الأربعاء، 9 أبريل 2025

الكتاب الخامس من حيث الكتابة، اضغاث

 

الأضغاث هي العشب اليابس والأخضر أو الأحلام والكوابيس. كانت توثيقا لمرحلة عايشتها معتقدا المرض.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

"ما لا تستطيع الاعتذار عنه، يعتذر عنك"

 


 

القسم الأوّل:

 

الفيل يا ملك

أشياء غريبة

انكسار ذكر

الزبونة

المغشوشة

حق لا يمكن سلبه.


الفيل يا ملك!

 

أفلت زمام المرأة المنهكة وأخذت تصيح بصوت غاضب:

-   اليوم الرابع على المعبر.. اتّقوا الله.. لم يعد لدي فلوس لتأخذوها، ولا أستطيع شراء أكل. مرضت يا ناس، حرام عليكم: اتّقوا الله فينا..

لوهلة دبّ الصمت في القاعة المكتظة وتوقّفت حركة الجمهور، ثم تعالى اللغط المؤيّد أو متعاظم الاحتجاج فأخذت الأجساد تتوثّب كموجة متمرّدة قبل أن تهدأ. لو أن شخصاً آخر غير المرأة الكبيرة المنهكة صرخ لكان هناك أثر سلبي، عناصر أجهزة أمن تأتي وتطوّق القاعة وتحاول ضبطها من الداخل بسلسة من البشر والأسلحة والعصي لرد المنتظرين منذ أيام، المنهكين، إلى انتظارهم اللا نهائي.

طأطأ موظّف الجوازات رأسه خلف الزجاج وأغلق بإصبعه الميكرفون ونظر إلى أسفل قدميه. لم يكن لديه في نهاية الأمر ما يقوله لامرأة في عمر أمّه لم تعد تحتمل أكثر.

لو كان منع العبور حقيقياً، على الجميع، لهان الأمر.. في أقل من نصف ساعة ينتظر ابن ذوات أو متأنّقة، وفجأة يمرّ متبختراً من الباب الموصد أمام الكثيرين الذين باتوا لليلتهم الثالثة أو الرابعة أو الخامسة على الأرض القذرة حيث عناقيد الذباب يلتحفون السماء، أو تحت الأشجار.

في الحقيقة كان منظر النائمين على الرصيف وفي الساحة مأساوياً كأنّه نكبة أو نكسة جديدتان: مخيّم آخر وأجساد قارفها البؤس. هذه امرأة تحتضن على الأرض طفلها. ثمّة رجل يحاول ستر ابنته في نومها العاري. عائلة انتهك المشهد القسري خصوصية إنسانيتها.

 حين تسمع الرد المغضِب: VIP، تقرير مرضي.. دفعت مبلغاً كبيراً بالدولار.. لها قريب ضابط يعمل في المعبر، تنسى أنّه معبر شكلي حيث لا صلاحية فعلية. تعلم أنّه محاولة لتنظيم الأمور لكنها محاولة في حيّز العبء الإضافي غير المبرر، وتتمنى عندها لو تزول كل هذه الشكليات الإضافية لتختصر الأمر، ولترَ عندئذ الجوهر ولو كان مؤلماً: لا سلطة فعلية ولا نظام. وهناك معبران بعد، أكثر تشديداً بما لا يقاس، لكنهما أقل معاناة بما لا يقاس أيضاً. لن تنام ليلتك على الأقل. تعرف دورك وتعرف متى تصل إليه أو يصل إليك ولن تقاتل على ما يتسرّب من ناظرك لأن عدوّك أو الغريب -يا للسخرية- يساوي بين العابرين.. لن تؤذيك مناظر القذارة ومكارهها الصحّية، ولن تبحث طويلاً عن حقيبتك المداسة أو المنتهكة أو الضائعة، وستجد الماء عند حاجة شربه نظيفاً.

ماج الصفّ الأول والثاني حين لاح لهما أن ثمة حركة لعبور الناس لكنها كانت حركة خاطئة وسرعان ما عاد كل شيء إلى ازدحامه وتراصّه.

استأذنت من رجل جالس أرضاً يسند ظهره إلى جدار أن أجلس بجواره بعد أن أنهكني الوقوف، فأفسح لي مبتسماً. مددت ساقي وسرعان ما سحل جسدي على البلاط وغفوت قليلاً واستيقظت بعد دقائق على صوت احتجاج فردي آخر.

مِلت على الرجل وقلت أننا لو نتظاهر جماعة لربما أجبرنا القائمين على المعبر على تعجيل المرور. هزّ رأسه متفهماً لكنه لم يقل شيئاً. كان ساهماً يعبث بذقنه وفجأة توهّجت ملامحه وقال:

-   تحدّثني أم أحدّثك؟

ابتسمت للسؤال العجيب وطلبت أن يحدّثني.

"كان هنالك ملك ظالم من فرط ظلمه اقتنى فيلاً وأطلقه وأمّر ألا يتعرّض له أحد. وكان الفيل يجتاح المدينة وأسواقها ويدوس الناس وحاجياتهم. ويفرّ الناس من أمامه ولكنهم لا يسلمون. وذات يوم اجتاح السوق وقتل الكثيرين، فاجتمع الناس في المسجد يتذمّرون ويتشاورون فيما ينبغي عليهم فعله. كان إمام المسجد يصغي إليهم صامتاً لا ينبس بشيء. اقترح أحدهم أن يشكّلوا وفداً ويذهبوا متظلّمين إلى الملك. واختار الناس رجال وفدهم وطلبوا من إمام المسجد أن يذهب على رأسهم.

وذهبوا إلى الملك وانتظروا طويلاً حتى سمح لهم بالدخول. فلما صاروا في حضرته تراجعوا إلى الخلف واحداً تلو الأخر وبقي الإمام في الأمام. سأل الملك:

-   ها قد دخلتم، ما الأمر؟

وانتظر الإمام أن يتكلّم أحد الموفدين لكنهم صمتوا جميعاً. وظنّ أنّهم لا يجدون بدءاً للكلام فابتدأه لهم:

-   الفيل يا ملك..

-   ما به الفيل؟

واستدار إلى الوفد ليواصل أحدهم بعد أن فتح لهم الطريق، لكنهم اخفضوا رؤوسهم خائفين ولم يظهر أن أحدهم يريد التكلّم. فصاح ثانية بتضرّع:

-   الفيل يا ملك!

وغضب الملك:

-   ما به الفيل؟

ونظر الإمام إلى وفده الجبان فوجدهم يهزّون رؤوسهم له. أدرك أنهم جبناء سرعان ما سيتخلّون عنه إن حاق به غضب الملك، فاستدار وقال:

-   الفيل يا ملك.. يبحث عن أنثى!"

وضحكت طويلاً من حكايته.

تعالى الاحتجاج واللغط الغاضب في القاعة ثانية وتدافعت الجموع نحو الباب المؤدّي للحافلات حتى كسرته. لكن الحافلات امتنعت عن فتح أبوابها وتحميل أحد، وطلبت شرطة المعبر التعزيزات. أتوا بالعشرات مدججين بالأسلحة وأجسادهم الضخمة وسرعان ما سيطروا على الجموع باستثناء شاب كان في المقدّمة تلقى لطّمة ورد على صاحبها فانهالوا عليه بالضرب ثم اقتادوه على مرأى من الجميع دون أن يتدخّل أحد.

التفتُ إلى الرجل الذي أعجبتني رفقته وقلت له بأسى:

-   الفيل يا ملك..

ربت على كتفي وقال:

-   لا تحزن.. حين يحين الأوان لا يصبر أحد على الملك.. أو فيله.

 


أشياء غريبة

 

عرف أن شيئاً غريباً سيحدث، بمجرّد أن نَبَتَت عصراً من الممر الذي خلف الدار. كانت ترتدي ملابس الخروج في وقت لا ينبغي الخروج فيه.. واقتربت منه بحذر وسألته:

-   في حدا في الدار؟

وفهم أنها تعني أكثر من الذين يبقون في الدار عادة. لم يكن متأكّداً. من ناحيته قرر استباق عودة الأب وتأدية ما عليه قبل أن يسأله ويجده ناسياً، خاصّة وأنّه لعب طوال اليوم ولم يعد من لعبه إلا قبل قليل. عليه أن يحفر حول الغرسات ويسقيها، وأن يحضر الحمار المربوط على التلّ، أمام كتلة الحشائش الجافّة.

-   يمكن.

وفحصت وجهه لتتأكد إن صدقها القول أم لا. بعد خطوات، سمع صوت الخبط والضرب والصياح والدعوات. أكان مختبئاً في الدار؟ يعرف عنه إذن، فإن نجا الآن، فلن ينجو عند العودة.. فليهرب بسرعة.

وغريب ما رآه من فوق الحمار، يحمل عبوات الماء بيديه، عن بُعد. شيء لا يصدّقه عقل أو يمكنه أن يحدث خلال ساعة واحدة فقط، لأنّه -والله- لم يفعل شيئاً أكثر من أنه سقى الغرسات ثم حلّ الحمار وعاد به:

أولاً، دكتور البلد يخرج من نهاية الممر الأمامي الواسع الذي يطل على الشارع باكياً ومعه حقيبته نفسها التي أحضرها يوم أن ختنه، وهذا معناه أن مكروهاً حصل لأمّه أو أبيه.

لمّا رأى أمّه تصيح وتندب، فتسكتها الجارات وأقارب لا يحضرون عادة إلا في العيد، وهذا هو الشيء الثاني الغريب، تيقّن من سلامتها، فافترض أن الأب هو الذي مات فبشّ -لثانيتين فقط- للفكرة..

الشيء الثالث، أخوه الأكبر يجرّ أباه المتراخي الذاهل، من إبطه، إلى الساحة ويصفعه على وجهه، وهذا لم يحصل في التاريخ.

الرابع، صمت الأقارب وطأطأتهم للرؤوس حين صُفع الأب، لأن عادتهم عند الطوش أن يتدخلوا ضدهم هم فقط، الأبناء، أو ضد الأم مثلاً.

فقط حين توقّف الحمار من تلقاء نفسه وشدّ الرسنَ ليأكل شيئاً، خطرت له الفكرة الأخيرة التي لم يستطع تخيّلها رغم أنه فهم معناها حين ناحت الأم ونتفت رأسها المتمايل والذي أخافه:

-   لـَ مين.. تركتيني.

وكل ما حدث بعد ذلك غريب جداً لكن الجديد فيه الصمّت المطبق لولا العمّة التي -وفهم هذا وحده- تعصّبت لأخيها، لأبيه، فبدأت تشتم أخته التي أرسلت نفسها لنار جهنم. اشتم رائحة موت لكنه لم يعرف كيف يمكن للواحد أن يُرسل نفسه إلى جهنّم، فليس لها طرق على حد علمه، مثل الطرق المختلفة المؤدّية إلى التل.

ولم يفكّر كثيراً، لأنّه انشغل بأمّه التي أطبقت على خناقّ العمّة عندما سمعتها مفلتةً مشاعرَ محبوسةً منذ زمن، وزرعت أظافرها في وجهها حتّى تجرّح وسال الدم، والعمّة المسكينة، وهو يحبّها كثيراً جداً لأنّها تعطيه النقود، متقلّبة بين غضب وشتم أو البكاء.

 

الشيء الذي تأكّد منه أن أحداً لن يفتقده في هذه الليلة المكتظة، والتي يتنقّلون فيها بين الحمّام مغتسلين والمطبخ معدّين طعاماً لن يأكله أحد من أهل الدار، ولن يجرؤ هو على طلبه، فينسلّ عندها إلى الزريبة البعيدة. وسينام مع النعاج التي كانت تحتضنه وتدفّئه شتاءً حين يفرّ من الدار إلى مكانٍ، لا يريد لأحد أن يكتشفه فيه.

من هناك سيسمع للمرّة الأولى ذلك النوع من الغناء المكوّن من أنواع البكاء. ومع أنّه بكاء متنوّع، إلا أنّه يُؤدّى على دفعتين بفارق الطول: خذ وهات. ومِن الأسماء التي ذكّرت، منها مثلاً اسم ابنة عمّته التي دهسها قلاّب، أدرك أنّ مَن له ميّت إنّما سيتذكّره في تلك الليلة.

وهو غناء متكرر، تقريباً يحذفون كلمتين أو كلمة ويستبدلونها بأخرى، إلا أن "تطلع" امرأة كبيرة وتشعلها بمطلع "خذ" الصوتي المرتفع، فتردّ عليها أمّه -أو عمّته عندما تتعب- بالـ "هات".

والغريب أنّه نام طويلاً حتّى الصباح في حضن النعجة العجوز "أم جبر" رغم "القراد" والجوع، وأستيقظ تحيط به النعاج الجائعة الواقفة لا تتحرّك ولا تثغو، كأنّها خائفة تخفي خوفه فتخفيه بينها، لولا الحمار الذي نهق من زاوية الزريبة حيث المربط (وقرر أنّ يشبعه ضرباً عندما ينفرد به)؛ وأنّهم اكتشفوا مكان نومه فانتزعوه، دون ضرب هذه المرّة، وأخوه الكبير معهم كالعادة، لكن ليطلبوا منّه رؤيتها وتودّيعها.. ويكاد يصرخ أنّه لا يريد توديع أحد أو رؤيته. استجاب باستسلام إزاء الأيدي التي جرّته والأشخاص الذين تضاعف عددهم في الفرجة (ومنهم مَن هو معه في الصفّ الأول ألف) وأفسحوا له طريقاً صامتة، فتركهم يقودونه حتّى أوصلوه إليها.

كانت نائمة، بدليل أنّها متمددة على الفراش وتحت رأسها وسادة ومتغطّية بحرام، وحولها النسوان. لم يقل أحد له ماذا عليه أن يفعل، فلم يتحرّك. اقترب أخوه الكبير وقبّلها وأفسح له مجالاً ليفعل مثله. تردد في البداية ثم اقترب. شدّ عنها الغطاء ليرى وجهها عن قرب. كان مزرقّاً جدّا لدرجة أنّه تغيّر وأخافه. حدّق فيها وأخذ يتأمله. فهم بطريقة ما أنّها ماتت حقّاً وأنّها لن تعود.. وحين اقترب ليقبّلها ويودّعها كما فعل أخوه، تراجع فجأة وقفز هارباً فاتحاً، بسرعته التي لا تُصدّق، ممراً في الصفوف الخائفة.

سيقولون عنه أنّه خاف، وأنّه صغير، وأنّهم أخطأوا، وسيجبرونه فيما بعد مراراً على الشرب في العتمة من طاسة صدئة.. سيقولون أكثر -وليقولوا!- فهم لا يعلمون..

فالشيء الغريب الذي رآه ولن يخبر أحداً به، أنّه لمح جفنها الأيسر يرتفع قليلاً حتى التمع تحته بريق سريع ولاحت ابتسامة سرّية على شفتيها القُرمزيّتين، وأنّها كانت ..حيّة.

 


انكسار ذكر

 

(1)

-        محاولة ذكية! أهو طالب طب؟

كان طالب صيدلة في الحقيقة، في عامه الثالث. لم يفهم ما الذي يرمي إليه.. عقله كان مشوّشاً ولعله لم يسمع كل الكلام.

-        هكذا دكتور؟ لا خوف من..

-        تقصد محاولةً ثانيةً؟؟ لا أظن. أنواع الدواء وعدد الأقراص التي تناولها، بالضبط، تبطل تأثير التفاعل.. لكن راقبه. هل علمت السبب؟

ضحك عدنان فبذل ما استطاعه لفتح عينيه.. من الدفة الداخلية للشباك الزجاجي رآه يأتي للطبيب بحركة معيّنة، فضحك الأخير بدوره. بصعوبة فهم، عندها قرر أن شراكتهما في الشقة -بل صداقتهما كلها- انتهت، فقد باح بسرّه.

يجب أن يغادر فوراً. "محاولة ذكية"؟؟!..

أتظنه صمم انتحاره بحيث لا يموت ليلفت النظر ويستجدي اهتماماً ما؟

الآن فهمك يا ابن ....موطة!

جمّع طاقته ونهض ليغافل عدنان الذي كان يحادث الطبيب يعطيه ظهره، وأوقعه أرضاً، والتفت إلى الطبيب وركله.

أمالته الركلة لكنه لم يقع، بل أحاط خاصرته بساعديه، ووضع رأسه في صدره والحقيبة من خلفه، فشلّ حركته ووقع أرضاً، وهو فوقه.

كان، بعد، ضعيف الجسد قد أرهقه غسيل المعدة المتكرر بذلك الخرطوم المطاطي المغثي الذي حشره فوصل مريئه، فوق ما أصابه أصلاً من الأقراص.

سرعان ما سيطرا عليّه لتأتي الوخزة التي كان في أمسّ الحاجة لها، ونام.

حين سيستيقظ بعد فترة يجهلها، سيكون في الشقة وحده. سيركض إلى غرفة عدنان وسيحمل كل ملابسه ليلقيها إلى الدرج، أمّا خزانته فسيهوي عليها بمفتاح الغاز الإنجليزي الكبير حتى يحطمها، وسيقذف بها قطعة قطعة، وسيغلق الباب.

وعندما يصير وحده سيبكي كما لم يفعل من قبل، ودون أن يخطر له حتّى سبب البكاء..

كان بكاءً بالمطلق.

(2)

في الأيام التالية لن يهدأ قط. سيكون مشحوناً حتّى أقصاه، متوثّباً من الداخل، حواسه مشحوذة أكثر من المشارط الجديدة، كأن ذاته عبارة عن كائن ولد للتو لا جلد يحميه ولا وعي فيه لكنه يحسّ فقط . وقع المطر في أذنه حديث صامت، ومخيّلته التي ماتت بابتلاع الأقراص لن تتنفس أبداً وسيمحو -عن قصد- كل شيء.

حاول عدنان العودة إلى الشقّة فطرق الباب مراراً وحادثه من خلفه، ولم يجبه. كان على الأرجح لا يفهم سبب طرده له، وما كان ليهين نفسه مجدداً فيشرحه. يكفي أن يبتعد عنه مرّة وإلى الأبد.

وحين سيأتي أصحاب الشقّة، ويستشعر تهديداً جدّياً فيمكنهم تحت حجّة واهية اقتحام البيت، سيستلّ كل المال الذي معه ويدسه لهم من ثغرة الرسائل والفواتير في الباب. سيدركون فهمه لسبب خشيتهم ويطمئنون لما يهمّهم، معتبرين "أن المسألة شخصية، بينه وبين عدنان، ليست أكثر" فيذهبون، خاصة وأن عقد الاستئجار باسمه هو. وكان المال يكفيهم أجرة لأربعة أو خمسة شهور، فهو تكاليف الفصل القادم.

فقط حين تعود نادية وتترقرق نبرة صوتها مسترضية، لئيمة، بالتأكيد تحتفي أنوثة سخيفة فيها لوقعها فيه (وتصوّر كيف يمكن لوجهها الذي يحتمل الطيبة مثلما يحتمل أسوأ أنواع الخبث ألا وهو "التفهم" الممتد وعياً موجّهاً "من أجله" لكنه عبارة عن محض مطمع ما، كيف يمكنه أن يكون متباسطاً رخواً مثل القناع المطاطي)، عندما يسمعها، سيجبر نفسه على وضعّ حد يمنع استرجاع ما محاه.

تؤلمه نبرة صوتها لكنّه يقاوم فلقد شطبها، أيضاً، من نفسه.

فقط شيء واحد سيندم عليه بعمق: أنه اختار الانكسار ولم ..

(3)

سيرسم سلوكه بتفصيل كان يفكّر فيه مسبقاً مثل اغتيالٍ مخططٍ جيّداً، وسيعود إلى الجامعة صلباً على استعداد تام لمهاجمة العالم بمشرط، إن لم يجد شيئاً آخر، واحتاج الأمر.

لا يكترث بالنظرات الذكورية التي تحدّق فيه وهي تعيد تصوّره بناءً على المسموع الذّي يشيعه عدنان عنه ليدافع عن كرامة فيه "ابتذلها بنفسه"، فكّر، ولا تصله نظرات المحاضرين الرسمية إلا لتسقط أمام قدميه كأسّهم فقدت طاقتها على الاندفاع، ولن يحفل بنظرات "التعاطف" النسائية التي تنبعث -في الحقيقة- عن تمنٍ عميق "لو كنّ مكانها" (ليفعلن مثلها!) ولا بنظرات "الغضب" التوفيقية التي تعتقد أنه (تجاوز) حدّه فيما "لا يجوز التفكير فيه".

لا شيء ليحفل به بعد، فقد مات فيه ما يحفل.

وسيلبس الصمت وسيلفّه وسينام فيه. وسيكون الصمت قد توصل حتّى إلى نومه، فقد توقف -فجأة- عن تذكّر أحلامه التي شك في أنّها تراودنه أصلاً.

فقط ثمّة رغبة واحدة لا غير سينفّذها حالما ينتهي الفصل..

(4)

سيكفّ عن استقبال رسائل العالم الخارجي، في حين لم تُصغ فيه أية رسائل، ولن يعود قادراً على متابعة أية محاضرة، أو أصغر مسألة تدور، أو صلة تنعقد، أو تفاصيل تواصلات تتغلغل الصلات حتى لو كانت متعلقة به، وإن كان سيحافظ على تردده على الجامعة ليثبت للآخرين قدرته على المواجهة.

أمّا المختبرات فقد مُنع من دخولها بعد أن كسر، على ما يبدو فليس واثقاً، شيئاً أو أشياء أو أحرقها أو أتلفها.

وستنبت نادية مرّة في وجهه من وسط مكان، ما عاد يستطيع تحديده، ونحولها ليس أقل من نحوله، لكن تشوشها أقّل، لتقول:

-        ما حدث تلك الليلة كان رغماً عنّي.

"ما حدث"..! تستطيع الكلمات قتل عوالم واختصارها أو اختصاره، فكل ذلك صار "ما حدث"!

-        كنت ليلتها راغبة، لكّن شيئاً حلّ..

يعرفه، سيّدتي، ويعرف كيف يحلّ وكيف يمحق. أنت لا تعرفينه. في خاتم فمّها تمطت دائرة أقل استدارة كأنها مركّبة من ابتسامة خفيّة وقصد مغاير:

-        صدّقني، لم أقصد الإساءة، لأثبت لك أنّا مستعدة الآن.

انتظمت الاستدارة إلى حدٍ ما وبطيفِ ابتسامةٍ لن تغرّه، كأنّها تيقّنت من شيءٍ لم تكن متيقّنة منه..

أتراها هدفت لتعرف نقطة ضعفه فتعوّل عليها؟

قرف أنثوي لا يثق بالتزام الرجل الداخلي إنمّا بطوق من الخارج يُحكم حوله ويحتاج إلى نقطة ضعف ليُحكم جيداً!

"ما حدث"، سيدتي، حدث وانتهى الأمر.

كان يريد تجنّبه، لكنه، ببساطة، رغماً عنه، على طريقتك، "حدث".

-        أنا مستعدة إن أردت؟

اختلف الأمر.

كان حقّاً له متروكاً عندك، فصار الآن أعطية.

ستنفر نفسه حين يتمثّل الكلمات.

سيشعر بحاجة إلى التقيؤ.

ستتسطّح الحوادث.

ستتناثر أمامه.

ستميد به اللحظة فلا يعود قادراً على استعادتها أو حتى تخيّل أجزاء منها.

يا ربّ: اقتلع هذا الرأس!

فجأة، كشخصٍ غائبٍ حاضرٍ ويستطيع السيّطرة على أشيائه ويريد تعذيبه بها بأكبر قدر ممكن، كل ما مسحه تقوم قيامته ويقف أمامه وبين يدي الرب الذي يبتعد، بل لعلّه يركض في المكان بأقصى سرعته، نحوه:

كان طوال سنتين ينتظرها في كرّم الزيتون المجاور بانتظار أن ينطفئ ضوء سكن الطالبات في موعده لتنسل من الشباك بواسطة حبل صنع منه سلّما لها، يشبه سلالم مروحيّات الإنقاذ.

تأخّرت ليلتها، فقد كانت توظّب شيئاً. بعد ربع ساعة من انطفاء الضوء رأى السلم ينقذف في العتّمة، ويرتطم بزجاج الطابق السفلي، ولم يكترث فقد كانت الساكنة صديقة لها تعرف عنهما، ورآها تصعد حافّة الشباك وتنزل.

وخوفاً من أن تسقط أرضاً، مع أن الأرض تراب، هرع ليتلقاها. لم تقع لكنها ألقت بنفسها عند الدرجة الأرضية الثانية، فتلقفّها.

من قبّلتها الطويلة الحارقة مثل حامض عرف أن شيئاً تلك الليلة سيحدث.

كانت قد انتزعت منه وعداً منحها إياه، لأن شيئاً لن يكون له معنى إن أتى على غير صورة معيّنة، فوق أنّ الأمر لم يعنِ له الكثير، فهو سيحدث إن آجلاً أو عاجلاً، بارتباط رسمي أو دونه ولا حاجة للعجلة.

وبوعده تنازل تماماً عن كل المهارات المتعلّقة التي تُدفع بواسطتها أنثى ما إلى النقطة التي يُرغب في أن تكون فيها. بل إنّه ما قبل أن يؤثر فيها بطريقة لا تعيها أو تعي مسارها، إنما كان ينتظر إن تنضج وحدها، وكثيراً ما قال لنفسه: إن النتيجة، برغم صعوبة الطريقة، ستكون طبيعية أكثر وأفضل.

وعوضاً عن تلقي تصوّرها لذاتها فـيوافقه و"يستفيد" منه، أو يكوّن تصوّراً منسجماً عنه في رأسها، يحرّكها، منحها ذاتاً كاملة بتناقضات فيه ومعها مكشوفة، على أمل.. تلقي مثيلتها!

-        آن أوان التصريح؟ سأل بمرح.

لم تجبّ.

طوّقته وكررت القبلة ذاتها، بل رآها أكثر متانة وطولاً ورغبةً.

عادة ما يصطحبها في مثل هذا الوقت، ليعيدها فجراً.

لم يكونا يخططان لما سيفعلانه في لياليهما، وكثيراً ما يقتصر على الطبخ أو القراءة المشتركة أو حتى الحديث. المهم هو الحضور ذاته الذي يمنح دمه معنىً ملحّاً مالحاً، مثلما يحقق لها السرور.

لكنّها وضعت خطّة هذه المرّة:

-        سنتعشى في مطعم، وسنشتري زجاجتي نبيذ، وسأظل عندك حتّى الصباح!

كانت في حالة احتفالية، لكن تفكيره ذهب إلى مسألة ثانية:

-        وإدارة السكن؟

-        المشرفة غائبة، والطالبة المكلّفة اتفقت معها.

هل فرح؟

أبداً!

لم يتغيّر عليه شيء رغم أن الليلة ستكون استثنائية. كان يتلقى ذاتها وهذا يكفيه فلا يهمّ مستوى التفاصيل التي سيأتي الاحتياج في حينه ليحددها.

وتعشيا في مطعم كما خططت.

كانت تريد احتفالاً وحققه لها، حتّى أنهما رقصا قليلاً مع أنّه لا يتقن الرقص ولا يحبّه، وشاهدا نهاية فيلم أمريكي كانت شاشة ضخمة تبثّه بجوار أصيص للزهور.

شربا عصيراً واشتريا زجاجتي نبيذ أحمر للبيت. هناك وجدا عدنان فشرب كأساً معهما، ثم، بالتي هي أحسن، جعله يفارقهما.

-        متأكدة؟

-        نعم.

تريدين طقوساً تحتفين بتفاصيلها واحداً واحداً؟

لك ذلك: بعد الشرب، خلع الملابس، مع اللوازم، استغرق نصف ساعة..

كانت المرّة الأولى بالنسبة لها وأرادها أن تشعر -ولا تشعر- بكل شيء. جسدها مجسّم من الأبنوس جعل كل ذرة فيه تصرخ وتتشهى. مراراً سقطت على الأرض ما عادت ساقاها تحتملانها، وكنت يقيمها لتسقط من جديد. ووجهها كانت كل خلجاته مسترخية منبسطة في حالة حضور وغيّاب مترددين مثل لحنين سرمديين يستدعي أحدهما الآخر. لم تعد تحتمل اكثر، تئن من مراوحةٍ بين احتراقٍ واحتراقٍ ناقصين فتجمّعت الرغبة في الاحتراق النهائي. ثم..

فتحت عينين غريبتين على اتساعهما ودفعته بساقيها..

ما الذي حدث؟

لم يفهم ماذا حصّل، فيستحيل أن تكون الرهبة الأولى هي السبب. لم تكن المسألة جنسية فقد قرأ في عينيها ارتداداً ما كأنّها رأت، في تلك اللحظة، ما غفلت عنه طوال السابق. قال ربما هو خوف من مرض ما أو من حمل، فأكد لها أنّه سليم، وكانت تراه..

لم تكن تصغي أصلاً إلى كلامه.

همّت بالنهوض عن السرير ووجهتها إلى الملابس التي تطايرت على أرضية الغرفة.

أدرك غايتها فثار فيه جبّار هائل تمالكه وهو يعترضها يحاول ثنيها بتهدئة خواطرها. اقترح -مناوراً- التأجيل، فقالت بتشفٍ شديد لم يستطع فهمه:

-        أفضل!

صبّ لها نبيذاً، ورفضت أن تمسّه. ولكي تبتعد عن مداه عادت إلى السرير.

عارية بالكامل تسترخي بلا مبالاة جسدية -حتى دون أدنى شعور بالخجل تجاهه هو الذي صار غريباً عليها في لحظة- في تحدٍ غريبٍ صريحٍ يشبه صراعاً علنياً.

دوماً امتلك نفسه فلم يضعها كخصّم له يستطيع هزمه بأية وسيلة متاحة، شرعية أو غير شرعية.

خطر له أن ارتدادها سيزول.. فهناك جيب رفض غريزي مليء بكراهية للذكر المرغوب لا معنى لها داخل كلّ امرأة، يجب تصفيته بالامتلاك الجسدي.

لكنّه سرعان ما أدرك أن هذا الامتلاك سيكون تسمية ثانية للإكراه حتى وإن رغبت هي، دون وعي، فيه.

بين مأزقين، كان مستثاراً محتاراً، داخله تتقاذف رغبات/أفكار متناقضة لا تحصى.

لا يقبّل بالهزيمة أبداً، خاصّة في حربٍ تجنّبها طوال الوقت.

لكنّها ما دامت قد حدثت فيجب أن ينتصر!

حين أدركت ما سيفعله، كوّمت جسدها في حالة دفاع بائسة. كان تفكيك دفاعاتها سهلاً، فبمجرد أن شعرت بإرادته تنبعث من كل ذرّة فيه، استسلمت من تلقاء نفسها، وهمست:

-        أرجوك!

وما اكترث، لأن رجاءها سيصير فيما بعد امتنانا متبادلاً وذاكرة مشتركة.

وضعت يديها على صدره ودفعته برفقٍ جعله يتقبل الدفع، وفاجأته بأن تمددت إلى جانب السرير كجثّة، وقالت بنبرة غريبة باردة لم يسمعها من قبل ولن ينساها حتى يموت:

-        طيّب، ها أنا: لن أقاومك فأفعل ما تشاء.

فكّر بألم: "نمنحهن من أعماقنا ذواتنا وسلطة خلقنا أو ذبحنا، ثم بعد ذلك علينا أن نأخذ الإذن!"

تهاوى فيه شيء بحزنٍ لا يوصف ، فقال وهو يشيح النظر:

-        اذهبي بسرعة.

لم تصدّق ما يقوله وبقيت ساكنة في تمددها، فأعاده عليها.

ارتدت ملابسها على عجل وذهبت قد نسيت سروالها الداخلي. سيضمه بقبضتيه إلى صدره وسينام.

لم يكن نوماً، كان جحيماً تعذّب فيه كل ما تبقى له.. لقد منحها أرضه، وكسرته -هي- عليها..

كان خياراً صعباً تأمّله طوال الليل دون أن يحظى بجديد فما استطاع أن يختار شيئاً آخر.

في الصبّاح سيبتلع كل الأقراص التي وجدها في علبّة الإسعاف والجوارير، وسيجده عدنان وقوالب الأقراص الفارغة من حوله.

(5)

ستحاول مرة أخرى محادثته، لكن أدوات استقباله وإرساله تعطّلت. خلّية صمّاء، فقط، تردّد فيها ما لا يمكنه قوّله لها أو لأي شخص آخر: كانت ذاتها ملكاً له بالكامل وقد سلبتها منه.

البشر -على العموم- خيبة أمل، خاصة النساء.

بقي لنهاية الفصل أسبوع واحد على أية حال.


الزبونة

 (1)

زبون.. ينبغي أن يكون زبوناً لأنّه يتعثّر بخضاره وأغراضه ومنها ما تدحّرج من كيسه الذي تمزّق كحبّات البطاطا.

يترك العربة ويساعده بالتقاط الحبات، وعندما يصله يحمل بيديه ما جمعه، يرفع الرجل وجهه فإذا به يعرفه، هو زميل سابق في الجامعة.

يبتسم له ويعاود - محرجاً- التشاغل بجمع الحبّات.

وقف صامتاً بجواره.

هو ليس محرجاً من عمله، لكن.. حسناً، فليدع الموقف يظهر أبعاده بنفسه. وخاطبه كما يخاطب غيره ممن يريد نقل أغراضهم كقابل الأجرة، لا أكثر ولا أقل:

-        تريد عربة يا أستاذ؟

"أستاذ" ملائمة جداً لبدلته البنية الأنيق (هو موظف على الأرجح، وفي مؤسسة أجنبية ما لم تتأثّر مواردها، لأنّه لو كان موظفاً حكومياً لأدرك أن شراء الأغراض من أماكن السكن في القرى أقل تكلفة وجهداً..) حسناً.. وأستاذ ملائمة للموقف أيضاً.

يبتسم له مجدداً، وهذه المرّة يتواصل الزميل معه في محاولة ما:

-        كيف حال؟

"حالك" تعني استغرابه من مصيره، والاستغراب بداية الاقتناع الذي ينبغي له أن يجسّده له، أمامه، بالكامل.

-        الحمد لله.. على كلّ حال.. (مط "الفحيح" في الهاء)

-         ألم تكن.. في الجامعة؟

وأوشك على التخرج مهندساً كهربائيا أيضاً.

لم يكن مثله بحاجة إلى "شهادة" من أي نوع، ليقوم بدوره. "سبحان الخالق: الناس أدوار، أهمّها ما قلّت متطلباته، على الأقل من نواح ما"، فكّر، فقال وهو يحاول رسم انزعاجه الضروري:

-        ظروف يا أستاذ.

وصمت ليجبره على الصمت، وهو ما حدث فعلاً.

طلب الآخر متضايقاً ربما، أن يحضر عربته وعندما أحضرها، طلب منه أن ينتظر بجوار الأغراض، فثمة أغراض أخرى "هناك".. على الضفة الأخرى للحاجز.

(2)

ذقنه التي يحلقها صباح كل يوم مضطراً كيلا يُشتبه فيه تؤلمه فيحكّها. البشرة البيضاء طوال سنوات، محمية مغطية بالشعر تؤلمه الآن فقد قست عليها الشمس، فاحمرّ بعضها وبعضها ارتدّ شعره في بصيلاته إلى الخلف فتقيّح أو التهب. والعرق حين يسيل من فوديه لا يجد، كالسابق، أجمّة يبترد تحتها، فيبرد وجهه تالياً، بل يظل ساخناً يتقاطر وقد يجمع الغبار في كتل إن ظلّت رطبة آلمت، وإن جفّت آلمت أيضاً.

ساعدهم الله الناس!

يحتالون على كل شيء فيلتّفون، ومسافة الحيلة ثمنها أطول من المسافة المباشرة.

لو احتجّوا برفض قطع الحاجز، لو احتجّوا بعدم خروجهم من البيت إلى شوارع مذلّة، لو احتملوا شهراً واحداً فقط، لغيّروا..

لكنهم ناس، والناس هكذا. فليترزّق.

الرزق الكثير، سبحان الله، يسير في الشبهات. حمّال العربة يجني في اليوم الواحد أكثر مما يجنيه مدير. السوّاق المرحليون بين حاجزين مع  أنهم يستطيعون إن أرادوا مواصلة الطريق، اغتنوا، وبعضهم اشترى سيارته الثالثة أو الرابعة وشغّلها بين المراحل، تماماً كالمؤسسات التي تعيش بين لحظتين سياسيّتين!

-        عربة يا ست؟

كانت تبحث بنظرها عمّا صارت خبرته تلتقطه سريعاً، هي ليست "ستاً".

بالكاد امرأة، كعوب، ناهد!

نفحك الله بقدرة يا ولد فلا تسيء استخدامها. إن كان عليك أن تبصر فأبصر إلا كثيرا.. النظرة تظل عليك حتى لو تواصلت دون أن ترمش (كما قلت مراراً، تعين ما فيك، على ما فيك).

ويلحّ كما يتوجّب عليه:

-        عربة يا ستّ؟

-        كم؟

-        عشرة شواكل.

لو سمعه زملاؤه لقالوا: فسق ملعون الوالدين الشيخ.. فإن فسق فيما يخصّه فلا يُنزِل منسوب الأجرة.

-        كثير..

-        كثير؟ يأخذون خمسة عشرة شيكلاً! إذهبي وجرّبي غيري لـ..

همّ بمواصلة المثل، لكنه أحجم، فواصلته هي بضحكها!

-        أيوة يا ست؟

-        حمّل.

-        أين الأغراض؟؟

-        هناك؟

رفضوا أن يسمحوا له بالدخول من أجل جلبها فنظر لها وقد أسقط في يده. قالت إنّها ستذهب لتجلبها فلينتظرها هنا.

وانتظر.

حين عادت رأى عجباً عجابا عرف معه لماذا تنكّر إبليس في هيئة المرأة!

خدعته  بالمفاصلة، ونسي هو أن يسألها عن ماهية الأغراض وحجمها.

(3)

زبائنه ثابتون صاروا يميّزونه عن غيره من الحمّالين فيطلبونه هو بالذات.

يختلس من الدفع والجر والتحميل أوقاتا يعوّض داخله، ما نقص خارجه. كل شيء يجوز طالما سلمت النيّة.. وعند لحظة تعب، يستعين من داخله على خارجه بنداءً مبهم أو بقيّة آية لم يسمعه أحد يتلوها. ليسخروا منه بالشيخ الفاسق الذي يبحث عن زبائن أو "زبونات" ولو بالمضاربة عليهم في الأجرة.

تأتي المرأة وتطلبه من دونهم. صار يعرف عنها أكثر: تستغل هويّتها وقدرتها على التنقّل فتتاجر بكل ما تستطيع المتاجرة به بين مرحلتين أو منطقتين. ووصل هو معها إلى اتفاق: سيحاسبها على المرّة الواحدة وليس على النقلة.

ضمنها زبونة وضمنته حمّالاً، فصارت تنادي عليه وصار يترقبها. حتى هم سلّموا، فمجرد أن تظهر يصرخون عليه:

-        زبونتك!

ولو تكاثر طول الصفّ وأتت هي، بعبريتها وحديثها المهادن المؤدّب يسمحون لها بتخطي الدور، فيتخطاه بدوره.

ومرّة تخطى الحاجز حين أوقعت أغراضاً تحملها فسدّت الممر واربكته وتجمّع خلفها من المنتظرين، المتغزلين أيضاً، مَن آثار ضجيجاً، فناداه الجندي أن اذهب وساعدها، ليتخلّص منهم.

مرّة حسبت حسابه بشطيرة كباب، فحسب حسابها في اليوم التالي بقنينة خرّوب مثلّجة. ضحكت وسألت عمّا ستفعله بقنينة لترين؟

ردّ أن ترتشف منها على مهلها طوال الطريق وهي تفكّر!

-        ولماذا؟

لم يملك جواباً، ولما أعياه ما أعياه اعتذر. النظرة يا ولد صارت عليك، تنتظر لتراها، قبّحت من منافق!

لكنه واصل نفاقاً أرغمه ما فيه عليه، فالوقت لها، وهو للوقت.

يا الله كم تشبه الروح حمامة بقربها!

يا الله، ائتلف عبدك بها وجنّدته أنت روحاً من لدنك ، فجنّد روحها..

ومجدداً:

-        زبونتك!

(4)

كل شيء كما رُسم بالضبط.ما احتاج إلا للحظة غفلة تسرّب بنفسه بعد أن سرّب ما سرّبه، وحلّ أحدهم مكانه بثياب تشبه ثيابه، ووجه وُجِّهَ ليبدو كوجهه، فأعاد العربة.

كل شيء كما خُطِّطِ: الناقل، والمنقول، ومكان الهدف.

كل شيء كما قدّرت يا رب وأن تكون هي بالذات هناك: لمحها قبل أن تلمحه وسط الحشد فتعرفه وتندهش وقد تكشفه بذعرها وما كان ينبغي هذا.

لحظة واحدة فقط، والبصران بصر ثابت، قبل أن يضغط على الـ..


المغشوشة

 

قال لها القاضي: "قصّي حجّتك"..

بالصدق لا تجرؤ ولا تفعلها..

على عاتقي.

وأي شيء من الأشياء سيلحق به بالها لتقوله؟ شاردة راحت في الخلاء وأتى المطر وسحبها، والمعبود هو الذي يجازي فقط.

وكان النهار الوالع وكان البيت عمران بطلّتها الرحبة تسرّ البال؛ والفأس يثقل في اليدين، و"التعسيل" ينعش ويبرّد وينوّر في القلب طاقة بيضاء، ومثلها في الرأس. مدى يا رحمن يا رحيم وخدر أصيل يصهل صهلة الحرمة الآتية الغادية من الطريق المترّبة والملفوفة بالداير الكحلي، والبرقع المخرّق لحية سحلت على وجه ناعم أملس، تخيّلته بقلبي.

حاجاتها كانت مغطّية ومكشوفة في وقت: تحت الشمس عناقيد حلوة ملفوفة بورق منصوبة للطير الصاحي النقّار، وعسملية عزيزة مدفونة بالقماش لكن الهواء، جازاه الله، صنع المعروف معي (حين حسبته معروفاً)..

ورتّبت العقل لقيته لا يترتّب. كيف والوَلع جفون مغلقة من الحرّ وعرق الفأس ينضح عن الجسم كلّه يا ربع نضحة خيل، وعضلات مشدودة تنتظر لترتخي، والعسل من مخزنه آهات تسري الأماني فيها منيات وسريات أفاعٍ.

وقال القاضي مرّة ثانية، قصّي حجتك يا حرمة.

وأي شيء تقصّه يا قاضي القوم عاقلهم، تحتاج حفنة هواء مثل الرمل، ساخنة، تلطّك على خدك، لتفهم؟

-        ما أقدر..

لو سمعت صوتك يا مغشوشة عرفت وهربت لكنّك أضعتني وتورّطت أنا، لا أميز بين جرح بشوك وشوك يجرح..

-        لا خجل في الحق.

قصّي على صاحب الحق لعلّه يقصّ لك من كتفي أو رقبتي القطعة، إلهي يقصّ لك الزائد في دنيتك، ويبعدك عنّي ويكفيني شرّك. ولليوم الثالث مكتّف، غير بطانة البطن ما أكلت، والتكتيف أمر ربّنا، فلم الجوع؟

-        نايمة كنت وغير نايمة

فوقي السماء حامية..

نايمة؟

قولي أنك انتظرت في مستراحي بالذات لتبلتيني بمدبّرة عن قصد، مستورة سوالفك بأستار، لمّا أتيت مثل كلب ورأيتك، مستريحة على وقفتك، مباعدة  مفلوقة مثل إصبعين في علامة نصر، بضرعين مرفوعين ضرع يوقف العابر غصباً عنه ليخبر الخبر، وضرع سبيل ينفر للظامئ،

وكنت أنا!

معسّلاً كنت يا قاضي والمثل قال، صدق المثل: "يا حبيبة القلب، لا تنامي في الدرب.."

-        وبعد؟

-        جاء ابن القائمة

و..

-        زين..؟

-        ما هو بالزين:

أطعم الحطب القيامة

فهمت الوقت؟

نارها كذوب يا قاضي، حططت الفأس عن كتفي لأستريح. أزالت برقعها وهفهفت دايرها وتململت ململة الحيّة وتلقفتني بصدرها، ولمّا وقعت أنا المعسّل نادت على العيال الـينتظرون حد كرم الصبر يلوح لهم، بالباطل، الميل في المكحل،

ولولا الفضيحة لقلت ميل مَن ومكحل مَن لكنّه أمر ربنا بالستّر، وامسكوني.

-        حجّتك يا كلب!

كلب ينهشك، يأتيك يومك فتقع مع خنثى شوكها يجرحك وما تجد لك شوكة تنفعك، لا دنيا ولا آخرة.

-        يا قاضينا، بالحق أرضينا:

أتيتها وما أتيتها

بان من عرفها ديكها

-        وبعد؟

وبعد؟

اللبعد لا يحكيه مجنون ولا يسمعه عاقل، ولو أنّك مكاني، إن قدرت، فعلت مثلي وهربت، مع إنّي ما عرفت الهرب.

كانت مدبّرة وامسكوني، وما هي رؤية تسر البال أو الخاطر.

-        هممت نعم، لكن شوكها

دفعني أركض وأخافها

-        شوك شوك؟؟

-        حفظتك السلامة!

وعجبك في محلّه يا قاضينا، والصدق الصدق ما تغوّرت ولا أتيتها ربنا يشهد، لأنّه ستر وردّ المجنون لعقله أو طيّر من العقل الجنون، وإن لم تصدّق فخلّ الحريم تعاينها.

-        حجِّتك مردودة إلا إن زدتِ عليها.

-         أزيد:

نايمة وصاحية كنت

خصلة صغيرة وأخت

ولد بالأصل بنت

ووصل هو الأخت

وصحت من هول الفاجعة ترتسم مغازيها في عقلي، أفكّر تقيم عليّ الحد، أقول:

-        وأزيد أنا بعد:

الأخ يردم أخت

أقرّ: من الصدر ذقت

والباقي -حاشاك- زفت

فشك وزناد وجفت

-        لا تصدّقه يا قاضينا. كان يعسّل لا يعي الذي يفعله وولولا هذا لتركتهم يذبحونه على الحراك والحركات، والمعسّلات، مثل ما أنت أخبر، مفاتيح الآثام.

-         طلبِك؟

-        مثل ما تشوف.

-        صدر وزناد يا كلب؟؟ اخرس.. فكّوه، إليّ بالبشعة.

فكّوني وأحموها على النار أمام عينيّ: مدوّرة صغيرة تذكّر بنار الآخرة، وعيني تحدّق مثل كل عيونهم لا تصدّق لكن عيونهم فوق التكذيب تتشفى بي، لسان ساخرهم يقول:

-        إن سرقت يا حرامي فالجمل وإن بُكت فإيّاك الولد والمحَل!

مسامير مثل مسمارها تخز عاناتكم واحداً واحداً لتحسّوا بمظلوم، مثله الصالح أراه الله حين قدّر برهانه فتاب. وأتوب توبة النصوح إن ظل لها توبات، تبلّ الريق وتستعين على حرّ البشعات لكن الخوف يا ربع نشّاف، واللسان في نهايته مخمل يحترق.

-        وقولك؟ تقرّ وإلا البشعة؟

كان النهار في آخره وكان البيت العمران على خرابه، أصلح ساحته بفأسي، أقلع صخره والأحجار، وامسح حبّات العرق عن الجبين لمّا أتت المغشوشة بداير كحلي يغرّ الساهين مثلي وبرقع يقول للطير: تحته العنب قطرات عسل فَهمَتُكَ والنقر.

ظهر العنب مَنقَرَة، والزبيب جلد يشد على بذور فقط. أقرّ: أصبت من صدرها الوافر، وافر دون عقل، مصّتين، لكن على مصّتين لا يحترق اللسان.. زود ظلم وحرام، وظهرت الحرمة خنثى، ولأختها من فوقها حارس أخٌ. تقول: "ولد بالأصل بنت"، قولي ولد بالأصل بغل!

-        الله وبشعتك.

ولو كذب لساني ونشف واحترق أمامكم كلّكم يا خلق حَرقةِ بيضةِ الرملِ في أوقات الظهر، خطيئتي تظل في عيونكم والذمّة تبلّغ أختها، قصدي ذمّتها الأخت، فالخوف أن يطلع لذمّتكم في الآخر مسمار وتروح عليّ للأبد..


حقّ لا يمكن.. سلبه!

 

انتبه وهو يخرج إلى اليافطة الزرقاء، بالكتابة الحمراء، على مجسّم أمام المحلّ: اشترِ خمس عبوات واحصل على السادسة.. مجّاناً. كان قد اشترى أربع عبوات ودفع ثمنها وغادر المحل.

خطر له أن يعود ويشتري الخامسة ليحصل على السادسة المجّانية وهكذا يوفّر على مَن ينتظرونه في الورشة ثمن واحدة في اليوم التالي. عندما وقف أمام "الكاونتر" ليدفع ثمن العبوة الغازية الجديدة، ابتسم له الآخر ابتسامة متعبة ومتحايلة معا وهو يدخل بأصابع محترفة أرقام العملية التجارية الجديدة إلى "الكاش". لعلّه فهمه، فتغاضى عن انتظاره كأنّه لا يلحظ وقوفه.

هكذا هم جميعاً، لن يتوانى أحدهم عن سلب الآخر إن لاحت له فرصة. تبسّم بدوره محدّقاً فيه بأدب صفراوي كغلاف قديم، منتظراً.. وأدار له الآخر أصابع راحته غامزاً له بعينه اليسرى: ما الأمر؟

-        لو سمحت: السادسة.

وأشار إلى اليافطة الخارجية التي على المجسّم.

-        لكنّك اشتريت واحدة فقط؟

-        خطأ: اشتريت خمساً..

رفع له الكيس البلاستيكي الكبير الذي يحتوي على العبوات البلاستيكية، سعة لترين، وأراحها على الكاونتر حيث الخامسة التي لم يتسّلمها بعد.

اتسعت ابتسامة البائع على ما يحدسه آتياً من شروحات هي، في الحقيقة، تبريرات. طيبة عريضة، نعم، لكن حدودها واضحة له وتبدو محدودة، حادّة أو جادّة.

يبدأ عمله صباحاً آملاً أن يحدث شيء جديد ذو معنى في يومه المرهِق، فلا يحدث. زبائن متعبون، وصاحب محلّ ذو قرابة، القرابة لا تعني شيئاً، لأنّه عندما سيحاسبه في وقت متأخر ليلاً، لن يغفل عن قرش واحد، وعند الجرد الأسبوعي سيزن حتى التسالي ويسجّل عليه أقل فرق بين المبيعات والموجودات، وكثيراً ما طلب منه ألا يتغافل عن أقل اختلاف في الوزن، لصالح المشتري، بل عليه أن يفعل العكس، إن استطاع..

وما أن تتعامد الشمس على ظلالها حتى يكون قد أنهك وفقد تركيزه لولا آلية عجيبة تدب فيه، فيصير شخصاً آخر، آلياً. وما يفعله هو أن يقتصد قدر الممكن أثناء المعاملات، والفارق يستعمله عند النقص. وبين مشترين متباعدين فقط، يستطيع أن يجلس، ليريح ساقه المتخدّرة من فرط الوقوف على ألم كالشلل، هذا إن انتقوا مشترياتهم وحدهم ولم يتعبوه باستفسار هنا أو جلب وإحضار، وأحياناً بتوصيل إلى السيارة أيضاً، هناك..

تنهّد بصبر، ليكرر ما يكثر من قوله:

-        اشتريت أربع عبوات أولاً، ثم عدت للخامسة بعد وقت.. لم تشترها كلّها معاً لينطبق عليك شرط السادسة.

-        بينهما دقيقة واحدة، وربما أقل؟

-        ولو.. هكذا الاشتراط: اشتر خمساً وأحصل على السادسة..

-        يا أخي، اعتبرني اشتريتها كلّها معاً..

-        أو أعتبرك -يا أخي!- زبونين..

أمرٌ غريب. لا يقتضي الأمر منه سوى تجاهل الدقيقة.

لم يعرف ماذا يقول. في الموقف شيء يكرهه: الاحتكام إلى سلطة ذاتية، وليست موضوعية. شيء يكرهه في كل المقاولين والأعمال والأشخاص الذين يضطر للتعامل معهم: عليه أن يلتفت لشخوصهم، في مواضع لا أهمية لها فيها، كأنّهم يحدسون هذا ويأبون إلا استغلاله، لا يجدون لشخوصهم قيمة إلا في أمور من خارجها، وهنا عليه أن يراعي حتى مزاجهم الذي قد يحدد الأمور..

وهناك حرج في أن يطلب لنفسه يدفعه لتجاوز الأمر والخروج، فعبوة غازية هي من الصِغار لا تستحقّ التوقّف أو الالتفات. ويبذل بالفعل عدة خطوات توصله ثانية إلى الباب لولا أن شعوراً أكبر من الحرج يتدّفق فيه: الانتقاص.

يبذل الخطوات ذاتها، لكنها أقوى، ليعود أمامه واقفاً، ضاغطاً بوجوده صامتاً في آن، طالما الكلام، أو عدمه، وبانفعالات هادئة لا تحرج، صعباً.

ويبادره البائع، مدافعاً مهاجماً:

-        ليس لك شيء عندي..

-        هل أنت صاحب المحلّ أم البائع؟

خطرت له الفكرة لأن سلوكه، تجارياً، ليس طبيعياً، والذي يجب أن يعتمد على أن الزبون أهم دائماً من مشترياته في يوم.. من ردة الفعل والارتباك علم الجواب الفعلي، مع أن الرجل أجاب، بفخر، "أن صاحب المحل قريبه"..

هكذا إذن؟ تتدبر القليل لنفسك يا منحوس من هنا وهناك؟؟!

وربما قالت ملامحه ما كان يفكّر فيه، أو ربما سقطت كظل وصارت مرئية له. تبسّم على أية حال ضاغطاً بوجوده ثانية، لأن البشر إن كانوا أكلة لحوم وجزّارين، يحقّ للمرء، له هو، أن يستلّ سلاحاً في وجوههم..

وكأن الآخر فقد أعصابه أو على وشك فقدانها، سأل بانفعال:

-        ما الذي تقصده؟!

الذي قصده وصلك وعلمته.

-        لا شيء.

-        هل تريد شيئاً آخر؟ أريد إقفال المحل لفترة وتنظيفه وترتيبه..

-        أريد حقّي: عبوتي السادسة..

-        ليست حقّك.. واسأل مَن تشاء!

-        بلى، فلتسأل أنت..

يشعر في الحقيقة أن الموقّف تكشّف ولم يعد بحاجة لايضاحٍ أو جدال.

لا أحد يكترث بالحق أو الذي يجري أو حتى منطقه، فالمهم هو ما يتم الحصول عليه.. صار صراعاً قد يقتضي شيئاً آخر غير منطق يضعه صاحب السلطة أو الأقوى ويقبل به الأضعف المحتاج مع أنّه لن يكون، بالتأكيد، في صالحه.

وهنا لا يقبل أن يخسر، شخصياً، بتاتاً. يضعون الشرط وآلية تنفيذه أيضاً، ثم لا يقبلون مناقشتها.

وتمشّى بين الصفوف وأخذ يعاين موجودات ومعروضات هناك وهناك. دفعة واحدة -عند اللزوم- ويتسبب له بخسارة مالية قد تطرده من عمله إلى الأبد، ويرى حينها إن كان القريب الذي يتفاخر به، يأبه لقرابته أم لا، أين منها عبوة سادسة مجّانية تلتصق دائماً بخمسٍ تُشترى، ربما يريد اللعين بيعها..

-        إن آذيتني، أو آذيت المحلّ، شكوتك.

لا تخيفه شكوى أو تلويح بها. في الحقيقة يريد فقط أن يريه ما الذي يستطيع أن يفعله إن احتكم، مثله، إلى منطقه الخاص مستغلاً قوّته، نقطة قوته الأقوى.

عاد ليقف أمامه ضاغطاً بوقوفه أو صمته، فبادره الآخر، على تهدئة ما أو تخلّصٍ ربما من المأزق:

-        تستطيع إعادة مشترياتك إن رغبت، والشرّاء من مكان آخر.

-        وهو كذلك.

تفكك الموقف العدائي وانتهى الصراع، فغابت المشاعر المعادية، المتحفّزة. مع ذلك، وهو يوشك على الخروج من الباب، سمعه يقول له مؤنّباً بطريقة غريبة جداً، شخصية جداً:

-        إن كانت العبوة السادسة من حقك، فوحدي الذي يقرر هذا.

فردّ مباشرة، بطريقة شخصية أيضاً:

-        إن كانت من حقّي، فلا يهمّني قرارك.

حين تأمّل ما جرى في الشارع أدرك أنه إن كان حقّاً فعلاً، فهو حق في الاتجاهين: لا يمكن سلبه.. ومضى ليبحث عن مكان آخر يشتري منه، فقد تأخّر عمن ينتظرونه في الورشة.


 

 

القسم الثاني:

 

خنجر معوج

أنا وصدام

سجّان

هؤلاء

كمعبر غريب


 

خنجر معوج

 

(1)

الطابق الثاني، قاعة الانتظار..

تخبرك الموظّفة أن تنتظر حتى يحين دورك فتجلس. ليس غريباً عليك المكان. تصوّرته سابقاً كأنّك كنت تعلم أنّك سترتاده يوماً. نموذجي، لا يختلف كثيراً عن تصوّرك له: أكثر من غرفة فهناك أكثر من طبيب، وقاعة الانتظار، وهناك مطبخ حتماً.

لو أنّ شكّك لم يتسرّب فقط إلى عقلانيتك لاحتملت. يمكنك أن تشكّ في كل شيء إلا ذاتك. لا مشكلة في الضلالات التي تحتويك فالكل يضل بين حين وآخر، إنّما في إدراكها. حينها تفقد تماسكك وتغدو الحركة البديهية موضع تساؤل. في الحالة الأولى أنت خنجر معوج، بالنسبة إلى غيرك. في الثانية أنت لا شيء، إلى نفسك. كل ما فيك، كونك، يضمحل ويتلاشى، وتتقلّص أنت. خواطرك تتفكك كدخّان وتصير بحاجة لمن يثبّتها لك. كل أفكارك تؤلمك، ونفسك أفكار. تؤلمك نفسك كأنّك لا تعلم أن الكل يتألم من نفسه فيهرب إلى الآخرين.

في حالتك لا آخرون ولا ذاتك.

أنت شخص ينتظر دوره ليتخلّص مما لم يعد يثق فيه.

بلى، الآخرون:

.. كانوا أربعة حرّكوا إطار الشبّاك الزجاجي وأزاحوا الستارة. توجّست من مقدمهم فتخفّيت خلف الستارة لعلّهم يذهبون، لكنهم كانوا واثقين من وجودك. طلب أكبرهم، كأنّك تثق به، أن تفتح له الباب فرفضت:

-   نريد أن نتكلّم معك.

-   تكلّموا من الشباك.

أجبت بحذر.

-   أنت مريض، ما رأيك أن نأخذك..؟

وحلمت طوال أسابيع لو أن أحداً يأخذك من عالمك والسرير فينهي شقاءك. لكنّك رفضت الفكرة. فرق بين أن تمضي بقرارك وأن تُجبر عليه. في الثانية تفقد كل ما لك وينوب عنك آخر لا ينوب عنك ولو كان أخاك، لمجرد أن كلاماً في عزلتك الطويلة يخرج منك ليس مفهوماً له.

الثاني كان قريباً سبق لك أن اقتحمت بابه وحملته بالذات إلى المستشفى حين هدد نفسه، الآن دوره في تناقل الإرث العائلي. لن تنسى أبداً نظرته: خبيثة محتفلة، تود الجنون للجميع كي يتساووا به. كان متشفيّاً سعيداً.

مخطئ مجدداً فلم تكن مثله.

باستثناء عزلتك وكلام لا بدّ لك من قوله لا تشبهه في شيء. لا خطر فيك نحو أحد، ونفسك في أسوأ الحالات خيارك. لا طبيب للمرء غير نفسه.

حدست بانفعالك موقفه اللئيم فتشبّثت بحديد النافذة بقوّة.

-   إن لم تفتح الباب، خلعناه ودخلنا.

صاح مهدداً.

ولأنّهم يستطيعون خلعه ذهبت إلى المطبخ. لم يكن لديك وقت لتفكّ الحلقة المعدنية عن الخرطوم المطاطي فأغلقت أنبوبة الغاز وقطعت الخرطوم بالسكين متسلّحاً بالولاعة.

-   إن دخلتم أشعلت الأنبوبة..

-   لن يحدث شيء!

كان محقّاً وخيّل إليه أنّه قد انتصر على حجّتك، وكان مخطئاً:

-   إن ألقيت الأنبوبة -وهي مشتعلة- تفجّرت!

استداروا وذهبوا. الأمر لا يستحق. كنت محقّاً وآلمك أن أمرك لم يستحق المجازفة.

(2)

الطابق الثاني وصالة الانتظار.

وها قد دخلت فماذا لديك لتقوله؟

وقد تقول لكن قولك برمّته دون معنى. أنّك تتعذّب كلما جلست إلى نفسك؟ ووجود الآخرين يقطع عليك انسيابك. وتصير عصبياً جداً وربما آذيت؟ ما الجديد؟ كل ما تحتاج إليه هو الوقت الهادئ لتفهم نفسك.

ضلالاتك؟؟ وهذيان عبرته ولم تعد قادراً على تفريقه من واقعه؟؟ فما الذي سيفعله لك أكثر من أن يجرّب فيك أدويته ومناهجه؟؟

النفس قارّة مجهولة لا يكتشفها إلا صاحبها.

إن احتجت لمن يوضّحك فأنت مخدوع. إن احتجت لمن يرسمك فأنت صورة.

ودقق فيما ينطلق منه وفيما هو عليه، تجده مثل الممثل، قد اتخذ له دوراً في المسرحية التي تجري فيك.

في أحسن أحواله هو متضامن -بالأجر- لكنه أيضاً متفرّج حين ينهار المسرح.

هل لأنّك تتلقى "إشارات" من الأشياء؟؟ ألأن الكوّن بأكمله يحدّثك؟؟

نعمة لا يقدّرها إلا حكيم.

فقط لو تكفّ تلك اللحظة عن الاشتعال ولا تعود واثقاً مما يحدث -أو لا يحدث- فيك. يصيبك عبث الدوران في حيّز لا جاذبية له. "مصابيحك وجّهتها إلى داخلك" فارتبكت.. أتجهل هذا الآن وقد علمته قديماً جداً؟

(3)

-   خيّراً؟

أبداً.. تعلم أنّك منهك، وتعلم أيضاً أنّك ستمضي في حربك مع نفسك إلى النهاية. لن تنهزم مرّة فتلجأ إلى أحد. الجنون أيسر عليك.

وتركن إلى الخطّة الاحتياطية، متهرّباً راغباً في التأكد:

-   هل يستطيع أقارب أحد أخذه إلى المستشفى رغماً عنه، إن لمسوا تغيّراً فيه، ليس مؤذياً لأحد؟

-   في بعض الحالات نعم.

وتتظاهر أنّك تفكّر تومئ بسكوتك إلى شيء، وأنّك ستعود له، فتشكره وتنصرف.

علّتك الصوت الخارج منك فسكتّ، لا لأنّك كففت عن الكلام أو الهذيان، بل لأنك حبست كلامك وأطلقته مع رياح الداخل.

مؤلمة هذه النفس ومؤلمة الأفكار.

فقط لو أن الشك لم يتسرّب إليك نحو نفسك. في الأولى أنت ...


أنا وصدّام!

 

-        آخرتك مثل صدّام!

فوراً خطر لي المشهد الأول، وهم يتفحّصونه. قطّع قلبي وأنا أعاين كيف يعاينون أسنانه، مع أنني قبلها تقطّعت غضباً عليه وأنا أعاين بقيةَ المقابرِ. حزنت في النهاية وقلت: حبس ويصير فيه أكثر.

الكدمة التي فوق عينه جعلتني أقدّر أنّهم أخذوه على غفلة، باعوا فيه واشتروا. الصورة، المشهد التالي وهو مخدّر مجرور، أكّد لي ما قدّرته: لحق شعاره أو شعاره لحق به، وعندما جدّ الجد، لم يجد مَن يرفعه معه.

-        ما له صدّام؟

ردّت بسرعة:

-        ذلّ الخَلق وأتى دوره..

سيذلّونه على الأغلب. لا أتوقّع أن يشنقوه. لن يشنقوه إلا "جانبياً" وبعد أن يعتصروه، وذلك بأن يتركوا الشعب يجتاح السجن، كما سلّموا مطلوبين منذ مدّة: "اعترضتهم" دورية! أو كما سلّموا آخرين: تركوا السجن، وقالوا له: دبّر حالك، بأبوابك المغلقة على مساجينك.

-        لكن آهه.. يظل أنّه حاول؟

مثل ثور الله في برسيمه، أخالف كل الناس. كادوا يقتلونني في "النقابة" عندما تشاطرت وقلت عن حرب الكيماوي، تحريكية، ناسخاً الموقف القديم تجاه حرب الـ 73. أمسك بي "قبضاي" غاضباً، وقال: ما هذا القول في هذا الوقت؟!

سكتّ حتّى حلَّ يديه من المعطف الوحيد الذي لديّ، وإلا لكنت أشبعته تنظيراً، ومن دون تنظير روجعت وبهدلت لخروجي، في العلن، عن الموقف.

حسبتها: صدّام وبوش الأوّل، نظامياً، رأس مقابل رأس؟

غير معقول. هناك "إنَّ"، خصوصاً لمّا وقف الزعيم إلى جانبه. لم أعرف عن وقفة له، إلا وخرّب بيت من يقف جانبه. على ذمة الراوي، الـ آيي آر آيي، لم ينخرب بيتها إلا عندما نسّقت معه. كنت من الجماعة -المبدئية- ضدّ الوقوف مع صدّام ولو رفع شعار تحريرنا لأن التحرير ليس شعاراً تُستمال به قلوب فقط، ولكنّي أمضيت منع التجوّل  هائماً في الشوارع، أينما وجدت ناراً مشتعلة بجوار حرش سهارى جلست، كلّما رأيت لهب صاروخ لحقت به مثل الآخرين، أصيح خلفه، كأنّه ضبع.

والمبدئية معروفة حالها: لا تطعم فماً ولا تمسح قفا.. يفتح صاحبها طريقاً أصيلاً، فيأتي آخر ليطرده ويسلكه عنه.. افعل خيراً وارمه في البحر. كلّه خير وبَرَكة. المهم أن يثمر، وليس على يد مَن.

وردّت عليّ غيظها يزداد، ويدها تقريباً مرفوعة في وجهي أنا المنهار المرتخي في السرير، أهادنها لأنّها ثابت وحمامتي متحوّل:

-        حاوَل؟ خرّب بيت الشعب وخرّب بيته.. كان لازم يعنفص؟ والفائدة؟

كنت أريد القول إنّه امتلك حلماً على الأقل، لكني غطرشت لأنّها تلحّن عليّ أنا. خرّبت مستقبلي الأدبي فتضعضعت في الطريق أحوالي الأخرى. مسطول طوال الوقت أحلل "تحليلاً علمياً" ما حدث، وأنتقد "نقداً بنّاءً" لأعرف كيف أطاحوا بي.

الحكاية وما فيها أنني في حالة جزر بعد أن طار ما طار. وإذا كنت أصدّر أزماتي خارجاً وتسكت هي عليّ كيلا أفلت من طوقها، ستذلني الآن ذلّ صدام وأكثر، فمن الأفضل أن أمتّن جبهتي الداخلية.

تكتيك المعنى..

لأنّ الحمامة، دائماً، لا مفرّ منها بوصفها يوتوبيا، حلماً، جنّة عدن على الأرض، حالاً تحرّك الأحوال.

أحسن من غيري أو غيري أحسن؟؟

يتكتكون على بلاد. خلّني أتكتك قليلاً بذيلي!

وساكت لأنني مقبوض الصدر لكن على بقيةِ نفسٍ عقليٍ: التموين والقهوة. جماعتي الأدباء قطعوا عنّي النفس كلّه، وأثخنوا فيّ الجراح.

وأستعطفها من أجل شيء ما، أن تحضر الدخان عن الطاولة:

-        حبيبك..

ترد متشفّية:

-        روح لحبيبتك خلّيها تنفعك!

ابقي على الصراع بهذه الصورة لأمنعها مِن تصفية "فلول" قلبي، لأنني بصدد تجميعها ثانية، سراً هذه المرّة، وأشن حرب عصابات!

تركتني نائماً وغافلتني وتسللت إلى الحاسوب. يعني الغريب أحسن منها؟؟

فكّت الغطاء ولعبت في توصيلة "الجمبر" الخاصة بالـ Bois. أخطأت سابقاً وعلّمتها كيف تبطل كلمة المرور الجذرية، مادّياً. فقرأت ما جعلها مكفهرة ليلتين خاصمتني فيهما، أنا الدائخ، والأسوأ أنّها أخذت تستعيد جملاً كاملة تهدف إلى إسماع الحارة. أنا الآن، بالنسبة لها، مواطن غير صالح زال خطره وحانت تصفية الحسابات الداخلية معه.

وأسكتها بالقبل والأحضان لأن الفضيحة بين الزوج والزوجة تظل أخفّ وطأة من الحارة القريبة، مع أنني اتبعت طوال عمري تكتيكاً مفاده تعميم المحرج أو الفضيحة بالذات، في الحارات كلّها، كيلا يظل في يد طرف معيّن يضغط به عليّ، فيجبرني على تنازلات أمقتها وأموت إن أقدمت عليها مضطراً.

-       "روح لحبيبتك!"،

ترد منذ يومين.

وهكذا، تقريباً، قال لي جميعهم بشعائر صامتة لا أحد منهم يعتبرنني حبيبه، شعائر تضج قولاً وتهديداً، لأنّي دائماً أحرق السفن خلفي كيلا أتراجع. وبحثت عن أحد يسند.. كتف.. حبيب يلطّف، فوجدتهم مثل رماح تهطل على ثور مصارعة يحيطه مصارعون عشرة: أين يوجعك لأقضي عليك!

-        أنتِ الحب والروح..

-        كذّاب.. خوّان!

هي مرّة واحدة ولم تبدأ أيضاً، مثل انقلابة دوستويفسكي، أوصلته عقد المقصلة وعفوا عنه، قبل أن يصل عتبة القيصر، فظل يفكّر في الرأس المقطوع حتى موته.

واستعطفها تحت دواعي وحدة وطنية، أو عائلية:

-        حبيبتي..

-        حتى الكلمة ما تركتها لي؟؟

إحالة مباشرة مثل ضربة ثقيلة تحت الحزام.

لم أعتقد يوماً أنني سأستعمل الكلمة. بيني وبينها استعملها، عادةً، لا أحسّ بها، صباح الخير حبيبتي، مساء الخير حبّي. مع الحمامة الكلمة تلعلع مثل رصاص المقاومة، ترقص، لها طعم مختلف ينعشني كثيراً وبالقدر نفسه، عندما يطّلع عليها آخر، تحرجني، مع أنني لم أستعملها غير مرتين أو ثلاث.

في قعدة قبل أسبوع -عندما كنت أقعد!- وعلى "رواق" فنجان قهوة، سألتني مجدداً السؤال الأزلي: إن كنت أحبّها أم لا؟.

-        طبعاً.

-        وهي؟

والعمل يا لينين الهالك؟

اخترعت لها حكاية العشق والحب وأصّلتها نظرياً -ولو كان لدي وقت لفصّلت برنامجاً ولائحة داخليين- فحيّرتها من كثرة الشرح و-المهم- سكتت وهي تسمع جوابي: أحبّها هي وأعشق تلك.

وأبوي ملعون إذا كنت أعرف أحب مَن وأعشق مَن إذا كنت أحب أو أعشق. العشق عندي همود ارتكاسي، بدايات مفصّمة، نغوشة ذاتية. في كلّ الأحوال أستجيب لنفسي ولما أحس به فقط، لأتجاوز غليان القلب والرأس الذي يتعدد مثل عين الحرباء المليئة بالعدسات تمضي بعكس العين الأخرى بعدساتها، فأرى في المشهدين عشرات المشاهد، وليعرف النوم طريقه إلى عينيّ بعدها!

وتردد دعاءً تظل تردده، بوجه متقلّص من الغضب، في ودّها أن تخنقني:

-        روح: آخرة مثل آخرة صدّام!

صدّام على ما أعلم رجل سلطة أولاً وأخيراً، مع أنّهم قالوا إن زوجة له، مطلّقة، سلّمته مقابل دولارات. لا أدري كم قبضت الحمامة عليّ لترديني عاشقاً وتنسل مني كما نسلت، وتحوّلني إلى مضحكة. والمشكلة أنني كنت أقدّر الحال وعندي من الإشارات ما عندي وأحكي مع ذلك.. لا يهمّني! آمل أن أؤثّر بها إيجاباً، لأنّه يظهر أن فقري الشخصي هو دافعي العام. والفكرة، من ناحية ثانية، معقولة: إذا وجدت شخصاً يعطيك كل ما تحتاج لأخذه من الكثيرين، فما حاجتك لهم؟

ولو قالت مقصوفة الرقبة لي، لكنّا تقاسمنا المبلغ على النصف وتلاقينا بقبل وأحضان تقبل لا تدبر، فنصنع حلفاً أبدياً.

يعني لديك مهمة تنفّذينها؟

لو قلت لي ساعدتك.. أبيع باكستان يا عمري وأتبعك! قولي فقط..

لكن صدّاماً لن يوثق به في كل الأحوال، لماذا؟

لأن ذاته، بالنسبة له، هي الأهم: أن يحافظ على قوّته. لا يعلم، أو يعلم ويتجاهل، أن القوّة حال دوامها محال، وأن الرجال الشجعان لهم نهايات أيضاً. قالوا عنه إنّه جبان. لا أدري إن كان شجاعاً -لأن الطخطخة بيد ليست شجاعة، ولا اتخاذ قرار لن ينفذه بنفسه- لكنّي واثق من مسألة واحدة: لا يمكن تليينه، بل الانكسار أمامه وهو ما حدث نصف عمرهم؛ أو كسره فقط، وهو ما سيحدث حتى نهاية عمره.

ولك يا كاسراً يوم تنكسر فيه..

لا أدري لماذا يبتليني الله بالتعاطف مع المهزومين تحديداً..

الزعيم إيّاه بقيت أنادي بإنزاله عن عرشه، حتى حشروه في زاوية موقف فقبل عند الحشر الفكرة، فصار الجميع عندها إصلاحيين وديمقراطيين إلا قلائل عنفصوا، مجدداً، منهم أنا، وتعاطفوا!

أحبّ المهزومين!

آهه..

يمكن هكذا تراني، زعيماً، وتريد التمرّد عليّ. بسيطة، لو أنّي في وقت آخر، صاغ، كنت أنزلت لها قوّة مكافحة الشغب غضون دقائق، لأن استغلال ظرف خارجي لتحقيق تغييرات داخلية، في نظري، خيانة، مثلما أن تقبل الأشياء من طرف خارجي دون تقبلّها من الداخلي، خيانة أيضاً.

غير أنّي في وضع لا أحسد عليه، وما لم أكن راغباً في رؤيتها تنتفني شعرة شعرة، مستغلّة غياب كريات الدم البيضاء عنّي في وقتي العصيب، فتجرّس عليّ وأفقد قواعدي الارتكازية، في الخارج والداخل، والقهوة والدخان؛ ما لم أرغب في كل ما سبق، فإن عليّ أن أحتمل.

والحمامة "مجاز ماكر وانثنى مثل حيلة".

يتشفون بي.. تعايرني جماعتي السابقة من الأدباء، وأظنّهم، بعد، يرتّبون لي خازوقاً أضخم من خازوق الحمامة الذي دبّروه لي، لأنني بعد الخازوق أيضاً، ومثلي مثل صدّام إلى أن يحبسوني حبسته -وآخذها ذريعة وأفلّ من البلاد بعد الخروج!- لم أسكت بل وسّختها.

يتحمّسون للأفكار المقترحة علناً وينكرونها عيني عينك، أو حين تقع على رأسها بعد أن أسلكها سرّاً ناجحاً وتنكشف، وعندئذ يدبكون عليها أيضاً وتصير أقدامهم فوق الرأس حوافر مثل نقرات الطبلة: دربك دربك دربك دربك.

الكارثة فهموني غلط، وفهمت أنا متأخراً جداً كيف فهموني لكن بعد أن لخبطتها، وما قصّرت! أعطيت مثلاً لن ينساه أحد في "الململة"، وأحسب مفعوله سيظهر قريباً.. وهم مثل جندي الإنزال، والذي يفترض أنّه يتدرّب على الهبوط بالقفز من الطائرة، جوّاً، يهتف باسم الله والوطن والملك، ثم.. يقذف الذي يقف إلى جواره في الجوّ!

وأنا أتشاطر، قبل أن أعرف ناحية أفكارهم، وأهدد مثل صدّام يرحم والديه الفقيرين: كيماوي! نووي!

لو كنت أعرف ما الذي يظنونه عنّي، لفعلت مثل إيران وليبيا والشمالية المنحوسة، كوريا، وأظن أن باكستان سيلحقها الدور في النهاية: فككت أو جمّدت برامجي النووية كلّها قبل أن يجتاحوني، وكنت أخذت الكهرباء أيضاً منهم، وكسبت الحمامة.

لكن نواياي ظهرت، ولن يثقوا بي بعدها أبداً لأنّهم أدركوا أنني وإن كنت منتمياً، لا ولاء لي لأحد ولا حتى لنفسي.

وما الذي أدراني أن مجازي الحقيقي، مثل الحمامة، يرونه هم حقيقة مجازية فيتخوّفون منّي ويسلكون ما يسلكونه ضدّي؟

لو أخبرني أحدهم بشيء مما يخطر لهم لابتلعت لساني، فلا تنقصّني البلايا. عندي منها مؤونة روايات لو ربّنا يسكن سرّي، ويهدي السيد فلان فيسفّرني.

عندما حللت فهمهم لي، ولا أجرؤ على قول ما الذي رأيته خوفاً مِن أن يصدّق غيرهم، اكتشفت أنهم، مثل جنود الجيش الأردني، يبحثون عن واحد يرمونه من باب الطيّارة، ودون مظلة أيضاً، ليظهروا العاقلين.

أزمني أولاد الكلب..

وأقول لماذا يفرّون منّي فرارهم من أسد. أدوّرها من هنا لأحلّها ولا فائدة، أدوّرها من هناك ولا فائدة أيضاً. يرونه أسداً فيما هو قط فقط، له من الليث بشارته ومشيته، ففهمتهم خطأ مثلما فهموني، وتشاطرت عليهم. لأنني وإن كنت شبلاً من حيث البشارة، فذلك فقط لأدّس -على الأعادي بَس- حزب الله!

غير أن القط أيضا،ً إن حشر في الزاوية، يتحوّل إلى أسد.. طار الأحباء، وطارت الحمامة لأن معها حقاً، فمن تريد لبن العصفور ستبتعد عن شؤون الأسد، لأن الأسد نفسه سيبتعد عن شؤونه!

الموت فلسفة وأنا أنبّش في كتاب لفرويد رأيته يقول عنها، ما معناه: كل الغرائز ترتد لغريزة واحدة أكثر أصالة -وربما الأصيلة الوحيدة غريزة- الموت. وكان نفسي أموت في حضنك يا حمامة، موتاً فلسفياً! وأنا صاحب أفكار، مسكين، ليس لي غيرها فأراها -لهذا السبب- حقيقة. لا أدري أين الأفكار والحقيقة. عندي متداخلتان، طالما أستطيع "تصور" إحداهما بخيالي، أعتبر نفسي رأيتها أو حتّى فعلتها. فنّان!

وهكذا الحمامة: لا رأيتها ولا رأتني، إلا بالتلبثة والباراسيكولوجي والحدس ورؤية الصوفي، وعرفوا الجماعة عن الأمر وفضحوني.

وطبّقت المبدئية على أفكاري في الورق بصفتها جمهوريتي المطلقة فماذا حصل؟

طلعت صدّامية؟؟

ذنبي؟

طوال عمرهم يقولون عند تبرير أي شيء له مبادئ: الخلل في التطبيق. وعندي أيضاً الخلل في التطبيق! وسقط صدّام، وسقطت معه.

-        وين وصلت؟!

تجيد اختيار اللحظة. تشعر بها فتتململ لتلجها بكامل الطقوس. أحياناً أكون في انتباهي فأعزف لها السلام الملكي كاملاً، مع الخطوة العسكرية، على السجّاد الأحمر. هي لحظة حسّاسة وأنا واثق الآن من أنّ الترددات الناتجة عن الخواطر التي تخطر لي ستصلها مترددة حتى تدخل دماغها فتضع الخواطر فيه ولو كانت نائمة، وستستيقظ لتأتي نصف عارية، خجلى، تفرك عينيها مثل طفلة بركبتين رائعتين يفتنني استدارتيهما، وغالباً يطير صوابي من مقاطعة اللحظة، لأنّها مثل خيط النشوة، نادرة، ولا تحتمل الانصراف عنها.

وأحياناً أجلسها فوق ركبتي وأتركها تتفرّج على مركبة الكلمات وهي تتقدّم في الشاشة، شرط ألا تتدخّل.

تحبّني كطفلة وأنا سعيد بحبّها في الأوقات الجوهرية، لكنه مرهق في بقيّة الأوقات. ربما مِن هنا ولدت فكرة المرأة الفنّانة، المريحة، مزاج ينطبق على مزاج، الحمامة!

نرجع للحكاية، كنت أتقلّب مثل شيء يتقلّى عندما تسألني سؤالاً مشابهاً أو تطلب -دون أن تطلب- اهتماماً، فأصرخ وأدور:

-        مشّ مهمّتي أسليك!

ولا فائدة. إن بكت أو جرحت أو حزنت فكلّه يجرحني أنا. وأضعف ذلك الضعف الذي أعادني، خلال سبع سنوات، من ثلاث سفريات هربت فيها وفي نيّتي أن أطيل المكوث -والصحيح: دون رجعة- فكنت أشتري لها هدية في كل مرّة وأعود، بعد عشرة أيام على الأكثر، ذيلي في فمي!

على مستوى ما، العفوي جداً، نتواصل. شيء أقرأه في وجهها المستدير العميق لحظات الصفو وتقرأه في وجهي الذي لا أراه فتستجيب وتفهمني. شيء غريب، مفرداته من نبض في البشرة والإطار الكلّي للوجه، والتفاصيل، لكنّه فهم يحتاج إلى لحظات هادئة صافية بنور نيون ولحاف ووسادة، منتزعة من أي سياق آخر، وهو غير ممكن فغالباً ما أكون مشغولاً بأشياء إن لم أستغرق بها فوراً، جننت في التوّ والحال.

-        وين وصلت؟

-       عندك حبّي!

-        كذّاب.. خائن!

وطارت الحمامة إن كانت ستحطّ أصلاً لأنّها تخيّلتني كصدام فهربت، وتشفّى الشعب به وأسقط تمثاله وسقطت معه!

ولا أرى شيئاً وأرى كل شيء، وأفهم كل شيء ولا أفهم شيئاً..

محترف استفادة من أية مصيبة، أحوّلها توّاً إلى فائدة. خطر لي أنني، في انهياري الحالي، أستطيع دفعها -المدام طبعاً وليس الحمامة- للثورة عليّ بطريقة ثورات هذه الأيام، والتي تحتاج ظرفاً خارجياً لا تقوم من دونه، فأستفيد من اللحظة السيّئة وأنفد بريشي فأعود عازباً طليقاً كعنكبوت نجا من فخّ أرملته فأطلق سيقانه الراقصة على فرار للريح!

لكن يا حلم لك الخيال ثوباً..

وأنتبه لها، أحرّك خاطرها، كيلا تتوغّل خاطري:

-        تعملي شاي أبو فتلة؟

-        اعمل لحالك.

تعرف أنني لن أنهض من السرير لأي سبب.

-        قهوة؟

-       ما خصّني.

-       طيّب: لو سمحتِ: الدخّان عن الطاولة؟

-       فش!

-        والأكّل؟

تفكّر في الجواب وتنهض عن جانب الفراش لتحضره. كنت أريد أن أسألها لماذا الأكل فقط ستحضره، لكني كنت احدس الجواب.

اتبَعَت تكتيكي وسألتني وهي تأخذ الصحن، لمّا راقت وأدركت أنني مثل الميّت، ضربه حرام:

-        تشرب شاي؟

أظنّها تحاول أن تحتويني احتواء أمريكا لأوروبا التي كانت شرقية، شدّاً للحبل ومدّاً، فتنشد أوروبا -آهه.. حسب الريح- وترتخي. أجبت بسرعة، فهناك بعد صحن الأكل شاي وقهوة ودخان:

-        سمّ من حبيبتي أشرب!

-       أنا اسمم روحي؟!

-       آخرتي مثل صدّام؟؟

-        أنتَ؟ اللي يكرهوك إن شاء لله!

وأتذكّرك يا حمامة بحسرة الحسرات. كان في ودّي لكنه خيارك.

الله معك وحواليك، ولهفتي قطرات ندى، وخوفي عليك ريح،

وقلبي زهرة.


سجّان

 

والمقادير تتمدد أحياناً لتحتوي أكثر قليلاً: الزنزانة، نصف غرفة صغيرة، خشنة وكئيبة، مع الصمت الطويل، تتجه نحو باب الحديد.

بقدر ما يطل خارجها على داخلها، أقل أو أكثر، يطل داخلها على خارجها، من كوّة الباب.

تتعلّق حشرات طائرة ما بين الداخل والخارج فتسبح في الفضاء مشاعر مختلطة، متناقضة ومتمازجة: غاب اليوم أو غُيّب، هذا السجّان. والألفة في العزلة مطلب. بضع كلمات بين الشتم والشتائم يمكنها أن تغذّي بمعلومة، أو تمتلئ بوقت أو جدوى.

في الأثناء، بين الذهاب والإياب، بين التعذيب والدفاع، تنطلق مساحة كانت نقطة: الصمت. الوحدة. العزلة. الدفاع.

قد تعزل الصمت في وحدة تدافع، لكن يطرأ في الأثناء ما يجعلها مزيجاً غريباً ممكناً فتمتد عبر كوّة الباب، حتى إليه..

لم يعد محض سجّان فقط.

لقد ترك الكوّة مفتوحة منذ ليلة الأمس.


هؤلاء

 

في جانب من الصورة المعلّقة على الجدار رجل وامرأة متقاربان، وطفل يلهو، في الجانب الآخر، خلف جدول؛ وشابّة تجمع، في الصورة، ما بين جدول ونهر، شيئاً من العشب؛ وهناك كلب يحمل جسماً صغيراً في فمه، يتبعها؛

وثمّة صياد أيضاً يجدّف بقاربه، في منتصف الصورة -في النهر- والشباك الملوّنة بطعومها الصفراء والحمراء تتكوّم في القارب، من الخلف؛ وتقفز من الماء، إزاء مقدمة القارب، سمكة أو سمكتان؛ ويقع على الجميع ظل غيمة طفيفة تمر.

 

هناك رجل، وامرأة، وطفل، وشابة، وكلب، وصيّاد، وسمكتان، وظل غيمة.

هؤلاء يجب أن يظهروا، لتعلّق الصورة على الجدار.

 



كمعبر غريب..

 

وعبرت بين المواقع والصحف و.. سخن وجهي حين قرأت..!

ليس كلاماً ما كنت أبحث عنه وليست كلمات التي تؤثّر بي، ولهذا فإنني أسكت وأخفض رأسي أنتظر أن تذهب الحرارة. ولا تذهب. أنتقل من "مكان" إلى "مكان"، فأمتدّ كمعبر غريب إلى الأشياء.

كان شارعاً فارغاً من السيّارات، بعيداً، مظلماً رغم وقت العصر، تحفّ به مقادير مما تبقى من البرية. كنت أنا المظلم والساكن والمستقبل حين تحرّكتُ واستقبلت قطيعاً يسبقه الراعي. قطيع كالبشر، خطوط تستطيل وأخرى تعترض، وأحياناً تدبّ الفوضى في الخراف فتصير ظهورها كأكياس متقاربة ولكنها تتمايل وتظل تتقدّم. خراف مختلفة الأحجام،

للمتقدّم الدفع من خراف الخلف وحاجاتها فالانحراف عن إسفلت شارع، ليس من الأصل له.

للمسلّم أمره الانقياد والضيق وراء الصفوف، إلى حيث لا يرغب أو يريد.

للمتأخّر اللحاق واللهاث وقد يضيع.

للذكر ذكر ينافسه على أنثاه (أو صورتها!)

وللمتطرّف خلف شيء لمحه أو غفل عنه، أنياب الكلّب والراعي أو حجارته وصوته..

وليس في القطيع كلّه مَن هو مكانه!

ليس كلاماً ما أثّر فيّ حين سخن وجهي وأنا أرى في الشاشة قطيعاً آخر -من أسماء- ليس منها ما هو مكانه، فالنابح كبش مستقبلي، والكبش -بالأصل- متطرّف، والمزهو بنفسه لاحق غافل، والمتأخّر مدعٍ، والمطمئن مخدوع، والمنافس كلب.

ولا يهمّني أين أنا لأنني سأمتد دائماً كمعبر غريب إلى أشياء.. ليست ضمن قطيع!


 

 

القسم الثالث:

 

الأفعى

المرآة

ذو لون واحد

بوظة

مثل عقربان

ها قد عدت


الأفعى

 

(1)

في جدار ساحة البيت، الجزء الترابي وبجوار شجيرة غريبة معطّرة، ثقب بحجم القبضة المضمومة كثيراً ما استقطب فراخ الأفاعي في فرارها منّي، عندما كنت ألاحقها صغيراً. بل والأفاعي البالغة أيضاً، ذوات الأطوال والأنواع المختلفتين، من ثلث المتر حتى المتر وقليل، إلا أن تكون "حنيشاً" مرعباً بقدراته الاعتصارية، أسود، يمرّ ككابوس ببطء السرعة، فكنت أخشى أن يلاحقني في واقعه، وسيكون عندها أكثر طولاً.

ولأنّها كائنات لا تمكث في مكان واحد، متنقّلة مكانياً من ربيع إلى آخر، كانت تتبدل باستمرار، وكنت أرى دائماً فرخاً أو أفعى، يلج أو يخرج من الثقب الذي صار يخطر لي الآن أنه يحتوي في الأعماق شيئاً جذابا، أمناً أو دفئاً أو غذاءً حيّاً، طالما يجذب بهذه الصورة.

ربما خطرت لي فكرة إغلاقه والاستراحة من شاغله، ولم أفعل.

في الطفولة، كان موضوعاً ملهّياً خطراً، وفي شيخوختي الحالية مبعثاً للتسرية، منذ عام ونصف.

وكأية حياة أخرى، دارت حياتي دوراتها المختلفة صراعات، ارتطامات، ثم إلى الهدوء مآلنا كلّنا. فأجلس في الساحة قد مضى ما مضى، أتأمل، قد هدأت روحي.

ورأيتها.

لا أعرف عن أنواع الأفاعي الكثير وإن كنت أميّز أشكالها وأستطيع وصفها، لكنها كانت مختلفة عمّا عرفت. تقارب المتر طولاً، بقامة تستدق أولاً عند الرأس بلطف وتزداد عرضاً لكن بانسياب ثم تستدق ثانية كنصل السيّف وهو يمضي لنهايته.

الألوان جذّابة جداً، خطرة جداً، بالأحرى منذّرة محذّرة: بُني لامع يتدرّج حتى الأصفر ثم يتقلّب بين لون ثالث لا أعرف كيف أصفه: أحمرة توحي بالسواّد أم سواداً قانياً؟؟

وباستثناء الألوان السابقة التي تتكرر مثل إيقاع منتظم، متناسب، زيادةً ونقصاً، كانت ألواناً صافية جميلة، وأليفة، على الأقل لشيخ هدأت روحه.

وخلال العام والنصف، باستثناء الخريف والشتاء، كنت أراها تزحف جانبياً والجةً بتخفٍ وخارجةً بتسارعٍ، إلا أن تقف للحظات تطرق رأسها للحركة والنسمة تستكشف، فتمضى فيما يشبه الدرب الخفيف في الحشائش والأعشاب الخضراء والجافّة على حد سواء، بمعدّل مرّتين أو ثلاث مرّات في الأسبوع الواحد.

على الأغلب كانت تذهب لتصطاد، لأنني كورت فجوة في الأرض زرعتها بنصف زجاجة بلاستيكية سفلية فجنّبتها هي - والعصافير - عناء البحث عن الماء. وكنت أحياناً ألقي ما سيفسد من بيض بعد أن أثقبه، أو فاضل طعامي، فكانت تزدرد ما تزدرده إن رأيت تلك "الدروب" الناعمة من التراب، متموجّة في العمق والسطح كنهيّر، حين تمرّ متمايلة بثقلها، فأعرف أنّها تناولته؛ أو متكوّرة في ذرات من هضبة إن تلوّت على نفسها متوقّفة تشمُّ، فأعرف أنّها تركته لتتخطفه قطط سائبة، كرهتها بشدّة.

ربما وحدتها، مثلي، ما شدّني إليها رغم خطورتها أو ما يصلني منه عبر اللون. أمر غريب أن يستأنس أحدنا بالخطر (لكنه مألوف إن عاش المرء وحده).

حتّى إذا مضيت يوماً على عادتي لأضع شيئاً لها، غافلاً عما أمامي، فإذا بي أدوسها عند الذيل جاهلاً وجودها سائباً في فكرة ما، فتلتفّ على قدمي حول الكاحل وتلدغني في ظاهر القدم لأنني كنت أرتدي حذاء المنزل.

وأظنّها همّت بي لتلدغني ثانية لولا أنني ألقيت عليها الإناء ورفعت قدمي، فتحررت وفرّت تلج الثقب بسرعة. وخفت وشعرت بكل ما فيّ يضطرب. شرطت مكان الناب واعتصرته قدر ما استطعت وخرجت إلى الشارع أعترض سيّارة نقلتني إلى المشفى. وهناك، بعد المصل السريع والدواء والفحص، كانت المفاجأة: لا سمّ في عروقي، مع أنّها لدغتني، والمكان جليّ.

(2)

-        والأعراض التي شعرت بها؟؟

-        ربما ضربة شمس أو مخاوف.

سكتّ أمام صنف من المهن لا يريد صاحبه، حتى عندما يريد، أن يدعك تفهم أو يشرح لك شيئاً، بل أن تسلّم أمرك له ولو كان جزّاراً.

- هل كنت تعرف عن الأعراض مسبقاً؟

كنت فعلاً، لأنني وإن كنت شيخاً استأنس بالخطر، فذلك لا يجعل منّي غبياً، فقد طالعت كرّاسات، وعرفت ما يتوجّب عليّ عند اللدغ.

-        نعم.

-       ربما أوحيت بها لنفسك..

-        هراء أطباء!

بعد قليل يوصي بي إلى بيت للعجزة. فكّرت في احتمال آخر: أن تكون الأفعى من النوعية الخطرة لونياً، شكلاً وتقليداً، تُشعِر أعداءها بالخطر عبر اللون فقط. لما أخبرته استَخبَرَ عن وصفها، فوصفتها له، فتمتم بكلمتين انجليزيّتين طويلتين قدرت أنهما فصيلتها أو اسمها.

-        يستحيل. هذا النوع لا مقلّد له.

ولم أقتنع. أنفقت الأسبوعين التاليين أتفحّص مجلدات من الصور، وأشفقت على البشر من هذا التنوع الضخم فقط في الأفاعي، فكيف الحال بالنسبة للكائنات الخطرة الأخرى. خيراً فعلت عندما لذّت بنفسي، لأن البشر فصيلة أكثر تنوعّاً من كل المخلوقات بفصائلها المتنوّعة. كان كلامه، حسب الصورة، صحيحاً: لا مقلّد لنوعها.

مع ذلك لم أقتنع، لأنني لم أقتنع بشيء بهذه البساطة من قبل، سأستبعد كل الاحتمالات غير المنطقية: نوعية سامة لا مقلّد لها، مع ذلك لم تسممني. أمر حميد بالطبع، لكن الفضول أعظم.

خطرت لي أشياء كثيرة، لكن البرد كان قد حلّ واختفت في الثقب تغفو غفوة طويلة أو ماتت. دعوت ربّي ألا يقتلها حتى أختبر أفكاري.. وكان عليّ أن أنتظر طويلاً.

(3)

وفعلتها:

قيّدت فرّوجاً صغيراً، اشتريت دزينة منه رعيتها لهذا الغرض، وغلّفته بشبك يتيح اللدغ ولا يتيح البلع، وكمنت داخل البيت خلف زجاج الشباك لا رائحة تتسرّب منّي ولا حركة تُخيفها، أرقبُ.

انتظرت ساعات حتى رأيتها تخرِج بحذر رأسها، قد جذبها الصوت، فيتخابط الفروج المسكين قد أحسّ بها، بدوره.

وزحفت -أخيرا-ً بعد محاولات استكشافية كأنّها تفترض الرقيب افتراضاً (ولو لم يكن!). ووصلته لكنها لم تلدغه بل مضى لسانها المتراقص يتفحّصه، وأحسبها قد "ذاقت" المعدن فرجعت عن سعيها كسلى، مثلما أحسب الطير ميّتاً من الخوف.

ارتابت في المعدن إذن لكنّها لم تلدغه؟

عدت إلى الطير وحرّرته من شبكه لكنّي أبقيته مقيّداً من قدميه، فعادت، عندما عادت بعد وقت، وعضّته وازدردته.

وسجّلت في رأسي الملاحظة: تعتمد على البلع ازدراداً!

لكن الطير ولج إلى معدتها الآن، ولن أتحقق من الأمر الآخر، فربما لدغته عندما أطبقت عليه في المرّة الأولى فقتلته.

وفعلتها ثانية بعد أيّام:

قيّدت طيراً آخر على أن يكون رأسه، هذه المرّة، في مأمن، لأنني أريده ملدوغاً وحياً. لهذا صنعت من الخشب شيئاً كمصيّدة من صندوق صغير يحمى الرأس ومجرى ثبتّ إليه جسد الطير، متحرراً عند ساقيه، حيث أردتها أن تلدغه أو تبتلعه.

استبدلت الطير مرّتين لأنّها تأخّرت وإن حصل ما أردته في النهاية: ما إن أطبقت عليه، متوثّبة بنذائر الخطر الملوّن، حتى نقرتُ الشبّاك وجررته على سكّته، فرأيت كيف تناضل لانتزاعه.

كان مقيّداً جيّداً ما عدا الجزء المتحرر فيه، فاضطرت إلى تركه، مسحوقاً.

كان قد مات إن ليس من الإطباق أو السحق أو اللدغ فمن الخوف، وحمّلته إلى المختبر البيطري لتأتي النتيجة ثانية تؤكّد نتيجة المستشفى: لا سمّ.

بقي أن أتأكد من احتمالين آخرين: هل هي من نوعية غير سامّة وغير معروفة، أم أن خللا عضوياً طرأ عليها يجعلها لا تفرز السمّ؟

وفعلتها ثالثة بعد أسبوع أو أكثر قليلاً:

الطير الثالث مقيّد وداخل قفص، يؤدّي إليه ممر من أنبوب يصل بين كوّة باب القفص والفجوة، على صعودٍ لأعلى، بمجرد أن أسحب خيطاً متيناً دقيقاً يمتد إلى الشبّاك، يصير القفص قفصاً للاثنين: الأفعى والطير.

وتأخّرت طويلاً هذه المرّة أربعة أيام كدت أنصرف عن فضول لا يتناسب مع الشيوخ (ولا حتى مع الصبيان)، وخشيت أن تكون قدّ ماتت.

بعد عناء لمحتها تلج القفص عبر الأنبوب المخفي وترتد في تلك المحاولات الاستكشافية، وصبرت ما استطعت الصبر وأنا أراها قد دخلت ينسل ذيلها ويستدق أكثر كلما انسل. ولم أطق صبراً أكثر فأطبقت الباب على بقية ذيلها فانسل.. إلى الداخل.

وفعلتها رابعة:

حملت القفص إلى جانب المستشفى ومددت يدي داخل القفص وتحرّشت بها، فلدغتني.

وكالمرّة الأولى أخذت المصل أرنو إليها كيف تتلوّى و "تفخ" خلف شبك القفص في وجوه الممرضين المتمرّنين الشبيبة يثيرهم الخطر مأسوراً (حيث لا خطر)، فيضحكون مع ذلك مذعورين.

وأتت النتيجة ثالثة: لا سمّ في عروقي.

بقي أن أتأكّد من الاحتمال الأخير.

مضيت على بطء إلى المختبر البيطري فعرضت عليهم القفص ورجوتهم ألا يشرّحوها بل أن يتأكّدوا من عطل سمّيّتها حيّةً. ثرثروا كثيراً عن صعوبة هذا دون تشريح، فوافقت على تنويمها و"شرحها" دون قتلها.

وأتت النتيجة مألوفة مذهلة معاً: لا غدد سميّة لها..

وعدت بها، مبقياً عليها في الأسر الذي كنت أوسّعه لها بالتدريج من قفص إلى آخر أكبر، إلى صندوق من الزجاج أوسع. وتأكدت من شفائها، فقد اندمل "الشرط" بأثر كالخط، فأعدتها إلى الثقب، فوكرها، حيث أقامت طويلاً، على غير عادة الأفاعي.

وخشيت بعد أسرها أن تفرّ هي أنيسي أنا الشيخ (ونسيت القول أنّها أفعى أنثى)، فحرصت أيضاً على "التدرّج" في عكس عملية اصطيادها. وحانت اللحظة التي تعود فيها إلى ما كانت عليه، أغذيها كما كنت أفعل بفاضل طعامي، ثم قطعته لأجبرها على الخروج.

استغرقت وقتاً أطول هذه المرّة لتخرج، أي بعد أسبوعين فسعدت بها، وإن لم أعد ألمحها كما كنت.

أفعى لا خطر منها، رغم نذائر الخطر الملوّن.

(4)

أما ما حدث بعد وقت فأربك حساباتي كلّها، وأنا أفتح باب منزلي ذات صباح. بجوار الشجيرة المعطّرة كانتا، اثنتين لا أفعى واحدة، لكن الأخرى عادية بُنية لولا رقش أصفر طفيف، وأكثر طولاً: أفعى الحقول ربما، تتلويّان على نفسيهما.

داخلتني بهجة شديدة، من النوع المخيف أيضاً، فقد وَجَدَت وليفاً إذا كانت وحيدتي قد وجدته فلم لا أجده أنا، أو هكذا حسبت، لأنّه لم يكن "غزلاً" تلتف "الساق" فيه على الساق، بل كان صراعاً مريراً، مليئاً بـِ "الفخيخ" والارتداد والتوثب والتهديد الرطب.

وكدت أتدخل لأفض الصراع عالماً أن أفعاي خاسرة مسبقاً، لكن الفضول، فضول الشيوخ العنيد، راودني مجدداً: "لأدع الشيء المحدوس يحدث فأراه بعينيّ".

وتصرّفت كأفعى سامّة فعلاً، فاتصل الرأسان بالأنياب على منتصفيّ الجسدين كأن حساباً رياضياً، بمعادلة قدرية مبهمة، قام بتحديد أماكن اللدغ، بتساوٍ.

ورأيت كيف اختلجت الألوان وكيف تباطأت وكيف تراخت نهائياً، وكيف انسلّت الأخرى إلى الأعشاب التي لم أعد أهتم بحصدها، جريحة، غير أنّها تتحرّك.

جررتها ودفعتها في الثقب الذي أقامت فيه طويلاً كأنها كانت تعلمه قبرها. وكيلا يُسكن ثانية، حشرته بحجر وأكملته بالماء والتراب ممزوجاً.

(5)

عدت، كما كنت، وحيداً يتفرّج على شجيرة برائحة ستذهب، وساحة معشوشبة بجفاف واخضرار لا شيء فيها، قد مضى ما مضى، أستعيدها أحياناً، أتفكّر، فأحاول أن أعرف جواب السؤال: إذا كانت تعي نفسها ولا سُمّيتها (ولدي التجارب تؤكّد)، فلماذا تصرّفت هكذا؟


المرآة

 

(1)

وقفة اضطرارية تودّ لو أنّها تستأنف.. إنّما ستخبره.

إخباره الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يعادلها عقلياً من جديد، لتظلّ تحترم نفسها. رتّبت كلامها طوال الأيام السابقة للقاء الذي رتّبته لها صديقتها، لقاء تقليدي لا جديد فيه سوى تفاصيل القائل والسامع والمكان، عكس التنظيرات التي تحوّلت إلى قناعات أو أحلام، أو هي ربما نزوة احتاجت إلى تبرير فتسمية.

ثم حين وجدت نفسها أمامه وجهاً لوجه، على طاولة الحقيقة في المطعم، احتارت كيف تخبره مع أنّه من الأجواء وسيتفهّم غالباً.

سكتت تبحث عن مدخل لن يخطر لها، وكان يتبسّم سعيداً بها أو بنفسه ولا يحتاج إلى كلام، وستنقر، عوضاً عن إيجاد المدخل المناسب، سطحَ الطاولة.

غالباً (حبّهم)، ضعفهم تجاهها، هو المدخل وليس حبّها لهم، لأنّها لم تعد تثق به.. عند مرحلة ما يصير قراراً أو إرادة أو تفصيلاً محدوداً، فإن تظاهرت به مع غيره الذي تملّص، فلن تفعلها معه بل ستخبره وتلقى الأمر على عاتقه، وعليه هو أن يقرر: أن يتراجع عن طلبه، أو يمضي به، لأنّها، بصراحة، لن ترفض..

لم يعد الأمر متعلّقاً بموافقتها أو رفضها، فهناك ما ذهب منها وصار أكبر وتعلّق به هو وأن.. يقبل.

ثمّة شيء فيهم يخبرها أنّهم لا يقبلون في الحقيقة، قد يعلنون العكس "أدلجةً" وقد ينغمسون من أجل لحظة منغمسة بطبيعتها دون أدلجة، لكنّهم ذكور لا يتغيّرون. جزء ثابت فيهم لا يتغيّر، ورأته في ثلاثة أشخاص تتابعوا خلال سنة فكان الأوّل عمىً، والثاني استدراكاً، والثالث..

وكلّهم عندما أدركوا انتظارها لما هو كامن فيها أصلاً، فرّوا، بلطف.. بصرامة أو بفجاجة، لا يهم. فرّوا كذكور بعد أن نالوا ما أرادوه.

وكم احتقرت نفسها أمام المرآة لثلاث مرّات متتالية تبصق البصقة فتسيل على السطح الصقيل مخلّفة دائرة ضخمة ودوائر صغيرة متناثرة ومجرى يمتد عريضاً يقل عرضه حتى يجف البصاق، بل وخاطبت نفسها:

-        يا عاهرة!

كانت تريد أن ترى كيف تبصق على نفسها، نيابةً، طالما لن تسمح لغيرها أن يفعل. كان يجب أن تشهد هذه اللحظة بالذات.

وحين أتت صديقتها لتخبرها عنه ارتاعت. همّت بالرفض كعادتها السريعة ثمّ فكّرت، ربما أملت أو أرادت أن ترتد، فركضت إلى الطبيب، وكان الإصلاح، بعد، ممكناً، ولو بنظرات الاحتقار التي ستحتملها وهي تدفع الأجرة سلفاً.

وكمن يبتلع جرعة الدواء دفعة واحدة، شدّت على نفسها ومنحته وجهها ليقرأ كامل التفاصيل التي لن تخبّره إلا بأهمها، له ولها:

-        أجريت عملية..

وستتدرّج ابتسامته السعيدة حتى تخبو وتشع بالشحوب الناتج عن انسحاب الدم. كم هي آسفة لهذا الانبعاث المؤلم الذي تسببت به له. آسفة حقاً لكنها لن تخدعه. ستؤلمه كثيراً وقد تفقده لكنها لن تخدعه، لأنّها لا تريد أن تعيش بقيّة لحظاتها ما بين كذب -ولو تغلّف- وخوف وارتياب وأعداء ساخرين كامنين له ولها.

ويستجمع ابتسامته ليقول شيئاً ينضح منه الألم، فتشير له أن يسكت.

-        لا حاجة لقولٍ هي أدرى به منه.

بل ستقول هي له:

-        عرضك المقدّم لست ملزماً به.

وستفعل الشيء الوحيد الذي تتقن فعله: تنسحب. وتخرج بمشية هي هرولة لا تريد أن تشهد تردداً كيفما تردّد جرح، وستسمع صوته مع ذلك ينطق مبحوحاً:

-        أنتظرك غداً.

(2)

والمرآة في هذه الغرفة هي كل ما لها.

كفّت عن البصاق منذ فترة طويلة، لكنها تظلّ ترى أثراً لا يزول لسيلانه متراجع السرعة. لتستطيع أن تميّز بين وهم ومعنى كان عليها أن تخرج من مسار كلّ ما فيه لها؛ حرّة ومالكة ومتصرّفة، صحيح، بشرط أن تقدّم -مانحة- لهم لأنّها في اللحظة التي ستفكّر بمقابل ربما يكون حلماً جميلاً سرّياً، ستجدهم "يحسبونها" بطريقة مختلفة: الكلّ يريد "جديدة".

الثانّي عذّبها بنظرته لأنّها لم تكن قد اكتشفت حقيقة نظراتهم، بعد، وهذا ما دفعها للعكس عندما انتهيا مباشرة، فطلبت بوضوح وتحديد فرد ساخراً، بأسنانه المفترقة وشفتيه النحيلتين، شادّاً حزام بنطاله:

- الحليب في السوق، فلماذا البقرة؟!

وهمّت بأن تقول شيئاً للكلب الذي يراها حليباً أو بقرة، وعرفت أنّه سيرد عليها فسكتت.

حرّة ومتصرّفة، شرط أن تمضي في مسار الهدايا حتّى النهاية، طالما هي مؤهلة، لم يفتك بها العمر. وستجد دائماً قائمة ممن "يحترمون" خصوصيتها و"يحرصون"عليها، أو تتلخّص غايتهم في استعمالها فيما يحتاج إلى كتمان متعقّل هي بالسليقة متمرّسة فيه، فيعرفونها رغم ذلك بطريقة ما، مِن المشية أو النبرة أو الملامح والطرق لا تحصى، وسرعان ما تتناقل معرفتهم حتى في الكلمات التي لا تُقال تحديداً.

المحترم فيهم سيحترمها، في حقيقته، عن بُعد شديد لن يساويها مع أي تصوّر لواحدة -يحترمها حقّاً- في رأسه، والقريب سينظر لها كما لو كان يتحايل عليها لأخذ شيء مجّاناً، لها الراحة طالما الموقف هكذا.

أمّا مَن يميل لها أو قد يحبّها فسيكفّ أو يقسو بشدّة، وفي الحالتين الجزء الذي فيهم يجعلهم، بينهم وبينهم، يرتدّون عند أوّل فرصة.

حرّة يا سيّدة بشرط أن تظلّي هكذا، وأن تتقني لعبة السيطرة، وأن تحملي شعاراتك معك، لأن لحظة مراجعتها أو التخلّي عنها ستكون النهاية، نهايتك.

الثالث كان شريكاً لا تريد لا احترامه ولا حبّه بل جسده وما يترافق في الأثناء، بلى، ربما بعد المنح والأخذ دون تعلّق إن ظلّ لديه دافع لشيء، فلِمَ يظلّ؟ وتدرك أن الاحترام إن ذهب يظلّ التقبّل ومساره الشراكة: لا تتعبني بنظرتك فلست أريد منك شيئاً أكثر مما تريده، فلستَ بالأفضل منّي، ودليلك على جسدي.

مسار كانت تستطيع  المضيّ فيه.

لم ترد منه إلا المحدود الذي تبقى لها، وستحرص على معاملته بمثل ما ينظر لها: ستحوّله إلى علبة سردين حين تستهلكه تلقي به، وعندما يطلب أن يراها ثانية، قد أطبقت عليه من شهوته التي تجعله يحكم  عليها أيضاً، ستستبد به حتى يتضرع لها، وتريد أن تسمع تضرّع مساحته الداخلية المنكشفة أمامها، فليس لها من الدخائل إلا التناقض، مثل مساحتها المتناقضة هي:

-        أتحسب أن لك شيئاً عندي؟

لم تعد تطلّب منكم، يا ذكور، شيئاً..

نقطة التحوّل كانت مع صديقتها بالذات التي لم تعرف -شكلياً- إلا عن الأول والثالث حين سألتها:

-        طيّب: الأوّل حب، وهذا؟؟

تكره التلميح الذي يثير -في الصدر- الفحيحَ فتجيب بعصبية مختصرة:

-        حب حقيقي.

سكتت صديقتها وقد أحسّت بشيء حاد غريب في الجواب.

تستطيع يا حمقى أن تلعب بكم لعبة الحب والإغراء. لن تحوز على واحد حقيقي منكم، صحيح، لكنّها تستطيع أن تجذبكم جميعاً وتتلاعب بكم تلاعب الورقات السبع في الأصابع الماهرة: مسار للحريم اللواتي لا حقوق لهن وضعتموه وستمضي في تسميته العصرية.

ولتعذّبها صديقتها، ستخبره عن "مشروع" كل عدة شهور، وسترفض أن تناقش تفاصيل أي شخص، إلى أن تسمع اسم الشخص الأخير، الذي هو من الأجواء فتتذكّره جيّداً.

لن تخترع ذكرى خارقة لحب من أوّل نظرة تبطّن في السرّ سنينا، بل.. أجل تريد ما تريده غيرها، لم لا؟

وهو ذكر تستطيع أن تنتقم منه أيضاً وتستفيد وتفيد، فلا بدّ أنّه قبل أن يقرر الزواج قد ابتذل غير واحدة ولم يحاسبه أو يحتقره أحد، وستحاسبه الآن هي.

ولأنّهم حمقى يعتمدون على القشور والأغلفة، ستعطيه غلافاً كالمطلوب، فركضت إلى الطبيب: احتقارك لي يا محترم لا يغيّر حقيقتك، فأن كنت مبتذلة قليلاً، فأنت أكثر: تعتاش على ابتذالي فعد النقود التي في يدك وأسكت.

المرآة هي كل ما لها.

(3)

ولم تذهب إلا لتقول له دون قول إنّها لا تخشى شيئاً ولا منه هو، وتستطيع أن تحدّق في عينيه مباشرة وليقل عندها ما يريد إن كان رجلاً، لأنّها لن تتردد في صفعه إن أساء التعبير.

وينهض عن كرسي الطاولة ذاتها محرجاً كطفل ليستقبلها. دعك من الشكليات فما الذي تطويه في صدرك؟

أطمعت أنت أيضاً، أم وجدت صيغة مهذّبة تبدي احترامك فيها وتنسحب؟

لم تعد تنتظر قراره فقد حَذَفَتهم كلّهم في ليلتها الماضية من رأسها. يمكن للواحدة أن تعيش دونهم بسهولة شديدة، وما الذي سينقص عليها؟؟

أطفال؟

أصلاً مزعجون سينسون أمهاتهم عندما يكبرون قليلاً!! ويمكنها أن تتبناهم عند اللزوم بيسرٍ، لأنّهم في الملاجئ، مثل الهمّ على القلب، أكثر من أي شيء آخر!

ويسألها: ماذا تريد أن تشرب؟

أتريد شراءها بمشروب يا سيّد؟!

أتت فقط لتقول له إنّها ليست خائفة، وبمعنى ما ليست نادمة لكنها لا تستطيع أن تخدعه، لهذا فهي لا تنتظر المشروب ولا تريده، وتهز رأسها رافضة دون شكر. ومع ذلك يطلب مشروبي عصير له ولها.

ما الذي تنوي قوله؟

أشياء كثيرة يتمتم بها بصوت منخفض يشتد ويتحمّس شيئاً فشيئاً فيعلو..

أهي واثقة مما تسمع؟


ذو لون واحد

 

.. وكان عليه أن يصل هذه النقطة التي لا رجوع بعدها.

تجنّبها كثيراً.. ولم يعد أمامه مناص.

لا يُدفع الشيء أو الشخص، طالما هو غير متحقق وضروري لا غنى عنه، إلا بآخر. عليه، طرق هذا الباب الذي حسب أنّه لن يطرقه مرّة ثانية.

فقط المرآة الملصقة على الحائط تبدّلت وصارت صفيحة معدنية عاكسة، في نصفها الأفقي الأسفل تطريز بالأحمر، وفي النصف الأعلى زر الجرس. لآخر مرّة يفكّر قليلاً ثم يضغطه بعد تردد. وحين تنبعث زقزقة العصفور الجرسي من خلف الباب سيستعيد وقفاته الثابتة المجابهة لأي إغراء قبل سنوات كثيرة.

الآن لم تعد وقفته لا مجابهة ولا ثابتة، بل هي منهزمة، منهدمة سلفاً..

"لا بأس، انكسار آخر وأخير"، قال لنفسه.

وانشق الباب عنها بمريول المطبخ ومصفاة طويلة الذارع عليها بقايا أرز، في يدها. حالما رأته ابتهجت وعانقت كتفه بيدها الأخرى.

ظل يراقب غَرْفة الذراع المثقّبة القريبة من رأسه، يتحسّب من أن تقع حبات الأرز على شعره.. تعود إلى وجهه وتسأل:

-        كيف فعلتها وأتيت؟

يهرب من الإجابة بابتسامة ضعيفة لم تحاول، على عادتها السابقة، تفحّصها أو استجوابها، إنما تأخذ ذراعه دون أن تنتظر جوابه وتدخله، وعندما ترد الباب تلتقط شفتيه في قبلة مشتاقة طويلة حاول فعلاً أن يستجيب لها ولم ينجح..

هتف لنفسه أنّه أتى إلى هنا ليكسر حاجزه فينبغي أن يستجيب، وحين يركّز ذهنه تكون هي قد انتبهت وانتهت منه.

تتأمّل وجهه لأنّها تفهم بالرؤية أولاً قبل أي شيء آخر..

وجهها في عينيه وجه صديق متفهم ظلّ بعد سنوات تسع مألوفاً كأنّه لم يغب عنه إلا بعض يوم.

-        ما لَك؟

وما الذي يستطيع أن يقوله؟

يهزّ رأسه فتفاجئه وتضحك مفترضةً متحاملةً من جهة، فَرحةً متشفّيةً من جهة أخرى:

-        مَن هي؟!

-       هي مَن؟

-        التي فعلت بك هذا!

يود لو يجيب مفضفضاً، لكنه لن يفعل، فالواحدة منهن تتعّلم من أثر الأخرى، وحالما تتعلّم تقلّد.. يعتذر محوّلاً الموضوع كأنّه "يفهم" سؤالها على نحوٍ يريد عبر الايحاء به التنصل من الجواب "إنّه آسف لأنه انقطع عن زيارتها.."

تفحص وجهه. اللعينات يحسسن بالشيء قبل أن يفهمنه، فتهز رأسها جانبياً متحيّرة من شيء ما، وتبدو كَمن قبلت عذره، مع أنّه لن يثق..

وما عذره حقاً؟

أنّه انقطع عنها عندما أراد الزواج ولم يكن أمامه بد من قطع صلته بها، لأنّها ما كانت ستتفهم؟؟

لم يكن قد فكّر فيما سيقوله.. الآن يعرفه: سيختلق القصص عن "تعاسة" زواجه بحيث يبدو كأي رجل متعب نادم ويريد -ببساطة- أن يستريح بصلة جانبية لا إشكالية فيها أو مسؤولية.

إن سألت أكثر، سيضعها في صورة أشياء الغموض فيها أكثر من الوضوح، وستقدّر هي أن غموضه "تحرّج"، وهكذا يبرر حالته، دون أن يقول شيئاً على الإطلاق!

التفكير المتآمر يمدّه بطاقة غريبة افتقدها لفترة طويلة فتبدد استسلامه الذي دخل به:

-        كل شيء على حاله، باستثنائك أنت: صرت أفضل.. امتلأتِ قليلاً، فصرت أجمل..

-        لو كنت تراني جميلة، ما تركتني وتزوّجت!

ها هو الاستجواب.. فيصيح من فوره (نادماً):

-        ليتني لم أتزوّج!

شكوى مجّانية لا تقنعها فتتأمّله جانبياً بمكر متفحّص. المنطق والعاطفة في فصوص رؤوسهن عجيبان: لحظة العاطفة منطق ولحظة المنطق عاطفة. وعند التواصل يتقاطع مسارا التفكير فيلتقطن الذي في الخلف مباشرة..

ويحرفها عن وجهتها بأن يحتوي خصرها مكلبشاً أصابعه على ظهرها.

هي أوّل لحظة يشعر فيها بشيء من إثارة، "تشعر" هي -لا شك- بها، لأنّه عندما يهتف إنّه اشتاق لها تتخمّر عيناها وتغيبان في القبلة الطويلة التي كان، مع ذلك، "منفصلاً" عنها من "الخارج"، يبصر ويتبصّر كيف تكون.

جفناها المجعدان كانا مخيفين.. وأحس كمن يخز جلده بدبوس.

** **

-        ما الذي يفعله الأحمق؟

أذنا فيل امتلأتا بالصوت أو وردة..

لا يُدفع الشيء إلا بآخر يزيد عليه. كان عليه أن يكسر انكساره، تعميم خاصّه، إشاعة انفعاله مجدداً بين الوجوه لأن الوجّه الواحد، بالأحرى معناه، على ما قد يمنحه، سفّاح.

من السهل السيطرة على النفس حين يتعددن لكن الواحدة منهن، إن واءمت أو اختلفت وسيطرت، قاتلة.

لسنوات سلّم أمره، أو كما قال لها حين سألته (بفضول) "كيف يكون الزواج":

-        إقامة..

وهمّ باخبارها ما ابتدأ به من أنّها اقامة "صحّية"، لكنّه يتذكّر قول المرضي عنه، صُنع الله إبراهيم، فيقول: - "بين فخذين شرعيين!"

وتضحك هي حتى تضربه على مؤخرته بيدها مستمتعة مستظرِفة. غريب أمرها. وتسأل مجدداً. سيكون عليه أن يتهرّب من الكلمة ومفرداتها وما يؤدّي تصريحاً أو تلميحاً، إليها، وأن يعتمد على حسّ عميق بالكرامة يحبّه جداً فيها، يكبحها عن التمادي ويساعده على التهرّب. لكنها تسأله مجدداً:

-       قُل لي: لماذا تزوّجت؟

يكاد يجيبها إن زواجه ليس له وأنه لم يعنِ بالنسبة له شيئاً على الإطلاق، بل هو.. إنّه لا يراه أو يحسّ به. حوّله، في أسوأ الأحوال، إلى علاقة وليس حالة اجتماعية أو صفة، لا يعترف أصلاً بها.. لكنه حينئذ سيكشف موقفاً ودّياً قوياً من زوجته، الأفضل ألاّ ينكشف:

-        لا أدري!

تصير نكتة فيضحكان.

هو الاستجواب إذن بصيغة فكهة (على ألا يطيله)، فقد أتّى لمرّة واحدة ينفّذ مهمته الموضوعة ويكسر بنفسه الحاجز الذي بناه، وسيغيب فجأة كما ظهر.

لا تنزاح من تثبت في صدره إلا بهذه الطريقة: تشتيتها في أخرى. عاشها مرّة واحدة من قبل، ولم يتغلّب إلا..

حظّه في الحب سيء، سلّم بقدره. الآن لا يريد إلا أن يعود إلى "إقامته الشرعية" خالي البال، نصف بليد، جسده نصف حمار يتحرّك حين الحاجة إليه، كما كان. ولا طريقة أخرى أمامه.

ليرتاح عليه أن يبدّل ظروفه جوهرياً ويشمل ذلك تركه زوجته (وهو لن يفعل حتّى تطلب هي)، أو يكسر حدوداً وضعها بنفسه ولم يتخطها، وصار كسرها من المحرّمات..

فقد مهارته على ما يبدو: السيطرة على النفس، الإرادة.

** **

وما الذي يفعله في غرفة نومها؟!

مروحة لحمية.. أذنا فيل ملأهما الصوت. تنتظره -الأحمق- ليكسر حاجزه، فما الذي ينتظره هو؟ أهو الحاجز الذي بناه قد تأصّل فيه فعلاً وصار حقيقياً؟

عارية بيضاء متفتحة صريحة كما كانت دائماً في السرير، "محيط" جسدها سمكيّ الانسياب ناعم. أذهله الجسد دائماً واحترمه فكان يسند رأسه إليه خاشعاً متهجّداً أكثر منه مشتهياً، وحين أدرك عمقه لديه، وأدرك أنّه لا يستطيع ابتذاله بالتكرار، قرر أن يحافظ على مغزاه بالامتناع عنه إلا.. بإطار.

ألهذا تزوّج؟

كأنّهن جراح مفتوحة يحتاج تناولها إلى تعقيم الوسط: النظرة الراجية الطافية، حين الرأس يغرق في السرير وتكون الشفتان المقبلتان أعلى نقطة في الوجه؛ ضعف الانتظار وغياب التحكّم؛ تلك الذروة المتكسّرة الصارخة التي -كي تكون- تحتاج إلى أكثر من جسد: إلى مسؤولية؛ والقسوة المطلقة التي تعتورهن دون وعي حين يقبلن بما يفتقدن أرضيته مع أنهن يبلّطنها -حلماً أو تمنيّاً- طوال سنوات وسنوات ولا ينسينها أبداً، حتى وهن يحتجن الجسد ويستعملنه كترجمة ممكنة..

فانقلب من شيء إلى نقيض: كان يظن نفسه متحررّاً، فأكتشف في أعماقه أكثر من محافظ.

أوف: محافظ!!

وتخجل هي -على عريها- منه. طبيعي إن لم يكن العري عري الاستغراق.. خجلها يلملم أعضاءها، فيشعر أنّه خجل فيها، بطريقة ما، "موضعي"، شبه غريزي..

صدرها مثلاً لا يخجلها، في حين وعيها بنفسها، باحتياجها، يمزّق عينيها، فيرتبك لتمزّقها.

ولم تعد تنتظره.

تطوي ساقاً فوق أخرى تردّ تحتمي أو تنغلق، ولكنها -بالانتظار ربما- تجذب شعره تداعبه تسأله برقة تؤلمه لأنه يحسّ أنها محض تقديم، الالتواء فيه مثل المباشرة، مكلف جداً لها:

-        ما الذي أعجبك فيها؟

لن تغفرها له ولو غفرت. أيجيبها؟

أيقول إنّه لم يرد لها، لأحد، أن يعيش تجربته لأنّه لن يحتملها، في وقتٍ استبدال الوجوه سيشوّهها ويدفعها إلى المسار الذي يعرفه جيّداً ويعرف كلفته؟

قد ترد: إنما آلمها حين تركها، ودفعها!

ويعرف أنّه سيجيب من فوره، وهو الذي ساعده على تركها: أنتِ تستطيعين الاحتمال وتدبّر أمرك أمّا هي فلا. إن قال هذا ستكتشف تناقضه وسيبدو تواجده هنا غير مبرر ومهيناً لها، وقد تسخر منه:

-        إن كنت يا سيّد تحبّ زوجتك إلى هذه الدرجة فلم أنت هنا؟ أذهب لها!

حب؟

يا ليت!

أهكذا يفهمنه؟

"انحياز" أو "تفضيل" بدلالة الجنس؟

ليت الأمر كان ضجراً زوجياً بالفعل لأنّه سيحل الإشكال بسهولة..

فماذا لو عرفت أن هناك ثالثة، غيرها وغير زوجته، أحبها فكسرته وهي التي جلبته أصلاً لها لعلّه يكسر انكساره، بعد أن لم تستطع زوجته؟

أيقول إنّه يفكّر بها طوال الوقت قد شلت حياته، وفَشِلت حيله الكثيرة التي يعرفها في رد سيطرته إليه وأنّها، وهذا هو المضحك، ركلته كشيء على شارع.. علبة معدنية صغيرة؟

عارية كثمرة، كنواة، ولا تؤثّر به.

كانت تنتظره أوشكت على لفّ نفسها بالغطاء لولا أنّه اعترضها، وحاول صادقاً أن يركّز ذهنه لعلّه يستفز جسده فينهض كحصان و..

لا فائدة!

ثم يفكّر أن السياق قد ينسيه عندما يشدّه بتفاصيله، فيتشجع ويداعبها. وتسأله أوّلاً بضحكة مُدغدَغة:

-        ما الذي تفعله؟

ثم بعد الضحكة تغترب عنه متحسّسة نافرة وترفسه!

** **

والألم الذي لم يتخلّص منه قديماً إلا بوجوه ضاعفت الألم -ثم شتتته- حتّى تبلّد، عاد إليه الآن، فمن يخلّصه؟

 

آخر ما يهمّه هو الجنس ولو أنّه لن يجد مَن يصدقه أو يصغي إليه. ينخطف صدره فييأس من الحلّ الذي تجلّى له منذ أيام.

ويفكّر أنّه مثالي يرى بلوّن واحد: "يتطرّف جداً حتى يسقط".. فإمّا أن يحبس نفسه ويخلص، أو يتعهر كما هو الآن!

حتّى التعهر لم يعد يستطيعه، مثلما لا يستطيع أن يخلص.

وتقيسه أخيراً بنظرة لصوصية، قاسية التحرّك، سريعة وهي ترتدي ملابسها، وسيكون عليه أن ينهض ليرتدي، بدوره، ملابسه..


بوظة

 

الليلة قرر أن يصمت وألا يحدّثها عن..

كذب عليها وأغرقها بالوعود والكلمات، بعد أن شاهدته طوال النهار بحالة مغايرة يستغرق فيها منذ شهور، وكان يخرج منه، تجاه أخرى، تأنيباً أو دفعاً للخداع، ما يزعجها يومياً.

الليلة، عكس عادته، قرر الصمت، فتخارج من كآبته وتظاهر بغيرها وتمازحا، و..

"تخالطا" بهذه الوعود مع أنه كان في كل اللحظات "خارج" نفسه وخارجها.

وكان كلما قال شيئاً، كذب فيه متعللاً -بينه وبين نفسه- بحديثٍ يُحلل الكذب فيه عند "محادثة الرجل لامرأته"!!

وكانت تعرف كذبه، لكنها تواطأت معه، أملاً، لأنّه يسرّها -مثلما يسرّهنّ كلّهنّ- على اعتبار دوافعه!

وهكذا ناما.

لا يدري أية فكرة أخيرة استغرق فيها، لكنّها كانت مشتتةً جامعةً، مستفزّةً ممتعةً، في مساحة هي استراحة بين التركيز والتشتت، كحال تلك الفكرة، أيضاً، التي بقيت مجهولة على امتداد حيّزها في روعه، والتي استيقظ عليها بعد منتصف الليل بساعتين، مع فارق الفجاءة، والصغير يصيح يطلب، بشكل غريب، البوظة!

ظنه يحلم بها لأنه يحبّها، فيتفهّم "صياح" الأحلام عموماً، لأنّه إن كان حلماً عند الولد، هو متّصل عنده نوماً وصحواً!

لكنه واصل صياحه بأكثر مما يستدعيه حلم وكان متوجّعاً، فأخافه وأدرك أنّ شيئاً يحدث.

كان قد نام عارياً، فلم يكن أمامه إلا أن يوقظها لتذهب وترى ما به. قالت إنّه مرتفع الحرارة، وأنها أعطته مخفّضاً.. وتكفّل صياحه بإخباره عن مقدار الارتفاع.

وتشاجر سريعاً معها، فلا وقت لاقناعها. الحرارة عارض لمختلف الأشياء الصغيرة والكبيرة، خطورتها لحظية، ويمكنها أن تودي بحياة الشخص إن لم تعالج، لحظياً وقبل معالجة سببها.

هكذا كان يهجس والولد "يصيح" متوجّعاً، وهو "يصيح" عليها لتجلبه له، وهي "تصيح" عليّه تحاول إقناعه أن الأمر اعتيادي..

استسلمت أخيراً لصياحه فجلبته له، وجلبت منشفة مبللة. حرارته مرتفعة جداً حقّاً، وصياحه إنما يخرج -شَعَرَه- من قحف رأسه.. ولما حاول تهدئته خرجت نزعة فيه ، فكان يرفض أي شيء يقترحه..

قسراً بلل وجهه ويديه وقدميه. كان قد رفض وعود أمّه بالبوظة ورفض وعوده أيضاً، وأرادها في التو والحال.. فأتاح له -طالما البوظة غير موجودة!- ما يعرف أنه يرضيه وأنه يفهم أنه يفهمه: راحته، وطلب منه أن يعضها.

هذى أنّه "سيشدّ؟"

وافق.

شدّ بأسنانه عليه كأنّه ينقل ألمه له، وآلمه فعلاً. كانت هذه وسيلة فعّالة، سريعة، ليفرّغ غضبه أو ألمه، ثم عاد إلى صياحه.

ستمضي دقائق مرعبة وهو يحاول تخفيض حرارته سريعاً بالتبريد، واستعادة شيء ما قرأه أو سمعه، ونسيه، عن "السحايا" التي يمكن أن تنشأ، ومفكّراً أن "البوظة" بالذات لم يطلبها إلا بسبب الحرارة..

سيتغلغل -بتسطيل- في معنى "البوظة" الرمزي (التي جمعت بين ما يحبّه وما يعتقد أنه يحتاج إليه)، محاولاً السيطرة على حركات جسده الرافضة لصدمة البرودة. وسيخشى، تالياً، من ردة الفعل تجاه التبريد المفاجئ، لكن لا خيار آخر أمامه..

أخيراً أحسَّ الولد بفائدة البرودة فاستكان وغفا.

معنى "البوظة"، وهو يرتدي ملابسه ويتأمّله، تكامل وصوله ببطء وخفاء وقسوة..

سينام الولد وستنام هي وسيعجز عن النوم هو، مع أنه لم يتذكّر كلّ ما كان يحلم به، وأنه مطمئن عليه.

سيفكّر أن المسألة كانت مسألة ظرف ووقت، فقط، قبل أن يقع في حالة مشابهة "يصيح" فيها، بدوره، من "قحف" رأسه..

سيؤلمه طوال الليل بشدة أن يستنتج، قياساً، أن عليّه التعامل أولاً مع العارض الخطر، قبل -حتى- معالجة السبب.

ما سيربكه تماماً هو اختلاط الأشياء.. لم يعد يعرف العارض من غيره، فوق أنّه، على أية حال، عارض لا يُقاوم إلا.. باستكماله!

وسيعود ليستغرق مجدداً في.. الأخرى.


مثل عقربان

 

(1)

لست ألومِك، فالأشياء التي لا نرغب بها، أو لسنا مؤهلين لها، من الأفضل تجنّب سياقها وما يؤدّي إليها، وهذا ما حاولته أنا أيضاً، فانتزعت نفسي وذهبت لأحتمي من نفسي أو منك ببيت صديق يستعد للزواج ويسكن قرية بعيدة.

ومن قال إن استعمال الأماكن يجدي نفعاً، ويقتلع من النفس ما توطّن فيها؟

لم أعد أفكّر بك، إنمّا على نحو أسوأ: صرت شيئاً عادياً أستغرق فيه فجأة دون انتباه.

ولعل هذا ما كنت أقوله لنفسي وأن "أنتبه"، فجأة، على حركة سوداء تأتي عبر الباب من على جدار "مطروش" حديثاً في الغرفة الأخرى المعتمة التي تقابل مقعداً، يجلس عليه وحيد يختلي بطاولته الوحيدة.

ولا أدري بالضبط ما الذي أثار الخشية فيّ من أن يكون حشرة ضارة، عقرباً بالتحديد.. ربما لأنني لم ألسع قط.

مرّة استفقت على أم أربع وأربعين تدب وسط عتمة ما على يدي. ولم أعرف وقتها ما الذي صوّرها لي، أيضاً، على حقيقتها فقبضتها وألقيت بها بوشك اللمح، إن كان للعتمة لمحٌ..

لم أنسها تلك: كانت تسير بخطواتها الأربعينية وتركت أثراً على ساعدي استمر لأسابيع. ربما كنت أخاف من اللسعة الأولى لأنّها ستكون الأخيرة، فلا مناعة لدي أو لسعات صغيرة تمنح مناعة كبيرة.

نهضت واتّجهت إلى الجدار، كان مشهداً بثّ الذعر في قلبي.. لم يكن عقرباً بل هو عقربان، بطولٍ يزيد على عشرة سنتيمترات يمشي ببطء، كأن الطلاء أو الجاذبية يحدّان من حركته، وأردت قطع الطريق على أي احتمال قد ينشأ.. أن يتسلل إلى صديقي أو حتى إليّ، فيلسعنا لسعة الموت.

وتوحّدت مشاعر كامنة في تشبه الذعر، مع مشاعر ذعر حقيقية.. وخطرت لي فكرة: أن أدفع خوفي إلى الأبد.

هرعت إلى المطبخ أبحث عن زجاجة واسعة العنق. وجدت واحدة مليئة بالأرز ففرّغتها على كيس بلاستيكي بسرعة كيفما اتفق وعدت إليه. أسقطته أرضاً فتناثرت حركاته السريعة المرعبة في كل اتجاه، لكني تحايلت عليه وأدخلته إلى الزجاجة، وأغلقتها..

حينها، وأنا مسحوق بذعرين، قلت لنفسي -كأنني على وشك الموت- ما لم أحدّثها به صراحة: إنّي أحبّك.

ألهذا قطعت الطريق عليّ؟

(2)

وليأكلني هذا الحب كما يأكلني الذعر.

إن كان لا مناص، فلأحسّ بكل خلجة وذرّة. أمامي عشرة سنتيمترات ثلاثة أجزاء مخلبان وصدر وذيل. وكل جزء اكتشاف من الاشمئزاز والخوف.

تخيّلي: له ثماني أقدام بثمانية مسطّحات أو مدرّعات أو قشور على "الصدر" المقلوب. والذيل من ستة أجزاء تلتفّ نهايته على ذاتها كالكعكة. وتأتي الحُمّة مقلوبة الوضعية لكن بفعالية. أمّا المخلبان المكونان من ثلاثة أجزاء ومفصلين، فانتصبا أمامي كملاكم انتصر في جولته وأعلن نصره برفع ذراعيه.

أعرف أنّه أعمى، لكنه من وراء الزجاج كان يراني..

وانتصب شعر رأسي. لا شيء يضاهي ثقل الذعر، ذعري، غير ثقل آخر يوازيه في الصدر..

قلت:

هي فرصة لأسيّطر على الشعورين معاً، فأحقق -على الأقل- ما أردتِه أنتِ. وأرغمت نفسي على المشاهدة. مشيته بتوزيع جسده العجيب بالكاد متوازنة، وحين يفقد توازنه إنّما يحوّل الخلل إلى قوّة إضافية يمزجها باللسعة، فتأتي النتيجة رهيبة.

كان يستند على ذيله رافعةً وهو يحاول تسلق الزجاج، دون طائل.

لم أفهمك قط..

أهذا ما حدث معك: كنت متوازنة على نحو ما، حين أخلّ توازنك شيء من أشيائي لسعتني وأنت تعلمين أثرك فيّ سلفاً؟؟

كم أنا مذعور وكم أحبّك وكم أود لو أتغلّب على نفسي فأوجّهها مثلما يوجّه العقربان مخلبيه نحوي.

لم ألسع من قبل..

كنت دوماً أرى بعينيّ خيالي وأعقل الأشياء وأحللها وأفهمها وأرسمها وفق تصوّر، فلا أعيشها قط، وهو ما كان يحميني. الآن يحدث العكس، ولو كنت اختبرت الشعور هذا، أصارحك، لتجنّبته.

وأتى بحركة فجائية ردّتني إلى الخلف.

أهو أنتِ أم أنا؟

يبذل، مثلي، كل جهده ليخرج من زجاجته، وأريده، مثلما تريدينه، مسجوناً لأتمكن من فهم ما يحدث. هو يا صديقتي يشبهك في التهديد الذي يظن نفسه يتلقاه ويخلّ بتوازنه، فيرسله تهديداً ولسعاً (لكني لا أهددك، بل أريد لمس ذاتك).

فما الذي تخشينه فيّ؟ أن أسجنك بفهمي لك وتفقدين قدرتك الأنثوية على المناورة، كحالهن جميعاً؟ ولماذا المناورة أصلاً؟ ألا يمكنك أن تكوني ذاتاً مجرّدة من الطقوس، واضحة وواثقة بنفسك، بقدر ما تكونين نزيهة؟

أم هي تلك اللعبة منذ الأزل، أن تفرشي منذ البداية خيوطك/ مسارك، وتجلسين منتظرة من يقع؟؟

والملعون المسكين يحاول الخروج مما لن يقدّر الخروج منه.. فإن حدثت معجزة وخرج، لا شيء سيعيده كما كان.

اختلاط الحبّ بالذعر (الذي هو خوف واشمئزاز) بالقسوة، كانت له نتيجة واحدة فقط: الغثيان.

وركضت إلى الحمّام لأتقيأ.

(3)

لست أبالي وها أنا ذا: أشرب القهوة على نخبك طالما لا يمكنني أن أشرب شيئاً آخر.

لم يعد يثير فيّ شيئاً أو خوفاً. مجرّد حركات سوداء تنتصب أحياناً في وجهي. سأفعل مثلك وأعذّبه بسادية في سجنه. لن أتركه ليموت في الزجاجة من تلقائه، فهو الكائن الوحيد الذي يتحمّل الإشعاع الذرّي والذي يتحمّل عدّة شهور من القيظ دون ماء أو غذاء، بل سأفعل ما أعرف أنّه لا يحتمله.

أحضرت عوداً طويلاً وتحرّشت به عشر دقائق متواصلة دون رحمة.

ويا إلهي كم شعرت بالراحة حين ارتفعت حمته و.. لسع نفسه!


ها قد عدت

 

عدت الآن، ولم يكن بدّ من العودة إلى المكان ذاته، والزمان أيضاً، حيث أعرف أنّها هناك. نسيتها أكثر من نصف عمري، أنا الأربعيني، ثمّ انبعثت فجأة من حيث لا أدري، وتجلّت في تخيّلاتي. استغرقتُ وقتاً لأدرك أنّها ليست هي بل صورتها، وأن ثمّة بقعة ضخمة -في الداخل- لا تنسى ولا تصفح ولا تترك شيئاً دون أن يكتمل.

فكنت أتدافع بهوس لأدفع عني، في عقلي، صورتها المتموّجة، المقتربة، المنصهرة والمتحوّلة: تدس لي السمّ في قدح القهوة الفارغ النظيف، أو تضحك من ارتفاع كتفها القريب مني بصلافة واستهتار، تلك الضحكة التي لا تستبين معالمها: أهي تجاوز لكل شيء أم تحايل عليه؟

أهذا ممكن؟ أن تعيدك تقاطيعُ وجوهِ الآخرين إلى تقاطيع وجه دون غيره، ولو كانا مختلفين؟

لكنه حدث: وجها طفلي كانا يحيلاني ليسا لها فحسب، بل إلى وجهه أيضاً. ابني الكبير ذكّرني بها: جفناه كانا يرفّان بحركة غريبة، مرتبكة، كجفنيها عندما يدهمها أمر صارم. إنّها رفّة خاصة: أكثر بطئاً وأكثر ملاحظة، لهذا كنت أبعده عنّي متخوّفاً من.. أن يكون متلبّساً، أو "موجّهاً" من آخرين سيطروا على عقله!

لكن، لأقل، هذه تخيّلاتي.

وأمّا الصغير فكان يذكّرني به: إنّه جميل وبريء وعذب.. على ضعف لكن ورقة، مثل مجسّم من زجاج.

فجأة تتبدّل الوجوه: الرقيق يصير متوحّشاً، والمتوحّش لا يقوى على دفع ذبابة. عرفت، حين تجاوزت بعد عام، أن الذكريات في التخيّلات تتحوّل إلى رموز تنتظم في بناء، وأن المخاوف تتجسّم، وأن الحكاية تعيد سرد نفسها، بطريقتها.

ولم أستطع النوم شهوراً إلا بعد عناء يستمر حتى منتصف اليوم الثاني أو الثالث، من شدة اضطرابي الذي يتوسّع في عقلي دون توقّف، مستدركاً تفصيلاً بعيداً بتفصيلٍ أبعد بمنطقٍ نسقه ممتد طولاً وعرضاً وعمقاً وسطحاً هو الأبعد، في تشظٍ لا ينتهي.

حركة زوجتي عندما تتقلّب في السرير الأرجواني كنت "أفهمها" ذات مغزى لها صلة، تقاطع فكرة تراودني في اللحظة نفسها أو/و توجّهها. وكنت أحصى أنفاسها لأتأكد من نمطها، هل هي أولاً متيقّظة أم لا؟ وهل تتبدل أنفاسها قصداً وتصبح لغةً من رمزين ثنائيين كلغة الحاسوب: ها، هـَ هـَ؟

احتجت وقتاً طويلاً لأفهم أنّها كانت، فحسب، خائفة منّي.. أن أفعل شيئاً في الليل يؤذيها. وكلما تحرّق نفسها المتوتّر وخيالها يستشعر أرجحةَ قدمي المتطوّحة فوق السرير، في الهواء، عن ركبتي الأخرى، تمتّص التوتّر بالحركة، استعرَت الشعلة التي في رأسي أكثر.

كل شيء صار ذا معنى، فاختفى المنطق المألوف: جيب الملاقط الأحمر، على هيئة الدب، المعلّق في الحمام، كان يقول شيئاً: إنّه يشبه الدبّ الموضوع في المطبخ البعيد عشرين عاماً حيث كانت تضع فيه الولاّعات.

وصرت أخشى من تناول شيء أو شربه: لا أطمئن للطعام إلا إذا كان معلّباً وبعد أن أجري عليه اختبارا، أطعم القط منه أو مَن أحضره لي.. والماء يجب أن يكون في عبوات أختارها عشوائياً، من البقالة ومن الثلاجة على حدّ سواء، وإذا فعلت فليس قبل التأكّد من أنّها مغلقة تماماً، لم يتغيّر ضغطها، أي لم تفتح..

والقط؟؟ حكاية طويلة لا أطول!

من يصدّق أن وقوفه، مثل تحرّكه، مثل تحديقه حين يجثم على مؤخّرته وقدميه، بساقيه الممتدين على جانبي صدره كعمودي معبد، ناظراً لي.. من يصدق أنّه كان يومئ ويقول الكثير، الكثير جداً؟

والبنطال المقلوب على حبل الغسيل، كما اتفقنا؟ والروب الأبيض المعلّق الذي لم يحتج إلى غسيل وينشر مع ذلك؟؟

أكانت زوجتي تعلّق البنطال مقلوباً تحيط بذلك الاتفاق القديم بيننا، وترتدي روباً مثل روبها، أمّ أنهما كانا مصادفة؟

ماذا عن المطرقة الصدئة الموضوعة جانباً في الحديقة فوق الغسّالة؟

والشُرفة؟

هل أنا الذي اخترت بنفسي مكان سكناي وشقّتي، أم غيري، أم "قوى" ما، كلّية ومسيطرة؟

ها قد عدت الآن ولن يردّني شيء أو أحد..

هو؟؟

سأراه وسأحدّق في بياض عينيه أو احمرارهما، سيّان.. إن أحتاج الأمر، سأسمعه الكلمات التي عزمت عليها قبل أن أنقطع عنه، منذ عقدين وقليل. أجل، سأخبره: أنني وزوجته متحابان والأفضل أن يتركها لأننا، إن لم يقبل، سنهرب.. سأخبره أنني احترمته، لكن احترامي له شيء، وأمري معها شيء آخر.

فهل احترمته حقاً؟

لا يهم، لا أخشاه، سأخبره فحسب.

** **

ها قد عدت.. الشارع ذاته: محلّ المثلّجات لا يزال مكانه: الصيدلية حيث استبدلت الوصفة. ها أنا أتذكّر.. لا شيء يُنسى، لكننا لا نتذكّر إلا عندما يشاء الشيء: في ذلك اليوم اشتريت لها الدواء، كانت مريضة ولم تستطع شراءه بنفسها. اشتريت لها أيضاً لوح شوكلاتة. كان تُسرّ بالهدايا الصغيرة، فيعتلي وجهها امتنان لا يوصف، ويتحوّل رعب اللحظات، الممزوج بطقوس سرّية في النبرة والالتفات والإيماء، إلى جرأة كنت أزيد وقودها.. كرهت ما اضطررنا إليه، ليس لأنّها متزوّجة، بل لأنّها تريد الإبقاء على زوجها وعليّ، في آن.

كرهت أكثر أن أكون قريباً منه. في معاداته -أو الابتعاد عنه- تجنّب ما، أمّا أن أضطر لأكون صديقه، وأن يراني كذلك، وأن يطل في وجهي بكل ثقة وسعادة وبراءة، وأن يمسّد رأسي كما صار يفعل ابني، فهذا ما لم أحتمله.. وكان السبيل الوحيد للإبقاء على علاقتي بها، لأنّها لم ترغب في رؤيتي إلا في بيتها. لم تثق بيّ ربّما.. لدي لم يكن أمر ثقة أو عدم ثقة، بل أمر خطأ وصواب.. أو لأقل خطأ أقل!

حين أخبرتها أنني سأصارحه يوم الجمعة المقبل، ذعرت ورجتني ألا أفعل. بعد يومين سألتني عبر الهاتف أن أمرّ عليها لأنّها مريضة.

هرعت إلى بيتها فرأيتها كما لم أرها قط: شاحبة لدرجة السواد، ونحيلة كأن السوائل من جلدها نضحت وتعرّضت للجفاف، وحين كلّمتها أجابتني بجفاء. صوتها تبدّل مثل شخصها، وفي عينيها التمعت النظرة التي تشبه نظرة الحيوان المحاصر في زاوية غرفة مغلقة، والحانق أيضاً، كالقط، المستعد للانقضاض..

كان الوقت قبيل المساء.

رأيت الشمس أمامي تهوي في الأفق مخلّفة قوساً من الأحمر الدامي، ومضيت أفتّش عن صيدلية. لم أجد في الأولى أو الثانية أو الثالثة، والصيدلي الذي في الرابعة تردد قبل أن يعطيني إياه، وحين فعل اكتشفت عند خروجي، عندما طالعت الثمن على العلبة، أنّه ضاعفه مرّتين..

لعنته واشتريت لوحاً من الشوكلاتة. اخترته من النوع الدسم الطويل العريض لأنني سمعت مرّة أن مفعول الشوكلاتة، في الدماغ، يشبه "مفعولاً" آخر، ولا بد لأحدهما أن يتوافر بيننا على الأقل!

سيتبدّل مزاجها بالتأكيد، لأنها تفهم "الإشارة" وتتلقاها بنهم. وستأكل وهي ترنو إليّ وسأرى كيف يذوب اللوح في عينيها، يذوب كبقعة لون في لوحة ثم يتجمّع ثانية كقطرة زئبق، والأكل لغة، والشفتان، والأسنان، وهبوط المقلتين في الأثناء، وانزياح الوجه إلى جانب، والخد الصقيل الذي يأكل منه العمر شيئاً فشيئاً، والذقن المتناسبة، والفراغ أسفل الذقن، والنحر، والشعر بالكل يحيط، إنّ مسّدته بغير رقّة نسلت خيوط، وقبة القميص تكشف الترقوتين، وقميص القماش يؤطّر، واندفاعة الصدر، فالانحدار، فالهيئة الصالحة للبقاء كما هي، أنثى تقتعد أريكة يميل جسدها إلى الجانب، بشيء من الإهمال في الاسترخاء..

بعدئذٍ، إن تبدّل مزاجها، سنخوض أحاديث شيّقة، صبيانية، كما يتباذأ طفلان مثلاً، وأقل وأكثر.. كثيراً ما أحسست أنّها لا تحتاج إلا لهذه "الأحاديث"، شيء من "الخروج" والجرأة والتسلية -وربما المباهاة- أمامي، أمام نفسها، فحسب، فكان الأمر يغضبني ما يدفعها إلى "احتوائي". أريد أكثر: التالي لكن بشرط الأول.

والهرب إن خافَت أو لم يقبل كان فكرتي.. لم تخطر لها قط وحين عرضتها فكّرت بروية وقالت لي:

-        تطلّقتُ أو هربنا.. ماذا سنفعل بعدئذٍ؟

-        نتزوّج!

-        بهذه البساطة؟

لم أفهم: البديهي لدي كان غيره لديها.. عرضي أسعدها، لكني أحسست أنها تروزني بعينين اختلفتا فأربكتاني، كأنّها تنظر خلفيّ أو في. "صغير" يصلح للحب والتسلية ولا يصلح للزواج؟؟

في الحقيقة كنت كذلك ولكن الأمر أغضبني بشدّة، مما جعلني –تالياً- أصرّ عليه، فتقافزت تقاطيعها تتضاحك مسرورة مثل ديك لا يقر له قرار. وحين ضمّتني حريصة على أن "تشعرني" بها أبعدتها، وجلستُ على الطاولة البلاستيكية في الطرف الأقصى من الصالون.

ودخل هو فلاحظ غضبي وسألّها عمّا بي، قالت:

-        متضايق على ما يبدو من أمر ما..

عيناها المحذّرتان أوصلتاني للفكرة: سأقطع عليها الطريق وأخبره.. ولم يسعفني لأنّه سألها أين وضع مطرقة الحديد ليصلح مضخة المياه الاحتياطية –عند انقطاع الماء- في بئر الحديقة، فاستغرقت وقتاً لتجدها. وقال قبل أن يغادر الصالون قولاً كرهته:

-        دعيه حتى يهدأ..

وَوَجَدت المطرقة بعد قليل فخَرَجَت إلى الشرفة لتوصلها. وتبعتها مدفوعاً -رغماً عني- راغباً في البقاء حولها. كان ينظّف المضخة من أوراق الجوز والعنب التي تراكمت حولها. ألقت المطرقة قريباً منه فكادت تصيبه، وهتفتُ داخلي متمنّياً لو أنّها أصابته!

وللمرة الأولى أدرك أن شيئاً عجيباً، غير قابل للفهم أو الفكاك، يجمعنا نحن الثلاثة: كنت أمراً مسلّماً به بالنسبة له، صديقاً صغيراً للعائلة، وكان أمراً مفروضاً بالنسبة لي، وكنا مترافقين معاً بالنسبة لها. وكأن الأمور استقرّت على توازن دقيق فشعرت بحاجتي العميقة لنسفه.. سأخبره حتماً، وليحدث ما يحدث!

هتفتُ لها من شدة حنقي غافلاً أنّه قد يسمعني:

-        سأخبره!

ربتت على درابزين الشرفة ربتةً قلقةً، وهمست بذعر:

-        لا، أرجوك..

لماذا لم أخبره يومها؟ هل خشيت من المطرقة التي في يده؟ أم أن رجاءها أرضاني؟

** **

ها قد عدت!

الدرب ذاته وعشرات الأشياء ذاتها كما في الذاكرة لم يتغيّر شيء، ولو تغيّر لرأيتها بعقلي كما كانت. وها هو البيت من طابقين وشرفة، والبابان أحدهما جانبي سيؤدّي للمطبخ والآخر إلى الصالون وثمّ -عبر الممر- إلى غرفة النوم.

حين أتيتُ مسرعاً بالدواء أدخلتني وأغلقت الباب كأنّها تتحرّز عليّ. كانت شاحبة وملامحها غارقة في الهمّ، لكنها عزمت على أمر أحسست بخطورته ولم أعرفه فانتظرت اكتشافه.. ذهبت وحين تأخّرت تبعتها. كانت مستلقية في سرير نومها الأرجواني العريض، وتوشك العتمة على محوها من مجال الرؤية، وحين رأتني أشارت لي بيدها الضعيفة، أن أقترب وأجلس إلى جانبها.

حين فعلتُ، كشفت الغطاء عن عريها بحركة يائسة كأنني أريد هذا. لم يكن في الأمر شيئاً مما أرغب فيه أو يرغب فيه أحد، بل كان يائساً إلى أبعد حد، يثير الشفقة والكره معاً، وحزرت السبب.

في تلك اللحظة بالضبط عرفت أنني لم أكن جاداً بشأن أي شيء، لا بشأنها ولا هروبنا المنتظر ولا بتنفيذ تهديدي. وتمثّلت شيئاً مقيتاً خفياً عصياً على الإدراك، مثل أخطبوط خلف سحابة من الحبر. لما رأتني لا أتجاوب، بارداً ككيس، تقبّلت موقفي هامسةً:

-        لا بأس.. يمكنك إن تأتي في الليل.

لم أحر جواباً لأنني لم أفكر في قولها ولم تخطر لي إلا أشياء بعيدة.. إلى أي حدّ قد يبلغ –أو بلغ- بها الأمر؟ وأظنها حسبتني أخشى وجود زوجها فهزّت علبة الأقراص التي بين إصبعيها وأضافت بطيفٍ متماوجٍ لابتسامة ضعيفة:

-        في الليل سيكون نائماً.

في طريق عودتي التي لم يكن منها مناص كانت أشياء لا تحصى، بعيدة وقريبة، تتلاطم في عقلي. لقد خرجت من الباب لم أر سوى القط وهو يخرج معي، والكثير من الأسئلة..

** **

لا شيء يخيفني.. لا أحد.. لا حدّ.. بعد كل ذلك الخوف! وها أنا أدق الباب ذاته الذي دققته عشرات المرات، وإنّه ليخرج ويحتضنني بكلتا ذراعيه المتّسعتين وابتسامته المترهّلة، وها هي تشدّ على يديّ بسريّة وقوة وتواطؤ، لكنها يدي المتراخية المهدودة مثلما كانت في الليلة التي لم أحضرها.

وها هي الأسئلة تندفع منهما كنثار الخشب والاستفسارات: أين كنت ولماذا انقطعت وماذا وما الأخبار. بعد الصدمة التي ألمّت بوجهها بغتة حين رأتني ألج الباب، أتت الحيرة وانساب الدم في وجهها تستفسر، تتظاهر أيضاً بالثبات، على جذرٍ من حذر.

ها هو كل شيء قد رأيته أخيراً بعينيّ، في أربعينيّاتي وخمسينيّاتها وستينيّاته، وانتهى. لقد امتلأنا جميعاً بالتجاعيد.

وبدلاً من إخباره بما عزمت عليه وجدت نفسي أنطلق في الأحاديث كأن شيئاً لم يكن.. أكان شيء؟!

وما الداعي لإخباره؟

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق