قصة قصيرة/ ماجد عاطف
رأيتها على السيل، مكان قطعي المعتاد، من حيث أعبر وحدي دائما. اتجنّب "المقطع" المعروف للكل حيثما يقطعون السيل، لأبقى وحدي. العيون كثيرة ولا ابغي تضييع فهمي لما يدور. افرض عليهم أن يتحرّكوا حركة ملحوظة، ليظل خصومي مكشوفين، هم هم، لا يتغيرون مهما طال الزمن، وطريقي مسدود.
لا اقرب الدرك ومخافرهم، ولا متاجرهم ولا احتاج إلى معاملاتهم وأختامهم. رزقي على الله، اتنقل وأفعل ما اريد دون أن ينالوا منّي. ما عندهم مبرر ليقربوني.
الحصان تبع حوافره المتعودة على مكان خطواتها، وفي المنطقة الأعمق توقّف في الماء لينظر خطوته المقبلة. كان التيار يرتطم بساقه اليمني، ولشيء امتنع عن التقدم. نظرت فلربما هناك أفعى ماء. ما من شيء.
نزلت عن السرج بانتباه، وقدته للناحية الثانية. وقتها، فوق كومة الشعير المكدّس إلى جانب الشجرة، على التلّة، لمحتها.
كانت تقف تجمع وتقشش، تصعد وتهبط بالبالة. ميّزتها من قامتها التي ما اعتادت غير العباءة الخفيفة، وتحتها يكون لباس افرنجي. لم يسبق أن فعلتها فهي ابنة التعليم وتسكن الحضر وتمرّن الصبايا الصغيرات، قد تركت حياة الشظف حاسبة العلم الضمانة النهائية.
ما الذي طرأ فأعادها هنا، بيوت حجر قليلة وبيوت شعر متفرقة؟
في وقفتها انتظار. لمّا اقتربت اسحب اللجام لم ابدّل عادتي التي استحدثتها -فصار لي طريقي الصغير الخاص- مهدته قدمايّ وأقدام الحصان، لمحت جانب عينها.
اعتداد وسرور واعتزاز.
كيف أجد طريقة لأقول لها، أنني أحترم النساء ولا أقبل لهن الاستعمال؟ يحسبون مدخلي من خلال صبية..؟؟
ذكرتها في غربتي قبل أن أعود، وما خطر لي لحظتها أن كلامي مرصود. لم أذكرها بالاسم غير أن معرفة شخصها، إذا ما تتبع أحد، هين. بعدها بقليل أوصيت صبياً كان يعمل في اسطبل الخان أن يوصل كلامي المسموع من الكل لأخيها، حماية لها. اعطيته بعض المال. ولا أدري اذا فعل أم لا.
انطلقت إلى مناطق أخرى وانشغلت أو نسيت.
تشاغلت بالرسن واستعجال الحصان، واكملت طريقي.
الغافلة!
إذا وصلها الكلام ففهمت منه أنني اعني شخصها وأقنعوها بتافه المقصود يخلطون به اطلالتهم عليها بضلالهم، فستكون عندها غارقة –بدل التجنّب- في الاعتداد.
هذه أمور في مكانها ومحلها، لا يطرقها إلا أصحابها، ويستحيل على أخيها ذلك. لا يقبل فوق أن يفهم. سيستعملونها ضد أخيها أولا، ولا يستبعد ايقاعه في شيء فيحبسوه. شدّدت على الصبي أن يخبره، قبل أن أرحل. هل وصلوها من نساء الحضر أم قالوا لها تعالي نريدك، أنت الفهمانة، في خدمة؟
ستتنطع وتتجاوز. تعصر الشعير بالطريقة الخطأ وتحزمه كيفما اتفق. أكثر من واضحة، ليس لي بل وكل أولئك، الذين يتلصصون حولنا في المحيط. معتدة، مزهوة، جانب وجهها تمثال شمعي جمد على بهاء. ليس وقتك يا بلهاء، أخبري أخاك!
كان يستحيل قول شيء لها.
أكملت دربي ماشياً لم التفت. وحين انبسطت الأرض عدت وركبت الحصان. انشغلت بتخيّل القدر الذي وصلوا اليه، وهم يتتبعون دروبي في الدنيا. غافلون واثقون، يحسبون الدرك دركا، وأن البلد مثل البلدان الأصيلة.. ستحسب هي وأخوها أنهما محور الحدث والحديث، ويعتزان أولا طامعين طامحين، وثم يجدان أنهما يدفعان عن نفسيهما، ولربما أنهما يستطيعان التقرير فيأخذان وزناً. أخيراً يضحكون عليهما ويستدرجونهما، وأنا رأيت عشرات التمثيليات.. الجميع تحت العين وأنا وحدي -حالياً- من يتتبعون له خطأ أو جرما.
نبهتهما وانتهيت، وكلٌ يجد صنيعة يده!
بعد "عين القيزة"، الجبل الأحدب، قالوا عن راعٍ أن لديه فرسا من تالي عرق قديم، لا أدري إذا كان يقبل بيعها لي. استطيع تحصيل بعض القروش لا يلزم غيرها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق