السبت، 15 ديسمبر 2018

ايدز



ايدز..
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
بعد أن لم يعاود الاتّصال بالجماعة ولا هو طلب مني شيئا، إلى أن سألته وجها لوجه في المقهى حيث التقينا؛ ردَّ بكلمتين قليلتين:
-         لا تناسبني..
... ... ...
مرّ صمت طويل، وكنت أنتظر مجيء النادل بالقهوة لأطرح عليه السؤال:
-         كيف تركتها تفلت من بين يديك؟؟
شعر بالحرج فشرب الماء. ارتشف رشفة من القهوة ونظر حوله. كان رواد المقهى مشغولين بطاولاتهم ومحدّثيهم ولا أحد يأبه لآخر.
قال بصوت منخفض:
-         خشيت من الإيدز..
الايدز؟! هل هو مجنون؟ هل يشكك بعفة شابة حاملة لشهادة جامعية عليا ومثقفة وحسنة الخلق والسيرة وأنا نفسي أعرفها؟
-         لم اسمعك..؟
-         أخاف من الإيدز..
كان جادا في كلامه. تأمّلته: هل هو مجنون؟ لا يعقل أن شيئا حصل بينه وبين الفتاة التي تكون "سلفتي"، شقيقة زوجتي، وأعرفها منذ عشر سنوات، أو أنه عرف عنها ما يقتضي اصابتها بالإيدز.
-         ماذا حصل؟
-         لا شيء..
-         ما هذا.. موضوع الإيدز؟
أنهى قهوته في حين لم أمسّها أنا، من الذهول.
أخذ يسرد حكاية بسيطة، عجيبة في مخيالها. عن جلوسه معها بين أسرتها ومناقشته لها في الحجاب. كانت تقول أنها مسلمة وتصوم وتصلي، ولكنها غير مقتنعة بالحجاب الذي لا ترتديه. ناقشها في البداية ثم أدرك أنها لا تريد أن ترتديه، فحسب. ولأن الأمر عنده بديهي واضح لا يحتاج إلى نقاش، ولأن الانسان إذا احتكم أولا لنفسه وقناعته؛ انفصلت أخلاقه عن مرجعها الديني وصارت متقلّبة متعلّقة بعقله هو فقط، فإن تغير أحواله يسمح بتغيّر أخلاقه كلّياً. 
وهو لا يحتاج إلى امرأة يظل يترقب حركتها القادمة وضرورة اقناعها في كل تفصيل. حياته ستصبح حينئذ جحيما من المخاوف والمحاذير والرعب. اليوم رمت جانبا بكلام الله، ومن السهل عليها في الغد أن ترميه هو كلّه، وليس كلامه فقط.
ماذا إذا مرّت في فترة زوجية مملة، كما يمكن أن يحدث في أي زواج، وشعرت أن حاجتها للاهتمام من قبل رجل أو رجال تدفعها لبناء علاقة ما، في زمن افتراضي سهل التواصل والاختلاط؟
العادات لا قيمة لها في الخفاء ومن السهل تجاوزها. ستبرر لنفسها أي شيء تريده لمحض هوى أو مشكلة. عندها ليس فقط يمكن أن تنقل إليه عدوى محتملة، بل وتقتله أيضاً عن سابق ترصّد وقرار. "لقد أصيبت بوباء العصر، وجعلت نفسها حكما"، ردّد. "الأخلاق من دون دين متقلّبة متبدّلة، والعادات وحدها لا قيمة لها في الخفاء. أما القوانين فقد اخترقوها وبدّلوها، وهي لا يمكن أن تسعف الرجل".
اختصر حديثه بكلامه المتكرر:
-         أخاف من الايدز يا رجل!
لم يتح لي أي نقاش، لا حول الحجاب، ولا إقناعه أن التقصير في جانب عن طيشٍ نسائي في الغالب، لا يعني السوء الكلّي. أن يستشعرن أنفسهن وجمالهن، ببساطة، ميل عند جميع النساء. بمجرد أن سمع كلماتي الأولى وعرف غايتها، نهض ووضع ثمن الفنجانين على الطاولة وخرج من المقهى يتمتم بنبرة مرعوبة، كفاه على رأسه، كأنه يعني أكثر من مغزى:
-         ايدز.. ايدز..
واحترت كيف أنقل أسبابه المجنونة لزوجتي التي ينبغي عليها أن تنقلها لشقيقتها المنتظرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق