الأربعاء، 9 أبريل 2025

مثواه الأخير

 مثواه الأخير

 قصة قصيرة/ ماجد عاطف


كان الخيار بين المكنسة والغيبة التامة. لم يهتم. ليس قراره هو. الأقدار الممكنة، المصائر، هناك من يرتّبها وهناك -في الأعلى المطلق- الذي يحيط بها. لا علاقة له هو بأي شيء، منذ وجد التيار الجمعي يسحبه معه ويقاومه. ليس له إلا أن يحفظ نفسه، وموقفه. هذا ما على الانسان: نفسه فقط وما يستطيع.

وأن يحمل المكنسة أمام الضريح، فضيحة تطرح الكثير من الأسئلة والأسرار، والخطأ هو القبول بها. لا يهتم بما قد يناله، فقد اعتاد. تدبرت حزمة التواطؤ الدولية أمرها، في الخفاء، وأخذوه من احتجازه في مركبة نصف نقل مدنية، ثم ركب طائرة صغيرة خاصة حطت به في مطار صغير من مطاراتهم غير المطروقة، جانبي.

ها هم أخيراً أمامه، وجها لوجه. إنه في الحقيقة لا يعرفهم ولا يريد أن يعرفهم. يطأطئ البصر لكنه يلمح سيقانا وأنصاف أجسام سفلية تتحرّك لموظفات وحراس وجنود تتدلى إلى جانبهم أسلحتهم السوداء. لم يعترف بوجودهم أبدا، ولم يعترفوا بوجوده. لا تهم ولا أدلّة. لا محاكمة، لأن الموقف الشخصي قد -لا- يكون جريمة، وقد -لا- تتوفر له أركان أو عقوبة.

رحلة الرفض، رفض ما لا يمثله، انتهت هنا. سيظل يرفض غير أن للرفض حدودا. يأخذه الذي أكبر هو منه، واقعه، ويحيط به ولا بد أن يستعمله. لم يختر ولادته ولا بلده ولا هويته. لا يمكن لأحد أن يختار، وإذا فعل فعليه أن ينحاز، ولا يستطيع أن ينحاز لأحد، جهة، بلد، طالما الواقع ترتيبات لا تمثله، وبأثمان، لا يقرّ بهما.

المعادي لا يمكن الانحياز له أيضاً.

من المطار إلى منتصف الطريق بين الخليل وغزة، بئر السبع، في فورد مسيّجة. رأى، حين انزلوه، اليافطة باللغتين (اللغة الثالثة حروف صغيرة) تعتلي الشارع فيما يشبه المفرق لشارع رئيس مبسوط على اتساعه، بين وهاد كئيبة منخفضة جرداء.

بصرامة، وقد تسبب في أزمة كبيرة وجدت تداركها في اللحظة الأخيرة بتسليمه وتخلّص تلك الدولة منه، سألوه، بالأحرى أشاروا له بسبب صمته، بالأيدي لا الكلام: إلى هنا أم هناك؟

في الحقيقة لا أحد يرغب فيه، ولا في التبعات التي ستحدث. أينما ذهبوا به سيكون هو نفسه، ومصيره شبه محسوم لا يحبسه إلا القدر.

لم يكن سببا حقيقياً لشيء، ليختار. كان نفسه واعتقاده الفردي الذي يتقاطع -ويختلف- مع الجميع، بهذا القدر أو ذاك. عليهم أن يقرّوا أولا بهذا، ليحترموا قراره فيما بعد. صمت. هذه مشكلتهم ولا علاقة له. القلب هناك، في الغرف المغيبة؛ والرئتان هنا، في السجن ذي الساحة والاهانة؛ وهم غير الموجودين، من زاوية أوسع، السجانون الحقيقيون في كل الأحوال.

دخل صمته مرحلة الحزن والانسحاب، لأنه تذكر وجوها فارقها أو فارقته.

الدورية ثلاثية الأفراد، برشاش الـ 250 المشرع في الخلف يلتقمه جندي مدرع ذو خوذة، قريبة جداً من الفورد البيضاء ذات الخطوط السواء والزرقاء. الغريب أنها لا تخيفه. يمكنه أن ينظر اليها مباشرة. لو أراد أي طرف قتله لفعل ذلك بسهولة.

وما هو الموت؟ لحظة مواجهة وتنتهي. دعاؤه هو: رب توفني مسلما والحقني بالصالحين. لكن يبدو أن ثمة قيمة كبيرة، يجهل أبعادها، تتوقف على اختياره أو قبوله، وامتدادت مستقبلية يجهلها.

اغلقوا الفورد عليه، وواصلوا نحو الخليل، المحاطة بالمستوطنات. قبل دخول مناطقها، ذات التحذيرات الحمراء العريضة التفصيلية (من مغبة الانتقال لمناطق ج على حملة الوثائق الإسرائيلية)، توقفت المركبة، لتسلمه إلى شرطة محلّية، فلسطينية، رسمية.

هناك إحساس بالخطر والجدية والتفهّم، يعتلي سنح الضباط المنتظرين، المسلحين بالكلاشينات التي تهدد الناس لا أحد غيرهم، مثل أي نظام أو شبه نظام. اقتادوه من كتفه، ومضوا به حيث مركز شرطة لتجمع بلديات قريب. زجوه في غرفة من غرف التوقيف المفردة، المليئة بأعقاب السجائر والقيء والصراصير.

السجن عرفه واعتاد عليه. كلما وجد نفسه فيه، بصرف النظر عن التهمة، الأمنية أو العنيفة أو الخاصة، تكوّر على نفسه واعتزل النزلاء. الانعزال هو الخيار الوحيد الممكن، ولو كان يثق بالتنفيذ وتلبية التعهدات (دون التورط في طلبها)، لاختار سجنا في غزة. سيثق باتجاههم العام وينام مستريحاً لكنه لن يثق، كعادته، بالشخوص.

يحب غزّة ويكره الغزيين!

يحب أهل رام الله، ولا يثق فيهم، في الوقت الذي يكره رام الله التي أفسدوها مثلما أفسدوا غيرها، كلّها!

كان لديه وقت ليفكّر، لكن فيم؟ الأمور واضحة جدا، لدرجة أنها لا تحتاج إلى تفكير.

توضأ وصلّى ما انقضى وحضر، ثم غرق في تيار من الخيال واليقظة.

يعتبره الجميع متمرداً، والكل متفق على تأديبه ويريد ردّه لبيئته دون السماح له باختيار شرائحها، أو أن ينحاز. لا شأن له. ولما نقلوه في اليوم التالي إلى رام الله، حيث الضريح بالذات، وألقوا له المكنسة، رفض الإمساك بها، وجلس إلى جوارها أمام المدخل الزجاجي المقوى. لفت الأنظار واستغرب بعض الزوار. عندها يأخذونه إلى غرفة صغيرة كانت حماما أو مستودعاً لشيء ما، ويلقون اليه الوجبات، كل ساعات.

إنه لا يأبه حقيقة بالرئيس السابق ولا الحالي ولا القادم ولا الذي بعده أو بعده. لا يحب المسؤولين كلهم ولا (الآباء). فهل سيخطر له التمرّد عليهم هم غير الموجودين بالنسبة له؟

بطاقته معكم لا تلزمه، تناقلوها كما شئتم. غيركم أصدرها قبلكم، والذي سيأتي بعدكم سيصدرها أيضا!

كرروا الأمر ثلاثة أيام، وأخيرا يأسوا منه.

حين اقتادته سيارة شرطة رسمية، بمرافقة وعلى ما يبدو بأوراق رسمية وتصريح، إلى بوابة إيرز في غزة، (يا الهي كم اختلفت عما كانت عليه عندما فرّ اليها مراهقا)، كادت تنشب مصادمة مسلحة، فقد رفضت القوة هناك على الجانب الآخر استلامه أو السماح له بالمرور، وأطلقت رصاصات في الهواء!

صاحوا له أنهم إذا ادخلوه فسيتعرض للقصف في اللحظة التالية. لسان حالهم، اذهب ومت بعيدا عنا. كان موقفا معقّدا مخيفا جداً ومضحكا وفلسفيا، فأخذ يتفرج على مأزقهم كلهم ومأزقه هو، جالساً على الأرض مكانه دون أن يتجاوز البوابة!

فجأة أعادته السيارة لتسلّمه بعد كيلومترات إلى أخرى رسمية لكن عبرية هذه المرّة ومصفحة ذات شبك معدني، وظلت الأخيرة تجري به نحو ساعتين، حتى انتبه إلى الأسوار العريضة الصلبة والمدخل الشرقي. إنّه الأقصى.

نجا من ثقل دم الغزيين الذين يحب فيهم غزة!

والموقف هنا لن يكون أقل تعقيدا، فشطر من الرعاية للأردن وهناك أصابع عربية ملوّثة تحاول التسلل، وهناك حضور شكلي للسلطة، وهناك سيطرة معادية لهم هم، فوق ما سيناله من ارتياب الجميع.

عرف أن المكان سيكون قبره ذات لحظة متأججة، مثواه الأخير، باقتحام أو مرابطة أو صلاة تلمودية، وبيد أو أداة لن يعلم صاحبها، ولكنه لم يتردد. فبحث بنفسه عن المكنسة التي يستطيع حملها والتي تبقت له.

بوسعه أن ينام على السجاد ويقتات على ما تيسّر، وبوسعه أن يظل صامتا إلى أن يحين أجله. إنه يكره أن يدفن بجوار بعض من أساءوا له عميقا جدا، من أهله، ولقد بقيت له بعض السنوات بحسب متوسط الأعمار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق