويتمنّع.. عجوز من عماله وغلام صغير صارا يأتيانني لنصلي جماعة، فحدست أن القسيس
يفسح له، تحرزا، مما سيأتي.
تركت العجوز الحفيظ يؤمّنا وأخذت اتفحّص
فريضته والتلاوة. كان على ما يرام لولا اسراع اعتاد عليه.
ألمح لي مرة لابنة القسيس فلم افهم عنه إلا
بعد سنوات. فاتني عندها مقصده. فهمت متأخرا أنها أسلمت وتعلمت منه الصلاة سراً،
فلما دخلوا المسجد منظفين مصلّين جهرَت هي.
بعدها اقترنت بأمير فصيلة.
لم تشغلني النساء بقدر القوافل وما كنت
لأقر في مكان بعينه وأنا تحت الثلاثين. حنيني لقومي. متفرّقون بين قلة مجاهدين
منصرفين عني لهمومهم، ونفاق الكثرة أرسل أصحابه لبلدان آوتهم بعد هروب. ابتلاني
الله بهم في كل شيء، ولولا ذلك ما تمكنت من مداراة أهل المدينة ورؤية المطرودين
على شرط العهدة.
ثم بالمداراة نفسها إنما بيسر أكبر، التحقت
بقافلة لتاجر مسلم بعد اختبر ايماني بالسؤال والملاحظة فقط، متمنيا ألا يعرفني أحد
من المنافقين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق