السبت، 27 سبتمبر 2025

توارة بالعبرية في كفر عقب

 توراة بالعبرية في كفر عقب

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

يجنح كصاف في السماء إنما على الأرض: الشارع الموصل لشارع آخر ومشاهد تتفتق عن كل مجهول وغير مألوف  والكثير من المعتاد. الحقول والمحلات والمركبات شاحنات-أجرة مقدسية- خاصة، والقاذورات وأخشاب كثيرة لبنايات قيد البناء أو تحت التخطيط أو مرتفعة بالفعل، وحدائق مسنمتة وأخرى مهملة.

كقرع، ريح، تفلّت من أي شيء يداري ما يحتاج إليه في الطريق ودون اشتراط، يتنقل من مكان لمكان كخاطر طليق.

لا يأبه. لا يكترث لأي خطر لا يعرف عنه. والذي يعرفه احتاط له. يفتّش في وجوه الصغار عن بهجة أو عن صفاء. عن التواء في لسان السخرية أو تمعّن. سؤال موجّه لا يعيه طفله. النساء طبقات من تراب أو سحب. الرجال غارقون أو مغرقون في همومهم. الأشجار قليلة متناثرة لكن فيها الصالح لقطف الثمار. أي شيء ليس ثقيلا ونافع، يلتقطه.

كان قد تطرّف ووصل المنطقة التي تقابل كفر عقب، وتميل نحو مطار قلنديا. أحاطوه بكل ساتر من جدران وبشر مختلفي السمات ناطقين بالعربية.. استدار في وجهته كيلا يغامر في التقاء يتسبب باعتقال مع أنه ضعيف الاحتمال جداً.

وقت طويل محتشد فارغ متصل منقطع وهو يتجوّل، يعرف المتربّص وشروط ظهوره، ويستمتع بالتفلّت من أي شيء. بحث عن مكان يتوضأ فيه ليؤدي الفريضة، بعد أن أجّل الصلاة. أحيانا يتجنّب المساجد لأنها أقل أو أكثر من ذلك، على سوء.

فلما هم بقطع ساحة متربة نحو شجرة لوز في بقعة نظيفة، لمح على الأرض كتابا قديما وملتوي الغلاف لم تمسه الغبرة إلا قليلاً وعلى الغلاف الصقيل. الذي جذب انتباهه هو اللغة التي لا يعرفها ولا يريد. كانت العبرية المطبوعة.

تلفّت وانتظر مرور دراجة قريبة على الشارع بين صفين من مشاغل الإصلاح والميكانيك. حين نظر بين يديه عرف فيه التوراة، أو كما يقولون.

لم يكن تاريخ طباعة الكتاب قديماً جدا.

بقرة الثور

 

بقرة الثور

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

عاد الثور من الحبلات بعد حرث مرهق وشد للسكة الرديئة التي تعلق بقشرة صخور سطحية. جلده الفلاح بما لا يُحتمل وود لو تمكّن من الاستدارة إليه ونطحه، لكن هيهات، أحكم التقييد بالسلاسل والجلد والقضبان الخشبية. وفي اعتلاء الحبلة المرتفعة كان يرتطم بجدران صلبة، لا سناسل ذات تمهيد.

لا غنى عنه وإلا لأحلوا الجرار.

لما وصل الحظيرة سارع مستبقاً الفلاح، للشعير المخلوط بالعلف والماء. ربطه الإنسي ومضى. بعدما شبع وارتوى متجشئاً، تذكّر البقرة ومكانها عند حلقة مربطها إلى جانب القش، تحت سقف الخشب.  

ليسترح إلى جانبها بقدر ما يسمح به الحبل. ليس موسمهما غير أن الرفقة والحرارة المنبعثة تطال جسمه، ولا بأس بها. سيتمكن من الخلود للنوم بأسرع، ليستيقظ نشطاً في الصباح التالي.

المسكينة تغفو من تعب الحلب والسقي الإجباري في علفها بسبب شيء يضعونه، ومفارقة العجل الذي اختفى من غير عودة. شاركتهم مُدِرّةً ضرعها لتستعيد الأيام الأولى للعجل أو الأسبوعين.

ولا طائل من الثور مغطى القرنين يمضي بكد وانقياد كل صباح. وعندما يريدون لا يحتاجون إليه، فلهم من ولادات الخفاء أساليب تحس بأثرها.

قرأ الثور موقفها الكليّ في وهلة، فانتصب مندفعا على قوائمه، مقترباً منها للمواساة. أحسّ بحرارة، واشتم رائحة لها قديمة.. جافة. لم يخف عليه التبدل في العجول الغائبة ولكن ما من منافس لينطحه. وما من بديل عنها ليدفع ما تبدل.

خار عليها لتتنبه، كعادته. فعل هذا في المرة الأخيرة قبل صباحات وعتمات. ترد الخوار أولاً ثم تستأنس فتقترب وتشمّه.

لكنها لم تبد حراكاً أو استجابة. مكوّمة على استطالتها، قوائمها أسفلها مثنية. ولها في الثبات هيئة جديدة. تمكّن من الالتفات لمحجريها فوق أنفها، لا نفثات فيه أو أنفاس. ما من ذباب في المقل ولا نثار دمع يجلو ويغسل. ما من مخاط يتعلّق. ما من أذنين تنقصفان وتلتويان. الذيل جامد. كان فقط جوهران من كميد لامع يبرزان من وجه الجلد على الرأس، ولا تمضغ في الجانبين.

بعدما احتقن المتبقي من قوة النهار واستشاط، ليس له إلا أن يحتال صباحاً وينتقم بنطح السافل.

(باب فقه لم أجده: حبس الحيوان عن أنثاه)

الخميس، 25 سبتمبر 2025

جرذ من المدينة

جرذ من المدينة
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
حين اتمشى ليلاً، ما بعد التاسعة مساءً وصولا للثانية صباحا، وأحيانا قبيل ذلك، ألمح في شارع الارسال وحول سوق الخضار الكثير من الجرذان، وإلى جانب ركب حيث كانت "الروابط" قديما، وصارت موقفا لسيارات الأجرة الآن.
في البلدة القديمة كمية متوسّطة، إذا كان لي أن اقدّر.
أراها بدرجة أقل كثيراً في شوارع المدينتين التوأم، رام الله والبيرة، لأن الأحياء سكانية ولا تزال محاطة بمساحات فارغة تفسح للتسلسل الهرمي في الغذاء. في المنطقتين الصناعيتين، حدث ولا حرج من الكثرة أيضاً.
لقلة المغذيات الصناعية السهلة من مخلفات مطاعم وحلويات وخضار، فإنها قليلة العدد في الأحياء البعيدة. لا يخلو الأمر من جرذ يباغتك وهو يخرج من حقل مسيّج أو لا يزال يُرعى ويحرث، لكن شكله يختلف وحركته بل و"احترامه" لك أنت المارّ. يتراجع كفطرته في انتظار أن تبتعد.
أمّا في الشوارع التي ذكرتها، فإنها سمينة كثيرة العدد بطيئة ووقحة تخرج من مخابئ استغربها. هل تمديدات الصرف الصحي بهذا السوء وسط رام الله؟ هل تبقت هناك زوايا تختبئ نهاراً فيها، مع تضخم العمران؟
لا أخاف منها.
شخصياُ احب الفئران الصغيرة الذكية السريعة. يمكنك إن كان المكان ملائما ولديك من الصبر فيمكنك التفرج على مهارة الفئران الصغيرة. أفهم لماذا جعلوها حيوانات أليفة لدى ثقافات، غير أني انظر لها بطريقة مختلفة. النساء تخشى من الفئران ولدي لذلك تفسير غير محتشم، نظرا لبحثها عن ثقوب تختفي فيها، بعكس موقفهن من الأفاعي.. لا يخشينها!
لم يخل الأمر في سابق السنوات من التأمل المطوّل في الفئران. سكنت في مخزن ترابي لأكون وحدي، وكنت أرى من المهارات ما يضحكني مطولا وأنا ارقب، خصوصا حك المقدمتين ببعضهما عند الأكل والتطلع بوقار ذي عينين سوداوين على انسياب في الانخفاض!
الشوارب أتقزز منها، ولم يسبق لي أن لامست واحدا منها باصابعي، لأن النفور من المرض والقذارات منطبع في وجداني. أتفرج فقط. وذات برميل كان فيه القليل من مخلفات غذائية وأقمشة رايت (الانفجار) الفئراني عند تدافعه وأنا أحاول التنظيف، دائريا وتفاقزاً كمية كبيرة من المولود حديثا الرشيق القوي.
لم أخف انما تقززت وفاجأتني الحركة.
أعرف الفئران قبل توسّع المدينة، بل وأعرف الجرذان، لكنها كانت مختلفة ولا شك أن تغييرات جرت عليها من قبيل تجاوز مفعول المبيدات والسموم الصناعية، وتأثيرات ما في مياه الصرف. اعتقد أنها تطورت جينيا. كان العدد أقل بكثير، وكانت النوعية مختلفة. ولا أدري إذا كان هذا ممكنا أم لا حاليا، لكني سمعت عن قطع الجرذان لآذان رضع، بفعل الجوع.. غالبا في القرى وحيث الأغنام وغير ذلك.
== ==
الصغيرة لا تخيف لكن لا بد من التخلص منها. يكفي صحون رخيصة ليلتصق بها الفأر حال انجذابه وتقدّمه، ويمكن انتزاع جسمه واستعمال الصحن لأكثر من مرة. فعلتها مرارا حين كانت الفئران تتسلل من الباب المفتوح دائما. المكان ضعيف التهوئة. تصبح الحرارة عالية ولا يكفي الشباك/ النافذة الوحيدة لادخال كمية هواء. إنني أحب البرودة واحتملها، فكنت أنام إلى جانب المفتوح من أجل التنفس المريح، واحيانا في الشتاء.
== ==
فجأة لمحته. جرذ كبير سريع يقترب من بقايا الماء في الحمام. التمديدات محكمة الاغلاق ولا بد أنه دخل من الباب نهاراً أو ليلا. من المؤكد أنه من جرذان المدينة!
كنت سمعت أصواتا لقرقعة خشبية وحركات مفاجئة ولم أحفل، ولكني تحققت عندما رأيته بنفسي.
هل هرب من ماسورة صرف محطمة؟ هل هناك في الجوار وكر يسرّب جرذانه إلى البيت البدائي الوحيد في الحي الراقي؟
أكره السموم الممزوجة مع الطعام، فلربما يأكلها قط أو تتحلل على البلاط، ولا أريد دفع المال. كانت لدي أكثر من مصيدة شبه صدئة. تفقدتهما ووجدتهما تعملان. غذيتهما بالطعم، قليل من مرتديلا وخبز. بعد ساعات طويلة من الاطلالة والتفقد قبضت على الجرذ محشورا في الداخل الشبكي، القفص، يحاول أن يخرج ويحتمي إلى الجانب. أخذ يتراكض عندما رآني.
لم أعرف أين اتخلّص منه. ولأنني كثيراً ما رأيت جرذانا تحوم حول الحاوية الممتلئة بمخلفات الطعام من سكان الحي، حملت القفص وذهبت به هناك وأطلقته فيها.
شعرت بالرضى لأنني لم اقتله. سيكون عملا مقرفا مليئا بصوصآت وامكانات العض والخدش وبقايا الدماء، وفوق ذلك علي التخلص من الأداة، الهراوة أو العصا. وستسكن مخيلتي مشاهد تستمر لفترة وقد تراودني عند الأكل.
صرت حضاريا، كما في الأفلام الوثائقية التي اشاهدها، فاكتفي باطلاق الحيوان.
فترة ثانية وتكررت القرقعة.
راودتني افكار ذات شكوك، لكن يحسن بي الاحتفاظ بها لنفسي. جددت الطعم مرة أخرى، وبعد يومين وقع.
أين أطلقه؟
غيّرت المكان إلى حقل قريب مليء بالنبات والشوك، وقلت لعله بعد الخوف الذي طاله من القبض عليه يشعر بالأثر فلا يعود ثانية، وسيجد طعاما.
لم اكن واثقا، لكني اعتقد أنه الجرذ نفسه، الطويل مرعب الذيل السميك وقحٌ لا يتردد من التجوّل وأكل الخشبي والورقي. اللون خصب أسود تغذى بالمواد العضوية هنا وهناك خاصة من ماسورة مكسورة للصرف الصحي، والفراء مقرف.
فترة ثالثة والقرقعة مشابهة. لا يوجد شيء لتتغذى عليه الجرذان لأني وحدي ولا أخلّف طعاما خارج الخزانة. ما من فتات أو مغذيات تدحرجت أسفل المساند والخزانات والمقاعد، وما من بقايا طعام مع مواعين المجلى.
لو كنت اضمن أنه سيخرج وحده، لما اهتممت.
لكنه إن استقر ووجد أنثى سأتورط بمزرعة، وسيتلف الملابس والأوراق وما يتمكن منه. يقال أنه يأكل أسلاك الكهرباء ولا يتأثر.
جهزت المصيدتين وتركتهما. يومان ووقع.
هذه المرة تأملت وتفكّرت جيدا.
إن كان قد ألف معاملتي ولا يخشى مني فسيظل يعود إلي البت باستمرار. لم احتمل فكرة قتله باداة تتسبب بالتهشيم والدماء والصوصأة، فما كان مني إلا أن أغرقته في سطل ماء ضخم.
أدرت وجهي وابتعدت بانتظار أن يختنق بالماء.
احتياطاً خلطت الماء بمنظفات البلاط. لا أريد أن أظل متوسوسا بأثره والفيروسات والأمراض.
صار لدي سطل مخصص للجرذان أضعه جانبا على سبيل الوقاية، وإلى هذه اللحظة، لم يدخل آخر. غالبا كان الجرذ نفسه.

الأربعاء، 24 سبتمبر 2025

ارث في المحكمة

 إرث في المحكمة

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

اهداء، وكيلا أنسى: إلى روح الشهيد بإذن الله ابو العبد، دون بيعة أو مبايعة. 

(لعلم المختص المسلم، غير العربي، الذي يعرف نفسه)


 

على مدخل مسجد النساء وقفت تتكلم بصوت مرتفع مقصود:

-         طلبت منه أربع مرات وما وافق، اشهدن.

سكتت قليلا. جذبت غطاء رأسها من جانبه السفلي المنهدل على جيبها ورتّبته، ثم أضافت لأخرى مع اجتماع النساء عليهما:

-         يريد أن يأكل حقي..

-         كلّهم ظالمين. رجال ما بعرفوا ربنا.

علقت الثانية.

تعود للباحة الداخلية لمسجد النساء وتختفي في الداخل لتواصل هناك، ويمر الناس مسرعين أو منشغلين التقطوا القليل من قولها وربما يضيفون إليه من عندهم، اطلاعهم أو تقديرهم. ينقل الموقف بعد نصف يوم مصل إلى أخيها، يعرفه وبينهما ما بينهما.

أخوها في موقع عام له صورته وخلفياته وضوابطه. لما فرغ الرجل من كلامه، طلب منه همساً بعيدا عن الهاتف أو أي شيء يمكنه الالتقاط في مكتبه، أن يوصل اليها بطريقته "الذهاب إلى المحكمة وطلب ما تريد هناك".

الاتفاق الودي ثم الذهاب للتوثيق والتقسيم والتنازل، يعني أن الأمور تمت بالتراضي وعلى ما يرام، بينما هي ليست كذلك. وتعرف هي، كما سيعرف القاضي حينها، أن القرار المتخذ ولو استند على الشرع، سيتحملان هما مسؤوليته بحكمه ورسمه واسمه. وفي المستقبل سيتجنّب أي مسؤولية حال انكشاف ما..

ذلك فهمه من أحاديث اعتقال هنا، وأخرى هناك، على التوالي. وأكدته هي في أوقات ظهور مفاجئة، يكون يقاتل فيها ذرات الغبش والجو..

ولها زوج، وبالغة عاقلة مميزة، ولها ولد.

لم ينجح في دفعها بمحض المغاضبة وصرف الوجه. كأنها إلى ذلك، بعدما بدر الذي بدر، تريد التزاما بألا يشير اليها في شيء. إنه ذريعة في الحالتين الاقبال والادبار، فرض النفس والماهية المخفية، بينما لو قبل سيكون قد تورّط. بالكاد كظم غيظه في المناسبات وأظهر صلة الرحم. خلفها تأليب موجّه وتكالب يريد أن يبقي يده عليا.. لقد افسد هؤلاء العائدون من أماكن لا يعلم أحد ما كانوا عليه في الحقيقة، ولا كيف تضاعف سوؤهم عندما استقروا باتفاقيات وتعصب وتسلط، كل شيء هنا.

موقعه حسّاس يوجب عليه الاشارة، وإذا ما امتلك دليلاً فتقديمه، لكن ليس لهؤلاء بل لمن يحسن الاستعادة والاحتواء. كان في استطاعتها، استطاعتهم، ألا يكشفوها عليه، كما استطاعوا سحبها بخفة. والحالة المتبقية هي أنهم يريدون ضربه بها، هي أخته لترافق حركته بين الناس بصفة مباشرة ومستمرة، وتهزّ الثقة وتتسبب بالضجة.

احتاط لذلك بأن أعفى نفسه من مسؤولياته مكلّفا بها مساعده، والتفت للخرق هذا يحاول فهم مصدره وكيف حدث.

ولا يستطيع أن يحدد ما إذا كان لزوجها علاقة. طبّق عليها الأخذ بالظاهر وطبّق معاملتها معاملة المنافقة.. وله هو التبسّم وفي القلب شوك وغضى، لكنه أقل ضرراً لأنه رجل.

وإنها لتومئ له عند الزيارة في مكتبه الذي قرروه له –ومن قبلها في البيت- بأوراق تتداولها، صحة وتعليما لابنها وأشياء أخرى، عليها الختم الرسمي، تهزّها بثقة الذريعة. تارة "منعوها" وأخرى عطلوا عليها، وأن "ينعدل من أجلها أو "يوسّط" لها من يسعفها في التلبية.

ينفخ الغبش في الجو، ويلمس آثاراً لأي شيء يفعله، بين متكلمين عابرين يتبادلا معاني وباعة أو في حاقلة الركاب، بل والمقالات التي يقرأها وتبدّلات خائبة الظن به على بعض من يعرفهم. ومنافسات في بيانات وتصريحات ومزايدات تجر التلميح بين الكلمة وضدها، كعادة عالم السياسة.

استعد لمواجهة فأبعد من يهتم لهم عنه. أمرهم سُيدبر. ولكنه احتار كيف يصارح ابنته الوحيدة عن عمتها وكيف يجعل زوجته ملمة، فالأمر ضروري ضرورة قصوى.

ليست المتزوجة من مسؤوليته إلأ أن تعود إليه. هذا ما تستند/ون عليه، وهو ما سيعتمده. ويظل أن يجد طريقة في العلن يحدد المسافة، ويتمكن من ابعادها. يحدس أنهم في النهاية سيتخلصون من عبئها، ولكنه سيكون هو بعيداً عن تأثيرهم.

ولا يمكن أن يكون شيئ قد وقع إلا بمعرفة هؤلاء الذين يرصدون المدينة بدقة رهيبة، الذين ظهرت معرفتهم الوثيقة بزوجها منذ أكثر من سنة، وبدأوا ينقلونهما من وإلى بيتهما المجاور لبيته، آتين من محافل وأنشطة.

لا يغفل الخروج في مسلكهم، ولكن لم تجد النصيحة أثرها مع أنه حاول معها أولا ومعهما هي وزوجها، من دون طائل.

أما عند اعتقاله في لحظة سياسية عامة حرجة ففهم من هؤلاء، فهمهم لفهمة الرافض ونقمتهم بسببه عليه.

وفي الاعتقال التالي فهم من اولئك، تلويحهم الصريح، كمن فاز في جولة أو معركة.

والشهور الستة في الاعتقال ذاتها هنا وهناك.

لمّا رأت منه الوجه المبغض فاقد التقبل والسيطرة، وتيقّنت، المحتقر لها ولزوجها معا، بدأت تشيع أنه يرفض حقها في ارث والدها وأنه يمتنع عن شرع الله.

لم تكن في حاجة لذلك، إلا أن تكون ضغطاً أخيراً للتفاهم معها والمظهر الودي ممن خلفها، أمام الناس. ففي أي لحظة يمكنها المطالبة من المحكمة، ووقتها ينتقل القرار إليها والمسؤولية عن المشاركة. وهو الضغط الشديد الذي يتعرّض إليه، فماذا لو تسربت الأرض وانتهت مستوطنة؟

امتنع عن القيام بأي حركة رسمية، ليجبر المخفي على الظهور، ولا يتورط.

قال للرجل محدّثه مبالغا مبالغة استعراضية فهمها الآخر من تعريضها وتوجيهها لمن يستمع خلسة:

-         إنها طمّاعة تريد ارثا أكبر من نصيبها وأنا لا اوافق. أخبرها أن تحتكم للمحكمة، فلديها كل الوثائق، وهناك يقدرون القيمة الحقيقية.

عندما ينفضحون يوما ستظهر مشاركة المحكمة. وعزم على اخبار ابنته وزوجته والاتفاق معهما على معاملتها معاملة المنافقة، مع تباعد ذي أعذار.

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2025

نظرتي لما حدث

سياق ما حدث بسبب رواية اشتباك المقدمة لمسابقة مؤسسة عبد المحسن القطان 2003، في المصيون- بجوار الرئاسة القديمة

وبسببه اصدر عرفات قرارات اعدام لم تنفذ. ومن ناحيتي لم أخضع ولم اتنازل عن أي حق، ولا توجد عندي أي تهمة، والتطورات يتحملها مرتكبوها والمرتبون الموافقون عليها.

الصهيونية العربية الثقافية.

 دون رغبة بذلك، مع محاولة التناسي والتجاوز مرة تلو المرة، ولكني كنت اجابه دائماً الأسئلة نفسها حتى على الفيسبوك، تمكّنت من توصيفهم، أولئك الذين أحاطوا بدرويش وتبعوا له من فلسطينيين وعرب، وأدوا أسوأ دور بعد الاحتلال العسكري والثورة المضادة والقصف: الصهيونية العربية الثقافية

يقودها: يهود من أصول عربية-المنتسبون العرب للحزب الشيوعي-مثقفو التطبيع والخيانة من معاهدات التسليم، وأخطر درجة له، هم المثقفون الفلسطينيون والعائدون المنتحلون لصفة الثقافة.
وينطبق هذا على الهندسة الرقمية للمحتوى العربي-مؤسساته، والتنسيق الأمني الثقافي.
وهنا بالضبط يأتي دور التقنيات الدماغية التي اخضعت الغالبية الرافضة، والوصول لكافة الخرائط السياسية والشخصية والتنظيمية والمالية والاجتماعية الخ. والهندسة المرقمنة المعتمدة على التقنيات والتزامن الخياني.

الاثنين، 22 سبتمبر 2025

بركة قانونية

 بركة قانونية

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

في الولاية الأمريكية ذات التقاليد العريقة، في غرفة التداول بعيداً عن الادعاء والاتهام وبعيداً عن ضغط التظاهر خارج مبنى المحكمة الذي لا تصل أخباره الاعلامية للمحلّفين كيلا يتأثر قرارهم، امتد النقاش في القضية حول نقطتين مركزيتين:

هل يحق لمواطن اسود التربّص برجال شرطة -بيض- تربّصوا به طويلا، لدرجة القتل، مع قدرته على عدم فعل ذلك؟

وهل نصب كمين يودي بالذين يسعون لايقاع المتهم في كمين مفتعل كما ثبت، وبعد اعطاء كل التلميحات والاشارات القانونية الملزمة كاليافطات والكلاب وأصوات الانذار والكهرباء على السياج وسلسلة من المقالات المنشورة، قانوني أم لا؟

كان غالبية المحلّفين من السود، وطالبهم القاضي الأبيض أن يتجاوزوا اللون في تداولهم تفاصيل القضية للوصول إلى قرار دستوري، وأن يحتكموا لضميرهم الانساني وحس العدل فقط.

حتى الثلاثة البيض منهم، فهموا أن القاضي يخاطب فيهم التعاطف سلفاً في حين لا يحتكم الادعاء اليه ولا شهوده ولا ربما دفاع المتهم نفسه. لو كانوا من البيض ما طالبهم، وكانت اشارة غير قانونية بذلك، حفظت في سجل المحكمة.

تداولوا تفاصيل القضية التي امتدت أحداثها على مدار سنوات. الاستهداف مؤكد وصنعت المباحث لنفسها عدوا من العدم. كانوا يستطيعون حل الاشكال منذ بدايته لو أحالوه للشرطه، لكن النوايا المبيّتة، ربما لدى الطرفين، لم يستطيعوا تحديد البادئ بها بالضبط فالروايات منطقية متضاربة، عقّدت صراعا غريبا بالكاد تم اثباته من قبل الادعاء، وبالكاد دُفع من الدفاع.

بنى المتهم الماكر خطته الطويلة على اثبات التربّص من قبل الشرطة ومن ثم قلبه بأسوأ طريقة عليهم، كاشفاً خفايا للمخبرين، فاعلا أشياء لا يمكن تفسيرها ليس فيها تهمة وهو حتى لا يهتم بذلك.

لقد مات اثنان من الشرطة وكانا من البيض، عندما استعملا الملابسات اللحظية المفضية للشكوك واقتحما ساحته بكل ما فيها من تحذيرات وكلاب، فوقعا في بركة ماء جانبية مموهة لم يعرفوا كيف جهّزها سرّا، ولم يشر اليها في أي تحذير، مزودة بكهرباء ضغط مرتفع من مولد مستقل ومسامير فولاذية طويلة حادة في القاع شلتهما عن الحركة، فيما أجهزت التيار عليهما، كأنه نفذ حكم اعدام صريحا.

وقبل ذلك كانت هناك كمية من الشكاوى المركونة من ناحيته قدم نسخا عنها خزّنها عند صندوق أمانات لمحام، وبالمقابل ظهرت أوامر مراقبة متنوعة مرتجلة منهم، لأكثر من وكالة قانونية، لم تثِبت أياً من مبررات الحصول عليها.

ثم انتبه المحلفون لنقطة خطيرة جدا.. أنهم هم أنفسهم ليسوا آمنين، فوجوههم مكشوفة معروفة للجميع وقد يتعرض لهم كثيرون من الشرطة، والمخبرون والمتظاهرون أنفسهم ولا أحد يدري ماذا أخفى المتهم أيضاً.

بعضهم مهتم بالدفاع عن الحقوق المدنية وآخرون لديهم مشاريع تجارية والقسم الأخير لم يستطع التخلّص من الاحالة الاجبارية للتحليف، بسبب التغطية المالية.

القانون الحرفي يقف مع المتهم طالما الشكوك دائماً لصالحه، فطالما نبّه لوجود حمايات فهو ليس ملزماّ بكشف البركة. لكن البطش قد ينالهم من الشرطة والنظام الخفي الذي خلفهم. ولمحا اشارات تجسس على مداولاتهم تأتيهم من تنبيهات لموظفي الخدمة المشرفين على احتياجاتهم في معتزلهم المنعقد في جلسته الأخيرة منذ أسابيع..

كان ذلك تحديدا عندما صدرت طرفة في مفارقة أضحكت الجميع بصوت عال، أن الادعاء والاتّهام كلاهما يمتطيان الحمار ذاته، ولولا النتيجة التي ترتّب عليها موت شرطيين لم يعرفوا كيف يبررونه، لما وصلت القصة إلى المحكمة اطلاقا.

والحقيقة التي حاولوا اخفاءها من دون نجاح كبير، أن المتهم شفى صدورهم فذلك ميل الجميع من الناس ضد النظام خاصة السود، لكن عليهم أن يخرجوا بقرار قانوني ملتزم لا يورّطهم هم.

ثم قرروا أخيرا باجماع موحد الانسحاب من التحليف والامتناع عن اتخاذ قرار بأغلبية، وترك الأمر للقاضي أن يختار محلفين جددا. مشكلة نظام وليس مشكلتهم هم.

كان ذلك ما تلاه نيابةً عنهم الناطق باسمهم، أن القرار، أي قرار يتم أخذه، سينطوي بالضرورة على تعارضات مفسدة.

شحب وجه القاضي وهو يشاهد طلبه منهم قد ارتد عليه بعد خطبته اللا عنصرية والعادلة وخشي من أصداء تفسير ذلك في الصحافة، فيما راقب الحاضرون على مقاعدهم شيئاً يتنقل مثل شبح نهاري بين نوافذ القاعة والقاضي والمحلفين ويدور في خواطرهم ويتسلل للخارج، إلى الحشد المنزعج المنقسم فيه المتسلي يضيع الوقت، ينتظر الحكم.

قصائد متزامنة

 

قصائد متزامنة

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

لم أدر ماذا أصاب رجلاً لم أره في حياتي من قبل، ليقترب مني وأنا أشرب شايي في الحقل عصراً، أسفل المشمشة إلى جانب الشارع الترابي، ويقول بالتصاق وتوسل واقبال:

-         أنت فقط قصدك الجلوس في الخلاء..

تملّيته طويلا لأعرف من هو. نحيف، بملابس شبه جديدة، نحو الستين أو أكثر، وبرأس اصلع، في فمه فراغ أسنان مقتلعة.

كرّر:

-         انت فقط تحب الأغاني والقصائد..

-         مَن أنت؟

لم ادعه إلى شرب الشاي.

وذكر لي اسماً يُفترض أنه لحدّاء يتنقل بين المناسبات والمناطق في حفلات ودعوات. هل كان عليّ أن أعرفه؟

-         ماذا تريد؟

لم يرقه خطابي له. ربما قطعت عليه ارضية ما أو خلفية. قال وهو يبتعد متضايقا من صدّي له:

-         أنت فقط تحب الأغاني.. تذكّر، انت فقط تحب الأغاني والقصائد.

وليلتها في داري القديمة، بدأت أسمع أغاني. بعد مدّة عرفت انها له هو. تأتيني من المخدة الخشنة المحشية بالصوف والوبر. مرّ علي قليل له ولم آبه به كله أو قصائده أو أحفظها، فإذا بي اسمع مرغما أغاني كثيرة.

بحثت عن مصدر الصوت، ولم استطع تحديده. ما إن يعتلي رأسي المخدة حتى يبدأ ضجيجه في الازعاج المتواصل.

نقلت فراشي إلى الساحة وأخذت أنام هناك. كان الأمر أكثر راحة بكثير، على أن النجوم التي في السماء تخطفني مطولا وتتملك دهشتي بصفاء، قبل أن استسلم للنوم.

وفي الدار، الليلة التالية، يتكرر الموضوع.

وبدأت أتورط في فهم دلالات تتكرر لأبيات/ شطرات بعينها.. وأخرج للساحة لأتخلّص منها ليلا هناك. خطر لي أن أطلب معونة أحد. مختص أو عليم. وأجبرني على أن أسأل عنه أناساً بحذر، فتطوّع غير شخص ليجيب متحمساً، وكل منهم يومئ بشيء.. تعبير، نظرة أفعى، اختلاج.. أخطر.

كأنه يتوجب أن أركض لأحد من أجل حماية، ما.

ما هذا الهراء؟

لا علاقة لي بالقصائد والأغاني إلا حفظا، وحتى هذه تجاوزتها مع التقدم في العمر.

ثم تنبهت إلى أن الدورية زيتية اللون تقريبا، كلما خرج لي وتخلّصت منه في الساحة، كانت تمر. لا تفعل شيئا ولا تتوقف وتواصل طريقها، واذا ارادت يمكنها أن تطلب البطاقة من مارّ واوقفتني مرة وتفحصت البطاقة، واعادتها لي،

هذا طبعا ما لم يكن هناك في المنطقة مظاهرة أو شيء ما، فابتعد عن احتمال المصادفة.

ولكنها تزامنات عجيبة.

وفي الأشطار الأبيات المنغمة بطريقة أقرب للحن القول، تأتيني أفهام أعجب، مثل شعوذات تقول الشيء كلّه ولا شيء بعينه.

فلما خرجت يوما ووجدت الأصلع مارّا من الشارع المترب، قد سبقته الدورية بأمتار وصرت في مأمن منها، أمسكت أنا بتلابيبه. لا يمكنني محاسبته على ما اسمعه، ولكني استطيع سؤاله عما قاله لي:

-         ماذا كان غرضك من كلامك قبل شهور وقليل؟

كان أقصر مني قامة، وكأنه اعتاد هذه المواقف ولم يستغرب.

-         أردت أن أنبهك.

-         إلى ماذا؟

-         ... ... ...

وخزني خوف بسبب ترافقه مع الدورية وبدأت افتّش في نفسي عن شيء يوجبه. لم أخلص إلا إلى أنه هو ذاته قريب من بعضهم الذي على علاقة بمؤسسات المدينة وابغضهم متجنباً، ولا بد من اضماره/م السوء لي ووجدوا طريقة خفية لازعاجي في داري.

لو أراد احد تنبيهي لشيء، لفعل ذلك من خلال معارفي.

سؤالي ورّطني به، فقد أخذ يأتي يومياً على مدار اسابيع وينادي، كأن له حقا عندي!

فكرت كثيرا جدا. وحسبتها من نواح مختلفة.. مضت مخيلتي إلى أشياء متشظية. الدورية لا اهتم لها فمثلي مثل الناس، وأنا أبعد من أن يفكروا فيه اعتقالا أو أذى.

وجدت أن عليّ أن أتخلّص منه برجمه هو أو ضربه، إذا ما أتاني مرة أخرى متزامنا مع الدورية، بعد أن تتجاوز.

وثقت أسبابي واحتطت لما قد يقع من استنجاده ببغضاء المدينة أو حتى الدورية.

وفي المرة التالية كان.

السبت، 20 سبتمبر 2025

حين تغذّت القطط

 حين تغذّت القطط

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


تفرّق المناديب بزيّهم المدني داخل البلدة القديمة، وكانت هنالك دوريات محتشدة على المداخل، بينما أتت شاحنتان من شاحنات الفواكه.

هرع الباعة لتفريغ الشاحنتين. كانتا مليئتين بالبطيخ. تلصّص المندوبون على محتوياتهما وقرقعت أسلحة الدوريتين متحفّزة. ارتبك الباعة والعمال، وسارعوا للتفريغ. كانوا متوترين وهم يلقون بالحبات الكبيرة في الهواء ويتلقفونها ليصفّوها في صناديقها.

فجأة علا صوتٌ وهو يلقي ببطيخة:

-                     سبحان الله!

تلقفها آخر وهو يرد:

-                     استغفر الله!

صار الصوت جماعيا وأخاف المناديب وأصحاب الدوريات، فانضم اليهم الجزارون، تاركين مناضدهم الخشبية مليئة باللحم، مسبّحين مستغفرين.

وبينما كانت قطط متسللة تأكل على مهلها من جذوع المناضد؛ بقي صوت السوق مسبّحا ومستغفرا.

الجمعة، 19 سبتمبر 2025

شهود يهوة

 

شهود يهوة

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

كانت تنشر الغسيل على حبال الساحة. نقص عليها ملقطان فأخذت تفتش عن ملاقط سقطت على الأرض. وجذبتها حركة فرفعت رأسها. كانت امرأتان طويلتان ترتدي احداهما سروال جينز مع بلوزة، والأخرى فستانا. وكلتاهما حاسرتان. تبسّمت لهما واقتربت منهما، فتبسمتا لها. بادرتها ذات الفستان وذات الشعر البني، بلهجة أقرب للعربية الفصحى:

-         ممكن خمس دقائق من وقتك؟

تنبهت عندئذ لما تحملانه. حقيبة مكتب لذات الجينز، وأكثر من كتاب لذات الشعر البني. قد تكونان ممن يجمع التبرعات أو يملأن الاستمارات باستطلاعات وأسئلة فارغة. اختصرت الطريق:

-         لا أوافق على الاستمارات ولا أتبرع.

-         سنقدم لك كتابا مجاناً.. فقط خمس دقائق.

إنها لا تحب الكتب ولا تشتريها، ولكن إذا كان مجاناً فلن تخسر شيئاً. إذا لم يكن يستحق، استفادت من الأوراق بحشرها بين الصحون. كانت القطعتان في يدها، فنشرتهما دون ملاقط، بتوسيطهما على الحبل، وأدخلتهما. كان المنزل غير منظم.

-         العذر منكما.. كنت مشغولة.

-         يعطيك العافية.

-         نحن من شهود يهوة، نقوم بجولة للتعرّف على الناس.

وأخذت ذات الشعر البني في اعطاء فكرة عن شهود يهوة. كانت تعرف عنهم نشاطهم في أمريكا وكره الناس لهم لأنهم يلتصقون مثل القرادة. بالأمس فقط كانت تقرأ على الانترنت عن الطوائف والاناجيل المختلفة منها السرية كالانجيل الأسود. مقارنة الأديان أو المناظرات كانت تتابعها بشغف. وانبعثت في رأسها خواطر، فقالت تهدّد كأنّها تنبه:

-         الناس يخافون من هذه الأشياء. خلفها دائماً مصيبة ما. هل سمعتم بمعاذ؟

كان ابن شيخ اسقطوه، وأوشك على الانفضاح فجعلوه يعلن تنصره ليتسبب بحرج دائم لأبيه ورفاقه. التحييد هي المرحلة الأولى قبل القلب، وتتم بطرق مختلفة، سياسية ووظيفية وثقافية وأكاديمية ونفعية وشخصية. بمجرد التحييد، حتى لو لم ينتقل المُحيَّد إلى المرحلة التالية، يكون قد انتهى. أمّا إذا انقلب، فهو أسوأ من عدو.

أدارت ذات الجينز رأسها محتارة، بينما التقطت الأخرى الإشارة مباشرة:

-         لا، لا، نحن لا نتدخل في السياسة!

-         كيف وصلتم إلى هنا؟

لا بد أنه سمح لهم بالدخول وهم بالتالي أقرّوا الوضع الحالي، الاحتلال، إذا صدقت الكلام.

-         نحن في كل مكان، ولا نتدخل في السياسة. إذا اضطر من معنا لأن يكون في الجيش فهو يرفض الخدمة..

وحاولت أن تشرح لهما أنه ما من حياد. بمجرد القبول بالبقاء أو الخدمة حتى لو تم رفضها والتعرض للسجن، فيه انحياز.

ثم انشغلت بهاجس له علاقة بالانترنت.. أن تهتم بأمور ما وتستعمل الانترنت كمصادر للقراءة، ولا تجهل سهولة مراقبتها، ثم أن يأتيها من لها علاقة بالقراءات، هي المقيمة في أفقر بيت في الحارة، له مغزى.

-         هل ذهبتم إلى الجيران؟

-         بيتك أول بيت ندخله.

كما توقّعت. وانطلقت كلتاهما تتحدثان بتناوب عن شهود يهوة والاختلاف عن الطوائف الأخرى. كانت تتذكّر فقط حديث غير المسلمات اللواتي تعرفهن في المدينة، أنفسهن، عن شهود يهوة...

ذات الجينز متدربة أما ذات الفستان فهي محترفة، وعندما تنطلق تتحدث بلغة عربية سليمة، مع أنها ألمانية الأصل، كما أخبرت عن نفسها.

استماعها كان قلّة عقل، ولكنها لم تعرف كيف توقف الكلام، فاضطرت لتسأل عن نسخ الكتاب المقدس وعن التحديث الدوري ولغة المسيح، وهل هو كلام الله أو المسيح أم سيرة غيرية على لسان تلامذته.. وأين قال المسيح اعبدوني..استعانت بكل ما عرفته من الانترنت لمواجهتهما.

-         لديك فكرة جيدة. هناك اجتماع نناقش فيه هذه الأمور. إنه يوم الاثنين في المركز الثقافي الفرنسي.

شهود يهوة، وألمانية، ومركز ثقافي، وفوق ذلك فرنسي؟؟ هذه شبكة دولية متداخلة.

-         أتعلم بطريقتي.. هل تعرفون أحمد ديدات؟ تابعته طويلا.

ولمعت عين ذات الفستان وهزّت رأسها على شعور بالخطر. ذهبت لتجهز لهما الشاي. لم يبق حديث، واقتصر الكلام مع الشاي والبسكوت على أمور بعيدة عن الدين.

بعد الشاي، قدمت الألمانية ذات الفستان لها، نسخة من الكتاب المقدس قائلة:

-         الكتاب هدية.. نحن مختلفون عن بقية الطوائف، نعيش بحسب الكتاب المقدّس حرفياً.

انتهزت الفرصة وسألتها:

-         ماذا يقول الكتاب المقدس عن شعر المرأة؟؟

كانت كلتاهما حاسرتين! فطأطأتا رأسيهما معا وخرجتا.

لم تصبر بعد ذهابهما كثيراً. اتصلت بأبي معاذ نفسه، وأخبرته عن المركز الثقافي الذي يعقدون الاجتماعات فيه ووقت الاجتماع.

 

وأحسّت أنها أخطأت كثيراً باستقبالهما، لأن تنصير مسلمة صعب جداً، ناهيك عن أن تكون هي –المجلببة والملتزمة- مستهدفة. لقد كان الهدف قياس ردة فعلها تجاه بعضهم فقط، طالما أن مطالعاتها على الانترنت كانت بتلك الحدة.