الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

سفارج بعبوة مشبوهة

 سفارج بعبوة مشبوهة

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

ناوشني -كعنكب في رأسي- أمرٌ عاطفي جدا من بين مصائب تجنبتها، فعزمت على اهمال أي شيء، فلبست ما تيسر لي من أناقة،

طفت شوارع لم أتعرف إليها جيداً، ورأيت الكثير الكثير من النساء والفتيات اللواتي لسوء الحظ لا اتمكّن من استعادة ملامحهن لأصفهن في نص.

كنت عطشاً أحمل عبوة من الماء الذي لا يدفع المرارة، ولا أريد شراء ما يحلّي فيهي. عن بعد لمحت زجاجة تشبه قارورة خرجت من "ألف ليلة وليلة"، على فمها قدح حديث مقلوب من ورق مقوّى أصفر يرتد عنه ضوء الشارع، فيبدو بلون آخر أقل سطوعا.

ترددت في الاقتراب خشية الحرج وأنا في أناقة، فمكثت جانباً أرقبُ خلو الشارع -المبلّط تماما- من سيّارات قليلة حذرة ومارة متمهّلين. تشاغلت بحذائي أخلعه وارتديه أزيل ما تسلل إليه من حصى صغيرة، وألمّعه بورقي صحي والقليل من الماء الذي لديّ.

وأنا كذلك، هاج شبان وتصايحوا.

ابتعدت خوفاً ولكني بقيت أراقب، ثنية حذائي الأيسر الخلفية في كعبي.

بسرعة حضَرَت الاعلامية الأولى لتصور، وتبعها الثاني والثالث من قنوات منافسة في الاعلام. اقترب شرطة مشاة ودفعوا مَن تجمهر وتبادلوا الكلام:

(أ) لا تخافوا، هذا مشروب مسكر فقط..

(ب) لا مسكر ولا مهلوس.. لو سمحوا لي لشربت منه..

(ج) احذر من أن يكون جسما متفجرا سائلا.. ابتعدوا يا شباب.

دفع المنافس الثاني ركيزة كاميرا الاعلامية فكاد يوقعها لولا أن تلقفها لها بحركةٍ أعجبتني.

كانت الكاميرات الثلاث تصوّر، والناس في العطلة الرسمية يتجمعون ويتكاثرون على الفرجة.

لا بدّ أن أحدهم اتصل بـ "أولئك"، القابعين حول الأحياء القليلة المتكتلة في معسكرات وقواعد حديثة متأهبة موزّعة. فلقد خرجت طلقات في طريقها للاقتراب وبقي من الشرطة فرداً فقط، بينما اختفت دوريته وأخرى.

كنت بعيداً بما يكفي لأشهد لا مبالاة المتفرّجين على ما يحدث، مثلي، ولكنّ الكاميرات اضطرت للابتعاد معتمدة على "زومها" المقرّب المتمعّن.

الشرطي المتبقي تعرّفت عليه.. خرج في مشهد على تلفاز ذات خبر وكان يصلح "لهم" إطار الدورية التي تعطلت في مكان بعيد.

ببشاشة ذات حركات وبطء مصوت ودّي مرتفع النبرة، غامر ليثبت لهم أن الأمر لا يعدو  فلاحاً ترك شرابه من السوس إلى جانب الجدار؛ وليمنعهم أيضاً من اغلاق المحلات القليلة التي ابقت على ابوابها مشرّعة لزبائن قد يأتون، وليتلافى حظر التجوّل، ناهيك عن التعقيدات التقنية لفحص العبوة المشبوهة.

كان حريصاً بنبرات يتخللها مستوى من اللحن وأكثر، ولكنها مفهومة للواصلين ويستشعرها من يصله الصوت، أن يتكلم عالياً كأنه يصيح.

ثم أقنع الجنود أن يتوّلى بنفسه المهمة بدلاً منهم، فتراجعوا أمتاراً كثيرة وظلّوا يرقبون.

دفع الذين يشاهدون على بعد عشرين متراً، من المتكاثرين، وارتدى سترة واقية أخذها من الدورية العبرية، واقترب رويداً رويداً ثم رفع الزجاجة بحذر وتفحّصها.

أمالها على الجانبين، ابعد الكوب الورقي المقلوب، فتح القارورة، وصبّ لنفسه القليل..

شربه.

هتف بعدها متضاحكاً عربية أولا، ثم بالعبرية..

لما رآوه قد شرب ولم يحدث له شيء، اطمأنوا ونزلوا واقتربوا. بل إن المتفرّجين، مثلي،المتجنّبين بدورهم لمصائبهم، نسوا أي شيء واقتربوا ليعاينوا الزجاجة/القارورة، النادرة، ولربما طمعوا في شرب قدح منها.

دون أن أفهم أين كانوا وكيف ظهروا، اقترب مشاة الشرطة الفلسطينية.

صورت الاعلامية الرشيقة ذات الشعر الأصهب المنسدل اللقطة الطويلة بأريحية دافعةً، بمعونة الشرطة، مَن تطاول عليها قبل قليل، وكتّفوه بقماشة علم طويل وأخذوه جانباً.

أحضروا للجنود كؤوسا بلاستيكية وصبوا من الزجاجة التي كانت ممتلئة إلى الثلثين.

ضحكوا.. تراطنوا.. تسارعت الحركات. خاف الجمهور. وقعت كاميرا.. تبدّل الحال، فإذا بضابطهم يقول بعبرية سهلة:

-         زجاجة سفرجل لنا.. (أعرف الكلمتين المضافتين والثالثة، ولكني لا اريد التورط، بسبب ادّّعاءات أن الأشجار كالسفرجل، فقط وردت في العهد القديم).

ثم انقلبت الضحكات والمودات، واطلق الجندي الصغير من الدورية الثانية رصاصة في الهواء.

حمدت الله وأنا أهرب أنني لم اقترب من مشروب السفرجل وأن المرارة في الفم لا تحدث عن سوء عند الصبر عليها.

تسللت بين أزقة  البلدة الواقعة على شارع قديم لـ "سفر برلك" تركي يخترق في مساراته سفن ميناء أو متن قاطرة أو طرق شاحنات أو على ظهور الخيل.

(المدينة ابنة لخاطري، وسفارج جمع سفرجل)

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق