الأربعاء، 9 أبريل 2025

مظاهرة النتش

 مظاهرة النتش

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

مرهق. في رأسه عشرات المواضيع، وتركها تتدافع دون أن يفعل شيئا سيودي به. قرر الخروج من الأماكن التي تشبه المسرح داخل رأسه وفيها أناس، إلى المكان الحقيقي المترامي بألوانه ونسماته ورائحته والملمس والصوت.

لا صنعة لديه وهو مجرد أجير. وبما أنه من دون عمل فإنه يتسلى بالأرض. هي وساعة مهملة تحتاج إلى عناية، وتكاليف الفلاحة الحديثة مرتفعة جداً. في وسعه أن يعين الحرّاث ذا الأجرة الخرافية لأنه يستعمل بغلته القادر للوصول بعكس الجرار، بتوسيع مساحة الأثلام له. يستطيع أن يقطع الحطب الجاف ويحصل على القليل من المال.

لا شيء ليفعله فليتوحّد داخل المكان.

الوضع العام هادئ وهجمات المستوطنين مستبعدة.

ابتدر الأرض المحيطة ببيته أياماً وبدأ في تنظيفها من الحجارة والجذوع والشوك. أتى أكثر من جار  وبدأوا في تنظيف قطعهم المهملة، يجزّون العشب ويحرقون.

انتقل إلى الحبلات التي تقع بجوار الخط. ما من خوف الطلاب في مدارسهم منتظمون وما من تظاهر، وفي أسفل الشارع المؤدي إلى البلدة مخترقة التل، قلع كبير من الصخر يسد المدخل الصغير.

في رأسه عشرا الأشياء والعمل الجسدي يعين على ترتيبها ويمكنه الخروج من نفسه كذلك: هنا كانت دوالي العنب الأبيض شديدة الحلاوة لدرجة السعال تتمدد على التراب. كانوا هنا يزرعون الحمّص، وفي الأسفل بعض القمح والعدس.

في جدار الصخر الكبير لطالما رأه آثار النيص بابره الطويلة الملوّنة المدببة. تذكّر أنه رأى غير ارنب برّي يختبئ بين الشقوق والأفلاج في الصخر المتشقق. التين لا يزال يعطي ثمره لكن عدد الأشجار قلّ وأكثر تحول إلى حطب لا فائدة منه للنار. الزيتون مهمل يحتاج إلى تقليم وتشذيب وحفر حول الجذوع مثلما يحتاج الزبل. هنالك، على الحافة وفي بقعة لا تنفع لزرع الحبوب، كانت توجد زعرورتان تنتجان حبات كبيرة وسمح لابن عمه مرارا بقطفها وبيعها للأولاد في قراطيس. بجوارها من الأسفل كانت هناك تفاحة سكّرية صغيرة الحبات طريات ولذيذة.

 

عليه أن يدرّب جسده الأربعيني شيئا فشيئا. بدأ في الصخر الكبير المنهار يدحرجه إلى الحواف. الحجارة الممكن حملها يجمعها ويعيدها إلى السناسل. الأخيرة كثير منها منهارة وليس لديه خبرة فلاح في الاركاز حيث الحجر المرتبك اللا متوازن تسنده، كما يقولون، صرارة. الدواليب التي تجمعت من سنوات الاحتجاج في حبلاته المتدحرجة من أعلى جمعها وجعلها جزءا من الجدران العريضة، فيها وحولها يضع الحجارة.

أخذ يتذكّر انواعا من النبتات لدرنات في الأرض أو بصيلات صالحة لأكل، ولما جرّب درنة اقتلع نبتها كله، كان طعمها لاسعا جدا شديد المرارة.

النتش كثير ولا بد من اقتلاعه. حدود الأرض مع الجيران بدأ يثبّتها على ما كانت عليه. القليلون جداً، أخذ يفكّر، يمكنهم الاعتياش على الأرض، لأن كل شيء من الزبل للحراثة لم يعد منزليا ويجب الدفع مقابل كل شيء، في حين أن الناتج لن ينافس المعروض في السوق الأرخص الآلي الزراعة والمستورد. يمكن فقط سد الحاجة وعدم الجوع. الكل يريد وظيفة مريحة مربحة إلا هو.. تسكن رأسه عشرات المواضيع القسرية التي لا يستطيع التخلّص منها. فقط في الميقات، وسط التل في حبلة أسفل ظل زيتونة، يمكنه طردها بعض الوقت. يتوضأ كأنه نبي ويصلّي كأن ليس في الأرض غيره.

الحطب المتحلل والنتش المقتلخ والكثير من الأوراق والأكياس الونفايات المتطايرة لا مناص من حرقها.

جمعها كلها في زاوية بين الصخور وأشعل فيها النار.

لم يخش من المعسكر أو حزام المستوطنات المطل. لا بد أنه تحت رقابة الدرابيل بعيدة المدى والعيون الالكتروني منذ أن أن أتى، فوق أنه بعيد عن الخط، الشارع الرئيس الموصل بين المدن.

لم يتوقع أن يهرع اليه، من أعلى التلة، رجل أخذت ملامحه في الاتضاح كلما اقترب منه. انه رئيس من رؤساء البلدية المتبدلين. حين بلغه كانت على وجهه ملامح الغضب يلهث. دون سلام ولا كلام سأله إن كان يعرف لمن الأرض؟

ولو!

صحيح أنه عاش في المدينة وقتاً، لكنه يعرف أرضه التي طالما سرح اليها. القطعة المجاورة كانت أرض خاله وهو أقرب اليه من أي شخص آخر. من حيثما نظر الآخر، رئيس بلدية يبدو أنها ليست بلدية، فلا علاقة له هو.

ردّ عليه ببرود لا يخلو من احتقار وأوضح معرفته الحدود والجيران. غادر يجر غضبه وتحامله.

تسكنه عشرات المواضيع يبحث عن شيء خارجه لينظّمها على خلفيته، وها قد انظم موضوع جديد!!

لقد فاز هذا الرئيس بفارق صوت واحد فقط حين عاد هو من المدينة خصيصا واانتخب اقاربه. الآن لن ينتخبه مطلقا ولا أمثاله ولو كانوا الأم في الصلة. سيصوّت لمن يعرفون الأرض فعلا وقولا..

وهو يقتلع في حبلة أخرى، بغضب على من هدر صوته عليه، بيت نتش ضخما ولصيقا، أصاب بمعوله دون قصد أفعى في منتصفها بالضبط. لم ينتبه إلا عندما سحب بيت النتش.

كانت عاجزة عن الزحف والتقدّم تتلوّى مكانها. عندها شعر بشيء يربط بين رئيس البلدية والأفعى. ستموت غالبا لأنه اصاب فقراتها وربما أعضاء حيوية.

لقد استلم من الله سبحانه وتعالى وحده رسالة ومعنى.

سيغرق في حواسه كلّها داخل المكان الشاسع وهو يحرق كأنه يرقص أكوام النتش اللي جمعها معها الحطب الفاسد.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق