رقدة الغفلة
قصة قصيرة/ ماجد
عاطف
آمن أن الناس لا
تخاف منه أو تخدعه أو تدلّس عليه، وأن الأشياء كعادتها. وكل ما في الأمر أنه يسيرُ
الحظ ومقدّر عليه أمره في الرزق والعشق، وأن الصبايا لا تبال به لزيّه وقامِته،
وأن أهازيجه لا يهتم بها أحد وهو يرددها على ظهر أتانه، ذاهبا إلى حقله (ذي الآبار
القديمة) الواقع إلى جانب المستعمرة؛ وأن جاره مالك البغل لأبيض إنما يحرث له
الأرض من أجل الأجرة وحدها، وأن قريبه يكنّ له القربى والمودة؛ وأن الشارع يتوسّع
من أجل المرور والمركبات، والشاحنات ذات العجلات الأربع والاوتومبيلات، وأن الباعة
كعادتهم يطمعون في ربحٍ مستمرٍ منه أو سُمعة؛ وأن المواسم تحب حضوره لما يشاركه
فيها؛ وأن منافسيه أشراف كالمتوقع، وأن.. وأن..
إلى أن سقط عن
أتانه أمام الجامع وهم يهم بركوبه بعد صلاة العصر؛ فتراءى له، فوق رأسه، ورغم ضوء
النهار، في أقل من نظرة، الفانوس ثانية: كان راقدا رقدة الغفلة، والرياح تحمل ذرى
دَرْس القمح والشعير حوله، على بيدرٍ عجيبٍ:
-
الشرطة ونصف المجنزرة، تلمحان معاني في رأسه تخيِّل
على التلال وهو يعمل في حقله، ولهذا تقذف الطلقات على الصخور والآبار.
-
الجامع المعتم من الداخل، المضيء على نور
اللوكس، يتمايل خيال ضوئه لا على بشرِ بل على جنّ قصار، طوال الأنوف، مكّارين، ذوي
وجوه رمادية مستطيلة، فتاهم أخبث من كهلهم، ونساؤهن يتسللن خفيات يعقدن الأحجبة
بدم نجس ويحرقنها كالبخور له دخان أزرق. يتلوون القرآن وقصدهم باطنٌ: كسحرٍ أو
دنس، أو رَصْدِ باطلٍ يخادِعُ -على دفين- حقاً.
-
الناس –كلّها- ما بين متورّطه تخدعه، أو معادِيه
تحاربه وتستهدفه، و/أو مرتجفة: تلقي عن نفسها الأذى.
-
أما أهازيجه فلا تدرك إلا كشهوتين: ميلٍ لبارود،
أو هوى ميلٍ (لغجريةِ على "الخط" الموصل للمدينة).
-
الحرّاث ابن الحمولة المناسِبة المصاهِرة،
الجار، ينتظر موته أو شلله، ليستولي على الحقول، مثل قريبِ دمه و/ أو أكثر.
-
والشارع أتى لا لشيء إلا ليشق أرضه هو بالذات،
رغم غياب مخططات المختار والديوان، ويستولي على أمتار منها.
أقلّهم مكرا وأكثرهم
اتّضاحاً كان "التركي" ابن فاطمة المكتوب، تاجر الحبوب والسكر والبُن
والكاز والدخّان والكِشك..: يبيعه إياها ويرفع ثمنها، عازفا على قوله:
-
خيراً يا فلاح، خيرا.. خيرا!!
أما الأخبث فهم
المنافسون: ينتظرون عرسا ليغنوا فيه أهازيجهم المسروقة، الملحّنة على مقاسه، سخريةً
منه، نظرا (للغجرية) ذات الراية الخفية في القرية المؤقتة!
لما لم يحتمل ما
رآه، وقف على ظهر أتانه وأستعاذ من الشياطين وإنسها، وألقى بنفسه، في ثانيةٍ
تالية/ نظرة أخرى؛ ليقع على أمّ رأسه.. فلربما يرى شيئا مختلفاً، في الأسابيع
كلّها، ويعود إلى رقدته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق