الأربعاء، 5 ديسمبر 2018

الراصد الجوي

الراصد الجوي
قصة قصيرة/ ماجد عاطف



قال سفيان، الذي كان دوره لتوزيع الورق على اللاعبين:
- احتاطوا يا شباب. بعد غد قد تمطر.
تذكّر نعيم عندها.. التقط ورقة عن الطاولة ورتّب السرب في يده وقال، ملقيا ورقة أخرى، إلى الكومة المتجمّعة:
- لن تمطر خلال الأيام القادمة كلّها، ثلاثة أيام على الأقل. فاستريحوا.
- الله أعلم، طبعا. لكني استمعت للراصد الجوي على القناة الفضائية، ويقول باحتمال كبير لسقوط المطر بعد غد.
- طبعاً الله أعلم، لكني أؤكد لك، أنها لن تمطر في الأيام الثلاثة القادمة..
اُستفز سفيان من التأكيد الحاسم الذي لا يجرؤ عليه أحد ولا حتى رصدة الجو. لو قال نعيم بالاحتمال لسكت.
- أتراهن؟ من أين أتيت بكلامك؟
- ... ...
تنبّه اللاعبان الآخران. قال أحدهم، مصعب، مؤيدا:
- وأنا بالفعل شاهدت النشرة الجوّية، وهناك احتمال لسقوط المطر بعد غد.
- أؤكد لكم أنها لن تمطر.
كان دور اللعب عليه، فألقى ورقته على الطاولة بعد أن رتّب الأسراب في يده.
// // //
التقوا في المساء بعد عدة أيام على طاولة التسالي في بيت نجوان، ولم تكن قد أمطرت. كان نعيم يرتدي بلوزة صوفية طويلة على سبيل الاحتياط، وخلعها باقيا في القميص. البقية كانوا يرتدون المعاطف، واضطروا كلهم لخلعها، من الحرارة ولكي يأخذوا راحتهم في الحركة. ضحك نعيم:
- قلت لكم لن تمطر!
- كان احتمالا على كل حال، وأنا شعرت بالاستفزاز من تأكيدك فقط.
- خذ تأكيداً آخر: ولن تمطر في الأيام الثلاثة القادمة!
- يبدو أنك تشاهد نشرة جوية خاصة بك!
كان ذلك تعريضاً مزدوجا به، من سفيان: أنّه يعرف من مصدر لا يعرفونه، أو أنه يفتي من عنده، وتنجح معه
ردّ بهدوء:
- لا أشاهد الأخبار والنشرات الجوية، ولا أتابعها.
- كيف تفتي إذاً بحالة الجو؟؟
لم يردّ. مصدره يعتمد على الملاحظة والخبرة ولو أعلن عنه، فسيسخرون منه.
انخرطوا في اللعب طوال ساعات، لأنه يوم العطلة، ثم أتت زوجة نشوان عند المساء وشغّلت القناة الإخبارية. كانت تبثّ على النشرة الجوية بالضبط.. رددت المذيعة كلمات كثيرة وهي تشير لخارطة جوية يستعرضها التلفاز: منخفضات ما ورياح ما وكتل هوائية متضاربة ما وضغط جوي ما، وأشياء لا أحد يفهمهما. لكن هناك توقعات عالية بهطول المطر على منطقتهم، في الغد. لم يكن نعيم يصغي لها، بل جمع الأوراق وخلطها جيدا ووزعها وانتظر أن يبدأوا اللعب. قال بهدوء:
- أؤكد لكم أنها لن تمطر أيضاً لثلاثة أيام قادمة.
توتر اللاعبون من تأكيده المتجدد. هو معهم منذ ساعات ولم يشاهد نشرة جوية أو أي شيء. انبرى له سفيان كاشفا غير مبالٍ أوراقه التي في يده، مجروحا ربما من الحديث السابق:
- كيف تتجرأ على قول هذا يا رجل؟؟
- الله أعلم طبعا، لكني أقول لكم أنها لن تمطر.
نجوان هو المستفز هذه المرّة. قال:
- نحن لا نعلم أنها ستمطر، هذا احتمال كبير من الأرصاد، لكننا لا نقول أنها لن تمطر أيضاً، كما تقول أنت. هل تراهننا على هذا الشرط: في حالة أمطرت فأنت تحضر الشواء لنا، وإذا لم تمطر لا تحصل على شيء، لكنك تكون أفضل من الأرصاد الجوية؟؟
- المراهنة حرام، لكني أؤكد لكم أنها لن تمطر رغم الرياح وتوقعات الأرصاد.
كانت لعبة الورق تعيسة، الكل -باستثنائه هو- متوتر أو شاعر بالإهانة، حتى حسام اللاعب الرابع الذي لم يتدخل في الحديث، كان غاضبا صامتا.
// //
لم تمطر بعد يومين ولا ثلاثة، كما قال. التقوا مجددا وكانوا يترقبون مناسبة لطرح السؤال: كيف تعلم؟؟ كيف سيكون الجو في الغد؟ علّمنا. والوقت شتاء مختل الطقس بفعل غازات الانبعاث والحرائق ودخان المصانع والمركبات والأوزون المثقوب والاحترار وكل تلك الأشياء التي تخلخل الجو، ويعترف بها الخبراء، ويفشل فيها متوقعو الأرصاد الجوية.
سفيان كان متواضعا هذه المرة وصامتاً. لم يشارك في اللعب وترك ثلاثتهم يلعبون. جلس جانبا ينتظر طرح السؤال:
- هل ستمطر في الغد يا نعيم؟؟
- لا مطر في الأيام الثلاثة القادمة.
- متأكد؟
- الله أعلم. لكن نعم، لن تمطر.
ثم أضاف ضاحكا واثقاً أكثر بنفسه:
- هل تشارط؟ أنا لا استطيع المشاركة طبعا في الرهان، لكن إذا امطرت، أحضر أنا العشاء للآخرين على سبيل العزومة، وإذا لم تمطر تحضره أنت!
هو لن يستفيد ولا يتورط بمبدأ الرهان.
لم يجرؤ سفيان على المراهنة، لكن جبنه ظهر وخشي من الحرج والفضيحة، فقال:
- أدعو الجميع للعشاء في بيتي غدا، على أن تخبرني أنت، كيف تعرف.
لم تمطر حقا رغم الرياح والغيوم وتوقعات الأرصاد الجوية التي تعطي احتمالات عالية للمطر ولا تمطر، كما يقول هو بحزم.
// //
توقفوا عن لعب الورق لاستشعارهم الغرابة والشكوك والتوتر والسخافة في آن. صاروا يلتقون فقط في السهر القصير والانفضاض السريع. عندما شغلّوا نشرة الأخبار منذ بدايتها، كان نعيم يعلم أنهم ينتظرون آخرها، نشرة الأرصاد الجوية. لهذا قال بهدوء وقبل أن يصلوا اليها.
- الله أعلم.. أرى أنها ستمطر غدا أو بعد غد.
حدّقوا فيه عاجزين.. لم يسأله أحد عن مصدره، ولو سألوه لما أجاب.
ماذا سيقولون لو عرفوا أن الناموس إذا طاف حول وجهه ليلا وأزعجه باللسع، فإن نهارين آخرين على الأقل، لا تمطر فيهما، وأنه إذا اختفى الناموس فجأة فإن ذلك يعني تغييرا فعليا قريبا في الجو ومطرا مهما كانت كميته، يختفي معهما؟؟
الليلة السابقة، لم يقرصه الناموس ولم يشعر بوجود ولكنه ظل جاثما على الجدار. يبدو أنه يختفي عندما يستشعر الاختلاف الفعلي للطقس، وهذا يسبق المطر. الشيء الذي لا يعلمه بدقة، هو مدى احساس الناموس بتقلب الجو والمدة التي يسبقه فيها ويختفي.
لم يلعبوا الورق ثانية، ولكنه عندما أمطرت فعلا بعد يوم، صار يحمل اسما جديدا بين الناس: نعيم، الراصد الجوي!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق