الثلاثاء، 2 سبتمبر 2025

من طقوس التوهم والتقليد

من طقوس التوهم والتقليد
ماجد عاطف

بالنسبة لي هو أفضل روائي فلسطيني في داخل الأرض المحتلّة، من جيل الثمانينيات فصاعدا، حتى هذه اللحظة مع وفاته (منذ ما يتجاوز العقد). ولكني لست مبهوراً به مع تقديري لقيمته الشخصية والسياسية والنقابية والأدبية.
بالنسبة للأدب العربي قبل التسعينيات رأيته متوسط الأداء.
ولظروف موضوعية، كنت سعيداً للتعامل معه ما يقارب الشهور الستة. رأيه النقدي الشفهي لا تهاون فيه (اتفقنا أو نممنا على بعض الكتّاب والنقّاد)، مثل رأيه في أمور ثقافية-أدبية لست قادراً على الإحاطة بها.
كنت مرّة بحاجة لترجمة معينة فردّ علي دون حرج: فقرات بلاغية واستعارات وتشبيهات؟
ههههه، لا، لست إنشائي الأسلوب أصلا. كانت وثيقة نظامية. شعر بالاطمئنان لما أجبته.
وضحكت لأنني كنت أعي صعوبة الترجمة الحقيقية للأدب العربي إلى الانجليزية، التي هي تخصصه الجامعي، ولي رأي. لو كان حيّا الآن، طالما هو متخصص في الأدب الانجليزي ومحاضر ويمكنه المحاكمة، بعكسي أنا؛ لقدّمت له ملاحظات على نماذج كثيرة أعرفها من وجهها العربي، وأجريت معه لقاءً حول: كواليس الترجمة الفعلية؛ ومستوى الترجمة؛ والعلاقة بين الجهات المُقدّمة والجهات المترجمة إلى لغاتها؛ ونمذجات المسيطر عبر الاشراط- الانتقاء والتمويل. (الموضوع حلال زلال على أي متمكّن في الصحافة الثقافية الفلسطينية، ويستطيع مواجهة التداعيات)
== ==
أما تجربته الأصلية، فهي نضالية وطنية، وتركت أثرها على رواياته وقصصه القصيرة. ومع أنه كان عضو ق-و-م عن تنظيمه فترة الانتفاضة الأولى، وله ابن شهيد، فأنا لا اتفق معه على أمور وجدت تمظهراً في مُنجز أدبي واحد على الأقل.
كل ما سبق لأنني معني بإظهار نظرتي الحقيقية له وتقديري، مقارنة بعشرات متكاثرين كانوا جزءاً من الأدب المحلي و(حققوا العالمية!)، وآخرين اندّسوا فيه عندما عادوا مع السلطة ووجدوا واجهة ينطلقون منها ليقدّموا (الرواية الفلسطينية، ولا أعني محض الجنس الأدبي).
كنت اقدّره واحترمه وروحه -رحمه الله- شبابية ذات قفشة ونكتة، ولا يزال أفضل بالنسبة لي من المئات، لكني انزعجت منه لتفصيلة صغيرة.
كنت قد اطّلعت، وبمعرفته، على ثلاثة كتب له جمعها مجلّد واحد صدر. تحدّد موعد لإشهار الكتاب. حسبت أنها مناسبة ثقافية كالعادة وبعض من النقاش وجو ثقافي واستمتاع، ولم يكن لديّ ما يشغلني فذهبت.
فقرات ثم حان وقت توقيع الكتاب. اصطفوا في طابور وأخذوا في تسلّم نسخ بتوقيعه. انتبهت لحظتها إلى أنها نسخ يقومون بدفع ثمنها في ركن آخر، وأنا من ناحيتي لم أجد حاجة للحصول على الكتاب، فقد طالعته حرفاً حرفاً، ولم يخطر لي أصلاً حكاية التوقيع والشراء هذا. لا أتذكّر الآن إذا كان لدي ثمنه في جيبي أم لا، فغالبا -رغم الحرج- ما كنت لأشتريه لأنني قرأته مسبقاً ولا بالسعر المرتفع آنذاك، وهو أيضاً قراري الحالي. أما التوقيع الشخصي بخط اليد فهو أمر لا أحفل به البتّة ولا أجد له أي قيمة.
كنت أشاهد جانبياً ما يحدث. وفجأة، بين الفراغ من كتاب وتناول آخر عن الطاولة للتوقيع، رمقني بعينين لا تتورّعان عن إظهار النقمة الشديدة مطوّلا.
ربما كان عليّ عدم الذهاب.
لا أتذكّر إذا ما التقيته بعدها أم لا، لكن جهات معيّنة كانت قد رفضت نشر حوار لي أجريته معه، وأخبرته عن الرفض. فلّما توفي طلبت جهة منها ذلك الحوار ونشرته.
حسناً. أنا رفضت توقيع أكثر من كتاب لي أنا نفسي لأكثر من سبب، منها الذي عاينته معه هو.
== ==
في فيلم شاهدته، كان هنالك كاتب رفض دعوات لقراءة مقتطفات من كتابه، وعن السبب قال ببساطة عميقة مدهشة:
- الكتاب يُكتب ليقرأ لا ليُتلى!.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق