حكاية حصاة
قصة قصيرة/ ماجد عاطف.
الحصاة الملساء البيضاء التي وجدت بجوار صخرة طبشورية تفككت مع السنوات، ظلت على حالها. كان يلهو بها الأطفال، ويعيدونها إلى الجورة، مرتع كرات البلور، البنانير، على جانب اسفلت المخيم. ينساها الصغار للحظات بانتظار أن يدفعوا كرة قماشية سقطت إلى جوارهم وجذبتهم.
الحصاة مكتملة الاستدارة، مع قشط على سطح لها تستقر عليه. تلقى جانباً، تستعمل للتكور ودحو شيء لين، ربما ترتطم بها قدم مستعجلة فتزيحها إلى جانب شروش دوال أو جذوع لوز. ربما يجرها كيس علق بساق غنمة من الطريق الترابي الذي سيصير شارعا معبدا. ولا يستبعد أن تدخل أداة في شجار بين مراهقين، أو تستعملها امرأة كبيرة لطرق باب الصفيح وطرد كلب ولج الساحة.
حملها كل قريب ملاحظ مقتدر واستعملها في حاجته. يعتريها قليل أثر من اصابع ولطخات، ولكنه سرعان ما يزول عند تفككه وتحلله والتعرّض للمطر والشمس. بقيت ملساء واضحة البياض وقشطها لم يتغير، لكن موضعها مترتب على القوة أو الشخص الذي يدفعها.
حملها المتخصص الباحث عن ترسبات زجاجية وأحافير ومعادن، قلّبها وتأملها، فأعانه القشط على معرفة المكونات الداخلية والعروق الدقيقية. هي من نوعية لا يريدها. لا تلزمه، وكأنه أيضاً يقدر طبيعتها، أعادها إلى الغبار المتيبّس حولها، ونبتت فيه إلى الجانب عشبة صغيرة جدا، يقاطعها صف من نمل الذر.
والتقطها فتى شجاع مدافع ليلقيها على التي اقتربت، مركبة غريبة، سبقها تهديدها ورصاصها. التفت له الجندي المنتبه المستعد وكان من الخطر جداً أن يلقيها عليه وهو يشاهده عينا لعين، فافلتها في هربه السريع.
احتاج إليها تاجر يتنقل على عربته ويبيع ما تيسر للنساء والعجائز. لم تواز عيار الأوقية بل زادت عليه، فلم ينتفع بها لترجيح الكفة. أدارها في كفه وتلقفها كذا مرة قبل أن يبتلع ريقه وهو يدحرجها.
عاشق مغامر يتنقل بين الحواري يومئ ويوهم ويصرف النظر، وجدها بالقرب من عمود إنارة مساءً. انتظر أن تقترب منه الحسناوات المارات ودق بها على المعدن المجوف للعمود، فانتبهت من فوق، شرفة في الطابق الثالث، حبيبته الخفية المتظاهرة بجمع الغسيل من حولها الاسلاك الكثيرة المتداخلة ومنها ما يتسبب بصعقات كهربائية، بينما انصرفت الانظار إليهن، المتضاحكات، يحسبنه يغازلهن.
صعد عليها دولاب شاحنة قديمة انحرفت إلى تراب الرصيف، فاندفعت بسرعة كبيرة كأنها قذيفة، ولما كان مآلها بين خرق وأكوام خيش مهملة تجمعت على جدار مواز، لم تتضرر أو تتغير. لم يكن في وسع السائق أن يهتم أو يكترث. لم ينتبه أصلا.
فلما كانت في أرض عذراء منبسطة تعود لثري في الغربة من الموسم القريب الماطر، انتبه خائن لها وللحجارة والحصى الأخرى. كانت الأرض غير موطوءة، ومن المؤكد أن "المسلحين" الذين يراقبهم لم يمرّوا من هنا، بل من مكان آخر قريب، فلا أثر.
هي ذاتها كانت صاحبة القرار حين احتكم مختلفون على شيء، فقرروا أن يحتكموا للقرعة، العشوائية في الالتقاط. كل شخص يلتقط اربع حصوات مغمض العينين، والذي يلمس الأكبر فيها، هو الذي يكون الأمير عليهم.
== ==
المتخصص لن يتذكرها إلا فيما بعد وهو يعد بحثاً عن التكوينات المحتملة الوجود لمصادر إضافية، لصالح مؤسسة خاصة أنشأها بالتحايل والتضارب المعنوي تتلقى تمويلا خارجيا. سيقرر أن يعود للبحث في المكان، المخيم بعد أن تعرّض للهدم.
الفتى الشجاع سيصير أشد الرجال جُبناً بعدما عاين التطورات وساعده يشتد والمآلات، لأناس في عمره وآخرين أصغر وأكبر. لن يعود يفكّر في شيء لاختلاط المركبات الغريبة وازياء الجنود وتبعات الشجاعة عند كل جهة، والاستعمالات النهائية لها.
التاجر لم يعد يحتاج إلى كيل يزن به، فكل شيء يُباع ويشترى صار مفروضا، لا هامش فيه لربح، إذا ما استعمل مركبة تحتاج مالا وترخيصا ووقودا وصيانة. العربة لم تعد كافية. النساء والعجائز لسن في حاجة لشخص يراعيهن أكثر مما يبيعهن، فكلهن غارقات في هموم الصغار والفتية. كبرن على كل حال، ودخلت المحلات الضخمة والسلع الجاهزة والموزونة إلى العقول.
العاشق إذا ما تذكّرها واحتاج إلى استعمالها، فسيدق رأسه. أتت الدنيا، خاصة بشرها، على مكامن الدفع داخله، والحبيبة سيكتشف أنها خرقاء كغيرها وإنما كانت تتوق فيشع الود على وجهها. ستصير مصيبة حياته التي لا يعرف كيف يتخلص منها.
والسائق آل به المطاف بعد البطالة التي استشرت والأثمان المدفوعة والتحايلات مع الترتيبات والشطار وخطف الفرص، إلى أن يصير صاحب كسارة صغيرة، تُستعمل لطحن الممنوعات في الطريق لخلطها بمواد أخرى. لو وجدها لربما طحنها غاشا في الكمية!
والخائن الذي سيتحول للمحترف المسؤول الاعلامي، سيتذكّر الحصاة ذات لحظة على أنها فن من فنون القذف المتنوّعة عنده، مباشرة وبالمقلوب، لأنه يصير اعلاميا دوليا صاحب صفات متعددة وستتطور طرق التتبع والمراقبة والابلاغ التي يستعملها.
والأمير المبايع بعد تكرر اماراته الصغير والنامية، سيأخذه وقت الله إلى المكان الذي تأمّر فيه عليهم مرته الأولى، مكان الحصاة الملساء المقشوطة، حيث حقول غير محمية بمنازل أو أشجار، ولكن كمطارد جائع مخذول يتنفّس الغبار وهو يختبئ عن العيون.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق