معادلة متكررة
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
التقينا في بيت العائلة القديم، خالها ابو كتّون كان موجودا، يرفض مناداته بغير هذه الكنية، فلا ولد له. ذهب الحاضرن وبقي القليل. انفضت الضجة وزال اللغط وابتعد الحرج. أتت لتجالسنا. كان قد طرأ عليها ما طرأ، وعادت -كما كانت- وحدها تلوذ بمناسبات العائلة، تريد منفسا أو توجيه انطباع. إلى جانبها خالها. جرى الحديث كما تجري الأحاديث وشاركت قليلا. لما تطرق الحديث إلى زوجها الذي طلّق على غفلة وسافر، تركزت العيون عليّ.
الطلاق والزواج شؤون بين اثنين يفترض أن خلفهما في كل الأحوال من يساندهما. من النادر جدا جدا حصول طلاق ودّي، فهناك نظرة عامة وهناك ضغوط على الجميع، والطرفان يحاولان اكتساب الناس لصالحهما، البيئة، لأن الطلاق كسر للمرأة بصرف النظر عن السبب، فيسمح الحمقى بالتدخل فيه.
بينما الحقيقة دائماً موجودة في طبيعة العلاقة التي كانت بين الزوجين، ومن المستحيل لأحد خارجهما أن يفهمها، والبقية تحايل وحيل وحرب اعلامية، خصوصا إذا اتخذت منحى عاما، سياسة وما شابه! العلاقة بقراراتها خصوصية إذا تجاوزت حيزها إلى خارجه أو تدخل أحد فيها بموافقة طرف او الطرفين، فقد انتهت، مهما طال الوقت اللازم لظهور ذلك.
ماذا أقول؟ قريب منهما؟ نعم، لكن ما دخلي؟؟ اختصرت:
- ما عندي رأي. إذا كنتم تريدون الاستئناف والصلح فانا الشخص غير المناسب.
- أعوذ بالله (هتفت بسرعة وارتدت إلى ظهر المقعد العريض، فتشابك خمارها مع شيء ناتئ حاد في كتف ثوبها. انشغلت بحلحلته)
استثمرت اللحظة وسرّبت الكلام هادئا:
- اذاً موضوع منته، والله لم يحرم الطلاق.
أكتم عن الناس رأيي الخاص أن الزواج للبالغ مثل الطلاق لا يحتاجان لسبب، إنما هنالك واجبات وتبعات، بدليل جوازهما الاثنين لغوا. إنه أمر بيد الرجل وحده، ولو كان هناك قاض أو منح عصمة.
خالها ابو كتّون رجل كبير نحو الثمانين وصحته جيدة. فلاح عتيق لم تغيّره المدينة التي يسكنها منذ نحو عشرين عاما. سيكون مشغولا مهموما بابنة اخته يرى ما تجهل وجوده. هنا عوالم انفتحت من دون حواجز حماية، وهناك افتقاد وعاطفة مضطربة والكثير من الاحتمالات والمخاطر. عدّل جلسته وتقدم بوجهه قريبا مني.
- رغبتي الاستفسار في موضوع..
يخاطبني وفي صوته نبرة خفية.
- خيرا..
- هل كان عندك علم عن "شيء" قبل الطلاق؟
إنّه يلمح لزوجها.
- اسمح لي بوقت لافكر.
زوجها رجل أربعيني ناشط حين تزوج كان في الثلاثين، وحين طلق كان في الأربعين، من دون أولاد. له شواغله في الدنيا، ومن حيث المعيشة موظف يجري راتبه على الدوام، حتى لو كان معتقلا. الأهالي يلمحون هذا عندما يقررون تزوج بناتهم، والفتاة نفسها، وهي كانت اقل من ثلاثين بأعوام حين تزوجت، تكون قريبة من الأجواء تفهمها بطريقتها وضمنيا. هل أعرف شيئا عنه كان يمهد لطلاق؟ خلاف أو مشكلة؟
لا، سوى أن تناقضاته العامة في العلاقة مع الذين خلف مؤسسته من دوائر، شغلتني. كان يثق بهم ويراهن على وزنه، بينما رأيت وجهته حتمية التصادم وأنهم يستغلون كل تفاصيله ضده، بما فيها انتظام الراتب.
ما لدي في الحقيقة عن ابنة اخته التي لم تنجب والا لربما تغير حالها، فقد اقتربت منهم طامعة في وزن، بشيء من السأم ورغبة في تسرية واسعة، والله أعلم. أغلب الظن رفض زوجها، ثم تعقدت جوانب فاختصر، خاصة لما قطعوا راتبه.
بعدما تعمدت اطالة السكوت، أجبت بعمومية:
- أحوال دنيا أبو كتّون. كل الناس تتغير، وهناك الذي يريد أكثر. لا أحد يرضى عن رزقه. ناس صغيرون في العقل.
سافر زوجها بعد أن (رأى) شيئا منهم هدده بالكثير، فطلق وهرب. اعتادوا على اعتقاله وحجزه وأحيانا بادّعاء الحماية له، ويقال إن خلافا له طرأ مع جماعته.
المعادلة مفهومة متكررة، لكن المعطيات متباينة تتغير حسب طبيعة الشخص، والنساء يقفن مع الدنيا، وهنا سينشغل محامون وكتبة عرائض ورسوم وتغيير وثائق وتُدر أموال. صار الزواج مثل قرارات سياسية تخضع لعوامل استراتيجية وتكتيكية! الذي لا يعرفه هو أنهم سيلاحقونه أينما ذهب فلهم وجوه كثيرة، ومن الأفضل أن يظل في المكان الذي يعرف مشاكله جيدا، ليواجه.
فهم كلامي بطريقته، فتعمّد الرد عليّ:
- تعرف التعريض غير محرم. بعد انتهاء العدة وشهر، سنزوج ابنتنا. ستكون من المدعوين.
ثار فيه من الضيق ما ثار واندفع، غافلا عن أن التعريض للأرامل فقط. لا لم يغفل، أضاف شهرا. هل يشعر بالنقمة ويريد أن يدفع قولا أو يفحمني أنا؟ أم يلمح لشيء متعلق بمصير طليقها، كأنه ميت في الحقيقة؟ ومن قبل مَن؟ أيهدده أم اعتبره قد مات؟
لأدفع عني فكره البعيد واكتفي بفهمي أنا. لم يسبق لأبو كتّون أن اقترب في حياته كلها من عمل وطني أو سياسة ولا اجرام، ليتملّكه هذا الغضب. سارعت للتخلص:
- يشرفني ابو كتّون. سأحضر معي لجن عجين واسع. الصبايا لازم يبقين رشيقات ويحافظن على أزواجهن ومشغولات بالبيت.
عندها، نظرت شفتاه أسفل شارب الشيب العريض -مثل شوارب الدروز- نظرة فيها تعرج مكر، وقد فهم موقفي، وربما وافقني، لكن بعد أن أخافني!
ولبرهة دفعت خاطراً سريعا جدا خفيا، لأنني أجهل معطياته هو وزاويته. المؤكد أن الرجل الناشط طلق وسافر، وإذا كانت هناك حقائق أخرى فستتكشف فيما بعد. ما دخلي بهذه الحكايات؟؟
علقت هي لا يعجبها الكلام، مطالبة بـِ:
- خلاطة كبيرة مولينكس!
وبقيت على عنادي:
- لجن عجين صيني، أوفر!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق