الحاج
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
دلّوني على "الحاج" الذي يكبرني
بأقل من عقد، عندما سألت في القرية عمن يبيع التبغ البشاري. كان يمت لي بصلة قربى
بعيدة>
كان وجهه مألوفا لي، نتبادل السلام، بعد
الصلاة في المسجد، لكن لم تكن بيننا علاقة. سألت عن بيته حتى وصلته. إنه بيت قروي
قديم تنضاف فيه الغرفة تلو الغرفة. دققت البوابة الكبيرة، وناديت بصوت عال. خرج
وعرفته. أخبرته عن غايتي، فقال لي إن التبغ سيصل غدا من الفرّامة ولكنه يمكنه أن
يمدني ببضع سجائر. شكرته وأخبرته أنني أتدبر نفسي حتى الغد.
متوسط علبة السجائر المصنّعة من النوع
المقبول عشرون شيكلا، وهذا يعني ستمائة في الشهر. مصروف عائلة من الطعام! لهذا
بدأت، منذ نسيت متى، أدخن التبغ المحلي، البشاري، بعد لفّه في المنزل، عبر ماكنة
صغيرة رخيصة. كان دخاني "امبريال": دخان محلّي مصنّع وقوي.
في البداية آلم حلقي تبغ البشاري، لأنه قوي
من دون إضافات، وبنسبة رطوبة قليلة، ثم اعتدت عليه، ولم أعد أتوافق مع غيره.
سيجارة واحدة تضاهي عدة سجائر مصنّعة مليئة بأربعين مادة كيماوية تسهّل وصول
النيكوتين إلى الدماغ، وتزيد الادمان عليه. بمعدل تدخيني، كنت أحتاج إلى علبتي
امبريال يوميا، بينما تكفيني 15 سيجارة من البشاري، التبغ المحلّي.
في اليوم التالي كان الحاج قد أتى إلى
بيتي، ولما لم يجدني، وضع كيس التبغ لدى دكانة قريبة. ناداني صاحب الدكانة وسلّمني
كيس التبغ. كان يقارب النصف كيلو من شلل التبغ الطازج. حين جربته وجدته أقوى من
معتادي ولكنّه جيد. مررت على بيت الحاج لأدفع له. أبى في البداية ولكنه قبل بعد
إصرار منّي. أخذ ثمن اوقية فقط. وفّرت تكلفة المواصلات إلى المدينة التي تعني
اسبوعا أو عشرة أيام من التدخين.
تبادلت الحديث معه. فهمت أنه يزرع التبغ
على نوعين: بعلي دون سقاية، والآخر يسقيه بالماء. كنت أريد تبغ القطفة الأولى من
المسقي لأنه أخف، لكنه يبيعه في السوق حيث يجلب له سعرا جيدا. يجمع كل قطفة عشرات
الكيلوغرامات من الأوراق، ثم يأخذها ليفرمها في يعبد. وأراني أين يخبئ تبغه الخاص:
يضعه داخل سطل بلاستيكي مع أوراق نبتة ما تضفي الرطوبة عليه دون أن يتعفن، فيظل
طازجا لوقت طويل. ومنه يعطيني. صرت زبونه. كل أسبوع أو عشرة أيام، بعد صلاة العشاء
في المسجد القريب، أمرّ عليه بعد أن أنبهه باتصال هاتفي ليحضّر لي حاجتي.
إنّه مزارع حقيقي. يعتاش على مشتل لديه
يربي فيه الأشجار والتراقي والفسائل، ويزرع الخضراوات البلدية ويجفف الفاكهة من
تين وعنب، ويزرع التبغ. إلى ذلك يزرع الحبوب في أرض لديه أو أخرى يستأجرها من
أصحابها. التبغ يدر عليه مردودا جيدا، إذا لفّه في البيت وباعه بالكروزات حسب
الطلب. خيّرني أن يلفّ لي الكروزات ويبيعني إياها جاهزة، ولكني كنت سأتكبد ضعف
التكلفة، ففضلت أن ألف بنفسي. في الواقع ألمحت له أن أساعده في اللف إذا كان الطلب
عليه كبيرا، ولكنه لم يستجب.
أيام الجمع، يبيع القرنبيط والطماطم وما هل
من منتوجات في مواسمها والبيض البلدي أمام المسجد. إلى ذلك يسرح في الخلاء ويجمع
شوالات اللوف وأوراق نبتات أخرى تلفّ بالرز، والزعتر والميريمية. أحيانا يوصونه
على أعشاب بعينها، تستعمل كعلاجات لأمراض مستعصية فكان يحضرها بسرور.
ويشتغل أحيانا في التحطيب. يقطع الأشجار
بالأجرة، أو يتاجر بالحطب.
مرة سمعته يقول إنه كان يدرس الفول على
البيدر. استغربت فعلى حد علمي ليس لديه دواب، وما من ماكنات ظلت تفعل هذا، فابتسم
لي وقال إنه يدرسها بدواليب سيارته!
كانت لديه زوجة مريضة بالسرطان، وهو لا
ينجب، لكنه يعيش حياته باعتياد يوميّ منغمّس. إنه لا يعمل عند أحد، ويتدبر أمره.
عندما لا يكون موجودا، تخرج وتخبرني ذلك. مرّة مساءً ذهبت لأشتري منه ولم يكن لدي
رصيد هاتفي، فخرجت عليّ امرأة قالت إنه في بيت الأجر بالقاعة.
- أي بيت أجر؟
- زوجته توفيت.
إذن هي قريبته، أخته مثلا.
- رحمها الله. الآن فقط عرفت.
فهمت من شبان عابري الشارع أنه اليوم
الثالث الأخير لبيت الأجر، وأنا كنت مشغولا بعملي ولم أسمع أي خبر، ولم يتصل بي
أحد ليخبرني شيئا. سارعت وتدبرت هيئتي وذهبت إلى صالة بيت الأجر. كنت المعزّي
الأخير. اعتذرت له عن التأخر وعزّيته. بعدها بدقائق سكبوا كاسات الشاي كعلامة على
انفضاض بيت الأجر وقرأوا الفاتحة. أظن أنه غضب عليّ. كان في حالة مرتبكة جدا.
من والدتي التي تتبادل الأحاديث مع النساء،
عرفت أنه كان منهارا في دفن زوجته وكان يبكي بكاء مرّا، ويصرخ مناديا عليها. إنه
متأثر كثيرا ويبدو أنه كان متعلّقا بها بشدة، ولم يتوقع وفاتها رغم مرضها. صار
مضرب مثل في المحبة والوفاء، وصار حديث نساء القرية.
بعدها بأقل من شهر، صار مضرب مثل للرجال
هذه المرّة!
لأنه جمع أقاربه المباشرين وأولَمَ لهم في
بيته وأخبرهم أنه عقد قرانه على امرأة مطلقة لديها ثلاثة أبناء تخلّت عنهم لأبيهم
من أجل زواجها!
وبينما عُقدت المقارنات بين الحالين
الضاجتين اللتين تفصل بينهما أسابيع قليلة، وتخرج الاستنتاجات الحادة، والمفارِقة،
والتعليقات الصاخبة، أظن أنني فهمته: لم يحتمل الغياب والفراق والوحشة والفقدان.
لو صبر عدة شهور لصار بامكانه أن يحتمل حاله لسنوات، لكنه كان يعيش تحت طيف زوجته
الميتة التي تحلّق بروحها في المنزل وتتسبب له بمشاعر مرعبة من الخسارة والخوف
والوجل. فسارع إلى اقتناء رفيقة تذهب عنه وحشته.
انطبق عليه المثل القائل: أعزب دهر ولا
أرمل شهر!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق