بركة قانونية
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
في الولاية الأمريكية ذات التقاليد
العريقة، في غرفة التداول بعيداً عن الادعاء والاتهام وبعيداً عن ضغط التظاهر خارج
مبنى المحكمة الذي لا تصل أخباره الاعلامية للمحلّفين كيلا يتأثر قرارهم، امتد النقاش
في القضية حول نقطتين مركزيتين:
هل يحق لمواطن اسود التربّص برجال شرطة -بيض-
تربّصوا به طويلا، لدرجة القتل، مع قدرته على عدم فعل ذلك؟
وهل نصب كمين يودي بالذين يسعون لايقاع المتهم
في كمين مفتعل كما ثبت، وبعد اعطاء كل التلميحات والاشارات القانونية الملزمة
كاليافطات والكلاب وأصوات الانذار والكهرباء على السياج وسلسلة من المقالات
المنشورة، قانوني أم لا؟
كان غالبية المحلّفين من السود، وطالبهم
القاضي الأبيض أن يتجاوزوا اللون في تداولهم تفاصيل القضية للوصول إلى قرار
دستوري، وأن يحتكموا لضميرهم الانساني وحس العدل فقط.
حتى الثلاثة البيض منهم، فهموا أن القاضي
يخاطب فيهم التعاطف سلفاً في حين لا يحتكم الادعاء اليه ولا شهوده ولا ربما دفاع المتهم
نفسه. لو كانوا من البيض ما طالبهم، وكانت اشارة غير قانونية بذلك، حفظت في سجل
المحكمة.
تداولوا تفاصيل القضية التي امتدت أحداثها
على مدار سنوات. الاستهداف مؤكد وصنعت المباحث لنفسها عدوا من العدم. كانوا
يستطيعون حل الاشكال منذ بدايته لو أحالوه للشرطه، لكن النوايا المبيّتة، ربما لدى
الطرفين، لم يستطيعوا تحديد البادئ بها بالضبط فالروايات منطقية متضاربة، عقّدت
صراعا غريبا بالكاد تم اثباته من قبل الادعاء، وبالكاد دُفع من الدفاع.
بنى المتهم الماكر خطته الطويلة على اثبات
التربّص من قبل الشرطة ومن ثم قلبه بأسوأ طريقة عليهم، كاشفاً خفايا للمخبرين، فاعلا
أشياء لا يمكن تفسيرها ليس فيها تهمة وهو حتى لا يهتم بذلك.
لقد مات اثنان من الشرطة وكانا من البيض،
عندما استعملا الملابسات اللحظية المفضية للشكوك واقتحما ساحته بكل ما فيها من
تحذيرات وكلاب، فوقعا في بركة ماء جانبية مموهة لم يعرفوا كيف جهّزها سرّا، ولم
يشر اليها في أي تحذير، مزودة بكهرباء ضغط مرتفع من مولد مستقل ومسامير فولاذية
طويلة حادة في القاع شلتهما عن الحركة، فيما أجهزت التيار عليهما، كأنه نفذ حكم
اعدام صريحا.
وقبل ذلك كانت هناك كمية من الشكاوى المركونة
من ناحيته قدم نسخا عنها خزّنها عند صندوق أمانات لمحام، وبالمقابل ظهرت أوامر
مراقبة متنوعة مرتجلة منهم، لأكثر من وكالة قانونية، لم تثِبت أياً من مبررات الحصول
عليها.
ثم انتبه المحلفون لنقطة خطيرة جدا.. أنهم
هم أنفسهم ليسوا آمنين، فوجوههم مكشوفة معروفة للجميع وقد يتعرض لهم كثيرون من
الشرطة، والمخبرون والمتظاهرون أنفسهم ولا أحد يدري ماذا أخفى المتهم أيضاً.
بعضهم مهتم بالدفاع عن الحقوق المدنية
وآخرون لديهم مشاريع تجارية والقسم الأخير لم يستطع التخلّص من الاحالة الاجبارية للتحليف،
بسبب التغطية المالية.
القانون الحرفي يقف مع المتهم طالما الشكوك
دائماً لصالحه، فطالما نبّه لوجود حمايات فهو ليس ملزماّ بكشف البركة. لكن البطش
قد ينالهم من الشرطة والنظام الخفي الذي خلفهم. ولمحا اشارات تجسس على مداولاتهم
تأتيهم من تنبيهات لموظفي الخدمة المشرفين على احتياجاتهم في معتزلهم المنعقد في
جلسته الأخيرة منذ أسابيع..
كان ذلك تحديدا عندما صدرت طرفة في مفارقة أضحكت
الجميع بصوت عال، أن الادعاء والاتّهام كلاهما يمتطيان الحمار ذاته، ولولا النتيجة
التي ترتّب عليها موت شرطيين لم يعرفوا كيف يبررونه، لما وصلت القصة إلى المحكمة
اطلاقا.
والحقيقة التي حاولوا اخفاءها من دون نجاح
كبير، أن المتهم شفى صدورهم فذلك ميل الجميع من الناس ضد النظام خاصة السود، لكن
عليهم أن يخرجوا بقرار قانوني ملتزم لا يورّطهم هم.
ثم قرروا أخيرا باجماع موحد الانسحاب من
التحليف والامتناع عن اتخاذ قرار بأغلبية، وترك الأمر للقاضي أن يختار محلفين
جددا. مشكلة نظام وليس مشكلتهم هم.
كان ذلك ما تلاه نيابةً عنهم الناطق باسمهم،
أن القرار، أي قرار يتم أخذه، سينطوي بالضرورة على تعارضات مفسدة.
شحب وجه القاضي وهو يشاهد طلبه منهم قد ارتد
عليه بعد خطبته اللا عنصرية والعادلة وخشي من أصداء تفسير ذلك في الصحافة، فيما
راقب الحاضرون على مقاعدهم شيئاً يتنقل مثل شبح نهاري بين نوافذ القاعة والقاضي
والمحلفين ويدور في خواطرهم ويتسلل للخارج، إلى الحشد المنزعج المنقسم فيه المتسلي
يضيع الوقت، ينتظر الحكم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق