وصية الشاعر
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
لم ينتبه أحد لما يفعله
صديق الشاعر المرحوم، أحد القائمين على المناسبة:
بعد أن تنتهي كلمات الرثاء
التقليدية، طلب من عريف التأبين ذي الصوت الماتع والالقاء المتقن، أن يقرأ قصيدة متوسطة
الطول غير منشورة، قال إنه حصل عليها من أوراق الشاعر الأخيرة. لم يشكك أحد من
القائمين في قوله، بل كانت مناسبة مثيرة، تماما كالخط المسمسم الدقيق الجميل، خط الشاعر
المعروف، في أوراق قصيدته بأيديهم.
صفّق الجمهور كلّه
بحماس وصفّر للقصيدة غير المعروفة التي قد تكون آخر ما خطّه، ثم نهض أصدقاء الشاعر
ليقفوا أمام عدسات الكاميرات، احتراما لذكرى مَن تصلهم كلماته بعد موته، فوقف
الجميع أيضاً.
تقدّم ناقد يقترب من
الكهولة لم يكن ضمن البرنامج وارتجل عدّة دقائق عن جوانب من الابداع في القصيدة التي ألقيت. صفق له الجمهور مع أنه لم يفهم إلا المدح. تبعه ناقد ثان اقتحم البرنامج وارتجل
كلمته بأفضل من الأول، وخالفه في أشياء..
تأثرت المقاعد الأولى
وصفّقت أكثر لحوار خاص من نوع ما جرى، فتبعتها بقية المقاعد.
أتت الفقرة الفنية
المخطط لها.
قدمت الفرقة أغنيات ثورية
ملحنة للشاعر، شهيرة، يعرفها الجمهور وطالما هتف بأجزاء منها في المظاهرات التي
تحولت إلى مناسبات، من أجلها، أيضاً، كانت تتعطل المؤسسات وتطلب من الموظفين
الخروج من العمل والمشاركة فيها.
أصاب الطرب الجميع
ونهض شبان وشابات ليتمايلوا على الألحان الثورية، وصورهم تبث مباشرة على التلفاز وإلى
شاشة ضخمة.
نقلت الشاشة الكبرى،
أن امرأة ذبل جمالها من الصف الأول مسحت عينيها تأثراً وهي تحرص على ألا تفسد
المكياج، فانتبه إليها بعضهم. تهامسوا
أنها ابنة عم الشاعر، وحبيبته، مع أن الأخير نفى ذلك في حياته بإصرار.
نقلت الشاشة أيضاً
وجوها سرعان ما تكشفت عن أقرباء ومسؤولين وأطفال يسعدون بظهور وجوههم في الشاشة بأوضح
مما يسعد الآخرون، من أي صف.
بعد انتهاء الفقرة، أعلن
مدير الفرقة، الملحّن الماهر والذي يستطيع تلحين كلام الجريدة كما قال مرّة، أنه
سيؤدي القصيدة أغنيةً، خلال شهرين، "إذا استطاع الاتفاق على الحقوق مع الورثة".
صفّق الجمهور للفن
وهو يصنع أمامه.
نهض الوريث مباشرة.
دون أن يستشير بقية الورثة الحاضرين قال إنّه "يقدّمها مجانا، وفاء للمرحوم
والفن والجمهور".
جنّ الجمهور المتأثر بالشعر
والابداع والنقد والفن والكرم فصفّق وصفّق وصفّق.
نهض الصديق واقترب من
المنصة ليقول شيئا قبل أن ينفض الجمهور. لما حل الصمت تماما، قال بهدوء وبرود إنه
ينفّذ وصية الشاعر بفعلته وأنه يمتلك لذلك تصريحا منه بخط اليد. ولوّح بورقة مثنية
استخرجها من جيب بدلته.
أعاد الورقة وكانت
الآذان مشرئبة له. أعلن أن القصيدة التي القيت الليلة ليست للمرحوم، بل لشاب مبتدئ
أرسلها إلى الجريدة حيث كان يعمل المرحوم مديرا لتحريرها، وأنها لم تستوف الحد
الأدنى المقبول كي تنشر.. ثم نزل عن المنصة دون أن يفهم أحد شيئا، وسبق الجميع في
الخروج.
تعالى اللغط المختلط
بالصمت، وتلوّنت الوجوه.
كانت تلك الصفعة
اليتيمة التي لم يستطع الشاعر توجيهها في حياته، السياسي عضو الهيئة التنفيذية،
الصديق لمئات المسؤولين، مدير التحرير، قبل أن يصير شاعرا مشهورا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق