قصة
قصيرة// ماجد عاطف
(1)
جلست
ابنة عقلي، المسحور أو المأخوذ أو المريض، قبالتي على الأريكة القصيرة. لم تكن
ظاهرة لكني كنت أحسّ بوجودها وبالغبش الأبيض، كأنه الكترونات كهربائية تحت رذاذ
مطر، يحيط بها وقامتها. كانت طويلة، في منتصف العمر، شعرها ليس ظاهراً لا أحسّ به
أو بلونه.
كانت
تعرفني، وأعرفها، دون سابق تعارف.
كنت
جائعا فذهبت وصنعت بوجودها الحساء وحده، مع الخبز. جلست إلى الطاولة أكل منهما.
رغِبَت أو تظاهرت أنها تريد تذوقهما، فارتدّت إلى عقلي، وسكنت جسمي بهالتها
الشفّافة. ارتشفتُ الرشفة من الحساء، وتذوقتْ معي، متحدين. قالت في خاطري، لا
يسمعها غيري، هي التي تعتبر نفسها من شريحة راقية:
-
ليس سيئا!
كنت
أحسّ بها على تسليم غريب: موجودة، نعم؛ لكن على طريقتها الخفية، دون تعارف اجتماعي
أو قبول لوجودها أو استئذان مني. هل كانت متحرّجة مني أو من شيء؟ لا أدري، لكني
أحسّ بحالتها النفسية أو الانفعالية دون وسيط، كأنني (أدركهما) بحسب تخاطر عقلي
قسري. كانت غريبةً وقريبةً ومتعلّقةً، وتعتبر نفسها –بدونية ما- أفضل مني.
حدث
شيء جعلها تتركني وتفارق جسدي لتخرج بنبضات كهربائها، وأحسست كأنما النسيم
يفارقني، لتخرج من الباب غضبى. لم أهتم لأنني كنت واثقاً أن غضبها ليس حقيقيا،
ربما لأنني لم أكلّمها؛ وأنها ستعود. وبالفعل عادت: غريبة، خفيِّة، جميلة.
تقمصت
دورا ليس لي، مرتجلا الفصحى:
-
هل من الممكن
أن تقولي لي ما الذي يغضبك؟
تقمصت
دورها، وردّت بصوت عقلاني:
-
ليس شيئا
بعينه..
-
أفهم الأمر.
كيف حال كتابتك؟
-
تأتي في مواسم
وتذهب معها. هل قرأت كتابي الأخير؟
-
لا، لم أحتمل
فكرة مطالعته.
-
توقعت هذا، ما
الذي يزعجك من كتابتي؟
-
لا أريد معرفة
تفاصيل أكثر عنكِ. سأتأذى لحظتها وسأتألم حين تتجسّد لي حيوات لا تحتمل..
-
ألأنني
عميلة؟!
-
هل أنت كذلك؟
ساد
الصمت. لم تجب ولم أتكلم. بهذه الحال ربما فارقتني.
(2)
ربما
كنت مستيقظا. أحسست أنها دلفت من الشباك الذي فوقي على الأريكة الطويلة، كنسيم من
كهرباء ساكنة أو قماش انسيابي، إلى رأسي، ثم إلى الأريكة القصيرة بجانبي. سمعتها
مباشرة، بنبرة طفولية وذكاء مندفع وحدّة عجيبة في الصوت، كأنها أختها الصغرى (أو
في عمر أصغر):
-
أنا فلانة،
وصلت إليك، وجئت لأقتلك!
لم
اصدق كلامها، فهو لا يقال ولا فائدة من قوله.
-
كيف حالِك؟
-
جيدة، لكن لدي
مهمة لأنفّذها..
فهمت
ما تعنيه. لم أهتم بمهمتها التي بدت لي ككذبة تمارس على مريض لإبقائه متماسكاً..
سألتها:
-
كم لديك من
الوقت؟
-
القليل منه.
-
نستطيع أن
نجلس ونتحدّث.
-
ولكني
"عميلة"؟!
الكلمة
الأخيرة كانت استنكارية، بالأحرى: استغرابية. فتذكرت العبارات التي خططتها ضدها
على الأرصفة. يبدو أنني –في دقائق- حطّمت حياتها.
قلت
بحزم:
-
لا يهمني كونك
عميلة سوى أنني لست متواطئاً معك.. في اللحظة التي أعرف شيئا ضد الله ورسوله
والمؤمنين والقانون الفلسطيني، فسأكشفه.
-
فهمت.. لا
تعترف بي كعميلة؟
-
بالتأكيد، لا
أقبل بك هكذا، ولا أعترف بهم "هم". أنت بالنسبة لي كاتبة فلسطينية في
مأزق.. ما هي أحوالك؟؟ هل حصل شيء معك؟
-
حصلت أشياء،
لكن لا يمكن قولها لك أنت!
-
لا بأس.. هل
أفهم التالي: من يحرق عميلا يظل الأخيرُ يلاحقه حتى ينال منه؟
-
أكثر من هذا..
لكن نعم. كيف عرفت أنني عميلة؟
-
هل تصدقين؟؟
لقد نسيت. مضت عشرون عاما.
-
في حالتك نعم.
أنا أصدقك.
-
بعيدا عن
التقابل في العداوة، أريد شرب قهوة، هل ترغبين بها؟
-
كل ما تحسّ به
أو تتذوّقه أو تكتبه، أعرفه مثلك وأحسّ به. أنا في عقلك وجسدك إلى أن أقتلك!
-
طيب. سأصنع
قهوة ونخرج لنشربها في الحديقة.
-
جيد.. حيد!
-
ماذا عن
قتلي؟؟
-
بسبب كلامك
أيها "الارهابي"، والقهوة، أخبروني –تواً- أنه يمكنني التأجيل. ربما فيك
أمل..
-
لا أعتقد ذلك.
أنا لست ارهابيا.
(3)
كانت
في عقلي وأسفل شجيرة الأسكدنيا في الوقت نفسه، كـ "سنفورة" صغيرة مغرورة
مأزومة!
-
جميل.. جميل..
حديقة مهملة وقذرة، لكنها مريحة!
-
الحديقة اسمها
(الجِنْان)، جمع جنّة، لكنها عامّية ومسكّنة. هل ترين تلك الحبات المتساقطات على
الأرض والجافات؟
-
نعم.
-
يمكن أكلها.
-
لو سمحت، ذقها
لي.
-
حاضر (نهضت
والتقطت واحدة كبيرة غير متضررة وسمينة)
-
طعمها جيد.
ليس سيئاً! هل يمكنني القفز من عقلك والتجول في الجنان؟
-
بالتأكيد.
اذهبي لبقعة الشمس المتسللة بين الأوراق على الأرض.. هل وصلتِ؟
-
نعم
-
استشعري الدفء!
==
==
-
ما رأيك بنبتة
القبور، المزهرة، تلك؟
-
ابتعد عن
موضوع الموت والقبور. لكنها جميلة.. ما اسمها؟
-
النرجس.
-
هل هذه هي؟
-
أجل.
-
هل لها
رائحة؟؟
نعم،
وفوّاحة (شممتها لها)
هتفت:
-
رائع!
-
هل ترين
البتلات البيضاء أعلى السيقان؟ ستجدينها رطبة مخملية، ووسطها أصفر أكثر جفافا.
يمكنك لمسها بأصابعك الخفية وتحسسها.
-
هل توحي إليّ؟
كان
سؤالا طفوليا مباشرا، فأجبت:
-
القليل من
الايحاء، مما لا ضرر فيه.
-
حسنا. أنت
خائف.
لم
أكن خائفاً بالضبط، لكني شعرت بالحماسة، ربما لأنها استجابت لي:
-
تخيلي بركة
صخرية صغيرة هناك تحت الشمس، أنت التي تحبين السباحة. سيكون الماء فاترا وأقرب
للدفء في هذا الوقت من العام وهو محتمل وتستطيعين احتماله. هل يمكنك طرح ملابسك
خفية والانغماس في الماء؟
-
نعم. لا تقلق،
أنت لا تستطيع رؤيتي.
-
جيد. انزلي
برفق. امسحي جسمك بالماء أولا، ثم انزلي قليلاً.. قليلاً.. قليلا.. إذا كان عقلك
متعباً، يمكنك غمسه وسط الماء لعشر ثوانٍ، ولن تسمعي شيئا. سيكون سكوناً مريحا
شاملا. هل أنت جاهزة؟
-
أجل!
-
أنتظرك بعد
دقائق.
(4)
بعد
دقائق سمعت سطح الماء الذي تخيّلته يَصخَب ويرتطم، فعرفت أنها تخرج.
قالت
توشك على البكاء:
-
لا شيء لأجفّف
نفسي به.
-
انتظري قليلا،
فالجو دافئ. أنا سأشرب بقية قهوتي وسأدخّن سيجارتي.
كنت
متأكداً أنها متكثّفة في الحديقة الجنان تجفف نفسها تحت ذرات الشمس، بعيدة عني،
فأخذت افكّر فيها.. بمجرد أن حرقتها، يبدو أنها تدمرت، وربما ماتت وفقدت جسدها
وتحوّلت بطريقة ما -بين السحر والجنون والميتافيزيقيا- إلى هالة من نبض كهربائي
واعٍ يمكنه أن يسكن الدماغ، دماغي، وربما أي دماغ.. والآن هي في نزعة طفولية
مستحيلة: توقف بها الزمن وتريد أن تنفّذ مهمّتها لمداراة الحياة والموت والفشل
والنجاح وأسرارٍ في أعماقِ سرّها أسرارُ.
فقدت
بدوري ذاكرتي، وعلقت عند وعي ما، ولا أدري ما الذي حصل ودفعني للكتابة عنها على
الأرصفة، جهاراً نهاراً أمام الناس.
اتى
صوتها فرحاً:
-
ارتديت
ملابسي!
صوتها
صوت أنثى طفلة خال من التهديد أو الاغراء أو الشعور بالخطر. ربما هذا هو أصلها قبل
كل شيء. كانت تستفز فيّ مشاعر الابوّة قبل أي شيء آخر، لأنه لم يخطر لي سوى جعلها
تشعر بالسعادة والاطمئنان:
-
هل أنت جاهزة
للرحلة التالية؟
-
رحلة! إلى
أين؟! (ردت بحماس)
-
في الجنان
نفسه. هل تتخيّلين درع السلحفاة الفارغ بجوار جذع التينة؟
-
أين ذهب جسم
السلحفاة؟
-
خرج يتمشى في
الحي، وسيعود بعد ساعات.
-
نعم.
-
تشكّلي ثانية
وادخلي فيه، لكن حاذري من نتوء طفيف في السقف.
-
هل تصدر لي
الأوامر وتوجّهني؟؟
-
لا، لكن اريد
لك اختبار شيء.
تقلّص
غبارها الكهربائي ودخلت بيت السلحفاة. رأيت غبشها يحاذر النتوء الناعم في سقف
القوقعة، الذي حذرتها منه. كانت سعيدة وتردد، آمنة مطمئنة، "أنها لم تشعر
بمثل هذا الشيء الرصين من قبل". أخبرتها أنها تستطيع التكوّر كجنين في بيت
السلحفاة، وأن تتنفّس من الكوات، وأنها تستطيع أن تغفو وأنني سأحرسها.
-
هل تعدني؟
-
حسنا..
الصراحة، قد أتركك لساعة أو ساعات، نائمة.
-
فكرة أجمل!
وأنت، بالطبع، تريد الذهاب للتدخين.
-
هذا صحيح. ما
رأيك لو تكتبين الليلة نصاً عما حصل اسمه (أمشاج).
-
ما معنى
الاسم؟؟
-
له أكثر من
معنى، أريد أنا منه معنى الانفصال والاتحاد في آن..
-
ولماذا لا
تكتب أنت؟
-
أستطيع أن
أفعل، إن نسيتِ موضوع قتلي وكتبت نصّك عنه، بالاسم نفسه.
-
تفقنا.
(5)
عدت
إلى الغرفة الضيقة. جلست على الأريكة الطويلة. تذكرت: لاحظت أن هناك فارقا
بينهما.. حالما خطر لي هذا، سمعت صوتا من الأريكة المفردة يقول:
-
أنت محق. إنها
ابنتي وتكتب باسمي أحيانا.
سألتها
لأتحقق:
-
هل أنت من ذاق
الحساء معي؟
-
تقريبا.
ففهمت
أن عقلي صار بيتاً للعائلة، عائلتها، بأسرها؛ لأنني قبل ذلك -أخذت أتذكّر- قابلت
والدها، في عقلي أيضاً.. فبزغ في رأسي تساؤل:
-
لا أجرؤ على
السؤال!
-
أعرف ما فكّرت
فيه. لم يحن الوقت لأخبرك ما الذي حصل عندما كتبت عني على الأرصفة، لكنَّ ابنتي
تعتبر أنك مهمتها وتتابع لك كل شيء، وأنا أعتمد عليها، لأنه لا يمكن تركك وحدك
أبدا.
-
هل أنت أو هي
حيّتان؟
-
تقريبا.. قد
تلتقي بالكثيرات اللواتي يحملن اسمي، وكلّهن لديهن الهاجس نفسه: ملاحقتك وقتلك.
-
تقصدين
اخواتك؟
-
تقريبا..
لاحظتُ كيف تعاملتَ معها، وكنت أقرأ كلَّ حرف وشعور. هي بحاجة لأب.
احتججت
من التلميح:
-
لا يمكنني أن
أكون هذا!
-
هي تعلم
الأمرين معا.
لما
كان جوابها قصيرا، كان لا بد أن أسألها، مباشرة:
-
هل هو حي؟
-
تقريبا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق