الأحد، 31 أغسطس 2025

بلح أصفر

 

بلح أصفر

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

احتار ماذا يفعل مع علبة البلح الأصفر التي جلبها له ابنه. عناقيد فتية صلبة بلون يمزج الصفرة بالخضرة. همّ بردها مباشرة ولكنها كانت هدية، وعندئذ قد يجرحه إذا ما فهم أنه اغتر بسلع السوق المبكّرة. نيّته كانت أن يجلب له هو، والده، هدية فاكهة.

لا يحب الطعم اللزج-الجاف للبلح الغض. يوحي بالحلاوة ويتسبب بالجفاف والإزعاج للأسنان. لم يعد مضغ الثمار الصلبة ممتعاً. البلح الذي يتحول رطبا لا يحبه أيضا. التمر كلّه والعجوة لا يطلبهما البتة لولا رمضان حين يتوفران بحكم المناسبة. أحياناً ينتزع من المسجد تمرة أو تمرات فردية ومع الماء البارد يمكنها أن تتحوّل لحلوى ووجبة مغذّية.

وهكذا لما غادر ابنه، وضع العلبة جانباً على طاولة ذات تهوية وحرارة معتدلة. لا فائدة من حفظها في الثلاجة.

في اليوم التالي عاد إلى عالمه كرجل تزوّج وأنجب مبكرا، ثم تطلق وانعزل مبكراً أيضاً. يداور شؤونه بروح منهكة زمنيا، وانشغال الذي لا يصدّق التقدّم في العمر، وهواجس منطلقة كشعلة عشوائية. كان خمسينياً لكنه عالق في الثلاثين لا هو هذا ولا ذاك، وخلّص إدراكه بنفسه ووعيه وتأملاته في المعضلات إلى التعامل مع احتياجاته الداخلية كتلبية. لا مناص فهذه سمة العصر: كل احتياج له جرعة منفردة.

وهكذا بعد أن ينتهي من العمل المنزلي والعمل عن بُعد بتدقيق أوراقه وتحريرها ثم إدخالها على الحاسوب، الأمر الذي يستغرق بين ثلاث ساعات وخمس، يجلس يطالع العالم الافتراضي وأخبارا وقراءات ومحادثات وتسلية.

لم يعد له واقعياً شخص واحد يمكن أن يتبادل معه حديثا عاديا، ناهيك عن أن يكون نوعياً. فترة نقاشات الشباب الحركية العميقة أو الجامعية المندفعة وفي المنتديات ولّت لغير عودة. وكبر الأولاد وابتعدوا في عوالمهم فافتقد العاطفة في الحديث.

الرجال تواصله معهم عمليّ متعلّق بالدخل ولا إلحاح له على صداقة. والنساء أصبحن يقعن بين الصغيرات مختلفات الاهتمامات -لا- يرينه رجلا، بصفات كالغريب أو جالب المنفعة وفي أحسن الأحوال كالعم؛ أو الكبيرات لا ينظرن له بجدّية أصلا لأن ما يردنه هو الصبوة والفتوّة في الردود؛ والمجايلات المتعبات كالعادة. الأخيرات مع الزمن والمتابعة يكتشف فيهن مفارقات وتناقضات وخلاصة تقول بانعدام الندّية، خاصة إذا كن عزباوات رسميا، متبنيات للتوجه العام وما هو منتشر، مثل نسخ كربونية واحدة.

وإنّه لا يطمع في تجسيم اجتماعي للتعارف. كلا. يبحث عن المختلف الأصيل ذي الرأي الفعلي والنكهة. معرفة حقيقية تنطلق من ثقافة أدّت لإدراك النفس، وتأملات في المعضلات والاحتياجات بعد تجارب، ثم وضوح في الرؤية والسعي والمعالجة.

نعم، وجد عدة نساء بهذه المواصفات مجايلات، لكنهن غريزياً يدخلن حيز الصراع. إذا كن بعقلية تجارية -وظيفة مرتفعة، رصيد مالي وأملاك، امتيازات حياتية- فلا يستغرق الأمر وقتاً حتى يبتعدن عنه. أمّا إذا كن مفكرات، فيجدهن يبدأن في ممارسة عادات أنثوية تدفعهن لتمثيل أدوار بقوالب جاهزة من ناحية ما ينبغي أن تكون عليه المرأة وكيف تتصرّف. حتى المفكّرة لا تستطيع تجاوز الثقافة.

المرأة الأخيرة لمست اهتمامه بكتاباتها ورغبته في التحاور الداخلي معها، وأبدت تباطؤاً في الرد بعد ترحيب حار، كأنها تشجّعه وتصدّه معاً. هي في صفاتها وأفكارها وعمقها وجرأتها من الأهمية بحيث تجبره على أن يكون معها مثل أي ذكر.. صيّاد، وليس عفوياً مباشراً.

ويضطر إلى -عدم- إهمال امرأة عندما تمارس إشارات التلاعب في الصراع الأنثوي-الذكوري النمطي الذي يمقته ويدفعه في العادة للحظر.

بانتهازية يمكن تزيينها أو فهمها بالأدب والتهذيب واحترام الآخر والنضوج والصبر ومنح الوقت، وكلها مظاهر إرادية، وضع المرأة المعنية جانباً منذ أبدت إشارة التباطؤ المفتعلة تلك، واظهر انشغالات في الموضوع على منشوراته.

اضطر إلى الدور الذي يكرهه،

علبة البلح الأًصفر التي وضعها على الطاولة جانباً، استغرقت أسابيع وهي تنتقل في أطوار. الحبات تجف قشورها أولا، ثم تتجعّد، وبعدها تبدأ منفردة في التخمّر بحيث تنضج فجأة، لكن لفترة زمنية قصيرة.

سيكون عليه أن يتناولها بسرعة قبل أن تتعفّن.

وهو ما حصل تقريباً مع المرأة المتباطئة ولعله كان سرّ تباطؤها غير المعلن. فقد قرأ لها كل ما كتبته قديماً، واكتشف -في التواصل الفوري معها عندما عادت  متحمّسة- أنه ليس لديها في الحقيقة شيء جديد يجذبه.

الخميس، 28 أغسطس 2025

موت النقد الأدبي وتفاهة "القراءات"

 

موت النقد الأدبي وتفاهة "القراءات":

ماجد عاطف

 

في مقررات تخصص الأدب العربي الجامعية، لن تجد شيئاً اسمه: قراءة أدبية، أو عرض. إنها ابتكارات أوجدتها الصحافة الورقية وتاليا الرقمية خاصة مع كثرتها والحاجة لملء مساحات (ناهيك عن مواقع التواصل الاجتماعي)، في علاقتها النفعية والتجارية والشكلية (وهناك ضرورة معرفية) لمواكبة كتب صادرة من مختلف أنواع العلوم والفنون. وهذه القراءات/ العروض إما أن تكون تكليفاً من جهة، أو تطوعا، أو أوتوماتيكية.

في الحالة الأولى تكون هناك مصلحة من نوع ما للإشارة إلى كتاب بعينه، فيكلّف أحدهم بالكتابة عنه، وفي الحالة الثانية يبادر شخص من تلقاء نفسه لأسبابه وغايته في نفسه، وفي الثالثة تكون جهة النشر قد جهزت "المواد" ضمن تكتيكات الإيهام، للتسويق والدعاية الصناعية قد يشارك فيهما صاحب الكتاب نفسه، وأصحاب المساحات الفارغة لن يخسروا شيئاً من نشر المادة، طالما يوجد اسم يسندون المادة إليه ولا تعبر عن السياسة التحريرية.

عرض الكتاب يمكن القول أنه آلي يحتكم إلى موضوعية ما، كعدد النصوص/ الصفحات، والمقدمة/ الغلاف واقتباس جزء من الكتاب أو قول عنه، وصورة عن الغلاف إضافة إلى بيانات النشر كالدار ونبذة عن المؤلف والمكان وما حظي به الكتاب أو مناسبته.

أما "القراءة" فهي التفاف مبهم لا يقول شيئاً بعينه، ويمكنه زعم أي شيء.

إنه في الحقيقة مقال رأي جزئي لا يمكن مناقشته، ولأنه كذلك فغالباً ما يُدبّج فيه المديح أو الكلمات العامة التي ليس فيها ما تُسند إليه، ولا يمكن التحقق من مصداقيته، وليس له منهجية محددة. فقط ضجة من نوع ما، يفتعلها كثيرون على اعتبار أنها صدى إعلامي أفضل من وجهة نظرهم من الإهمال، ويعتزّ بها الكاتب مسارعا لعرضها على بيئته ليوهم بأهميته وأهميه كتابه ويزهو.

أما أصل "القراءة الأدبية" فهو من المقالات الانطباعية عن الكتب الأدبية، لكن لعجز عن امتلاك أدوات النقد الأدبي وعدم التخصص والرغبة في تجنّب العبء الدراسي/ البحثي المطلوب خاصة عند عدم القدرة على النقاش والإثبات، فيقوم "القارئ/ الكاتب" بفبركة نقطة أو أكثر لمقالته يسقطها على الكتاب مع شيء من الإشارة لمتنه، تتضمن انطباعاته السريعة. ولأنه لا يستطيع المحاججة النقدية فيقدمها بصيغة "قراءة" ليس فقط غير ملتزمة بشيء، بل ويمكنها التغيّر بعد مدّة، كما هو معروف نقدياً، فالذائقة/ الانطباع قابلان للتغير مع الزمن.

إنها تشبه "المنشور" أو البوست، في زمن مواقع التواصل الاجتماعي

ويمكن لأي شخص، حتى لو كان عاديا كما في الفيسبوك، أن يقدم قراءته مستعينا بالنسخ واللصق أو الذكاء الصناعي وتدبيج العبارات السهلة.

بينما النقد له أصول ثابتة ومدارس ومنهجية في العرض والإحالة والطرح والإثبات والتقييم.. الخ. لكن مَن يستطيع من القرّاء تقدير قيمة/ تحمّل موضوع محدد من 15 صفحة نقدية -كحد أدنى- عند تناول كتاب واحد؟؟ من مِن النقاد حقاً يستطيع التصادم مع ادّعاءات كتابية من السهل أن تتكالب ضده في مجتمع ثقافي ضيق أو تتواطأ أو تتسبب له بسمعة سيئة تؤثر على وظيفته ودخله وعلاقاته؟

منهجية البحث العلمي ستظل ثابتة مهما استجدت تطورات وإضافات، لكن النقد الأدبي شهد تراجعا وتناقضات ومصائب تدفعني للقول بـِ: موت النقد الأدبي.

يكفي أنه لا يجرؤ على التصدي للملامح الفنية للجنس الأدبي الذي ينتسب الكتاب إليه ويقول بعمومية: نص. الأخير ينطبق على وصفة طبية وخبر ونكتة وآية قرآنية بل على أي وحدة لغوية رأيناها مستقلة.

شاهدت (ناقدين) عربيين أصحاب درجات أكاديمية في لجنة تحكيم مسابقة أدبية بعينها فُضِح أمرهما أمام الملايين، الأول أخطأ في النحو، والثاني في البحر العروضي.

ولا أريد التطرّق لأسماء (نقدية) فلسطينية أعرفها شخصياً وأخذت موقفا منها، لكن حالها أسوأ من حال الناقدين السابقين. والخلاصة التي انتهيت إليها أن النقد -في المؤسسات والجامعات والصحف والمواقع- يلعب دور الصحافة، بينما تورطت الصحافة المستندة على الخبر والاستقصاء في الدعاية والإعلام.

الجنس الأدبي؟؟

ليس هناك إجماع واحد عصري عليه، وهو في الغالب، الموجود منه، إسفاف وتقليد/ تأثّر وضجة مفتعلة في حيّز اجتماعي ضيق، مع عدم قدرة غالبية المتلقين على التفريق بين الحنطة والزوان.

 

الخميس، 7 أغسطس 2025

نصف كيلو من التبغ

 نصف كيلو من التبغ

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

لم يكن المحل مبتكراً بالكامل، فقد اكتشف الطامعون بالربح أن بيع منتجات التدخين ومستلزماته يمكنه أن يكون تخصصاً بذاته، فانتشرت المحلات التي تهتم لهذه السلعة.. مختلف أنواع السجائر المحلية والأجنبية، العادية والالكترونية، الغلايين والأراجيل وبدائل التدخين وصولا للصقات والعلكة والأشربة، الفحم والتبغ المستورد والمعسلات والتنباك، الآلات الالكترونية واليدوية وأوراق اللف، ولاعات، سلع لا يمكنني حصر تفاصيلها في زمن النقل السهل والمنافسة المريعة والاقتصاد الحرّ. أنا نفسي عندما يكون مالي قليلاً وتبغي قليل الكمية في الليل، اخلط التبغ بزهور الياسمين المجففة المفروكة أو أبشر عليه القرفة. سوق لاحتياج النيكوتين كما أسواق الاحتياجات الأخرى، الطبيعية والمصطنعة والمستدخلة، الصحية والممرِضة.

لكن الجديد في المحل القائم على ناصية الحيّ هو صاحبته دلال، الثلاثينية المطلّقة من دون أولاد، التي لها مشاريع تجارية صغيرة أخرى متناثرة في أحياء المدينة هنا وهناك. كامرأة، باستثناء حنكتها ومجاملاتها وحسن معاملتها للزبائن، فليس لديها صفات تلفت النظر.. نظري أنا.

كانت شقراء جميلة، بملابس تتابع الموضات الرائجة، وشهادة جامعية ثانية؛ لكننا في الزمن الوظيفي وليس الحقيقي. كل شيء من أجل تحقيق الربح ضمن الحياة النارية المجنونة، بتقنياتها الحديثة.

لم أكن أعرف مَن هي إلى أن التقيت بها على الفيسبوك في إعلان عن التبغ من الإعلانات الممولة الرخيصة، التي تدعو للتخلّص من التدخين بمستحضر ما أصله عشبة. علّقت على المنشور ثم راسلت الصفحة مستفسراً، فحرِصت على تعريفي بنفسها.

أكبرها بعشر سنوات، مطلّق أنا الآخر. وبينما كانت تكابد الدنيا بمشاريعها المشغِلة، كنت منكفئاً موقناً أن حال الزواج عندي أشبه بحالي مع التدخين. لا أصلح له، والإمكانات المالية التي لديّ، رصيد متواضع مقارنة مع أرصدة الآخرين، سأتركه لأولادي. ليس لدي وظيفة ثابتة واعمل عن بعد على الحاسوب من البيت أتدبّر نفسي. كل شيء يدفع للتبتّل بينما صار الاختلاط الفكري والمعنوي والعاطفي عبر وسائل التواصل إدمانا، لا يمكن التخلّص منه.

لبست ملابس عملية أنيقة ليست جديدة كالتي ادّخرها للمناسبات الرسمية المهمة، وتوجّهت لمحل الجارة المكتشفة..

كانت تقف بنفسها خلف المنضدة، تبيع لشابات غالباً هن طالبات نكهات من المعسّل، التوت والدرّاق والتفاح، وأنابيب كرتونية مغلّفة من الفحم سريع الاشتعال.

- أهلا جار.. تفضل.

إنها المرّة الأولى التي نلتقي فيها، ولعلها تشير للمحادثات أو فكّرت فيها. كان لدي فضول إزاء إدارتها للمحل العجيب بنفسها.

- مبارك المحل..

كان واسعا أنيقا ومبهرجاً، نكهات النكتار المختلفة تتضوع كأنها روائح عطور.

- الله يبارك فيك.. كيف حال عملك؟

ندمت على أنني لبست ملابسي التي ارتديها. كان ينبغي أن أختار ملابس أقل من عادية.

- الحمد لله، يسدّ الحاجة.

- وأولادك؟!

ذكّرتني بهم. إنهم ماضون في حياتهم اليانعة يكتشفون تفاصيلها بأنفسهم قد تباعدوا عني. قطعت الطريق على أسئلة أخرى:

- إن شاء الله بخير، طلبي متواضع وبسيط غالبا لن أجده عندك.. تبغٌ ألفّه بيدي.

أخذت تستعرض أنواع التبغ الأجنبية والتجارية مع المنكّهات الموجودة لديها. أسعارها فوق دسّها للاحتياج المصطنع أغلى بكثير. صارت موضة للمثقفين والمتظاهرين بالتميّز والأغنياء.

- هل لديك التبغ المحلّي؟

ارتفع حاجباها على غير توقّع مني لهذا الطلب. ذهبت وفتّشت في رف بعيد جانبي، وقالت من هناك:

- موجود.. الزبائن يقولون إنه ثقيل جدا.

- الفلتر في السجائر الجاهزة لا يفعل شيئا..

صمتت. ثم خطر لي خاطر. لم أكن أعني السجائر والدخان والتبغ كلّه مع تظاهري بالحديث عنه. قلت كخبير ومتمرّس:

- التدخين إدمان وعادة. لا يناسبني ولو استطعت لتجنّبته نهائيا.

- دخّن من الموجود في السوق إذاً..

- كلّه مصنّع وفيه إضافات خطيرة جداً، تصل إلى 100 إضافة كيماوية. المحلّي يؤدي لإخراج بلغم أكثر، هذا كل ما في الأمر، ولكنه أقل ضررا بكثير. هناك أجدادنا من عاشوا أكثر من قرن مع أنهم مدخّنون له.

- لا اتفق معك.. الزبائن لهم أذواق محددة.

- صار ضرورة، عادة وإدمان، والمهم في هذه الحالة النيكوتين وليس النكتار المضاف أو الماركة.

في عينيها امتعاض يجانب النظر إليّ، وفجأة أخذ يكتشف المخفي في كلامي، أو يحسّ به بالأحرى. نظرت محتارة نسيت معها أن تسألني كم أريد.

- هل لديك أوراق اللف؟

- نعم.

الأخيرة كانت متوفرة لأنها تستعمل للف التبغ الأجنبي، الخرافي في الثمن، والمخدرات المختلفة كالحشيش والمارجوانا. حددت لها نوع الورق الذي أريد.

- أعطيني نصف كيلو من التبغ..

وظبت التبغ الموزون في كيس الورق وزجّت، بآلية، الدفاتر الصغيرة في الكيس البلاستيكي الصغير. ولما كانت البيعة متواضعة الربح، ذَكرَت الثمن النهائي لي بقلّة اهتمام، وكان أكثر قليلاً مما ادفعه عادة عند غيرها.

بالتأكيد خيّبت نظرتها إليّ، ولم تعد تراني أكثر من جار وحيد فقير. بعد الدفع تسلّمت منها الكيس:

- تفضل جار.

إنني من عالم آخر لا يهتم بالصيحات والشكليات والرائج والمعتاد. قلت أودّعها وأنا أعرف سلفاً أنها ستمتعض:

- دنيا صعبة ومتداخله. لو كنت أعرف كيف، لزرعت التبغ في حديقتي وأعددته بيدي.. ليس من المعقول أن ندفع مالا لقاء عادة ومضرة بالصحة.

لم تمتعض تماما بل تظاهرت بالتعاطف وأنها تخبر ما أتكلم عنه.

- الله يعيننا يا جار، أنا أيضاً مدمنة على المعسّل.

لم تلتقط مغزاي. وأنا أخرج لم أخبرها أنه لا يوجد في المعسّل والأرجيلة ولا نكتارها ذي الفواكه أي نيكوتين فعلي أو عادة وإدمان. لا يزيد الأمر عن اللهو بالدخان المبرّد ذي طعم العسل الخارج من خرطوم الأرجيلة وقارورتها، في حشد أو جماعة.. فقط نفخ ومنظر له إيحاء ما أو إيماء خاصة من النساء.. للآخرين.

 

رصيفيات

رصيفيات


في الهاتف الذي يستقبل فقط
هدّدتني السيدة من وكالة تحصيل الديون
بتقديم الملف للمحكمة.
حرّضتها: "هيا.. امضي قدماً..
سأطلب إثباتات على ما لم يحصل من خدمة.
سأرتاح عدة شهور في الحبس،
الطعام متوفّر والرفقة.
سادّخر المال القليل المتبقي،
لأشياء حقيقية.
إني المتعطّل لا أدفع فواتير شركات نصّابة".
== ==
لست موقناً إنّها مسكينة، الشابة التي تقف
عند الخروج من المسجد
إلى جانب البوابة.
هندامُها كعمرها يانعٌ يمكنها العمل
لو أرادت حقا
أحدٌ لن يردّ لامرأة عمل الكفاية،
عكسي أنا.
فكّرت: ما لم يكن لها رضيع أو دواء مستعجل
فإنّها
تفضّل المسألة.. قطعا نقدية،
لا التشغيل أو العين في المعونة
الأخيرة تستطيعها لو كانت حقاً
من دون تسوّل:
من الشارع والحقول المحيطة،
الأشجار التي تتجاوز الجدران،
أماسي السوق والمطاعم وغيرها.
ولكني
وضعت في كيسها ما يكفي خبزاً
ثلاثة أيام لعائلة متوسّطة،
فليس الجميع بخبراتي السرّية.
== ==
لا يمكن لي المقارنة بالطبع.
لي مسكن في زمني آمن
لا تخترقه القذائف والصواريخ
ولا الأمراض والمناخات السيئة.
الدلف في السقف الإسمنتيّ بسيط شتاءً
وعندي مفتاحٌ لقفل.
المتاع ما يلزمني، الفراش، الضوء والماء.
والمدينة الاستهلاكية المهمِلة
بريستيج الرفاهية وشهية التجديد
تتيح للمصرِّ الاعتياشَ من فاضلها..
الورق المقوّى وحده، أو علب الكولا
المعادن
ملابس وأغراض موسمية
كتب ودفاتر وأقلام
مشروبات زائدة متروكة في زجاجاتها
(بل وفي أكوابها الساخنة بعد)
أشياء كثيرة لها فائدة لا يمكن توقعّها
ولكنْ.. أنا المعروف في المدينة
لا يمكنني الاعتماد عليها.
== ==
بالتأكيد ليس الأمر غباء:
الولاّعة المعطلة المرمية إلى جانب الرصيف،
تلك التي تحطّم الخزان فيها
يمكن لحجرِ قدحٍ لا يلتفت له أحد
تشغيل ولاعة أخرى،
عتيقةٍ أصلية لا تسرّب الغاز.
تجمّعت عندي بالتجميع ولاعات كثيرة.
== ==
سيدتي:
الأغصان الخفيفة، القَصَفات
ما يتركه الحطّابون عند جمع الخشب،
قد لا يوزن بالطن ويجلب المال
لكنه ممتاز جداُ
لصنع القهوة على النار.