قصائد متزامنة
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
لم أدر ماذا أصاب رجلاً لم أره في حياتي من
قبل، ليقترب مني وأنا أشرب شايي في الحقل عصراً، أسفل المشمشة إلى جانب الشارع
الترابي، ويقول بالتصاق وتوسل واقبال:
-
أنت فقط قصدك الجلوس في الخلاء..
تملّيته طويلا لأعرف من هو. نحيف، بملابس
شبه جديدة، نحو الستين أو أكثر، وبرأس اصلع، في فمه فراغ أسنان مقتلعة.
كرّر:
-
انت فقط تحب الأغاني والقصائد..
-
مَن أنت؟
لم ادعه إلى شرب الشاي.
وذكر لي اسماً يُفترض أنه لحدّاء يتنقل بين
المناسبات والمناطق في حفلات ودعوات. هل كان عليّ أن أعرفه؟
-
ماذا تريد؟
لم يرقه خطابي له. ربما قطعت عليه ارضية ما
أو خلفية. قال وهو يبتعد متضايقا من صدّي له:
-
أنت فقط تحب الأغاني.. تذكّر، انت فقط تحب الأغاني والقصائد.
وليلتها في داري القديمة، بدأت أسمع أغاني.
بعد مدّة عرفت انها له هو. تأتيني من المخدة الخشنة المحشية بالصوف والوبر. مرّ
علي قليل له ولم آبه به كله أو قصائده أو أحفظها، فإذا بي اسمع مرغما أغاني كثيرة.
بحثت عن مصدر الصوت، ولم استطع تحديده. ما
إن يعتلي رأسي المخدة حتى يبدأ ضجيجه في الازعاج المتواصل.
نقلت فراشي إلى الساحة وأخذت أنام هناك. كان
الأمر أكثر راحة بكثير، على أن النجوم التي في السماء تخطفني مطولا وتتملك دهشتي بصفاء،
قبل أن استسلم للنوم.
وفي الدار، الليلة التالية، يتكرر الموضوع.
وبدأت أتورط في فهم دلالات تتكرر لأبيات/
شطرات بعينها.. وأخرج للساحة لأتخلّص منها ليلا هناك. خطر لي أن أطلب معونة أحد.
مختص أو عليم. وأجبرني على أن أسأل عنه أناساً بحذر، فتطوّع غير شخص ليجيب متحمساً،
وكل منهم يومئ بشيء.. تعبير، نظرة أفعى، اختلاج.. أخطر.
كأنه يتوجب أن أركض لأحد من أجل حماية، ما.
ما هذا الهراء؟
لا علاقة لي بالقصائد والأغاني إلا حفظا،
وحتى هذه تجاوزتها مع التقدم في العمر.
ثم تنبهت إلى أن الدورية زيتية اللون تقريبا،
كلما خرج لي وتخلّصت منه في الساحة، كانت تمر. لا تفعل شيئا ولا تتوقف وتواصل
طريقها، واذا ارادت يمكنها أن تطلب البطاقة من مارّ واوقفتني مرة وتفحصت البطاقة،
واعادتها لي،
هذا طبعا ما لم يكن هناك في المنطقة مظاهرة
أو شيء ما، فابتعد عن احتمال المصادفة.
ولكنها تزامنات عجيبة.
وفي الأشطار الأبيات المنغمة بطريقة أقرب
للحن القول، تأتيني أفهام أعجب، مثل شعوذات تقول الشيء كلّه ولا شيء بعينه.
فلما خرجت يوما ووجدت الأصلع مارّا من
الشارع المترب، قد سبقته الدورية بأمتار وصرت في مأمن منها، أمسكت أنا بتلابيبه.
لا يمكنني محاسبته على ما اسمعه، ولكني استطيع سؤاله عما قاله لي:
-
ماذا كان غرضك من كلامك قبل شهور وقليل؟
كان أقصر مني قامة، وكأنه اعتاد هذه
المواقف ولم يستغرب.
-
أردت أن أنبهك.
-
إلى ماذا؟
-
... ... ...
وخزني خوف بسبب ترافقه مع الدورية وبدأت
افتّش في نفسي عن شيء يوجبه. لم أخلص إلا إلى أنه هو ذاته قريب من بعضهم الذي على
علاقة بمؤسسات المدينة وابغضهم متجنباً، ولا بد من اضماره/م السوء لي ووجدوا طريقة
خفية لازعاجي في داري.
لو أراد احد تنبيهي لشيء، لفعل ذلك من خلال
معارفي.
سؤالي ورّطني به، فقد أخذ يأتي يومياً على
مدار اسابيع وينادي، كأن له حقا عندي!
فكرت كثيرا جدا. وحسبتها من نواح مختلفة.. مضت
مخيلتي إلى أشياء متشظية. الدورية لا اهتم لها فمثلي مثل الناس، وأنا أبعد من أن
يفكروا فيه اعتقالا أو أذى.
وجدت أن عليّ أن أتخلّص منه برجمه هو أو
ضربه، إذا ما أتاني مرة أخرى متزامنا مع الدورية، بعد أن تتجاوز.
وثقت أسبابي واحتطت لما قد يقع من استنجاده
ببغضاء المدينة أو حتى الدورية.
وفي المرة التالية كان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق