جرذ من المدينة
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
حين اتمشى ليلاً، ما بعد التاسعة مساءً وصولا للثانية صباحا، وأحيانا قبيل ذلك، ألمح في شارع الارسال وحول سوق الخضار الكثير من الجرذان، وإلى جانب ركب حيث كانت "الروابط" قديما، وصارت موقفا لسيارات الأجرة الآن.
في البلدة القديمة كمية متوسّطة، إذا كان لي أن اقدّر.
أراها بدرجة أقل كثيراً في شوارع المدينتين التوأم، رام الله والبيرة، لأن الأحياء سكانية ولا تزال محاطة بمساحات فارغة تفسح للتسلسل الهرمي في الغذاء. في المنطقتين الصناعيتين، حدث ولا حرج من الكثرة أيضاً.
لقلة المغذيات الصناعية السهلة من مخلفات مطاعم وحلويات وخضار، فإنها قليلة العدد في الأحياء البعيدة. لا يخلو الأمر من جرذ يباغتك وهو يخرج من حقل مسيّج أو لا يزال يُرعى ويحرث، لكن شكله يختلف وحركته بل و"احترامه" لك أنت المارّ. يتراجع كفطرته في انتظار أن تبتعد.
أمّا في الشوارع التي ذكرتها، فإنها سمينة كثيرة العدد بطيئة ووقحة تخرج من مخابئ استغربها. هل تمديدات الصرف الصحي بهذا السوء وسط رام الله؟ هل تبقت هناك زوايا تختبئ نهاراً فيها، مع تضخم العمران؟
لا أخاف منها.
شخصياُ احب الفئران الصغيرة الذكية السريعة. يمكنك إن كان المكان ملائما ولديك من الصبر فيمكنك التفرج على مهارة الفئران الصغيرة. أفهم لماذا جعلوها حيوانات أليفة لدى ثقافات، غير أني انظر لها بطريقة مختلفة. النساء تخشى من الفئران ولدي لذلك تفسير غير محتشم، نظرا لبحثها عن ثقوب تختفي فيها، بعكس موقفهن من الأفاعي.. لا يخشينها!
لم يخل الأمر في سابق السنوات من التأمل المطوّل في الفئران. سكنت في مخزن ترابي لأكون وحدي، وكنت أرى من المهارات ما يضحكني مطولا وأنا ارقب، خصوصا حك المقدمتين ببعضهما عند الأكل والتطلع بوقار ذي عينين سوداوين على انسياب في الانخفاض!
الشوارب أتقزز منها، ولم يسبق لي أن لامست واحدا منها باصابعي، لأن النفور من المرض والقذارات منطبع في وجداني. أتفرج فقط. وذات برميل كان فيه القليل من مخلفات غذائية وأقمشة رايت (الانفجار) الفئراني عند تدافعه وأنا أحاول التنظيف، دائريا وتفاقزاً كمية كبيرة من المولود حديثا الرشيق القوي.
لم أخف انما تقززت وفاجأتني الحركة.
أعرف الفئران قبل توسّع المدينة، بل وأعرف الجرذان، لكنها كانت مختلفة ولا شك أن تغييرات جرت عليها من قبيل تجاوز مفعول المبيدات والسموم الصناعية، وتأثيرات ما في مياه الصرف. اعتقد أنها تطورت جينيا. كان العدد أقل بكثير، وكانت النوعية مختلفة. ولا أدري إذا كان هذا ممكنا أم لا حاليا، لكني سمعت عن قطع الجرذان لآذان رضع، بفعل الجوع.. غالبا في القرى وحيث الأغنام وغير ذلك.
== ==
الصغيرة لا تخيف لكن لا بد من التخلص منها. يكفي صحون رخيصة ليلتصق بها الفأر حال انجذابه وتقدّمه، ويمكن انتزاع جسمه واستعمال الصحن لأكثر من مرة. فعلتها مرارا حين كانت الفئران تتسلل من الباب المفتوح دائما. المكان ضعيف التهوئة. تصبح الحرارة عالية ولا يكفي الشباك/ النافذة الوحيدة لادخال كمية هواء. إنني أحب البرودة واحتملها، فكنت أنام إلى جانب المفتوح من أجل التنفس المريح، واحيانا في الشتاء.
== ==
فجأة لمحته. جرذ كبير سريع يقترب من بقايا الماء في الحمام. التمديدات محكمة الاغلاق ولا بد أنه دخل من الباب نهاراً أو ليلا. من المؤكد أنه من جرذان المدينة!
كنت سمعت أصواتا لقرقعة خشبية وحركات مفاجئة ولم أحفل، ولكني تحققت عندما رأيته بنفسي.
هل هرب من ماسورة صرف محطمة؟ هل هناك في الجوار وكر يسرّب جرذانه إلى البيت البدائي الوحيد في الحي الراقي؟
أكره السموم الممزوجة مع الطعام، فلربما يأكلها قط أو تتحلل على البلاط، ولا أريد دفع المال. كانت لدي أكثر من مصيدة شبه صدئة. تفقدتهما ووجدتهما تعملان. غذيتهما بالطعم، قليل من مرتديلا وخبز. بعد ساعات طويلة من الاطلالة والتفقد قبضت على الجرذ محشورا في الداخل الشبكي، القفص، يحاول أن يخرج ويحتمي إلى الجانب. أخذ يتراكض عندما رآني.
لم أعرف أين اتخلّص منه. ولأنني كثيراً ما رأيت جرذانا تحوم حول الحاوية الممتلئة بمخلفات الطعام من سكان الحي، حملت القفص وذهبت به هناك وأطلقته فيها.
شعرت بالرضى لأنني لم اقتله. سيكون عملا مقرفا مليئا بصوصآت وامكانات العض والخدش وبقايا الدماء، وفوق ذلك علي التخلص من الأداة، الهراوة أو العصا. وستسكن مخيلتي مشاهد تستمر لفترة وقد تراودني عند الأكل.
صرت حضاريا، كما في الأفلام الوثائقية التي اشاهدها، فاكتفي باطلاق الحيوان.
فترة ثانية وتكررت القرقعة.
راودتني افكار ذات شكوك، لكن يحسن بي الاحتفاظ بها لنفسي. جددت الطعم مرة أخرى، وبعد يومين وقع.
أين أطلقه؟
غيّرت المكان إلى حقل قريب مليء بالنبات والشوك، وقلت لعله بعد الخوف الذي طاله من القبض عليه يشعر بالأثر فلا يعود ثانية، وسيجد طعاما.
لم اكن واثقا، لكني اعتقد أنه الجرذ نفسه، الطويل مرعب الذيل السميك وقحٌ لا يتردد من التجوّل وأكل الخشبي والورقي. اللون خصب أسود تغذى بالمواد العضوية هنا وهناك خاصة من ماسورة مكسورة للصرف الصحي، والفراء مقرف.
فترة ثالثة والقرقعة مشابهة. لا يوجد شيء لتتغذى عليه الجرذان لأني وحدي ولا أخلّف طعاما خارج الخزانة. ما من فتات أو مغذيات تدحرجت أسفل المساند والخزانات والمقاعد، وما من بقايا طعام مع مواعين المجلى.
لو كنت اضمن أنه سيخرج وحده، لما اهتممت.
لكنه إن استقر ووجد أنثى سأتورط بمزرعة، وسيتلف الملابس والأوراق وما يتمكن منه. يقال أنه يأكل أسلاك الكهرباء ولا يتأثر.
جهزت المصيدتين وتركتهما. يومان ووقع.
هذه المرة تأملت وتفكّرت جيدا.
إن كان قد ألف معاملتي ولا يخشى مني فسيظل يعود إلي البت باستمرار. لم احتمل فكرة قتله باداة تتسبب بالتهشيم والدماء والصوصأة، فما كان مني إلا أن أغرقته في سطل ماء ضخم.
أدرت وجهي وابتعدت بانتظار أن يختنق بالماء.
احتياطاً خلطت الماء بمنظفات البلاط. لا أريد أن أظل متوسوسا بأثره والفيروسات والأمراض.
صار لدي سطل مخصص للجرذان أضعه جانبا على سبيل الوقاية، وإلى هذه اللحظة، لم يدخل آخر. غالبا كان الجرذ نفسه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق