قصص قصيرة/ ماجد عاف
كنت أراه احيانا على
الشارع الرئيس الموصل بين بيرزيت ورام الله، بالقرب من أبو قش يحمل عصا رفيعة
ويتمشّى يحدق في الوجوه المصادفة من خلف نوافذ السيارات. كانت له على هذه الحال
سنوات كثيرة. ولأنني أعرف أخاه، فقد كنت التقيه في صالون منزله الريفي. يدخل لبرهة
قصيرة ثم يخرج بسرعة. التحية قد لا يلقيها. يتناول طعامه أو يقضي غرضه ويسرع نحو
قطيع الأغنام يسرح به إلى الخلاء.
لا أدري من أخبرني أنه
كان يعمل في كافتيريا الجامعة، وهناك تعرّف على طالبة من غزة من عائلة معروفة لا
اريد ذكرها. في ذاك الوقت، قبل الانتفاصة الأولى وخلالها، كان يمكن للمقتدرين من
غزة الدراسة في بيرزيت. يقولون أن الطالبة لهت به وأن شيئا حصل له ووقعت مشكلة
علنية فترك العمل. وتغيرت حتى ملامح وجهه ومشيته وتراجع كلامه و ندر. لا يثق إلا
بأغنامه. وجهه الأسمر خلا من التعابير، لكن ثمة ما يشبه السذاجة لم أكن متاكدا من
أصلها. فحسب الوصف كان ذكيا وحيويا لكنه لم يدرس في الجامعة، وصار أقرب للعته. لقد
تحنطت ملامحه وتقلص وعيه أو ادراكه للأشياء ومبالاته، واستقر عالمه، مع نسيان
للتفاصيل المباشرة، في الحقول والأغنام والمشي على الشارع الرئيس والانعزال.
مع ذلك، على الشارع، كان
يلوح من وجهه إلى الريح ما يشبه الفرح.
هل نسي عذاباته واختار
البسيط المريح، أم نقلها لسريرته وأطبق عليها بالصمت؟ هل انتقى تفاصيله الخاصة
واختار أن يدور داخلها؟ هل لا يزال يراها مصطفة في الدور بانتظار تسلّم وجبتها،
مسرورة رغم أي شيء باهتمامه بها، تنقل التفاصيل لصاحباتها يوما بيوم مزهوة واثقة
ضاحكة ساخرة لاهية، وفي اللحظة التي يحاول هو بعد شهور جعلها وقائع تنقلب غاضبة
وتتسبب بفضيحة على الملأ؟
كانت تعني له نفسه التي
يحاورها، وما في الأنثى من مباهج، والعائلة التي لم تمدّه بالمشاعر التي يحتاجها،
والناس الذين سترتفع منزلته عندهم، وأبواب مستقبل يمكنه أن يدخله مطمئنا أنها معه،
وجدوى من أنفاس الحياة. ألف عناء اختبر وتركت الاختبارات خيوطها التي انعقدت
عليها، الطالبة.
وفي لحظة واحدة، تدمّر كل
شيء.
ومع أنه مات الآن، أراه
بالقرب من الحرش يمسك عصاه الرفيعة، معطفه الأخضر مفتوح، متوسط القامة، عيناه
تفتّشان في نوافذ السيارات عن وجه بعينه مؤمنا بقدرة المصادفة أو غير المصادفة على
الوقوع.
وبوسعه دائماً إذا لم
يحصل شيء الغناء للأغنام والأشجار.
أنيسة
سمحت لها بالمبيت معي في البيت لأن الجو كان على وشك أن
يصبح ماطرا. دلّلها أهل الحي فصارت أليفة جداً لأي شخص يقترب منها، صغيرا وكبيرا.
وبسبب لونها الأسود الذي يشوبه بقع برتقاليات، على تساقط خفيف في وبر الرأس، فلم
يستقبلها أحد عنده رغم أن أطفالهم جميعاً كانوا يركضون خلفها ويلعبون بها. فقدت
غريزتها للاصطياد، ولو امسكت شيئاً فإنها لا تأكله.
كان يونس -ابني الصغير-
يرعاها ويداعبها وربما جلب لها العلاج. وكان يشتري لها الطعام المخصوص، الذي
استفزّني. طعام ودواء وبيطري وقفص وألعاب وصابون استحمام، كلها تكاليف من دون داع.
لديها مناعة وغرائز الاصطياد والتنظيف. وإذا كان لا بد من اقتناء قطة، فلتعتمد على
نفسها، وبعد ذلك لا بأس من اطعامها من طعام البيت الزائد.
مرّة وجدتها تأكل رقائق
البطاطا المصنّعة فأطارت صوابي، ثم فهمت أن الدهن أو الزيت هو ما يجذبها.
كان يترك لها شبك النافذة
مواربا لتدخل وتخرج متى شاءت بدل أن يدخل كومة من الرمل في صندوق، لتقضي فيه
حاجتها. القط حريص على ألا يترك رائحته أو مخلفاته القابلة للتتبع ويقوم بدفنها
بعد حفر حفرة.
كنت أتآنس بيونس، وكان هو
يتآنس بالقطة. حين سافر بدأت أهتم بها وأسميتها أنيسة.
سمحت لأنيسة بالمبيت، وصرت أترك شبك النافذة مواربا لتخرج
متى أرادت. لكن لم انتبه البتّة أنها كانت حبلى. في الليلة الثانية لسماحي لها
بالمبيت (على الكنبة)، ربما قبيل الفجر، سمعت مواءً قادماً من الخزانة. لم التفت
واكملت نومي.
صباحا كانت المفاجأة: لقد
وجدت اربعة قطط صغيرة بألوان مختلفة دلّتني، فيما بعد، على الأب الذي فعل فعلته واختفى!
برتقالي اشقر، أسود، ابيض باهت، وأشقر صاف. مع أنني كاره
للرعاية وجدت نفسي اطبطب على ظهر الأم المتعبة، أنيسة، التي تحتوي صغارها بقوس
جسمها لتدفئهم وأقول لها: يعطيك العافية. لا نملك إلا التعاطف مع الأمهات، خاصة مع
قطة يخبرك مواؤها -كما وجهها الانسيابي المحدّق فيك- أنها تحتاج عطفك.
كانت كلها مغمضة العينين،
لكن البرتقالي هو الذي ظل يموء.
أحضرت جاروراً وبطّنته
بقطعة صوف، ثم نقلت الصغار اليه. رفضت الأم وحاولت إعادتهم، فأخذت صغيرا من فمها
وأعدته مع اخوته. ولأنها مستألفة، فقد فهمت تشديدي اللفظي عليها واستكانت حولهم
داخل الجارور.
كان يستحيل اخراجها في
الجو الماطر الذي شمت فيه المطر القادم والبرودة فولدت في الخزانة.
لم يكن لدي ما يصلح
لاطعامها سوى اللبن الذي وضعته لها. بعد ساعات بدأت تلعق. لمدة، ليومين أو ثلاثة،
ولا أظنها خرجت حتى لقضاء حاجتها، مكثت مع الصغار لم تفارقهم في أي وقت. وكان
اللبن حاضراً إلى جوارها والماء. هي ذاتها قبل سنتين التي ولدت عند أهلي وأكلت
صغيرا لها وجدت نصف جسمه.
كانوا من فوق الصوف
يزحفون نحوها للدفء والرضاعة مع أنني لم أشاهد الأخيرة بوضوح. ظل البرتقالي يموء
أكثر من غيره ففهمت أنه مريض موجوع أو لديه فرط نشاط. وكانت أما مخلصة تلعقهم
بأمان واطمئنان. لو كان يونس موجودا لقام بتنظيف الصغار وامهم بالماء الدافيء
والشامبو المخصوص، ولكن الطبيعة بالتأكيد أفضل.
لم امسّ الصغار. رعيتهم
مع أمهم قدر ما استطيع طوال شهر ونصف، قد اقدم لها البروتين واكتفي أنا بالكربوهيدرات،
وكنت اترك الشبك مفتوحا في حالة كنت غائبا. حاولت اعادتهم إلى الخزانة مرة أخرى،
لكني كنت حازما. لمّا تحسّن الجو، وكبرت حركة الصغار، أخرجت الجارور بأكمله إلى
خزانة في الخارج.
بعد أيام نقلتهم الأم إلى
مكان آخر، ولمحتها تجلب اللحم النيء من الجيران لصغارها.
تجمّع اطفال الحيّ حولها
وحاولوا الامساك باحداها، بل طلبوا مني مساعدتهم. تواطأت مع القطط كلّها، خاصة
التي ليس لها لون جذّاب، فبعد فترة من اللهو بها سيهملونها، وسيكون عليها أن تعتاش
على فضلات المنازل قد فقدت غريزة الاصطياد ولا تستطيع مناعتها مواجهة الأمراض إلا
بالأدوية. أخبرتهم أن خدشا من قط مع فيروس أو بكتيريا قد يتسبب بقطع طرف أو الموت.
وهو حادث قرأت عنه، لكنه نادر الوقوع. حرصت على رفع صوتي لاخافة أم طفل كانت تستمع.
لا أمس الصغار وتهرب مني قي الساحة ليلا عندما اشعل
الضوء، إلا أنها تسمح لي، أحيانا، بالاقتراب منها درجة لمسها باليد لو اردت. لقد
ألفتني.
يجب أن يظل كل كائن على
طبيعته كالأب المرقط بمختلف الألوان، المنحوس الذي فعل فعلته ويأبى أن يكون منزليا
أو راعيا لصغاره، ولا يثق بأحد على الاطلاق!!!
بعض البشر، في منظومة
الاستهلاك والضعف والتبعية الكاملة، من انتاج الغذاء وصولا للترفيه، تحولوا إلى
قطط عمياء لا يمكنها العيش، طالما والدتها فقدت غرائزها، إلا بالتدخل الخارجي
والرعاية.
موسم البندق
أتخيل أنه: لا يظهر السنجاب حول كوخي الخشبي داخل الغابة،
إلا في موسم البندق. بعدها يختفي ولا أعرف أين، ربما في عشّ أو ملجأ خفيين.
أحب السناجب على طبيعتها
البرّية خاصة حين تستأنس فيها بالبندق من راحتي، تتجاسر بالاقتراب وأنا مطمئن أنها
لا يمكنها أن تؤذيني، مثلما يستحيل عليّ أن أؤذيها. إنها لطيفة جميلة جدا، رشيقة،
ملامحها مدهشة وهي تكتنز الحبة بأكملها في أحد خديها فتبدو مضحكة، كتلتها الصغيرة
مع شموخ ذيلها رائعان، ولونها متتبدّل.
لا يمكنني تمييز الذكر من
الأنثى فهما متشابهان.
تخزّن المؤونة في أماكن
مختلفة يقال أنها تحفظها في ذاكرتها الجغرافية ولا تنساها أبداً.
لمّا عرفت تنفّعها
الطبيعي منّي، وانتهازيتها لأنني أريدها حولي لأكثر من الموسم، صرت استعدّ لحضورها
مسبّقاً، واجد الجد لعدم ابقاء بندقة واحدة على الأشجار الأمهات. صرت اوزّعها بحيث
يمكنني الاحساس بقدومها، لأراقبها واستمتع أكثر بها.
السنجاب لا يحبّني
بالتأكيد وهو فقط يستجيب لطبيعته، حتى لو انتصب على رجليه وفرك البندقة بأسنانه
وهي بين يديه، أمامي، قبل أن يخزّنها في خده مقشّرة. أنا الذي يحب السنجاب وعليّ
أن اتفهمه وأصبر!
المشكلة أن هذا الكائن
الرشيق والذكي فهم محبتي له وما أفعله، فصار يثقل عليّ ويتأخر. يخطف كل مرة بندقة
ويقفز هاربا، عكس تجميعها السابق الذي كان يفعله، نحو الجذوع وعلى الحصى، ثم يعود
ثانية وثالثة ودواليك. لم يعد يقبل الالتقاط من راحتي. ولا أدري كيف، لكني بدأت
المح تعابير للخوف حول انفه.
تماماً كما تفعل حبيبتي
الخيالية معي حين تضطر مرغمة لزيارتي في الكوخ المنعزل!
دم
كانت الجلسة اجتماعاً
للوجهاء ورؤوس العشائر، تضم أناسا كثيرين، منهم رجل اصلاح من الحكومة، في
الأربعينيات، حضر بصفته الشخصية نظراً لأنه من أهل المنطقة. ليس معروفاً عنه أنه
على اتّصال بتنظيم، لا نشاط نضالي له، معظم وقته ينفقه بين المشاريع التجارية
والسمسرات والسفريات لبلدان مختلفة بصفته الرسمية. بشكل تعاقدي جانبي، أي بمكن
التخلّص منه في أي وقت، كان موظفاً استشاريا لوزارة.
صفّت الفناجين على
الطاولات الصغيرة المتفرّقة، وامتنع القوم، رجال الجاهة المقبلون، تحت الشادر
المنصوب في الساحة كخيمة مستطيلة عريضة، عن تناول الفناجين حتى يلبّى غرضهم.
الحكاية صغيرة ولو حلّت
بالشرطة لقضى المتهم بالتهديد بضعة شهور في السجن، ولا احتاجت عطوة ولا أشغلت
الكثيرين. لهذا السبب، غالباً، منحوا الرأي والكلمة لرجل الاصلاح.
سكت لبرهات، وتأمل السقف
المهتز بفعل الريح وأطلق بصره للأفق، حيث هناك مستوطنة مدججة، كان هو شخصيا قد
رافق بعد أخذه تصريحا وفودا أجنبية للاحتجاج القانوني -الاعلامي- على توسّعها مع
أن شيئاً لم يتغيّر بل وصارت مستوطنتين. أصلح من جلسته وأطلق بصرامة جملة واحدة
بعد تدبّر حصيف:
– أنا لا أقدر على الدم!
ولما كانت الحكاية أبسط
من هذا، خلافا بين شابين وشتائم وأحدهما لوح بمسدس ليري الآخر أنه ليس عاجزاً؛
تبادل بعض الحاضرين، دلال القهوة وشابان جلسا جانبا بانتظار ترتيب المكان بعد
انتهاء الكبار، النظرات.
رجعت الكلمة للعجائز
الذين حلّوها كالمعتاد ثم قرأوا الفاتحة على نيّة الحل وشربوا القهوة. سيعتذر
الملوّح بالمسدس للآخر ويقبّل رأسه، وبعد شهور قليلة يعود المال المدفوع لأصحابه،
لكن الجملة ستلقي ضوءاً جديدا على رجل الاصلاح. سيواصل عمله "نافعا" كل
مَن يمكنه نفعهم وسيحصل على منافع بدوره وسترضى الحكومة به وسيتلقي الترحيب
والاستقبال حيثما سافر. لكنّ كثيرين منهم المصادرة أرضهم والعاجزون عن العمل أو
السفر سيتأسفون لأن الدماء، مختلفة الأسباب والدوافع، قد تساوت..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق