نسختها في يافا
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
حين كنا في الروضة، أنا وميسون، كنا نتشاجر
كثيراً حول المقصود بكلام المِس، معلمة الفنون، ونحن نصغي ونشتغل على الديسك.
هي تفهمها بطريقة وأنا أفهمها بطريقة أخرى.
هي تدقق في الحرفية والشكل، وكنت أرى الغاية والقصد. فإذا أعطتنا المِس اوريت، العانس
الأوكرانية القادمة حديثا، عجينة الملتينة لنصنع منها مجسّم بقرة، كانت ميسون تحرص
على تفاصيل الأذنين والذيل والأطراف فتبرزهما بدقة مليئة بمزاجها الخاص في النسبة والتناسب فلا يخلو الأمر من تشويه كان طريفاً
يدفعني للضحك منها، بينما كنت اهتم بالقوة والإنجاب وتناسب الحجم مع الشكل.
ذات مرّة عجنت ميسون أطرافاً لحمار وحشي كانت
رفيعة أكثر مما يحتمل البدن، فاعوجت السيقان أسفل البطن، وطبعا لا الذيل ولا الأذن
ثبتا مكانهما.
بينما كانت تلكزني باستمرار أنني دفش يهمني
الحجم والبشاعة المتعمّدة، نظرا لاعتقادي حول الوظيفة، فعندي "الزرافة عبارة عن
رافعة خشبية مع عنق نعامة ورأس ديك"، ثم تخرج لسانها وتلوي بوزها، وتذهب لتتهامس
مع صاحباتها في مخزن الفنون، عليّ!
كبرنا وكبر خلافنا معنا إلى أن وصلنا كلية الفنون
الجميلة. اهتممت أنا بالفسيفساء والزخرفة والخط، واهتمت هي بالتشكيل والأداء ثلاثي
الأبعاد، في عالم الـ 3D.
آخر العهد بزمالتنا الطويلة أن تشاجرنا شجاراً
فظيعا شهدت عليه الجامعة، عربا وعجما، واستمرت تتلو تفاصيله لأسابيع وأشهر، مما جعلها
وجعلني في حالة عداء مستمرة تجاوزت، في المجمل، عشرين عاما.
منذها، كل ما يؤذيني منها أزخرفه وانحو به في
"ألحان" الخط أو قطع الفسيفساء، وتظل مكانها في أماكنها الفعلية عند أصحابها،
بعد أن التقط لها صوراً وأعرضها على موقعي.
لم أكن أؤذيها فعلا، إنما أردت أن أنهى العداء
هذا لأتمكن من مواصلة حياتي، وبحثت عن مناسبة لنتصافى.
لهذا فكانت زخرفاتي إطراء لها مع الملاحظة،
فكانت تستفز أكثر لما يصلها هذا من زميل أو زميلة من معارفها، ما يدفعها لمجسمات كاريكاتيرية
مضادة تتناول دائما شخصي وشكلي. ويعود الزميل أو الزميلة بوجه خائب يحسب نفسه بذل إصلاحا
(لم اطلبه منه)، فإذا به متحامل عليّ منحاز لها، يحسب أنني اقترفت شنيعة بحقها.
وكيلا أتورّط أنا، فقد بقيت صامتا لا انبس بحرف
أنشغل بنفسي واهتمامي فقط لا أتطرق إليها ولا أكلم أحدا عنها، غير عالم إذا ما كانت
تعبأ بزخرفاتي أصلا أم لا، وهذا الأمر الأول الذي كان يهمني.
وبدأت مجسّماتها تنضج وتتطور وبدأت أحسّ بوجود
رموز فيها، تتخلل السرعة في العرض والألوان وتعدد الزوايا.
آخر مجسمين كانا على الشكل التالي:
الأول: يشبهني وأنا أرصف أو أرمم أرضية مسجد،
لكن الوجه أكثر يناعة وفتوة بعقدٍ منّي ويلوّن أرضية حانة، إلى جانبه أنثى صاحبة شقراء
الشعر.
سرعان ما بريت براعتي ورددت عليها بفسيفساء
معلّقة تبرعت بها لمجلس البلدية أصوّرها بخطوطها الدقيقة وأحدهم -بخطوط أخرى- يملي
على ظلها ماذا يفعل، وما أكثرهم! (عرضت صورة فوتوغرافية على موقعي).
الحمدلله أنني انزويت جانبا، فلقد نبت لها معارف
-من كل اللغات- يروّجون مجسّماتها بتقارير تتكرر كثيرا في الأخبار والقليل منها فيه
إتقان، ويثرثرون بكلام لا تخصص فيه. كيف لا وهي أنثى بلبل في العبرية والانجليزية!!
مجسمها لم يصمد، فلقد قرأت في نشرة المجلة المختصة
أنها تراجعت عن عرضه وطلبته من مدير معرض لتتلفه. ومن ناحيتي حشرت نفسي بين من اطمئن
لهم في الزخرفة والخط وتباديل الأشكال الهندسية، ولو بقلّة في العرض والإصدار، كيلا
نتواجه في مكان أو تخصص مشترك.
الثاني: يشبهني كثيراً من حيث الملامح إنما
بصورة مضادة. مثل الأول، لكن مع مساحات لقاعات متاحف مفترضة وميادين موسيقية عامة،
ووجوه كثيرة كخلفية مشاهدين. يا الهي كم تفتنها الشهرة وتشغلها، ولو كانت صناعية كاذبة!
لم يكن في استطاعتي البوح لأحد ولا حتى لنفسي،
أنها تبادلني اهتمامي بقوة ليست أقل. فقط اختارت نسختها الخاصة منّي.
كلانا من قرى عكا، ولكن...
فقررت عدم الرد، ما دمت عرفت الجواب الأهم للسؤال
الثاني الذي شغلني منذ الروضة: هل أؤثر فيها أم لا؟
على أني نسيت الأولوية: هل كان يحق لي أن أؤثر
في أحد، أنثى تحديدا، ما دمت لا انتوي نية الرجل الشرعية نحو المرأة؟
مضت ثلاثون سنة وقليل، والثلاثون عاما المتبقية،
بحسب حديث متوسط العمر، الأجدر أن تكون نزيهة ومرتاحة البال خاصة في عكا المشغولة المرهقة
جداً، بعكس يافا المبتلعة، حيث صارت تقيم هي، وباسمها الفنّي مايس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق