أمران في نيودلهي
أمران
شغلاه في رمضان ذاك العام.
فكّك
معضلة بطالته التي تطال كل الفقراء في نيودلهي، بأن تطوع في ملجأ لكبار السن، الذين
لا يكبرونه كثيرا. يقوم على خدمتهم نهاراً، ويأوي في الليل إلى مخزن صغير قدمته
إدارة الملجأ له، بعد أن صارحها أن تطوعه، وإن كان في سبيل الله ولو كان مقتدرا
لقدّم المال أيضاً، لا يخلو من احتياج: مكان للنوم.
لم
يفكّر في الطعام، لكنه توفّر أيضا: إذا لم تزد الوجبات عن حاجة النزلاء، يمكنه أن
يتناول الراجع منها.
يبدأ
عمله في الخامسة صباحا، حين ينهض ويؤدي الصلاة، ثم يتفقد العاجزين المحتاجين إلى
تغطية أو سقاء. قد يحتاجه عجوز مشلول لا يتحرّك ليحك له ذراعه وأنفه (والحاجة إلى
الحكاك تعذيب لا يتصوره غير المجرّب). ثم يقشّر البطاطا المسلوقة ويسلق البيض راشا
القليل من الكركم، ويوزّعهما على الصواني إلى جانب المربى وحبات الخيار وأرغفة
الخبز، ويقدمها للذين لا يستطيعون الصوم.
يكون
هو قد أمسك دون سحور، ولكن بعد اليوم الثاني من الصيام لا يعود يشعر بالجوع، إنما
العطش فقط. يظل طوال النهار إلى جانبهم يتفقدهم ويرعى وجباتهم ويرتّب أسرة
القادرين وحفّاظات مستعملها منهم وربما طلب الطبيب للمريض. بعد الظهر يغفو النزلاء
فينام في قيلولتهم.
اشغل
نهاره بعمل مفيد وإن لم يكن له الأجر المالي. الإفطار قد يتناوله في الملجأ مع
النزلاء، لكنه يحبّ المسجد لأنه يجمع المسلمين من كل الأعراق، كغرباء كل منهم له
عالمه الذي يصطف إلى عالم المجاور. تنبعث الذبذبات المتحدة في ذبذبة جماعية تحلّق
مثل تسبيح النحل، وتطغى على ترانيم الرهبان في المعابد المختلفة.
حبات
التمر الفردية (وطعمها الفردي، لن يصدق أحد لو أخبر، يختلف عن الزوجي) يشعر
بحلاوتها تتسلل إلى عروقه الجافة كما يشعر باحتراق الدهن القليل الذي فيه، حين
ينهض للصلاة بسرعة، من مفاصل جسده. حتى لو افطر في الملجأ، والفطور يكون دسما لا
يقوى على هضمه فيقلل منه، فإنه يسارع لصلاة التراويح مبكّرا.
لا
بد من إنهاء القرآن مرة في رمضان على الأقل. الصعوبة
فقط في القراءة باللغة العربية.
أمران
شغلاه في رمضان ذلك العام:
"فطرته"
التي يتوجب على كل مسلم وصائم إخراجها مهما كان فقيرا أو معدما؛ والحذاء في قدميه
يخجله كلما التفت إلى اهترائه أحد. تدبر كيسا من القماش وصار يضع الحذاء فيه يخفيه
عن الملاحظة، ويتعمد الانفراد عن الناس عند خلعه أو ارتدائه في المسجد.
لاحظت
نائبة المدير حذاءه وهو يتحرك به، فاقترحت عليه أن يستعمل حذاء لنزيل لا يستعمله
نظرا لشلله ومكوثه طوال الوقت بين السرير والكرسي المدولب.
رفض.
قدمت
حلا آخر، وهو حذاء نزيل مات أو خرج ولم يعد يستعمله هو أو غيره. لأمر ما كره أيضاً
العرض. إنه يرفض أن يأخذ من أحد شيئا. يمكنه استخراج كيس ملابس من قمامة وغسله ثم يرتديه،
لكنه لا يستطيع قبول شيء من أحد. قليل من يفعل الخير باقتناع تام، وغالبا هناك
النظرة الداخلية المتقلّبة بين فوقية ونفور بل وتهرّب مؤذ لا مطلب له، والمن عليه.
كانت
المعاناة الداخلية تولّد طاقة نفسية يحبّها، وربما من أجلها أحب الصبر أو الشقاء.
إنه يشعر بحدود النفس والكرامة والاحترام والتضامن مع من هم في وضع أسوأ والأجر
الجزيل المتوقّع. عنده صلاته وعمله وسقف آمن فوق رأسه، وغيره قد يبيت في العراء
يلسعه الصقيع، أو يدوي الموت فوق رأسه إذا لم تقتله، كما في بورما والشام.
التنفّس
عندها ليس حركة تلقائية، بل شعور أقرب لما يصفه رهبان التنور، لكن بنسمات الحياة
تتدفق إلى رئتين تسبّحان بحمد الخالق، أو تخرج حاملة الأذى، بحمده أيضاً. لا
يستطيع أن يقبل شيئا من أحد، لأنه بطريقة من الطرق، يشعر أنه غير مستحق وأنه ليس
من حقّه.
زكاة
الفطر شغلته أكثر.
إنه
لا يدري من أين يتدبرها قبل الأسبوع الأخير من رمضان. فكّر في أن ينزل حمولة شاحنة
في سوق الخضار، وهو عائد من الصلاة. جرّب مرتين التلميح بحاجته للأجر، لكن تلميحه
قوبل بالصدود أو عدم الفهم، من مدير السوق. لا أحد يشغّل رجلا في الخمسين منحني
الظهر قد يقع ويتسبب بكارثة مع التأمين.
شغله
الموضوع كثيراً، وكان يقول إن الله سبحانه وتعالى سيفرجها عليه. بطريقة ما يثق بما
سيحصل ولا يقلق كثيرا بالحل، الذي رأي بعينيه كيف يمكنه أن يتسلل من زحمة غير
متوقعة، حتى بين أصابع قسيس يبشّر بالكفر أو فأر نجس لمعبد وثني.
صار
يعرف سيرة أولئك الذين يعتمدون على الله في كل شيء، الصغير قبل الكبير، ولا يمكن
لغير مجرّب أن يصدّق ما يحصل معهم، إذا أخبر أصحابه به.
لكنه
كان مثقلا أيضاً بشعور داخلي، كيما يختبر الانفعال في لحظته كاملا، فرحا أو حزنا،
قلقا أو اطمئنانا.
//
من
سيصدّق أنه ذات مساء وهو عائد من صلاة التراويح ماضيا بعيداً جداً عبر سوق للتجار
الهندوس لا يسلكه عادة، مغيّرا للجو، وجد حذاء مستعملا جيدا موضوعا على حائط بجوار
رصيف، على مقاس قدميه بالضبط، وكان فيه ولاعة تعمل أيضا؟
من
سيصدق أنه وهو ذاهب لجلب الخضار من السوق ظهيرة اليوم التالي، بدل سائق الملجأ
المنشغل بأيام زواج ابنته، وجد ورقة مالية فوقها حبة مانجا فاسدة تقف على رأسها
الدقيق ومن الصعوبة بمكان أن تستقر عند التدحرج على هذا الوضع، أسفل شجرة لا أحد
يقطف منها، وتفي بحاجته لإخراج الزكاة عن نفسه؟
لم
يتردد.
حمد
الله وأخذها وأدى ما عليه لأول مستجدية كانت تلم نفسها بملابسها الصفراء التي تأكد
من أنها تغطي كتفها. وبخلاف الحذاء الذي لم يشغله كثيرا رغم وجود ولاعة فيه (لم
يفهم دلالتها في نظام المصادفات المحكم والذي هو قضاء كل شيء فيه له معنى)؛ فإن
الورقة المالية وعليها حبة المانجا لم تغادر خياله قط.
يثق
أنها كانت موضوعة خصيصا له.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق