الاثنين، 31 أكتوبر 2022

قصتان: تبغين دائم و نحن نقدس

 

تبغين دائم

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

نقلوه من الخزانة للزنزانة. كان منهكاً متوجعاً تعبا متصلب العظام، فألقى جسمه على الفراش الضيق الرطب القذر، واستغرق في النوم. استيقظ على طرقات معدنية صارخة. ثم سمع صوت الكوة الصغيرة وهي تفتح.

تدلّت ثلاث لفافات تبغ من ثلاث أصابع، وتبعها جزء من قالب خبز وعلبة لبن ليست عربية. أشار له السجأن العجوز بالولاعة، ففهم عنه وأشعل لفافة لا فلتر لها من النوع السيء. حين طلب "الأكامول" لصداع يهاجم رأسه الضاج بألوان الإطباق عند الاستيقاظ، هزّ له جبينه المتغضن المثلث، اليهودي، مقترحا عن خبرة:

-          كل خبيبي، كل..

كان عجوزا تجاوز الخمسين بأعوام كثيرة، لكنه يبدو أكبر من ذلك في تجاعيد وجهه وذقنه المهملة. عراقي اللكنة، بعبرية متذمّرة أو محتجة على الدنيا بأسرها، يرد ببرودة وتذمر بارد على الأوامر والتوجيهات. قد يناديه المحقق بصوته الآمر والشاب:

-          خيّال، بو! (جندي، تعال)

فيأتي بصمت، كأنّه هو المعتقل.

يسلّمه المحقق له. يقتاده والكيس ذو الرائحة العطنة على رأسه، ثم يزجّ به في سراديب خشنة ملتوية ويوصله إلى الخزانة. بعد الأيام الستة، صار يسحبه إلى الزنزانة.

انتهت السيجارة بسرعة، بالنسبة إلى فتى في السابعة عشرة.. دقّ على باب الزنزانة الأعمى ليطلب ولعة أخرى، لكن العجوز السجان تجاهله. في المرّة بعد الخامسة أو السادسة، اقتحم عليه الكوّة الصغيرة، غاضبا من طلبات كان صداها يتردد في قسم الزنازين بمثل طلبه، أو غيره، رافضاً أن يشعلها.

حين مضت خطواته البطيئة في الممرّ المجهول الخفي، سمع صتا من الزنزانة المجاورة، بعد دقة على الجدار الخشن المليء بالقمل، أن "يحتفظ بفتيلة من ورق الحمام –غير الموجود- أو أي شيء". فهم الفكرة، ولكن ليس لديه ورق للحمام؛ ففكر أن يسرقها من غرفة التحقيق، عندما يأخذونه.

بعد جولة السبت السريعة، للتحقيق، والمناديل الورقية (التي سرقها بنجاح عن طاولة المحقق) واستطاع أن يصلها ممدودة معا، انتظر قدوم الولعة. المفاجأة أن الفتيلة التهمت اللفافتين المتبقيتين بنفس سرعة احتراقها، فبقي يضرب كفا بكف: لا هو أقلع (كما في أيام الخزانة السابقة)، ولا هو استمر في التدخين. ففهم سبب اللفافات الثلاث تحديدا: الحرمان -أو التبغين- الدائم..


 

نحن نقدّس

قصة قصيرة/ ماجد عاطف

 

غافل الكلب أويساً ابني الصغير ودخل البيت. لعب فوق الأثاث ونتش الملابس وأوقع الأغراض. وعلمت أن الملائكة لن تدخل البيت. ربطت الكلب في الخارج، وقمت ورتّبت خلفه، ومسحت الأثاث وغسّلت الصالة، ثم قرأت الفاتحة وما تيسر من الأدعية. ناديت ابني ذا الأعوام الخمسة. سردت له حديث الرسول صلوات الله عليه، وأمرته أن يتوضأ، وبالتأكيد ألا يسمح ثانية للكلب بالدخول.

-          "نحن نقدّس، ولا ندنّس.."

قالتها، حينئذ، كحكمة وهتاف. كلمة سمعتها من "إيفيلين"، الراهبة الأخت، وتذكرتها عندما دخل الكلب إلى البيت. قالت كلمتها حين كانت تؤدي واجبها اليومي في الباحة، حيث أعمل حارسا للكروم والدير. بعد صلوات الصباح وواجبات الدير من الداخل، تخرج ظهراً للعناية بحصى البان في ممرّ الحديقة. وجدت كلباً فأخذت تهتم به وتلاعبه. كان مشردا أو طريدا، وفي جسمه بقع جافات أو متساقطة الشعر. نهيتها عن ملاعبته لما فيه من نجاسة، فخالفتني الرأي ولم تجد فيه علّة إلا المرض.

سألتها:

-          لماذا، إذاً، لا تدخلون الكلب إلى الكنيسة؟

-          هل تدخلون القطط إلى المسجد؟

-          لا نمانع دخولها، ولكننا لا نتقصّد ذلك، أمّا الكلاب فهي محرّمة للمساجد والبيوت. البيت الذي فيه كلاب لا تدخله الملائكة.

لم تجبني وأخذت تفكّر فيما قلته. كانت تدهن البقع الجرداء على بدن الكلب، وتداوي فطريات في جلده. عنّ لها خاطر، فقالت وهي ساهمة:

-          نحن نقدّس، ولا ندنّس..

هذه المرّة لم أفهم بالضبط ما قصدته. تأملتها: طويلة بملابسها الكحلية والمنديل. تقريبا محجبة. كانت أماً لولد قضى في حادثة. ويظهر أنها تطوعت للرهبانية عن أسى. لم يمض على دخولها وقت طويل، وكانت تتهرّب إلى الحديقة عندما تضج من واجباتها أو التعبّد أو أوامر الأم الراهبة. عمرها يقترب من الأربعين ولا تزال شابة تهتم بوجهها ويديها، بالكريمات. كان ذووها قد توفوا، فلم يعد لها أهل تعيش بينهم، ولا شيء لتفعله. فلما مات ولدها الصغير وجدت حياتها في الدير، بعد أن تأهلت بدورة ما أو دراسة، فسافرت إلى هنا.

".. نقدّس، ولا ندنّس".. تأملتها وتذكّرت شعائرهم في الدير والكنيسة وفي الصباح وفي المساء، وفي كروم الحديقة والقبو الخلفي.. يحملون الصليب كأنه آلة لمعجزة، ويقدمون الكسرات (جسدا) للمسيح الذي يأكلونه.. ويرتشفون دمه النبيذ. يعرفون أن كتابهم المقدّس ناقص ومحرّف و"ليس دقيقا لأسباب تاريخية" –كما قالت إيفلين مرّة- فيخضعونه للتصويب و"التطوير" بين الفترة والأخرى، ومع ذلك يقدّسون حروفه. رأيت الحروف –أو الشعائر- أصبحت كالأوثان، لذاتها تنوب عن أصل ليس موجودا. كلّما طرأ طارئ اجتماعي أو سياسي غيروا الأحكام والكلمات. "البابا" عمّا قريب سيصير زوجاً  وخليلا.. لا سؤمنون بالطلاق، لكنهم يطلقون مثنى وثلاث ورباع! الايمان –في الآحاد- ضرب من الطرب! يريدون إلها أبا وابنا خارقا إنسياً، وصلة من نوع تمرّ فيهم أولا لتصل بينهما. أما في نهاية الأسبوع، فيصلّون محتفلين بالمناسبة كمن يتخذ سبيله إلى حفلة.

كلّها أشياء قدّسوها فأصبحت كالأوثان: تنوب عن أصل، ومستقلة بذاتها.

داريت خواطري، وأخذت عنها الكلب لأدهنه. ولكني أعدت وضوئي للصلاة، خاصة أن لعابه أصاب يدي. في الخارج كان أهل القرية الذين أهملوا الكلب أو طردوه يبحثون عما تبقى على الدوالي من قطوف العنب العالية، لأنهم جوعى. كنت أسمع أصواتهم وشجاراتهم وأنا أصلّي، قد أهملت –عن عمد- وظيفتي..

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق