الأربعاء، 9 أبريل 2025

تطابق

 

تطابق

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

يحمل أشياءه معه ويتنقل بها حيثما حلّ. مجموعة أغراض صغيرة لا قيمة لها: "أذن" صفيحة كوكا كولا، ونصف مشط من العاج الأبيض مكسور، وخاتمٌ فضيّ قديمٌ منزوعُ الفصّ أو الياقوت، وثلاث ورقات من أوراق اللعب، وقلم فاخر مفرغ الأنبوبة (وكلها يجمعها في جيبه)؛ إضافة لحقيبته المتوسطة التي ينقلها.

حين فردها أمامي على مقعد الانتظار الخشبي لمحطة الحافلات، نظرت الى وجهه. كانت ملامحه ساكنة، لا يعتريها أي تعبير. أردت سؤاله عنها وتردّدت فآثرت ألا أفعل. لم يحتفظ بها إلا ولها معنى أو وظيفة، ربما ذاكرة ما. هل كنت راغبا في التواصل معه؟

إنه غريب، نحو الأربعين، قذر الملابس تفوح منه عفونة ورائحة عطر ما حصل عليه من مكان ما، مغترب عن كل ما يحيط به، ولا يمكنه أن يشكل أي ازعاج أو أذى. يحمل أشياءه معه وحقيبته، ويمضي حيثما يرغب، لا يسأله أحد ولا يلتفت هو، كأي متشرّد. يغيب هنا شهرا وهناك أسبوعا، وفجأة يعود. ستكون له حكاية ذات تعقيدات وصلت به إلى عدم التأقلم، فاتخذ وجهته النهائية على هامش الدنيا والآخرين وبالتأكيد العقلانية.

إنّي شغوف بهذه الحكايات.

جمعتُ أغراضه وقرّبتها منه، ثم جلست إلى جواره اتقمّص زاويته. راودني شعور أليف وغريب معا: عدم الاكتراث والانسجام. ربما مثله هو: رغم كل ما يحيط به، فهو غارق في بركة الانكار داخله.

ليس في وسعه أن يعترف بشعور يراوده ولا أن يعلن اهتماما. أشياء ما استلبت منه ذاته ولم تبق له إلا القشرة الخارجية، لهذا فهو يرفض المتبقي.

فجأة احسّست بحركة رأسه تلتفت إليّ فأدرت رأسي إليه، وكان يبتسم لسبب فيه. شاربه الملوّث بشيء شربه أو أكله ولم يمسحه، يرتفع ويتمطّى على نحو مضحك. له ابتسامة الأطفال لأنها تنبعث من داخله، فتقرّ عيناه رحابةً ويتموّج الوجه.

 ثم عاد إلى وجهته.

عند حد معين من الاهتمام والتحمل والاحتياج والضيق، ينقلب كل شيء إلى الضد دون مقدمات، فيتحرر المتألم: اللا مبالاة؛ وبالمقابل يجترح عالمه البديل، الموازي والداخلي.

كان الكشك مفتوحا امام المارة، ولم يكن بد من عودتي اليه.

من النافذة المطلة عليه كنت افكّر فيه: هل اقترب منه واحاول التواصل المعتاد معه، فاحرّك مياهه الداخلية؛ أم أتركه وشأنه، لأن لا أحد في الحقيقة يهتم بآخر أو يستطيع تحمل مسؤولية التأثير فيه، ولا بدّ أن يحل كل شخص معضلته بنفسه، وهو وجد حلّه؟؟

هل اتطفل عليه لأن لي بدوري معضلتي التي لن تتفكك إلا عبر آخر؟

هل هذا ما يفعله البشر، حل مشكلاتهم عبر بعضهم بعضا، تنفعا وتطفلا واعتمادا وخداعا وتساوقا.. الخ؟

تذكّرت مشهدا من كتاب قرأته: حَسِنُ النوايا يغرق في كرسي منحوت من الصخر قرب المرفأ حين يهجم المد، حزينا ووحيدا ومستسلما للا جدوى. بينما المتنفّع منها، النوايا، يغرق في عالمه الجانبي، سعيدا.

لم أقبل التذكّر ولا الشعور الختامي، إنما غضبت.

كنت، للواقع، مشغولا بشيء أكبر بكثير من كشك عملي ومنه هو والحافلات والمحطة بأكملها.

لديّ أيضاً قطعتي المعدنية ونصف مشطي المكسور وخاتمي واوراق لعبي وقلم ما، رموزي الخاصة لعالمي الذي احتفظ به في دخيلتي والذي أحافظ عليه أيضاً. مع شيء من التعديل في المظاهر، فإنني أشبهه كثيراً، سوى أنّي لم أتشرد، بعد، ولن اسمح بهذا.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق