الاثنين، 24 ديسمبر 2018

الفلسفي في مشهد سينمائي


الفلسفي في مشهد سينمائي
ماجد عاطف

أحب العلوم وأكره الفلسفات والأيديولوجيات. أما العلوم التي أقصدها، فهي التطبيقية والشرعية (مع ما تستوجبه من لغة وحفظ وحديث وتفسير وفقه وتاريخ.. الخ). وليس لي إلا حظ قليل من الاثنين.
انتابتني لحظة لا جدوى من عالم الكتّاب والقرّاء والكتابات والاعلام، وشعرت بالبرد، فذهبت لأتفرج على التلفاز.
// //
سبق لي أن حضرت الفيلم السينمائي الذي يبث على MBC ACTION. اسمه Lucy.
كان المشهد الختامي: تستهلك البطلة كل ما لديها من مخدّر/عقار صناعي نادر، وتبدأ خلاياها بالاندماج وترتفع قدراتها العقلية لتصير فوق مادية بنسبة 100%، وتستطيع عندها التحلل من وجودها المادي لتتحد بالزمان والمكان والعودة للخلف لترى نشأة الكون، بحسب نظرية التطور والارتقاء، وافتراضات النظرية النسبية.
هل هو خيال علمي؟؟
أسوأ. فهاجس الانسان الذي يستشعر روح الله المنفوخة فيه منذ الخلق، أن يصير إلها. لهذا السبب فإنه يرى في نفسه الإله وعندما لا يستطيع فعل فعله ويستشعر عجزه، فإنه "يؤنسن" الاله ويعدّده إلى إلهة مؤنّثة ومذكرة، كما في ديانات وثنية أو اغريقية أو حتى جاهلية أو (تثليثية)، قد تكره وتحب وتخدع وتسرق وتندم وتمشي (كما هو وارد في العهد القديم بالمناسبة).. بالضبط كما يفعل البشر. إنه انحراف عقائدي عن أصل معرفي/ علمي منذ علم اللهُ "آدم الأسماء كلّها"، ومن دون مصدر لغوي يستحيل التسمية والتفكير والاشتقاق وإيجاد علاقات والتواصل والتدوين.. الخ. انحراف دائم تسبب بوجود 124.000 نبي ورسول لرد البشرية إلى صوابها، ولم تحفظ العقيدة إلا في القرآن الكريم فقط.
مشهد سينمائي سيهرب مخرجه إلى الخيال العلمي، لكنه في الحقيقة فلسفي بامتياز، وشديد المادية في فلسفته. فعندما تفقد كتابك المنزّل لا تستطيع فهم الكون والانسان والحياة إلا بفلسفة تتصورها، ولو كانت عاجزة عن تفسير الغيبيات كالروح التي هي "من أمر ربي"، أو لنسبية محدودة لا يمكنها الإحاطة بالمكان ولا التحكم بالزمان، ناهيك عن تفاصيلهما.
هذا هو الهاجس الدائم، الهرب من الموت والسيطرة على البيئة الظرفية. قد يطمع العلم النسبي في حل مشكلات لا يمكن حلها مع أي تقدم إلا بتحوّله إلى خالق، كالتحلل من الجسد والحلول/التوحّد مع الطبيعة بل والسيطرة الكاملة عليها، وهذا مستحيل.
وانتبهت إلى أصل الفكرة المنفّذة سينمائيا بمشاهد موظّفة وعن طريق امرأة يمكنها الانجاب والولادة لأنها أنثى (من هنا عبادة المرأة مثلا تأنيث الإله أو عبادة الفرج أو "والدة الإله"..). الأصل هو القول بـ (الحلول والاتحاد)، وهذا موجود في فلسفات مختلفة منها الحادية و"وصوفيات" شديدة التدّين (استعمل بعضها المخدر فعلا، أو يمارسون رقصات تفرز الاندروفين، هرمون السعادة في الدماغ) فيحسون بتجردهم من ماديتهم مشكلتهم/طموحهم/ وسيلتهم في كل الأحوال، وينتقلون في (مراحلهم الثلاث)، ويقدمون طروحات يصل الأمر بها إلى الزندقة.
نعم، يلتقي العلم النسبي مع ادّعاءات ايمانية هي نفسها وثنية (هل يختلف "السحر الأسود" عن طقوس الصوفيين؟)، وكلها كفر لأن العلم يتحوّل إلى (صنم معبود) يختلط مع عبادة النفس المستشعرة لروحانية فيها، فلماذا لا تعبد الله سبحانه وتعالى، مباشرة؟ لو كان عندي أحد لاضطررت إلى توضيح أبعاد المشهد أو الفيلم السينمائي له.
الشيء الذي لا يعرفه كثيرون، أن العلوم رغم طبيعتها المستقلة عن الاعتقاد والفلسفات، فالموجود السائد منها يرتد دائما إلى أصل فلسفي عن قصد ويستعمل ضد الدين، الاسلام تحديداً، وأن هناك علوما تطبيقية ذات منشأ شرعي متاحة للجميع منذ الخلق، لحظة التعلم. خذوا مثلا انتقال عرش بلقيس قبل "أن يرتد إليك طرفك" وهو من "علم الكتاب"، لكن لا يمكن الوصول إلى تلك العلوم من دون منهجية سليمة، تفسر عشرات العلوم التي أوجدها مسلمون، ناهيك عن علوم اندثرت مع حضارتها كالتي توفرت عند الفراعنة وشعوب الانك وغيرهما، وهي غير موجودة الآن.
المعرفة والعلوم أداة نسبية وفي أصلها ربّانية، وما لدينا الآن هو انحرافات متطورة عبر التاريخ المتقطع المتناثر في تدوينه، فقط، وبالطبع لا يمكن عبادته مهما تطور. عند الملحدين ينسبون نشأة الكون ونشوء الفصائل وخلق الانسان، كما في تبني هذا الفيلم بالمناسبة عبر مشاهد صريحة وصلت بعد عرض القرد/ الانسان الأول إلى تصوير (الانفجار) الكوني، إلى الصدفة، وهم كما يكرر الشيخ بسّام جرار كثيرا، اختاروا عبادتها دون التزام حياتي من أي نوع. بعلمهم الحالي، إنهم يعبدون أنفسهم وما يلذ لهم فقط.

جيش الثقافة المضادة


جيش الثقافة المضادة
ماجد عاطف
أحد الكتّاب من الداخل فلسطين المحتلة العام 48، طرح نفسه مقاوما وأثار ضجّة كبيرة مجتمعية وإعلامية عندما تعرّض للإقامة الجبرية في المنزل ومن ثم لعدة شهور من الاعتقال الفعلي الذي لا نعرف حيثياته. والسبب محاولات شعرية له، لم استطع تحمل أكثر من دقائق من سذاجتها الانشائية، مع صور للتظاهرات والشهداء وعاطفية مفتعلة، في الفيديو الذي نشره
بعيدا عن التقييم الفني، وأنا هنا شديد التشدد، فعاطفة أي انسان (وطنية) مشكورة له.. شخصيا عندي فهمي وتصوري، ومن ذلك أنني أتعامل مع مفهوم الوطنية، كعلاقة مع المكان ومجتمعه تقوم على أسس عقائدية، وليس كعلمانية تتعدد مفاهيمها في الممارسات المختلفة إلى درجة التناقض، كما في الممارسة السياسية والاجتماعية.
أحبّ الداخل لأسباب عامة وخاصة، لكني على وعي بمشكلاته وتناقضاته. التقيت في الأقصى بأستاذ محترم من الجليل، كما التقيت بشبان من بئر السبع، وكم سعدت بهم وأنفقت ساعات في الحديث، مع أنني لا اتقن التواصل والدردشات.
الكاتب الشاعر السابق عاطفته الوطنية محمودة، وعندما تابعته على الانترنت وجدت أنه يشارك في نشاط مسرحي مع (تقدميين يهود) دافعوا عن حقّه في التعبير عن فلسطينيته. وأعرف الموقف الفعلي من (الاختلاط القومي) حتى مع (التقدميين). لا يوجد من يعرفهم جيدا كما عزمي بشارة، فاستنطقوا موقفه بعد أن (اعتدل) وجرّبهم حزبيا وعضو كنيست. ودون مواربة، أعرف موقف اليسار واليمين الفعليين عند فلسطيني 48 من الاحتلال، وهم (حركة أبناء البلد) والحركة الإسلامية الشمالية، وذلك بسبب الانشقاق الذي حصل، وإلا فإنه موقف موحّد شامل لم يشذ عنه إلا (الشيوعيين) الذين يرجع تأسيس حزبهم (المختلط) إلى 1918 بعيد الانتداب البريطاني ووعد بلفور وتعهد آل سلول في الحجاز بأن تكون فلسطين للمساكين اليهود، ولم تكن وقتها لا محارق ولا (هولوكست(
ناقشت الكاتب وحاول أن ينوّرني بالفوارق (بينهم). أيضا لا أنكر وجود فوارق جزئية، لكنهم متفقون جميعا علينا وفي الممارسة الحربية كان يسارهم اشد بطشا وحروبا واحتلالا من يمينهم، ناهيك عن وجودهم على أرض غيرهم. لما ذكّرت للكاتب (حركة أبناء البلد) (والحركة الإسلامية) سكت ولم يجد ما يقوله لي. عندها أدركت أنه ركب الموجة لا أكثر ولا أقل، وكانت (مقاومته الشعرية) في أحسن الأحوال اندفاعا ودفع ثمنه وتاب عنه وأكّد عكسه.
الآن الوضع أسوأ نظرا لوجود دول عربية مطبّعة وموقّعه على معاهدات سلام واتصالات مع دول تدّعي العكس ووجود أحزاب عربية تشارك في الانتخابات. ولا خيار حياتيا أمام أهلنا في الداخل إلا المحافظة على البقاء الذي قد يدفعهم للعمل و(الاختلاط) والدفاع عن حقوقهم.. لكن كل ما سبق شيء، والتحوّل إلى جسر ثقافي، رأس حربة معاكسة، يتوجهان للعرب والمسلمين، شيء آخر، وهو ما يحدث في الأنشطة الثقافية والأدبية حاليا
وعلى مستوى حياتي أصغر، فأنا ألحظ انتقالا ديموغرافيا جزئيا من الداخل ومناطق القدس لأسباب متعلقة إما بالوظيفة والتجارة أو الزواج، للسكن في منطقة رام الله، في حين العكس غير مسموح على الاطلاق، كمقدمة للتبادل المعلن أو غير المعلن أو ما هو أسوأ، التهجير. كما أن من كتّاب فلسطيني الـ48 من يستقر في بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ليكونوا على (تواصل) مباشر مع (الكتّاب) العرب، وليمثّلوا (الفلسطيني) المرغوب والمقبول في المشهد الاعلامي/الأدبي العربي، كنموذج يتم احتذاؤه، خاصة في تسريب المفاهيم، وهذا يفسر وصول بعضهم لقوائم قصيرة أو الحصول على جوائز معينة. إنهم نسخة فلسطينية من افيخاي ادرعي، لكن في جيش الأدب السرّي المهجّنة مورثاته/ طروحاته أو عن قصد.
أما حال (الأقليات) الأخرى، فهي أسوأ.. ليس أقلها أن منهم من يخدمون عسكريا وكثيرون يستعدون للخدمة المدنية، وهي شرائح مرتبطة بالكامل، وظيفيا وثقافيا واجتماعيا وحتى في علاقات (شخصية) أي جنسية، مع الاحتلال، ودون أن ينالوا حتى مساواة شكلية. أحد المواقع الأدبية أعلنها صراحة: نحن متجنّدون وليس مجندين، في خدمة ما يعتقد أنه ثقافة وأدب.
باختصار، لا يكفي الادعاء الوطني والتبريري ومحض الانتساب الفلسطيني، للنظر إلى الداخل والتعاطف معهم، بل يجب التدقيق الشديد. الاستعمال السياسي المضاد لكل الأدباء المقيمين في الداخل، كان وبالا على القضية الفلسطينية والعرب، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وبروز الحركات الإسلامية والجماعات.
المتقاطرون من الأدباء العرب إلى حيفا مثلا، فليعلموا أن من الناس العاديين الفلسطينيين المقيمين في رام الله أو نابلس من لا يستطيعون الوصول حتى إلى القدس، في حين سمح لهم بأكثر...

الأربعاء، 19 ديسمبر 2018

ذو العطر الفرنسي


ذو العطر الفرنسي
قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 (1)
من شدة التعب لم ينم بعد عودته من عمله فجراً، وغفا قبل الظهر بساعتين أو ثلاث. استيقظ بعد الاقامة بربع ساعة. كان عليه أن يصلي في مسجد المدينة مع مَن تأخر مثله، لأنها الصلاة الوحيدة التي يمكنه حضورها. وعليه أيضاً أن يتدبّر أموره الأخرى، يزور الطبيب وغالبا سيصلي هناك، ويشتري طعامه.
توضأ وخرج بالكاد منع نفسه من الهرولة. كان ثمة مصلين جالسين، ولمّا اقترب منهم سلّم الإمام وسلّموا.
صلّى التحية والقبلية وانتظر وحده. أخيراً جاء من المتوضأ شاب في الثلاثين، صاحب لحية طويلة. أخبره أنّه سينتظر فراغه من السنة ليصليا معاً. تردد الشاب وهمَّ بقول شيء ثم سكت.
كانت أبطأ صلاة شاهدها في حياته لمصل، وندم على أنه ربط نفسه به. اعتقد عند سجوده الطويل أن شيئاً حصل معه وربما مات، وعند كل لحظة كان سينهض فيها ليتفحّصه عن قُرب، كان الشاب يأتي بحركة. لو كان يعلم عن بطئه هذا، لاستغل الوقت الملحّ في شراء حاجياته لعمل الليلة.
إنّه مرهق. لم ينم إلا قليلا، والعمل (عندهم) مرهق جداً وطويل لا يترك وقتاً إلا للنوم ومسافة الوصول، لكن لا خيار أمامه. إمّا هذا أو البطالة أو الأجر المتدني جداً الذي يذهب نصفه مع المواصلات. ولمّا كانوا هم مستفيدين على كل الأحوال، بيعا وشراءً ومواد جاهزة أو خاما، من اصحاب العمل المحليين أو سماسرة السلطة، آثر العمل عندهم.
ستكون الأجرة أعلى بثلاث مرات. سيفقد مع المواصلات وسمسرة المتعهد العربي وحاجياته الثلث، فيتبقى له الثلثان.
أخيراً فرغ الشاب ودعاه بوجهه ليصلي وافسح له ليكون الإمام. فكّر، لئن كانت صلاته بهذا الطول فإنه سيحتاج إلى نصف ساعة! لكنه حسم الأمر ورفض بهزة رأس. لا يحفظ إلا قصار السور، والشاب أولى مع أنه أصغر.
(2)
وصل المعبر الذي لا يسمح بمرور إلا من هويته من الفلسطينيين زرقاء أو العمال أو حملة التصاريح. عند البوابات الالكترونية، أي المرحلة الثانية، أعاقوه. انطلق صوت الانذار فانغلقت كل البوابات الالكترونية. علق من علق داخل المزالج، وعادت الأشرطة إلى الخلف فوقعت الحاجيات على الأرض، وتبعثرت قطع نقدية، وتحطّمت جوالات.
من حسن حظه أن جواله لم ينكسر وانطفأ فحسب. سيتأخر الآن، ما من شك. وسيخصم اليهودي ثلاث ساعات عن تأخّره لساعة واحدة.
كان غارقا في كآبة الخصم المنتظر، حين انتبه لتمتمة الرجلين اللذين معه. نظر إليهم متسائلا، فلم يقولا له شيئاً، بل شتم أحدهم شخصا ما بكلمة بذيئة، وضحك الآخر.
لم يفهم السبب، إلا عندما لمح على الأرض قطعا بلاستيكية مغلّفة ودائرية. عندما تمعّن فيها رأى أنها واقيات ذكرية. كانت من ضمن الحاجيات التي سقطت عن الأشرطة العائدة للخلف. تحفّظ وعزل نفسه. لا علاقة له بالأمر وقد تكون الواقيات من لجان تنظيم النسل.
قدمها للشخص الضاحك حاسباً أنها له، فرفع كفّيه متراجعاً:
-         أعوذ بالله، ليست لي!
قدمها للرجل الشاتم، فقال مشيراً بيده:
-         إنها للمـ.... المحتجز في المزالج!
نظر فإذا به شاب قصير الشعر، مهندم، حليق الوجه، وبشرة وجهه شديدة البياض. كان يطأطئ رأسه خجلاً ويضع وجهه في الأرض.
اقترب منه واعطاها له، فتسلّمها الآخر بعينين منخفضتين.
ثم صدر صوت الموظفة بعربية مكسرة منبّهة العالقين أنها ستشغّل المزالج فليستعدوا للعودة إلى الخلف.
وعاد العالقون وانضموا للآخرين، وطُلب من الجميع النظر إلى كاميرات غرف الانتظار. وقف الحليق الشاب إلى جانبه، وعطر نافذ فواح ينبعث منه.. لم يجهل نوع العطر!
صارت الأرض المقدّسة محرّمة إلا على العجائز والعمال الأذلاء والداعرين واضعي العطر الفرنسي المثير! أشاح بوجهه عنه.
وسأله الضاحك الشابَ المنزوي يحاول أن يسخر منه أو يفتح حديثا:
-         كم تأخذ منك؟
-         ...
-         أهي روسية أم يهودية؟؟
ولمّا لم يرد تمادى واقترب واضعاً كفّه على كتف الشاب. استنفر الأخير وتحرك بشكل دفاعي ورفع الكفّ عن كتفه. حينها  عرفه..
لقد كان مَن أمّ به في الصلاة!
وكاد شجار ينشب، لولا أن انبعث صوت الجندية من السماعة مجدداً، ينبّه الجميع أن يستعدوا للتحرك.
(3)
لقد صُدم صدمة كبرى.. خاشعٌ في صلاة الظهر طويلُ اللحية، وبعد العصر يحمل معه واقيات في طريقه لـ.. أو امرأة ما!
وهمّ بقول شيء لائم شاتم لكن شيئاً آخر تقلقل فيه، فأخذ يحاول فهمه.. لقد كان يطيل الصلاة عن شعور بالذنب إذاً؟؟ هل هذا سرّ خشوعك؟؟
عندما التقت اعينهما تناقلت معان خفية شديدة الجدّية وليست متّضحة. يكاد الشاب يقول شيئا بصمته البارد.
عندئذ أحسّ بالذعر وتمالك نفسه!
(4)
بمجرد أن تجاوز المزالج الدوّارة الأخيرة وابتعد عن الكاميرات التي ترصد كل شيء، ثقب جيب بنطاله بمفتاح بيته وأخذ يوقع عن عمد نقوده. لحسن الحظ كانت كلها معدنية. بعثرها على مسافة مئة متر وتمنى ألا ينبهه أحد إليها. إن صوّرت الكاميرا عند التفتيش قطعه النقدية أو التقطتها آلة الأشعة، سيكون الثقب مبررا لفقدانها.
لمّا وصل السيارات تشاغل باستخراج ماله والدهشة. ثم بدأ يطوف على سوّاقي السيارات والحافلات أن ينقلوه معهم وسيدفع لهم في المرة القادمة. لم يقبل أحد. وكان ذلك كل ما يحتاج إليه.
اتّصل بالمتعهّد العربي، السمسار الذي يشبه السلطة، وأخبره أنه أضاع نقوده ولا أحد يقبل بإيصاله. طلب منه المتعهد أن ينتظر، ثم سمع على الطرف الآخر صوت اليهودي:
-         ما بتيجي اليوم بتروخ تلات أيام. غيب كمان مرة بروخ التصريخ.
وعاد إلى بيته مشياً على الأقدام. عجز عن النوم أو التفكير أو الأكل أو قول شيء لأحد، وتظاهر بالنوم.
بعد صلاة المغرب بثّت الفضائيات الخبر العاجل. على مقعده أمام التلفاز تكوّر كقنفذ على السرّ الذي اطلع عليه. كانوا يبثون صورة الشاب لكن مع لحية. وبسبب التحفّظ والصدمة، أحسّ أن سجوده أو جلوسه في صلاة العشاء أطول كثيراً مما اختبرهما من قبل. الآن سيحققون وربما لحقه شيء. الذي شغله كثيراً ونام على وقعه، هو أنه يستطيع أن يبرر كل شيء أمامهم، أولئك، لكن ماذا عن هؤلاء، أصحاب الكاميرا التي تراقب المسجد ومصليه، والتي صورت الشاب وهو يؤم به؟


السبت، 15 ديسمبر 2018

ايدز



ايدز..
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
بعد أن لم يعاود الاتّصال بالجماعة ولا هو طلب مني شيئا، إلى أن سألته وجها لوجه في المقهى حيث التقينا؛ ردَّ بكلمتين قليلتين:
-         لا تناسبني..
... ... ...
مرّ صمت طويل، وكنت أنتظر مجيء النادل بالقهوة لأطرح عليه السؤال:
-         كيف تركتها تفلت من بين يديك؟؟
شعر بالحرج فشرب الماء. ارتشف رشفة من القهوة ونظر حوله. كان رواد المقهى مشغولين بطاولاتهم ومحدّثيهم ولا أحد يأبه لآخر.
قال بصوت منخفض:
-         خشيت من الإيدز..
الايدز؟! هل هو مجنون؟ هل يشكك بعفة شابة حاملة لشهادة جامعية عليا ومثقفة وحسنة الخلق والسيرة وأنا نفسي أعرفها؟
-         لم اسمعك..؟
-         أخاف من الإيدز..
كان جادا في كلامه. تأمّلته: هل هو مجنون؟ لا يعقل أن شيئا حصل بينه وبين الفتاة التي تكون "سلفتي"، شقيقة زوجتي، وأعرفها منذ عشر سنوات، أو أنه عرف عنها ما يقتضي اصابتها بالإيدز.
-         ماذا حصل؟
-         لا شيء..
-         ما هذا.. موضوع الإيدز؟
أنهى قهوته في حين لم أمسّها أنا، من الذهول.
أخذ يسرد حكاية بسيطة، عجيبة في مخيالها. عن جلوسه معها بين أسرتها ومناقشته لها في الحجاب. كانت تقول أنها مسلمة وتصوم وتصلي، ولكنها غير مقتنعة بالحجاب الذي لا ترتديه. ناقشها في البداية ثم أدرك أنها لا تريد أن ترتديه، فحسب. ولأن الأمر عنده بديهي واضح لا يحتاج إلى نقاش، ولأن الانسان إذا احتكم أولا لنفسه وقناعته؛ انفصلت أخلاقه عن مرجعها الديني وصارت متقلّبة متعلّقة بعقله هو فقط، فإن تغير أحواله يسمح بتغيّر أخلاقه كلّياً. 
وهو لا يحتاج إلى امرأة يظل يترقب حركتها القادمة وضرورة اقناعها في كل تفصيل. حياته ستصبح حينئذ جحيما من المخاوف والمحاذير والرعب. اليوم رمت جانبا بكلام الله، ومن السهل عليها في الغد أن ترميه هو كلّه، وليس كلامه فقط.
ماذا إذا مرّت في فترة زوجية مملة، كما يمكن أن يحدث في أي زواج، وشعرت أن حاجتها للاهتمام من قبل رجل أو رجال تدفعها لبناء علاقة ما، في زمن افتراضي سهل التواصل والاختلاط؟
العادات لا قيمة لها في الخفاء ومن السهل تجاوزها. ستبرر لنفسها أي شيء تريده لمحض هوى أو مشكلة. عندها ليس فقط يمكن أن تنقل إليه عدوى محتملة، بل وتقتله أيضاً عن سابق ترصّد وقرار. "لقد أصيبت بوباء العصر، وجعلت نفسها حكما"، ردّد. "الأخلاق من دون دين متقلّبة متبدّلة، والعادات وحدها لا قيمة لها في الخفاء. أما القوانين فقد اخترقوها وبدّلوها، وهي لا يمكن أن تسعف الرجل".
اختصر حديثه بكلامه المتكرر:
-         أخاف من الايدز يا رجل!
لم يتح لي أي نقاش، لا حول الحجاب، ولا إقناعه أن التقصير في جانب عن طيشٍ نسائي في الغالب، لا يعني السوء الكلّي. أن يستشعرن أنفسهن وجمالهن، ببساطة، ميل عند جميع النساء. بمجرد أن سمع كلماتي الأولى وعرف غايتها، نهض ووضع ثمن الفنجانين على الطاولة وخرج من المقهى يتمتم بنبرة مرعوبة، كفاه على رأسه، كأنه يعني أكثر من مغزى:
-         ايدز.. ايدز..
واحترت كيف أنقل أسبابه المجنونة لزوجتي التي ينبغي عليها أن تنقلها لشقيقتها المنتظرة.

انتقام أبله


انتقام أبله
قصة قصيرة/ ماجد عاطف

لمحه من النافذة يدخل الطريق المؤدي لساحة البيت. كان شابا أصم في الثلاثينيات على شيء من البلاهة والتبسّم. خرج إليه ليشعره بوجوده فلا يتطاول على البيت. لمّا وجده ينظر إلى الشارع الرئيس حيث تراكم طابور من السيّارات أوقفته دورية، فهم ما يريده الشاب. المراقبة والاستطلاع.
تركه بعد اشعارٍ بوجوده وعاد لمشاغله في الداخل. يحدث هذا، أن يستعمل الناس ساحة بيته المطلة من أعلى الجبل، لمراقبة الشارع الرئيس.
بعد ربع ساعة، دقّ الباب بعنف. خشي من تبعية المراقبة من الساحة، وأن تكون قد جلبت الشبهات إليه، من ثم اقتحام الجنود. نهض مذعورا وهتف:
-         مَن؟
لم يرد عليه أحد. لمّا فتح الباب وجده هو، الأصم الأبله يتبسّم له واقفا ينتظر.
سأله بالإشارة ماذا يريد، فازداد تبسّما.. حزر أنه يريد أن يتضيّف، الشاي والقهوة وود الاستقبال والدخول إلى الصالون، كما يفعل أهل القرية مع الضيوف. لم يكن لديه شيء يمكن تقديمه له، لا شاي ولا قهوة، ناهيك أن يتورّط في استقبال دائم لأبله لا غرض له. ردّ الباب خلفه وهو يكلّمه بالإشارة، ألا يقف في الساحة وأن يخرج من حدود البيت.
تجاهله تماما الأصم.
بعد برهات أدرك أن عليه أن يخرجه قسرا. دفعه برفق نحو الطريق، وأحاطه بكفّيه حين حاول التهرب. بعد محاولات، استسلم الشاب الأصم، ومضى متبسّما، يلتفت كل خطوات إلى الخلف، إليه.
في صباح اليوم التالي، حين استيقظ، وجد الساحة مغمورة بالماء المتدفق من الصنبور. لقد عاد وانتقم منه. حتى الأبله، يطالب بالاحترام. الآن سيكلّفه مبلغا ضخما في فاتورة الماء القادمة، قد لا يستطيع دفعها.

الاثنين، 10 ديسمبر 2018

من دوافع الكتابة

من دوافع الكتابة:
((وحكى الأصمعي عن ابن أبي طرفة: كفاك من الشعراء أربعة: زهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب، وعنترة إذا كلب، وزاد قوم: وجرير إذا غضب)).
ما يهمّني من الاقتباس ليس شخوص الشعراء، إنما دوافعهم الأدبية المشار إليها والتي تطال الأدب الحديث:
- الرغبة، على اتساع معانيها. اثبات النفس والرغبة الجنسية والحضور الإعلامي والنفعي. أظنها ما يحرّك مطامع أدباء السلطة والنقاد أيضا. يمكنها أن تفسر المدرسة الرومانسية بأكملها أو الأدب الايروسي.
- الرهبة، النفسية والشخصية والاجتماعية، والتي يمكنها مثلا أن تشمل الإحباط والتصعيد والترميز الفنّي، ولا تخلو من غرض الحكمة وابداع أشكال فنية جديدة، كما في الأدب الرمزي والوجودي.
- الطرب. الفن لذاته، الاستمتاع بالايقاع واللغة والجمالية المرتبطة بحالة الأديب. وهنا يحتشد أدباء كثيرون دون مدرسة بعينها أو مدارس مختلطة من السريالية والشكلية ومدارس حداثية.. الخ.
- الكلبية. التمرد والشعور بالنقص والهامشية. شعر الصعاليك مثلا وأعمال أدبية حديثة كثيرة.
- الغضب، الموقف الثوري المحرّك الراغب في التغيير، والرفض، والهجاء والتعرية. الأدب الواقعي والواقعية الاشتراكية والواقعية الجديدة.

الجمعة، 7 ديسمبر 2018

احتياطي غاز


احتياطي غاز!
قصة قصيرة/ ماجد عاطف

بعد تجميع صحون الغداء، تبعته خطيبته إلى المطبخ وتركت والديها في الصالون. أشعل الغاز ووضع القهوة على النار. انتبهت إلى أنابيب الغاز التي تأتي من الخارج. سألته لتخلق حديثاً ودّيا:
-         تضع جرة الغاز في الخارج.. ألا تخاف من سرقتها؟؟
-         لا.
-         وضعت لها صندوقا بقفل؟
-         لا.
لم تكن لديه جرّة للغاز. حوّل الحفرة الامتصاصية، جورة المجاري، إلى مفاعل حيوي. تمكث مخلفّات المرحاض في الحفرة المحكمة عدة أسابيع دون أوكسجين، وتتحلل المخلّفات مصدرة غاز الميثان المتصاعد إلى السقف الاسمنتي المحكم للحفرة الامتصاصية، ومن هناك تتجمع في خزّان تحت الأرض، ثم إلى المطبخ عبر أنابيب. كان لديه احتياطي دائم من غاز الطهي.
كانت تنتظر جوابه بعينين متسائلتين. حدق في الوجه الصبوح والعدستين الُبنيّتين. لو أخبرها، لرفضت شرب القهوة! ستستفسر أكثر لا بد، وستفهم أن تصريف السائل المتخلف عبر محبس في الأرض السفلية، كل عدة أسابيع، سيقع على عاتقها، وعندها لن تظل بعقلها! لن تفهم أن المكرهة زالت منه، وأنه مجرد سماد.
-         بعد أن نتزوّج أخبرك.
كان جوابا غريبا بالنظر إلى أنه ليس سرّا. سكتت محرجة، خاصة أن نية الحديث الودي لم تنجح.
حمل القهوة إلى حمويه المنتظرين، والديها. لسوء حظه وقعت بين يدي حماه فاتورة كهرباء كانت موضوعة على المنضدة الجانبية، لم يدفعها. انتبه الحمو إلى المبلغ المطلوب القليل جدا، أجرة العداد فقط، فاستغرب واستفسر، حريصاً على رفاهية ابنته في المستقبل، عن الغسّالة والمجلى والفرن.
شرح لهما أن الكهرباء تصله، ولكنه يستعمل الألواح الشمسية لتوليد الكهرباء وتخزينها. لا مجلى ولا فرن كهربائيان. لم يقل هذا، ولكنه كان مفهوماً عندما أشار إلى أن الغسالة لديه جديدة. في الحقيقة لا يستعملها. ملابسه الناعمة يفركها باليد، أمّا التي تحتمل الجهد، فينقعها مع مسحوق الغسيل في اللجن الواسع، ثم يطأها بقدميه العاريتين ربع ساعة، وهوب.. تصبح نظيفة بعد الشطف والتجفيف!
-         كم تستهلك من الماء؟
صار تحقيقا!
لا يصله ماء الشركة، وهو لا يدفع فاتورة. البئر كبير ووضع عليه "ماتورا" يرفع الماء إلى السطح، وهو يكفيه طوال الشتاء. طمأنهما إلى وجود الحمام الشمسي والخزّان. قال هذا بتحفّظ أقرب للغضب.
امتدحت حماته هذه الحياة الأصيلة، كما كانوا في الماضي يعيشون. كانت تجامله فقط، فلا يظن أنها راضية حقا هي المدينية التي لولا عيشه في أوروبا، لاعتبرته قرويا وتعالت عليه. لم يعد يتعب نفسه في أراء الآخرين، وهذا تعلّمه من غربته، قبل أن يعود إلى قريته البسيطة. أن يتدبر أموره، حتى لو لم تقنع غيره.
تبعته الخطيبة ثانية إلى المطبخ وهو يعود بالفناجين. يبدو أنها فهمت شيئا.. تبسّمت له كما تفعّل أنثى بيتت نية ما، وسألته:
-         والغاز؟!
تحمل شهادة جامعية مع أنها لا تعمل، ولا بد أن دروس كيمياء قد مرّت عليها، ولديها أفكار لا حاجة الآن بتأكيدها أو نفيها. سيتركها تختبر الأمور عمليا.
-         بعد الزواج.. بعد الزواج. المهم أن الغاز متوفر وهو يعمل.
وليؤكد كلامه أو يحرف انتباهها، أشعل لها العين المستديرة. لم تستنتج شيئا من الشعلة خفيفة الزرقة، القوية. من ناحيته، كان يفكّر أنهما الآن سيصبحان اثنين، وفي المستقبل -عند مجيء الأطفال- أكثر، وستكثر بالتالي المخلّفات. ومع النفايات المنزلية القابلة للتحلل والفرم، سيصير لديه احتياطي من الغاز يصدّر منه إلى الجيران، كما يحدث أحيانا مع شركة الكهرباء!! المشكلة فقط في السائل المتبقي، أشبه بالسماد العضوي، المحتاج إلى تصريف، والذي يوضع على عروق الأشجار، ثم يُطمر.
كانت تنظر إليه بدهشة ممتلئة بالاستغراب، حادسة، ربما، ما ينتظرها..

الخميس، 6 ديسمبر 2018

في تصنيف القرّاء


لا أنشر كل شيء، فما يصلح لمواقع التواصل قد لا يصلح للنشر الأدبي، وما يصلح للنشر الأدبي، قد لا يصلح لمواقع التواصل. لكن لأهمية هذه الكلمات رأيت أن اثبتها هنا في المدونة، بشكل دائم، كمقالة صغيرة؛ تنضاف لمقالة قديمة طويلة، كنت اثبتها هنا أيضا، بعنوان "نظرات في هيكلية الأدب الفلسطيني"
(في تصنيف القرّاء)

1. القارئ الجاهل. قد لا يهتم بالأدب ولكنه إذا فهم شيئا منه، انبهر به تلقائيا. يكتفي بنفسه وما يفهمه. (كثير من الجمهور هكذا).
2.  القارئ المتعلم يستطيع أن يقرأ ويفهم الأدب، ويمكنه أن يحسّ بتميّزه على قدر ثقافته، التي تكون في الغالب مقتصرة على تعليمة. وإذا كتب المتعلم شيئا ونجح في اللغة، فغالبا لن يستطيع قول شيء جديد ذي معنى إلا إذا كان، على سبيل الاحتمال النظري، تجربة فعلية أصيلة.. (عمدة الجمهور الحالي).
3.  القارئ المتعلم الكاتب، يمكنه أن يميز المقروء وقيمته، لكن تبعا لما هو سائد من ثقافة وأفكار وأجواء اعلامية.ويحسب نفسه مثقفاً، وإذا كتب، فمن النادر جداً أن يقدم إضافة ما لتاريخ الأدب، إنما مجرد تكرار وتقليد للمفاهيم والأفكار والموضوعات. غالبية الكتّاب الحاليين هكذا. (جزء لا بأس به من الجمهور الممِّيز المتابع).
4.  القارئ المتعلم المثقف، ملم بأنواع السائد. وإذا كان له ميل كتابي أدبي، فهو، كمبدع، متوسط في إنجازه يعبر في أحسن الأحوال عن تجربة ذاتية أو ثقافة مختارة لا يخرج عنها ولا بد أن تكون سائدة، وغالبا ما يكتب للصحافة أو في مجال معين، تاريخي أو سياسي أو أكاديمي بحثي. يتكون من هذا النوع هيكل الأجسام الصحافية والإعلامية، وغالبية الأجواء الأدبية الظاهرة في الاعلام. (وهو كجمهور قارئ، يقرأ بحسب اتّصال المقروء به من علاقة وأجواء أو وظيفة).
5.  القارئ المبدع الحقيقي، يكون جمهرة في ثقافته واطلاعه وأساليبه، ومبدعاً في مقدرته على كتابة ما لم يسبق إليه. لكن تمييز مقدرته يتوقف على 3 و4، من ثم 2 و1، هذا إذا كانت الظروف العامة -أو الخاصة- لا تعارضه. لا وقت لديه لينشغل بالإعلام والصحافة والأجواء القائمة والمناسبات. (من الجمهور الانتقائي، لا يقرأ إلا لمن يقنعه).
6.  القارئ المستشرق والمترجم والأجنبي: يقرأ لمن يمكنه الوصول إليه و/ أو ترضى عنه الأجواء المستهدفَة، وينتفع بها الجمهور الجديد. وذلك لأنه لا يستطيع الوصول مباشرة للكاتب، إنما يحتاج لوسيط يعرّفه ويزكّيه ويقدّمه. (قارئ محدود)
1 و2 و3 و4 هم، في الحقيقة، جمهور الأوساط الإعلامية والثقافية والأدبية المحلّية بحسب اللغة، وهو جمهور على أنواعه السابقة محدود ينتج لنفسه، وليس عامة الناس المنشغلين بهموم حياتهم والناطقين باللغة.

الأربعاء، 5 ديسمبر 2018

تغيير


تغيير
قصة قصيرة/ ماجد عاطف

رشف قهوة قريبته أم جابر التي تلعب بحماس دور "الخطّابة"، وتشاغل بالتفرّج على الصالون: شهادات جابر المختلفة من الصفّ الأولى وانتهاء بالجامعة، والمطرّزات والصور المكبّرة والسجادة المعلّقة ورأس غزال من الخزف و... كان يفكّر فيما سمعه منها:
جذابة، لا شك، تلك المرأة. بيضاء رشيقة تعرف عدة لغات ومثقفة وحاملة شهادة. كل ذلك جذبه. رأى تقاطيع وجهها بيضاوي الشكل في مقطع تسجيل لحفلة عرس كانت تظهر فيه، مرة متحفّظة واقفة ومرة راقصة بشكل معقول. لا يبدو على وجهها (أو شكلها من فوق الملابس) منتصفُ العقد الرابع، وهي تصغره بثلاثة أعوام، كما كان طلبه بالضبط. لكنها سرعان ما ستقفز، فكّر، الحاجزَ الزمنيَ الاجباري ذات لحظة، وتهرم بسرعة.
هادئة وناضجة وصاحبةُ ود وتباسط، على ذمّة أم جابر. لكن كل هذا، للأسف، في الوقت الضائع، فإمكانية أن تنجب ضعيفة جدا جدا.
حسم أمره المحاضر الجامعي الذي عرف الغربة والشهادات والوظيفة الجامعية وتعلم الكثير خلال عشرين عاما (خاصة عن النساء)، قبل أن يعود بالقليل من المال والخيبات والاغتراب، متخلّيا عن كل ما عرفه. صار يفكّر مثل كل الرجال في القرى المحيطة والمدن، لأن تفكيرهم ليس ناتجاً عن محض تقليد وعادات كما هو شائع، بل خبرة. ولو كان للنساء خيار بين الفتوة والخصوبة، والتقدم في العمر مع النضوج والهرم والشهادات واللغات والثقافة، لاخترن كلهن الأول!
لم يعط جوابا
كل صفّات المرأة تتغير بعد الزواج -أو العلاقة الفعلية- بقليل، تماما كما هي صفات الرجال، وغالبا إلى الأسوأ، فماذا يفعل عندئذٍ بشجرة منتصبة لا ثمرة لها؟ ربما عليه أن يخضع، وأن يختار واحدة من قريباته الثلاثينيات، كما يفعل كل الرجال. سيكون له على الأقل، إذا أراد الله، طفل يمنح معنى!

الراصد الجوي

الراصد الجوي
قصة قصيرة/ ماجد عاطف



قال سفيان، الذي كان دوره لتوزيع الورق على اللاعبين:
- احتاطوا يا شباب. بعد غد قد تمطر.
تذكّر نعيم عندها.. التقط ورقة عن الطاولة ورتّب السرب في يده وقال، ملقيا ورقة أخرى، إلى الكومة المتجمّعة:
- لن تمطر خلال الأيام القادمة كلّها، ثلاثة أيام على الأقل. فاستريحوا.
- الله أعلم، طبعا. لكني استمعت للراصد الجوي على القناة الفضائية، ويقول باحتمال كبير لسقوط المطر بعد غد.
- طبعاً الله أعلم، لكني أؤكد لك، أنها لن تمطر في الأيام الثلاثة القادمة..
اُستفز سفيان من التأكيد الحاسم الذي لا يجرؤ عليه أحد ولا حتى رصدة الجو. لو قال نعيم بالاحتمال لسكت.
- أتراهن؟ من أين أتيت بكلامك؟
- ... ...
تنبّه اللاعبان الآخران. قال أحدهم، مصعب، مؤيدا:
- وأنا بالفعل شاهدت النشرة الجوّية، وهناك احتمال لسقوط المطر بعد غد.
- أؤكد لكم أنها لن تمطر.
كان دور اللعب عليه، فألقى ورقته على الطاولة بعد أن رتّب الأسراب في يده.
// // //
التقوا في المساء بعد عدة أيام على طاولة التسالي في بيت نجوان، ولم تكن قد أمطرت. كان نعيم يرتدي بلوزة صوفية طويلة على سبيل الاحتياط، وخلعها باقيا في القميص. البقية كانوا يرتدون المعاطف، واضطروا كلهم لخلعها، من الحرارة ولكي يأخذوا راحتهم في الحركة. ضحك نعيم:
- قلت لكم لن تمطر!
- كان احتمالا على كل حال، وأنا شعرت بالاستفزاز من تأكيدك فقط.
- خذ تأكيداً آخر: ولن تمطر في الأيام الثلاثة القادمة!
- يبدو أنك تشاهد نشرة جوية خاصة بك!
كان ذلك تعريضاً مزدوجا به، من سفيان: أنّه يعرف من مصدر لا يعرفونه، أو أنه يفتي من عنده، وتنجح معه
ردّ بهدوء:
- لا أشاهد الأخبار والنشرات الجوية، ولا أتابعها.
- كيف تفتي إذاً بحالة الجو؟؟
لم يردّ. مصدره يعتمد على الملاحظة والخبرة ولو أعلن عنه، فسيسخرون منه.
انخرطوا في اللعب طوال ساعات، لأنه يوم العطلة، ثم أتت زوجة نشوان عند المساء وشغّلت القناة الإخبارية. كانت تبثّ على النشرة الجوية بالضبط.. رددت المذيعة كلمات كثيرة وهي تشير لخارطة جوية يستعرضها التلفاز: منخفضات ما ورياح ما وكتل هوائية متضاربة ما وضغط جوي ما، وأشياء لا أحد يفهمهما. لكن هناك توقعات عالية بهطول المطر على منطقتهم، في الغد. لم يكن نعيم يصغي لها، بل جمع الأوراق وخلطها جيدا ووزعها وانتظر أن يبدأوا اللعب. قال بهدوء:
- أؤكد لكم أنها لن تمطر أيضاً لثلاثة أيام قادمة.
توتر اللاعبون من تأكيده المتجدد. هو معهم منذ ساعات ولم يشاهد نشرة جوية أو أي شيء. انبرى له سفيان كاشفا غير مبالٍ أوراقه التي في يده، مجروحا ربما من الحديث السابق:
- كيف تتجرأ على قول هذا يا رجل؟؟
- الله أعلم طبعا، لكني أقول لكم أنها لن تمطر.
نجوان هو المستفز هذه المرّة. قال:
- نحن لا نعلم أنها ستمطر، هذا احتمال كبير من الأرصاد، لكننا لا نقول أنها لن تمطر أيضاً، كما تقول أنت. هل تراهننا على هذا الشرط: في حالة أمطرت فأنت تحضر الشواء لنا، وإذا لم تمطر لا تحصل على شيء، لكنك تكون أفضل من الأرصاد الجوية؟؟
- المراهنة حرام، لكني أؤكد لكم أنها لن تمطر رغم الرياح وتوقعات الأرصاد.
كانت لعبة الورق تعيسة، الكل -باستثنائه هو- متوتر أو شاعر بالإهانة، حتى حسام اللاعب الرابع الذي لم يتدخل في الحديث، كان غاضبا صامتا.
// //
لم تمطر بعد يومين ولا ثلاثة، كما قال. التقوا مجددا وكانوا يترقبون مناسبة لطرح السؤال: كيف تعلم؟؟ كيف سيكون الجو في الغد؟ علّمنا. والوقت شتاء مختل الطقس بفعل غازات الانبعاث والحرائق ودخان المصانع والمركبات والأوزون المثقوب والاحترار وكل تلك الأشياء التي تخلخل الجو، ويعترف بها الخبراء، ويفشل فيها متوقعو الأرصاد الجوية.
سفيان كان متواضعا هذه المرة وصامتاً. لم يشارك في اللعب وترك ثلاثتهم يلعبون. جلس جانبا ينتظر طرح السؤال:
- هل ستمطر في الغد يا نعيم؟؟
- لا مطر في الأيام الثلاثة القادمة.
- متأكد؟
- الله أعلم. لكن نعم، لن تمطر.
ثم أضاف ضاحكا واثقاً أكثر بنفسه:
- هل تشارط؟ أنا لا استطيع المشاركة طبعا في الرهان، لكن إذا امطرت، أحضر أنا العشاء للآخرين على سبيل العزومة، وإذا لم تمطر تحضره أنت!
هو لن يستفيد ولا يتورط بمبدأ الرهان.
لم يجرؤ سفيان على المراهنة، لكن جبنه ظهر وخشي من الحرج والفضيحة، فقال:
- أدعو الجميع للعشاء في بيتي غدا، على أن تخبرني أنت، كيف تعرف.
لم تمطر حقا رغم الرياح والغيوم وتوقعات الأرصاد الجوية التي تعطي احتمالات عالية للمطر ولا تمطر، كما يقول هو بحزم.
// //
توقفوا عن لعب الورق لاستشعارهم الغرابة والشكوك والتوتر والسخافة في آن. صاروا يلتقون فقط في السهر القصير والانفضاض السريع. عندما شغلّوا نشرة الأخبار منذ بدايتها، كان نعيم يعلم أنهم ينتظرون آخرها، نشرة الأرصاد الجوية. لهذا قال بهدوء وقبل أن يصلوا اليها.
- الله أعلم.. أرى أنها ستمطر غدا أو بعد غد.
حدّقوا فيه عاجزين.. لم يسأله أحد عن مصدره، ولو سألوه لما أجاب.
ماذا سيقولون لو عرفوا أن الناموس إذا طاف حول وجهه ليلا وأزعجه باللسع، فإن نهارين آخرين على الأقل، لا تمطر فيهما، وأنه إذا اختفى الناموس فجأة فإن ذلك يعني تغييرا فعليا قريبا في الجو ومطرا مهما كانت كميته، يختفي معهما؟؟
الليلة السابقة، لم يقرصه الناموس ولم يشعر بوجود ولكنه ظل جاثما على الجدار. يبدو أنه يختفي عندما يستشعر الاختلاف الفعلي للطقس، وهذا يسبق المطر. الشيء الذي لا يعلمه بدقة، هو مدى احساس الناموس بتقلب الجو والمدة التي يسبقه فيها ويختفي.
لم يلعبوا الورق ثانية، ولكنه عندما أمطرت فعلا بعد يوم، صار يحمل اسما جديدا بين الناس: نعيم، الراصد الجوي!