الثلاثاء، 5 مايو 2026

مقعد مجدول

 مقعد مجدول

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

((هذا نص جيد عندي، فيه مبنى وفكرة وموضوع وشيء جديد.. الخ، وهو مستقل بنفسه. يفي بالغرض. لاحقني كلب من كتبة الوشايات والديباجات والتقارير والتملقات ومجازات الله أعلم بها وما خلفها وكيف تتلاقى مع تقنيات ما، يعرف نفسه، يريد توسيخي وتوريطي في شيء، تهمة، منذ 22 عاما. وطبيعي ان يكون هناك الاستلهام من هنا وهناك، وهو لا حد له، إذ تتضافر مصادر الكاتب كلها -المرئية والمسموعة والمقروءة والمتخيلة ناهيك عن المعايشة- لتوجد شخصية ما.

يهمني التالي: يا كلب عامل الاستلهام، وهو من اختك دون مواربة، كما عاملت الكثير من الناس لا علاقة لهم بشيء ذكورا واناثا. الآن يراقبك الجميع، صهاينة ومحليين "رسميين وغير رسميين" واجانب وعاديين وغيرهم..، اقبض بعض الشواكل الاضافية بتعبك..))


كان يعمل بمستلزمات التراث ذات العلاقة بلجان مرأة ومراكزها: نسائيات، زجليات، أمثال، التراث الشفهي، كتب طبخ، ويمكن أن يصل عمله الاكسسورات والزينة وصيحات الملابس والبراويز والمشاريع المنزلية... اكتفى بأن يركّز على الكتب. كان يبحث عن موضوعات يعرفها جيدا، ويعرف القائمات عليها. إنما اقتضى هدفه أن يتنقل من شخص إلى آخر، مختصة أو مسؤولة، ليصل إليها هي.

منحوه رقم هاتف لها، فاتّصل بها وعرّف نفسه ومن الذي أعطاه الرقم والموضوع. كانت مرحّبة بالحديث، فلديها كتاب ألّفته عن التطريز ولغات النساء المتنوعة، الشخصية والاجتماعية، من منطقة لأخرى في الفولكلور عامة وخصوصيات المناسبات. 

طالعه سابقا كما طالع محاولات شعرية لها. لا جديد في كتابها التراثي لأنه موجود في الأكاديميا ومنثور في مؤلفات ولعل كل الذي فعلته أن نسخته وجمعته. من ناحية الشعر، لعلها أسوأ شاعرة مرّت عليه. تحادثا لدقائق وتنقل الكلام عن منخرطين في المجال هذا وهذه وتلك. انتظر أن تدعوه للالتقاء به، وفعلت. 

ذهب إلى المركز النسوي الذي يعرف قديمه، قبل أن يأتوا هم ويفسدوا حاضره. استفسر من الموظّفة فأكدت تواجدها ثم طلبت أن ينتظر قليلا. انتظر نحو عشر دقائق قبل أن تفتح باب مكتبها وتأتي إليه وترحّب به. ثم ادخلته. تظاهرت بالانشغال واكتساب اهمية لأنه من المؤكد أنها من دون عمل. هكذا خبط لزق: رواتب تمنح لبعضهم على شرط التبرير. يمكن لثلاثين ناشطة أن تحلّ مكان وزارة المرأة كلّها، بل وكل اللجان ذات الصلة.

حالما استقرت في مقعدها المزخرف المجدول، محروق اللون على شيء من أريحية، وشعر بوجود شيء في المقعد، هتفت:

جيد أن يهتم رجل بهذه الأشياء!

لا غنى لنا عنكن. حصلت على كتب لمؤلفات وأريد الحصول على كتابك.

اتخذّ اهتمامها شكل الجدية، وتركّزت نظرتها من خلف زجاج النظارة عليه. إنها تتفحصه. فما لبث أن قال:

أستاذ عدنان بلشان يشكر فيك وفي شِعرك.

لمح حركة سريعة في العينين. أضاف ليسكن قلقها:

أنا وهو اشتركنا في نشاط بباريس. كان الوقت ضيقاً، فسكنا معا. بقينا معا ننتقل بين الأنشطة كلها إلى أن عدنا بعد عشرة أيام، وحدثني بسعادة عنك.

قالت ببطء بعد أن أحسّت موقفه الودّي:

توفي الآن..

نعم، رحمه الله. أكيد لك مشاغلك لا أريد أن اثقل عليك. 

مشغولة بعض الشيء.

هل توجد نسخ من كتابك، ولا أمانع الاطلاع على كل كتبك.

لدي نسخة لكتاب واحد.

دعين أتحزر: الشعر؟

وضحك بتودد. لديها شعور ما برغبتها في أن تبث صوتها. لمح فيه أثر التجربة على سوئه الكلّي. أخبره عدنان شيئاً عنها، وتصوّر الباقي وحدة.

هل يمكنك أن تنتظر؟ سأطلب من زوجي أن يرسل نسخة مع السائق.

إنها حازمة، مجابهة لكن بتهذيب الذي لا يكترث. تعمد أن يتأملها على ادراكها له. الشَعر والقميص الرحب مع فتحة الزنبق عند الصدر. ساعتها الماسية ويدها الدقيقة. لم يغلغل أكثر بدافع الظهور كمهذب، جنتل. ثم نظر إلى عينيها ليقرأها وتقرأه بهدوء. ومثلما فعل هو فعلت هي. ألمحت بذكر زوجها إلى شيء، ففهم عنها.. بعد صمت قصير، أجاب:

إلى حد نصف الساعة لا مشكلة.

أقل..

هل انت مهتمة بانطباعات أو رأي؟

جداً.. بعد إذنك.

اتصلت بزوجها وتبادلت معه كلاما يوميا وأشياء جانبية بينهما، قبل أن تسأله ارسال نسخ الديوان، مع السائق. لعلها كانت معنية باظهار جانب أمامه هو.

كان ذلك ترتيبا مستقبليا ضمنيا، في الالتقاء. وشعر أن عليه أن يسلك مسلكا رسميا أمام الموظفات والمراسل.

أومأ بأصابعه تشير راحتها مع الذراع إلى خارج المكتب، وهي لا تزال تتكلم:

اسمحي لي أن انتظر في الخارج. 

وردت بهزة رأس ويد سريعة.

كان يجلس على المقعد في الممر يعتريه تقلب، وثمة إصرار قوي جدا بارد. عقلي محض. إنه غاضب جدا، ليس عليها هي، ولكنه مسيطر ضابط لنفسه وأعصابه. لم يحاول مرّة الاستناد على مهارة ليست نزيهة مع أحد، غير أنه سيفعل الآن. زوجها مريض بالقلب ولديه علل كثيرة. فهم من عدنان في باريس ما تجاهله في حينه، أن علاقة جمعت بينهما. كان يستعرض حظه وما يحسبه ميزة له مع النساء. لم يتأثر ولا تدخّل. لم يعلق ولا حاول أن يعظ أو ينشل تفاصيل. شيء لا يخصّه.

لما انتبه على حركة أقدام متعجلة تأتي من المدخل الرئيس عاد لنفسه. وصل السائق أو المراسل يحمل رزمة مغلفة ببلاستيك ودخل إليها. وبعد قليل خرجت بنسخة عليها اهداء بخطها المنمنم الجميل باسمه. ابتسم لها وشكرها، ولم يتبق إلا المصافحة والذهاب. كانت فرحة على نحو ما. ظل أن يحصل على الكتاب التراثي، فكلمها واتفقا على أن تحضره له بعد يومين. كان ذلك موعداً ضمنيا آخر. في سبيله للخروج من المدخل الرئيس تعمّد الالتفات لها مرة أخيرة. هكذا هم، حمقى يبنون أفكارهم على طقوس جاهزة ورومانسيات من الوهم، أنه -مثلا- إذا ما استدار ليراها فقد تركت فيه انطباعا جيدا. وبالفعل، كانت تنظر له.

قرأ الديوان دفعة واحدة وسجل ملاحظات. على عكس عادته، اختار أن يجعلها تتناولها هي بعيداً عن التقييم. نعم، كانت ملاحظات شخصية جدا، تلاعبا جماليا بلغة شبه مجرّدة مع ودّ متفهم، مدونة على الكتاب الذي قرر أن يعيده لها. بل إنه استعمل قلما سائلا زهري اللون معطرا. يريد أن يترك بصمته مع سابق اصرار وتعمد، وليس لأنه لا يستطيع ذكرها شفويا أو لا يستطيع اخفائها. يستطيع فعل ما يفعلونه ويرفضه، غير أن هذه المرة مختلفة.

بعد يومين أعاد الكتاب واستلم الآخر، ولم يجلس أو ينتظر.

كان لديها رقم هاتفه من الاتصال الأول بينهما، فاتّصلت به متحمّسة. فهمت أنه فهمها جيدا، وكان لبقاً في التعليق، مما يشير للاتجاه الآخر، الموقف نحوها كامرأة أو شخص، وبما أنه أتى على ذكر عدنان، فقد عرفت ما يقصده. ظل لبقا مهذبا في الحديث الهاتفي على ود. هذا ما يريده الناس، التفهم والقبول، ولكنه هو لا يريده جهلا وغباء وتصنعا أو اضطرارا. كلّهم غارقون في مآسيهم شؤونهم ينتظرون نسمة من منفس. ما الذي كانت تعرفه عنه؟ لا شيء، فقط اكتفت بالبيئة ومظهره، واذا ما أضافت تعليقاته، فقد صار لديها زاوية خاصة بها.

الكتاب الثاني، التراثي، قرأه ولم يرغب هذه المرة في التعليق. اتصل بها مساءً، بعد الثامنة، غالباً زوجها إلى جانبها وسألها:

هل لا تزالين مهتمة بالانطباعات؟

أكيد.

متى نلتقي وأين؟

اينما تشاء..

كانت الجملة مفتوحة على اتساعها. يستطيع أن يلتقي بها في مقهى عام أو كافتيريا. يستطيع حتى أن يجالسها بوجود زوجها الذي حرصت على ابداء جانب من أمورهما أمامه. لكنه قرر ترك المكان لها:

خطرت لي عدة أماكن. ربما من الأفضل أن تختاري أنت.

صمتت بعض الشيء، وكانت تفكّر. 

موجودة؟

موجودة. هل تمانع أن أعرفك بصديقة لي ونلتقي عندها؟

ما يريحك.

انتظر مني الاتصال.

وهو كذلك. سلام.

الصديقة تعني عالمها الخاص، وستحتفي أمامها بخطه المعطّر. لا يجهل طقوسهم الغبية وأين تؤدي وكيف يفكّرون. يستطيع أن يفعل مثلهم، لكن ما فائدة شيء مصنّع؟

عادت له بعد ساعتين. أملت عليه العنوان واعطته رقم صديقتها وحددت الوقت. كان في صوتها المبحوح قليلا لهفة. خصوصية وعطش. ما يردنه هو وضعك أول السياق المناسب لهن، لتتابع الأشياء على طبيعتها، والمتبقي احتواء اجتماعي لأن التجاذب بديهي. يمكنه أن يختصر من الربع ساعة الأولى، ويمكنه أن يمطّها لأسابيع مع الاستمتاع بالتجاذب والتدافع ومهارات اللعبة.

وصل العنوان واتّصل بصديقتها ليشعرها بقدومه، فاكدت انتظارهما، وتحدّثت الأخرى من هاتف صديقتها، متحمسة.

كان قد أعد نفسه ورتّب هندامه بشكل خاص. ليس جميلا بصورة مرتفعة ولكنه يعرف أنه وسيم، ويستطيع الوصول لدخيلة المرأة في الفهم والكلام. وهي لم تكن بحاجة لأكثر من رجل يختصها بفهمه ويضمن لها الاطمئنان، في هذا العالم الذي دمّروه وكان قبلهم صحياً أكثر.

سيكون لها تصورها الخاص وبرنامجها وأسبابها في العلاقة. لا يحفل، لا يريد تجاوز حد موضوع له.

الشقة في عمارة راقية، والمدخل مبهج مكلف، والمصعد حديث وأنيق. نقر الجرس بوصوله فانفتح بعد برهات. ليس غريبا عن أجواء الصالونات، ولا الاستقبال والزيارات. رحبتا به ووجهتاه للصالون الذي إلى جانبه غرفة معيشة وقبالته مطبخ وما من جدران فاصلة، سوى أن هناك غرفة نوم غير ظاهرة يخفيها ممر، وربما غرفة أخرى للضيوف ولن تنعدم شرفة وبلكونة.

إنه غاضب ذلك الغضب الذي يفسح له بالتمثيل جيدا، دون أدنى مظهر. سطحه الخارجي أشبه بمضرب التنس عندما يرد الكرة بتلقائية وسرعة. انفتح الموضوع وأسهب، رداً وتعليقا واحيانا ابتدارا، بل تعمّد أن يشير إلى ما يفترض أنه مشترك مع الاسرائيليات في التطريز من ناحية المصادر القديمة، وذلك ما يدور عليه عمل مركزها في الحقيقة: تأريخ ومعرفة بُنيتا على اساطير العهد القديم، فلا يعتمدون غيره، بينما عمر البشرية كحد أدنى –لا 11.000 سنة بل- لا يقل عن 124.000 عاما بعدد الأنبياء والرسل إذا منحنا كل واحد عاما، فبعد اربعين عاما فقط من بناء آدم للكعبة بُني الأقصى، ولا بد من وجود حضارة حوله. ما سبق يجد تغليبا لأشكال/ مفاهيم/ مطرزات على أخرى، وفيها حيوانات منهي عن رسمها، وتعمم لأغراض بعيدة كقاسم انساني مشترك بين و.. 

لقد سبق له أن وقف امام تصويرات الخضر والفارس والاسكندر وطيور وغيرها، وارتعب من هندسة عجيبة في لوحة خمرية كبيرة مرّت عليه.

عندها رمقتاه الاثنتان بنظرة خاصة، متفحصة، فقد كانت اشارته عادية ليس فيها نبرة تفاجؤ أو مأخذ أو تدخل، ولكنها تشير لأمر خامرهما..

لما تركته صديقتها معه وغابت في احدى الغرفتين المغلقتين، النوم أو الضيوف، تأملها. كان يتفحصها جزءاً جزءاً بلا خجل ولا اندفاع ولا اي انفعال، لدرجة أن خفتت الإثارة من عينيها بالتدريج.

وضع يده على راحتها معيداً لها بيده الأخرى كتاب التراث، وقال لها:

لا أنظر لك بسوء أستاذة. عالمي بعيد عن عالمك. وأنت لا تعرفينني. فقط تأذيت من قريبك الوحيد هنا كثيرا، هل من الممكن أن تخبريه أنني غير مهتم به؟

سحبت يدها. شعرت بالخوف والاستغراب. انتظرت مقدم صديقتها التي احضرت شيئا للضيافة، ولمحت الطارئ المتوتر في تلبّده داخل الحيز الذي من دون جدران، فتناول حبة حلوى مبتسما لهما وأستأذن بالخروج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق