نسر أحمر!
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
تحدّث مدير العمال الأربعيني باستفاضة وهو يقود السيارة عن اعتقاله الأكبر الأخير الذي استمر لثلاث سنوات ونصف.
قال إنه كان "نسراً أحمر"، مطاردا، يبات في المقابر ويحمل مسدسه دائما معه. الحزب ربّاه وهو لا يعرف شيئا آخر غيره وغير العمل. والآن هو مضطر لإعالة زوجته وأولاده، ولحسن الحظ لديه راتب آخر من "الأمن الوطني"، الطريقة الالتفافية ليأخذ بدلاً عن فترة اعتقاله. ما دام قد بادر بالكلام إليه، فهو الآن ينتظر استجابة.
تعمّد إسناد راحته فوق فتحة مكيف الهواء أمامه جانبياً، واتقاء عينيه بمتابعة الطريق، ليمرّر كلماته العادية وراء خوفه في انزعاجه من المطبات، مهوّنا محرّفا فهمه:
- فقط سجنت عدة شهور، ولا تنطبق عليّ شروط راتب الأسير. التزمت رفيقا وانتهى الأمر.
لا جديد في المعلومة، فهي لدى اليهود ناهيك عن المعارف. حاول مدير العمال أن يستفسر في المصنع عنهم، مع كيك أحضره وعصير في الاستراحة، فتذرع بالنسيان وأنه كان مراهقا تحت السن القانوني.
كان يعود به من مصنع البلاستيك ويوصله لبيته "ما دام في طريقه". السيّارة صغيرة قديمة تُستعمل لنقل البضائع القليلة ذات الطلبيات القريبة، في المدينة. النقطتان الجوهريتان في كلامه، أنه "أمن وطني"، وأن "النسر الأحمر"، عضوية ونشاطا وتدربا وحملا للسلاح إذا لم يستعمله محققا إصابة، تقتضي حتى 10 سنوات سجنا. وما من رفيق حقاً يقبل أن يُسجّل في لوائح جهاز أمني، حتى لو مات من الجوع.
غالباً هو كاذب.
لمّا وصل الحارة القديمة، وبيته، وهي المرة الأولى التي يوصله، كان لزاما عليه أن يبدي ترحابه فيدعوه لشرب فنجان قهوة، فالأدب يلزمه بهذا، طالما أوصله بسيارته.
شكره الآخر على الدعوة وجامل بـ "سعادته وعدم وجود مشقة وأنه في طريقه".
تعمد دخول بوابة البيت أمامه، بل واقترب من باب البيت بعد الساحة وتظاهر بفتح الباب وسيارة الآخر تمضي ببطء. لكنه لما تحقق من ابتعاده، انتظر بعض الوقت لينتقل إلى مخبئه الحقيقي البعيد ثلث ساعة، تسللا من الحواكير.
== ==
كان قد مضى عام على انتهاء عمله في المصنع، بفعل تضييق وجده هناك وفي غيره، بعدما لم يفلح التودد في أخذ معلومة منه أو اجتذابه.
ضيّع خلفه ثلاثة مراقبين متابعين مشاة بهواتفهم، وتجاوز الاطلاع الآني الحيّ عبر كاميرات الشوارع بأن ولج مباني خاصة تحتاج ساعات لتفرّغ حواسيبها من صور المراقبة، وانتقل من سطح مبنى إلى آخر، ثم تسلل من ثلاثة شوارع عبر حواكير ومداخل يحفظها.
على مطلع الشارع العلوي أحس بسيّارة مسرعة تلاحقه تأتي من خلف المنحنى مباشرة، فما كان منه إلا أن أخرج قلمه ودفتره الصغير وتوقف في منتصف الشارع ليوقف السيارة ويأخذ أرقام لوحتها، ففي هذه الحالة يصير لديه دليل، وإمكانية شكوى.
المفاجأة أن "النسر الأحمر" كان سائقها وهي سيارة خاصة لا يمتلك مثلها، فلا بد أنه كان مكلّفا أيضاً. سجّل الرقم فشعر الآخر بالخطر، فنزل وأمسك به –لا تهذيب ولا استفسار ولا رفاقية- من كتفيه وطلب الشرطة تواً من هاتفه.
انتبه أنه لم يكن هنالك مبرر.
كتب له على الدفتر جملة خطرة، فرد النسر بشتائم ضد بعضهم، الذي كان يتغنّى بهم في الأمس، فغافلة ومضغ الورقة وبلعها.
لما حضرت دورية الشرطة روى ما فعله وقال عنه إنه مجنون.. اتّصل الشرطي السائق بضابطه المسؤول. والمفاجأة، بعد نقل الاسم ورقم الهوية، هو تركه يذهب.
ففهم عندها أن السلطة/ الشرطة، خسرت جولة إضافية.. وليس أخطر من واشٍ، رفيق سابق.
12-2025
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق