الجمعة، 27 يونيو 2025

ازياء المدينة

 

أزياء المدينة

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

الحربُ ليست في مكانٍ بعيدٍ كثيراً، والمدينة العصرية منشغلةٌ بهمومها، ديونها اليومية، لا تكاد تلتفتُ لشيء آخر أو مدن أو بشر.

 

كان قد حشر نفسه قبل شهر بين المصلين على والدته في صلاة الجنازة؛ وفي نهاية الشهر حصل على ماله من المصرف بوصفه الولد الوحيد، الوارث.

نصحه مَن نصحه ولكنه لم يستمع. لديه مكانٌ مع زوجته يمكثان فيه، وإرثٌ لا يجب أن يظل متبطلاً راكداً. دفع إرثه كله تقريبا ليصبح مالك مشروع في الأربعين من عمره، وتوجّب عليه أن يبذل نحو مليون دولار خلوَّ رجلٍ لصاحب المحل الصغير على الزاوية الأثيرة في مركز المدينة. كان المحل ضيّقاً لا يتجاوز 30 متراً مربعا تقريبا، ولكنه في موقع مميز جدا. نفّضه وجدّد ديكوره والطلاء، الأبواب والأضواء، وأضاف حيزاً لحمام داخليّ حديث.

بذل مبلغاً كبيراً آخر من المال ليؤثّثه بالمناضد والرفوف والتكييف، ومبلغاً آخر أكبر للبضاعة تحت واجهة كبيرة براقة خُطَّ عليها: أزياء المدينة.

 

في الأيام الأولى للافتتاح، لم يأته زبائن كثيرون، وجلّ القادمين كان يستكشف ويشرب القهوة مع الضيافة يتعرف على المحل الجديد. عندما حسب مبيعاته لم يجدها تجاوزت الـ 3% من الرأسمال الأصلي.

استدان من زوجته ليسدّد الأقساط المستعجلة. ناوشته قليلا رافضة، فأغراها بهدية ذهبية ومربح سيأتي لها فوق ما تقدمه من دين.

مرّ الشهر الثالث بعرج شديد في المبيعات. الزبائن متحفظون حريصون لا يطلبوه إلا البضاعة الاضطرارية زهيدة الثمن قليلة المربح له، يسدّدون فواتيرهم الكثيرة بلهفة مشرعة يداورون أقساطهم الكمالية في المصارف بقدر المستطاع، فلا يظل لديهم إلا القليل الذي لا يفي بشراء الملابس على الموضة.

النساء القليلات فقط، المتفرّغات من عمل ومن بطالة، كنَّ يطلبن ما يرينه جديداً على صرعات مدينة التي ليس هو البائع من أهلها. يداريهن بلطف طالما زوجته ليست إلى جانبه، وإلا فإنها تتأفف منهن تغار من وضعهن الأنيق أكثر مما تبالي بمربح مشروعه. فكان عليه أن يداريها أيضاً ويتغزّل بها علنا كما يداريهن، ويكتم غيظه الذي انفجر فجأة بعد صبر أسابيع، على أمر يحصل أمامه:

أجهزة الأمن تلقت تعليماتها فانسحبت من أحياء المدينة التجارية والسكنية. الشابات والشبان ابتعدوا مؤثرين السلامة. خلا الشارع إلا من أصحاب المحلات المضطرين والأكشاك الفارغة.

غيظُه تفاقم مع دخان قنابل غازية وأصوات انفجارات قنابل صوتية لاحقت حشداً صغيراً تشكّل عفواً في أول الشارع.

تطرّف عن الحشد شابٌ في العشرينيات من عمره وبدأ يهرب من ملاحقة متقصّدة. لم يجد إلا محلّه هو ليدخل إليه، سامحاً للغاز بالتسلّل من الباب الزجاجي المغلق، إلى داخل المحل والملابس ورئتيه.

خشي من سوء العاقبة، وأن يدخل الجنود النازلون من دورياتهم الصريحة، السوداء، وأن يبطشوا بالبضاعة الغالية والزجاج وبه.

أمسك الشاب الملتحي الذي قدّم له على عجل مالا لقاء بنطالٍ من الجينز التقطه بسرعة متظاهراً بشرّائه.

ولكنَّ ياقة قميصه كانت بين قبضتيه توشك أن تتمزّق على عنق الشاب أعلى صدره.

التقف الجنود المقتربون الشابَ المقدّم وجرّوه أمام المحل نحو الدورية السواء الحديثة، ثم شكره ضابطهم المتأخّر عنهم بلهجة عربية مكسّرة، وهو يزج الشاب في داخل الدورية:

- برافو أزياء المدينة.. برافو!

الثلاثاء، 24 يونيو 2025

شليش النشمي

 

شليش النشمي

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

إنه ينتظر منذ عدة شهور.

المدّعي العام طالب بأقصى عقوبة دون أن يسميها، وهي تعني الإعدام. لم يستطع قول كلمة للمحقق الذي ألقى القبض عليه من بيته ملطخا بالدم ومتلبّسا بالجرم.

كان الطبيب يتفحصه ولا يعلم ما الذي كان يجيبه به.

ابنه في الزيارة، الخائف منه الخائف عليه وليس له إلا هو، يطمئنه أنه سينال تخفيفاً في العقوبة، لكن المحاكمة ستطول. يصغي ولا يرد.

السجانون ينظرون إليه بحذر، وبعد المرة الثانية من الاستفسار عن التهمة، توقفوا عن السؤال وأخذوا يعاملونه على نحوٍ خاصٍ صامت: لا يأمرونه بتنظيف الغرفة والممر مع زملائه السجناء، ولا يشددون على وقت الزيارة، وموزّع الطعام يمنحه حصة أكبر. وإذا كان نائماً وقت العدد، يتركه الشاويش بناءً على طلب من الضابط، مكتفين بالمرور عليه والتأكد من تنفسه.

محاميه ليس مكترثاً إلا بتسديد أقساط الأتعاب والرسوم القانونية ملمّحاً باستمرار إلى أنه سيحصل على تخفيف في العقوبة مكتفين بفترة الإيقاف؛ أو العكس بعقوبة مغلّظة، لأن قضيته أصبحت قضية رأي عام. ولما يراه ساكتاً لا يرد يخبره أنه سيتفاهم مع ابنه.

السجناء الكبار والصغار، زملاؤه في الغرفة والقسم، منقسمون بين كل ما سبق، يودّون لو عقدوا مراهنة على حكمه، لو كانت المراهنة في السجن قانونية.

 

عن نفسه، كان غارقا في مشاهد قليلة انتهت بقتل نفس وإزهاق حياة، لمن كانت تعني له أشياء كثيرة وصارت تعني شيئا واحداً ثقيلا شديد الإبهام والفزع.

: شاهد روحها تفارق عينيها وعنقها بين قبضتيه، ومن خلفها عشيقها العاري مضرجاً بدمائه التي نزّت من رأسه طوال نصف الساعة وهو على أرض غرفة النوم، ولم يمت على إثر ضربه له بمزهرية من خزف صيني.

 

كان معلّقا في جموده بين القتل -إزهاق النفس- ولو بالحق وأشباح تفاصيل يومية تدور حوله حيثما كان، لا يعي منها شيئاً.

البرش من معدن، والفراش غارق بعرقه مثل الغطاء الذي انتزعوه بالقوة ليرسلوه للمغسلة. وجوه السجناء العتاة والعاديون تنتمي لجنس بشري آخر. واليوم يمضي في روتينه الصغار إلى الروتين الأكبر عند اقتياده لقفص الاتهام، وهناك وجوه أخرى من قضاة وشهود وشرطة.

فقط عندما يُترك وحده وينشغلون مساءً بحلقة المسلسل يُبث من التلفاز، كلُ ما كان يعيه، وهو لا يعي، كيف أزهق الروح بين قبضتيه وكيف ماتت تلك التي كانت زوجته أمّ ولده.

وظل ما يعيه هو ذاته مع خروجه من السجن بعد سنة ونصف من التداول. بشّروه في الممر الذي يصطحبونه إلى مكاتبه بحصوله على شليش النشمي.. وودّعه الزملاء والسجانون والطباخون في طريق وصوله لابنه الذي صار، منذ تلك اللحظة، أباه، وهو ينتظره أمام بوابة السجن حيث استلمه.

ابنه سلّم أمره ما بين سجن أبيه وقتله أمه لقدره الناتئ بين الناس.

الثلاثاء، 17 يونيو 2025

مستوى الحقد

 

مستوى الحقد

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

(إهداء: إلى مريضة بعينها، من حزب التحرير، سمعت عنها والكثير من عندي)

 

سنوات من النشاط المناهض وسنوات من مجابهتهم علانية والرد عليهم بالتحريض. لم يستطيعوا مواجهتها كامرأة موضوعا لموضوع أو تهمة لاثبات، لكنهم تمكّنوا منها.. في المكان غير الرسمي الذي اقتادوها اليه ظهراً، بعد اختطاف من الشارع من زاوية رصيف مهملة ودفع سريع في شاحنة صغيرة، طالعوها مطولاً عن قرب وتفحّص، يتداولون الساعة خلف الساعة أمرها في كلمات بينهم خافتة لا تسمعها.

عندما طلع صباح اليوم التالي، بدا كأنهم اتفقوا على شيء. غادروا وبقي واحد معها. إنها تعرف مَن هو بالضبط بعكس الذين غابوا، ولطالما كشفت حكايات له. أمام المكتب وجها لوجه، كالجريمة والحقيقة أو الحقيقة والجريمة، رافضة الجلوس رغم تعبها مفضلة الإبقاء على مسافة داخلية، خيّرها:

-         نعرف كل شيء عنك، وأمامك إما أن تصبحي مثلنا وتلتحقين بقسم النساء تفعلين ما يطلب منك (والمسؤولية على عاتقنا نحن نتفاهم مع أهلك)؛ أو تقتلين خفية دون أن يعرف أحد ما حدث لك؛ أو نغتصبك ونلقي بك لسفلة الشوارع بعد أن نشيع عنك فيلاحقك كل أجرب وسافل وحقير؛ أو أن تتركي الدنيا فتعيشين في المستشفى بقية عمرك، تأكلين وتشربين.

لقد فعلها الوحش من قبل وتعرف عنه الكثير ويستطيع فعلاً أن ينفّذ تهديده. الظرف العام لا يترك لها أحدا بما فيه أهلها، للوقوف إلى جانبها.

-         أرفض الكل، لكن الأشرف هو الأخير. في المستقبل ساحاسبكم.

كانت تفكر في نفسها ونظرت بخجل من استسلامها إلى الأرض. لا تستطيع أن تواجه. صدّقته وخافت من لحظتها المنعزلة الخطرة.. وافقت على المستشفى كأخف الأضرار. لن تخون ولن تصبح مطمعا للابتذال وهي تخاف من القتل. في المستشفى ستعيش بعض الوقت، إلى أن يتغيّر الحال وتزول الغمّة.

رتّبوا الأمر مع أهلها الخائفين المتنفّسين للصعداء حين حلوا معضلات كانت تضيّق عليهم حياتهم والحركة يطالعون الكراهية الموجّهة، أمام الناس والمتابعين لها. اقتادوها -بجلبابها وصرة ملابسها- إلى المستشفى، وكأنما الصادر عنها كلام مرضى، المرض الذي يصيب الجميع والمتدينين أمثالها.

في القسم الأهم من المستشفى، وبعد صدمات لم تبق لشهورها الأخيرة أي ذكرى في عقلها أو المام بشيء أو وعي بواجب كأداء الفريضة، جاحظة العينين ترى الضخم مهولاً بالكاد تحيط أنه تفصيل صغير مثل قشة على طاولة المطبخ العام أو كوب بلاستيكي على الأرض يدحرجه النسيم، تستنشق الأنفاس بصعوبة كالآتي من كوكب آخر؛ أجبروها على تلقي محاليل وأدوية. حقن لا تستطيع دفعها وحبوب عليها أن تبتلعها. إذا امتنعت كما حاولت سيكون الضرب الشديد ومن ممرضات هنّ سجّانات في الحقيقة.

بعد أن نجحوا في تضييع ادراكها الذي سلّمت آخره أمرها لله (قبل أن تنساب في موجات بصر من صيف قائظ حار وألوان كيمياء)، أبقوها مدمنة على العقاقير والتسكين والبلادة غائبةً عن التكليف، تتحرك كجثة ذات دم وعروق تنتابها –بغتة- اختلاجات كحركات انعكاسية، أو تصنمات لنصف دقيقة كالتخشّبات.

لم يكتفوا بما أصبحت عليه، فأخذوا يعذّبونها بالطعام والشراب ذاته، فلا تشعر أبداً بمذاق الطعم أو تستمتع به. كانوا يحشون فمها فيتحرّك آليا كما يفعل طفل نعس، يمضغ ويبتلع نصف المضغة ويسقط نصفها. وعندما يحيط بها هزال أو نقص، يلجأون لتعويض بدنها بالحقن. لم يريدوا أن تموت فتستريح وقد يتورّطون، إنما تعذيبها لأطول وقت ممكن.

 

رغم كل شيء مجنون

 

رغم كل شيء مجنون

 قصة قصيرة/ ماجد عاطف

الحراس يقفون أمام المؤسسة العامة. لم يطلبوه للتفتيش لكنّ أعينهم كانت تحدجه بقسوة وصرامة الحذر الغريب. لم يأبه لهم ولا اكترث. مضى الى الداخل الطويل. توقف أمام البوابة الالكترونية واستفسر:

-                    هل أضع أغراضي المعدنية؟

ردّ واحد يجلس على مقعد بين اربعة، بلا اهتمام ولا مبالاة:

-                    اعبر.

دخل البوابة التي لم تصدر صوتا. كان هنالك في القاعة صفان متقابلان من الناس الوجمين ازاءه. يعرف عنهم وهم يعرفون عنه،ويعرفون أنه ليس مثلهم، لا يقبل بمعيشتهم ولا اختيارهم. مع ذلك، في اللعبة ذات القانون، كان التجاهل، وتعلمها  وحده رغم مئات الاستفزازات ليخاف او يتورط ويقبل باتصال. عكسهم، كان يعلم أن قانونهم، لعبتهم، غير قانونيين، لهذا فتجاهلهم كلّهم باستثناء ممثلي السلطة حين يقترب من مؤسساتهم مضطرا للشكوى، وكان الأخيرون بدورهم لا يستطيعون المسّ به.

بين آخر الصفين كان مكتبها كنهاية مسدودة. اقترب من الموظفة لطيفة الوجه والبسيطة. كانت مثلهم "تعلم" عنه من المرات السابقة التي رأته وهو يتقدم بالمعاملات، لكن لأمر ما، وهذا أحسّ به وأعجبه، لم تكن تهتم.

وهي مثلهم في خامستها والثلاثين العطرات على الجلد الأبيض الرقيق حول الوجنتين، المحجبة بالبياض، وبملابس محتشمة لا بأس بها.. ثمة شيئ فيها مختلف كان ينبض خفية. إذ أنها بعد أن تفحصت هذه المرة الأخيرة أوراق معاملته على الحاسوب، اطلقت ضحكة رقيقة مازحة لا تفهم ما الذي جرى عليهم، وسألت الشاشة بنبرة هي اقٌرب للسخرية "منهم":

-                    لماذا! لماذا!!

لم يحاول الاجابة على السؤال شديد الغباء في الأسباب، ولكنه كان في معاملات الشكاوى التي رفعها واحدة تلو الأخرى.

الأهم بالنسبة إليه، إلى جانب ما أحس به من اختراق فعليّ، أنها كانت رغم كل شيء مجنون امرأة غريبة ودودة وبسيطة، لا تلقي بالا لكل هرائهم!

في المدينة المرتفعة

 

في المدينة المرتفعة

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

كان يقف على الدوار يأخذ استراحته. وقفت إلى جانبه حين لمحت ثلاثة جيبات صهيونية ترافقها دوريات فلسطينية متقدّمة ومتأخرة. لم أكن، لأسبابي، مهتماً فسألته عن سجائره التي يبدو أنها محلية عربية موضوعة في صندوق من الألمنيوم صغير. كانت لدي سجائر عربية مثله، لكن الفضول راودني لأعرف نوع سجائر عمّال النظافة.

مرّت دوريات ".. والسلطة" (بعد أن أوقفت السير ومنعت بقية المركبات). تأملني العامل بحذر بخيل وردّ عليّ أنه لا يمتلك سوى عدة سجائر.

ذهبت الدوريات في أدراجها، وهممت بقطع الدوار وأنا أفكر في هذا الذي، مثلي، لا يأبه بما يحدث طالما لديه عمله (لم أتمكن بعد من توفيره)، ولا يزيد على شارعين ينظفهما دوريا، بعمره الذي يقترب من السبعين.

كان حذره مضحكا لي، فحييته وأنا اتركه:

- يعطيك العافية!

ربما كان يخبئ سجائر دانهيل وجدها في نفاية رجل ثري!!

 

قهوة ميتة- قصة قصيرة

قهوة ميتة

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

كان يتجوّل هاربا من ملاحقة منع العمل الذي بدأ معه بانتخاب الحكومة التي أصبحت بعد شهور مقالة. كلّما اقترب من ربّ عمل خاص رأى في عينيه ومضة طارئة. فإمّا أن يعتذر له مباشرة، أو يعده باتّصال لا يأتي..

كانت لديه ثلاث قطع نقدية متبقية، وهي تكفي لأربعة أكواب ورقية من القهوة لو اشترى "أوقية" من النوع المحروق الثقيل غير المخفف.

فاض صبره من الردود المتكررة. جازف بقرار مصيري، وهو في العادة يصنع قهوته بنفسه في بيته فقط، بقرارٍ مصيريٍ يأتي على القطع الثلاث. فلمح مقهى قديماً كان يعرف  مصطفى، عامله القديم الذي ترك المقهى لينشئ مشروعه الخاص، برضىً من صاحب المقهى نفسه. اقتنى عربة خشبية واسعة السطح وأخذ يغلي المشروبات الساخنة فيها للمارة المستعجلين الذين لا يريدون لعب الورق أو شرب الناركيلة.

التلفاز الحديث المعلق في واجهة المقهى لكل الزبائن يبث أخبار الصواريخ الداخلة والخارجة من إيران، وأخبار صواريخ أخرى -أقل عددا بكثير- من غزة المدمرة وعليها. قلّب الصبي الجديد، في عطلته المدرسية، القنوات بناء على طلب زبائن تركوا أوراق لعبهم ونراكيلهم لبرهات. أزعجه معرفة الأخبار لأنها تعطيه تشاؤما أكثر بما ينتظر طلبات عمله، ولأنها عربية طليقة بلهجات ثقيلة تستنكر وتستجدي في آن.

رأى مصطفى يحرّك سخان القهوة النحاسي الكبير بذراعه الطويلة على مخروط متوسع في الأسفل، وينادي على مشاريبه. تذكّر سخانا مشابها رآه في مدينة بعيدة كان تبيع الكوب بقطعة نقدية واحدة، واعتقد أنه سينال كوبا من القهوة الساخنة المتخمّرة جيدا.

سأل مصطفى بعد مصافحته عن السعر. ردّ عليه بكرم وأريحية زائفين:

- مثلما تريد أستاذ أن تدفع..

كان ذلك يعني ثمناً أكبر من المستحق. فواجهه:

- أعرف أن الكوب بقطعة واحدة.

استنكر مصطفى بسرعة:

- أين هذا؟!

تشاطره عليه لم يفت في عضده. أثبت له مؤكّدا:

- في جنين قهوة لذيذة ساخنة ورخيصة بقطعة واحدة فقط.

- هذا في جنين.. هنا استيراد وأسعار عالمية، وأجرة بلدية وضرائب، ومحال... كل شيء غال. المخيم هدموه والآن لن تجد شيئا بالمرّة..

أتى صوت عربي غير فصيح من القناة الفصيحة، يتحدّث عن "المخرّبين والإرهاب والقنبلة النووية"..

أشار لمصطفى بإصبعه يكاد يلمس أذنه مؤمئاً للمتحدث العبريّ:

- معك حق.. كم تبيعني الكوب؟

- عشانك 2 قطعة نقدية..

- توكلنا على الله.

لم يصبّ له من السخان النحاسي ذي الذراع الطويلة، بل سكب ماءً ساخنا من حافظة جاهزة ووضعها في غلاية على النار مباشرة.

بينما ينتظر ارتفاع موجة القهوة إلى عنق الغلاية ضربت سيارة شرطاً رجلا، مواطنا، عن جانبها. تمالك الرجل نفسه من السقوط أرضاً قبل أن يرتطم بالعربة. كان في مطلع الخمسينيات والشرطيون الذين نزلوا شبابا في العشرين. أحاطوا به وتفحصوه، فلمّا تأكد من سلامته كادوا ينتزعون من عنقه ياقته، وأوشكوا على ضربه وهو ينحاز وينكمش ويتجانب ويتمدّد. أخيراً خلّص نفسه بالاعتذار واستعاد بطاقته الشخصية الوحيدة التي لم تتجعلك، متعّهداً بعدم رفع شكوى.

شاهد مصطفى ينهي القهوة دون أن يرى سقفها من الرغوة البُنّية. ارتشف الرشفة الأولى وتذوّق الطعم بعد الحرارة. كان مذاقا سيئاً كأن البُنّ من بقايا قهوة سابقة مضافا إليه الهال فقط.

بصق في إثر سيارة الشرطة الذاهبة الطعم والسيكارة، وصرخ:

- تبيعني قهوة ميّتة؟ يا خسارة القطعتين!

- بقطعتين لن تجد الآن قهوة في أي مكان، حيّة!

من سوء الحظ أن رذاذا خفيفاً جدا من كتلة البصاق أصاب الأربعيني الذي خلّص نفسه.

السبت، 14 يونيو 2025

أبو نمل- قصة قصيرة

وصله ما وصل الآخرين، فهرع بسرعة. كانت الطرق، في الطريق، مفتوحة والجميع يهرع لينفذّ أحلامه أو ليخترق جدران الحصار. المقاتلون والمركبات، سبقا، والشباب يلحقون، كل بنفسه. هو لم يكن مكترثا. انتقى شارعا بعد قاعدة الاسمنت والدبابات وتسلّل وحده. لم يكن هنالك من يتبعه. مزارع وحمضيات. 
اقترب من شبك لم تعد تحميه الكهرباء. ثنى شاهد إصبعه وبالزواية المتشكلة من الخارج اختبر التيار. لا شيء. فتّش وفتّش في الزوايا المجاورة. عاد إلى الخلف، إلى الآخرين، الذين يحرقون الدوريات ووجد في شباكِ حراسةٍ قضيباً منتزعا. أخذه وعاد حيثما كان، حيث الشبك. ادخل طرفه ولوى وانتزع. اخترق -أفقاً وعامودا- حتى فتح لجسمه كوة مناسبة، ثم ولج. اندفع بجسمه كله كشيء وسط الأرض المحروثة جيدا. 
إلى الشمال مستودع ما لكيبوتس الغرباء والعمال الأجانب. يمينا كيبوتس للحقل البيارة التي ولج إليها. تذكّر جدته التي دفنها منذ شهور. كان يود دفنها في البيت داخل المخيم، لكنه لم يجد إلا دفنها مع الآخرين الذين سبقوها إلى مقبرة ليست بعيدة الأمد. أسفل الساق العريضة اللدنة الخضراء للشجرة الأولى التي واجهته، كان تراب ناعم أحمر ودقيق. في الفوضى المنسابة كالتي تحيط ببيت النمل رأى نفسه. 
أحاديث وأحاديث، في الوجه المجهد الصابر المتبسّم لجدته، كانت تجمعه. توقه كان خارج كل الترتيبات الممكنة لتوزيعة الثورة والمقاتلين. الأوراق التي تميل للاصفرار وهو يرتفع بنظره إلى الأعلى، تشبه سقف البيت في المخيم. كانت صليات من الأرجاء تصل أذنيه. إنه أكثر من غريب وأقل من وحيد. انتقل إلى الأشجار الأخرى. حديثة ومنظمة كأكاديميا مفروضة. أصوات العمال الأجانب تتعالى وهي تتسرب بعيدا من أصوات أخرى تلاحقها. من بين قطوف الموز في انتشار الأشجار لأعلى، تتصاعد سحابات صغيرة لحرائق ذات مواد صناعية. إنها سحابات سوداء. 
من السماء كانت هنالك أصوات خطايا وأخرى دقيقة كرفّات الحمام. كان له ثأره الخاص. في أتربة تتوزع كالمستطيلات المثلومة، رأى أريحا التي مرّ منها وتهرّب من بلد إلى آخر حتى تسلل من الأنفاق. ترك بيارات الأجرة اليومية والمؤسسات وأرباب التجارة. جدته ماتت مسممة بأدوية العيادة للمستشفى ذي الغطاء. استعاد بيارات أخرى أقل ارتفاعا وأكثر لونا، محروثة بالدواب التي تطل على حقول بألغام قديمة. لمح قطفا يتدلى من بين القطوف وكان كبير الحجم يتدلّى. يمكنه أن يتخيل سكينا طويل النصل ليسقطه، ولكنه يفضل أن يتسلّق ويكسر الفرع أسفل القطف بيده المتحررة. 
فعل ذلك بكثير من العناء، وتنزّل ببطءٍ وتراجعٍ إلى الأسفل. كان القطف ثقيلا طويل الثمرات متحدة. في ذاكرته صعودٌ أيسر ونزول، وقطوفٌ أقل وزنا. وقع على جدته مرّة وبعد ال.. آخ انطلقت دعابات، وضحكةُ وجهها ملوّحِ اللونِ بالثوب الأسود، إلى جانب الحقل الملغّم ذي جماجم التحذير على مثلثات حمراء. في يدها قطف موز "أبو نمل" يُنقل ليتخمر. يضيء لون القشر إلى أصفرَ نَمِلٍ فاقه سارّ مع بقع ذات نمش، قابل للأكل فورا أو للتجفيف، وإلى ذلك يدفع السرطانات الحديثة. يسارُه ثقيل والعودة معروفة الدرب والطريق. يعلو اشتباك هنا، وهناك ثمة أسرى من دون سلاسل؛ ولقليل من الوقت عادت أرضا بلا جدران أو شِباكٍ بأعمدة. ليس القطف الذي يحمله حين يصغر سيئا جداً، لكنه شيء استعادة بالقوة.

الخميس، 12 يونيو 2025

cv سيرة أدبية ماجد عاطف majed atef