الشيكلان
قصة قصيرة/
ماجد عاطف
في المرة الأولى
اعترضه مساءً وهو عائد من عمله على رصيف شارع قرب مركز المدينة. كان مرهقا من الوقفة الطويلة في العمل
وبالكاد يستطيع المشي. خاطبه الغريب:
·يا عمي، ممكن دقيقة من وقتك؟
·تفضل.
أخذ الشاب بتتابع
وأدب يسرد عليه قصة تتماوج نبرتها مع الكلمات: أنه من قرية كذا وأنه يعيش مع أخته، وأنه
أتى من الأردن منذ سنوات، وأن والديه متوفيان، وأعمامه لا يتعرفون عليه، وأنه لا
شيء في البيت يؤكل، وأنه لا يملك أجرة المواصلات ليعود إلى قريته. كان شابا في أوائل العشرين بملامح نضرة
وصحة جيدة. وطلب أن يعطيه مالا.
لم يكن لديه ما
يعطي منه لو أراد. والكذب يتغلغل
الاتقان والنبرة تمثيلية ولا سائل يستعمل حكاية فعلية تبدو (كريمة) ليستجدي، إلا إذا كان طامعا. مرت عليه أوقات لم يجد فيها الأكل لأيام،
ولم يسأل أحداً شيئا. السؤال اجبار للآخر
وإذلال للنفس. هو متعاطف مع من هو
مثله أو أقل، لكن بصرامة.
ولماذا يستوقفه
السائلون ذكورا وإناثا بكثرة؟ ملابسه أقل
من عادية وليس عليه أي مظهر للغنى. يبدو أن وجهه يوحي
بالسهولة ويستيسرون اقناعه. لحيته مهملة أكثر
منها مطلقة. يجد صعوبة في حلقها
أو تقصيرها فيتركها تنمو ويحلقها مع شعره فقط، عندما يزور الحلاق. هل لاحظه الشاب وهو يعود من عمله كل مساء
فاستنتج أنه مستطيع؟!
اذا ما توفر لديه
مال قد يتصدق من تلقاء نفسه، لكن على الذين لا يلحّون. يقرأ وجه الواحد منهم أو الواحدة ويقرر. المحترفون يبتعد عنهم. النساء يتعاطف معهن لكن ليس أي نساء. منهن من اتخذتها مهنة بلا حياء، خاصة
كبيرات السن. الأطفال قلة قليلة
ولا يردهم. يدرك أن الحاجة
المباشرة قد لا تكون خلف السؤال. منهم محتجون، كما
هو ذلك الرجل السليم المعافى الذي يجلس أمام محل البُن. إنه لا يتكلم ولا يلتفت ولا يحدّق. يدخن سجائره مستغرقا في التأمل وإلى جانبه
-أو في يده- كوب قهوة ورقي كبير. على الأرض علبة السجائر والولاعة. يفتح يده الأخرى الممدودة كيد تمثال معدني
واضعا فيها عدة قطع نقدية ليوهم المارّة أنه رائج، بينما لا أحد يعطيه. يأتي في الوقت نفسه صباح كل يوم ويغادر في
تمامه، كأنه دوام. إنه محتج بطريقة
غامضة على شيء ما، وسؤاله الناس موقف عام. خلفه حكاية مضطربة على الاغلب وربما يريد
احراج بعضهم.
عندما يتصدق لا
يفعل ذلك من أجل السائلين أنفسهم. قد يكون المبلغ
قليلا، لكنه يكفي شخصين أو ثلاثة خبزاً ليوم واحد، أو على الأقل وجبة. ها قد أكلت عائلة. إنه عالم صعب لا أحد يعرف تفاصيل عائشيه. أغلبهم مَن ليس لديه أحد في هذي الدنيا
وسؤالهم أكثر من احتياج بعينه. المال من السهل
تقديمه مقارنة بالمطلب الخلفي، ومن العسير جدا على أحد أن يتصدق بنفسه أو موقفه. كلٌ لديه مشاغله وهمومه. وليس من اليسير بالنسبة لشابة صغيرة مثلا
وتحظى بقسمات وملامح طيبتين، أن تضحي بكل تفاصيلها العائلية والاجتماعية متنازلة
عن خصوصيتها وخياراتها لتسأل الناس. لا بد أن هنالك
حكاية قد احتدمت وألجأتها إلى المصلين كملاذ أخير. ويفهم المصلون هذا دون وعي -أو به- ويتفاعلون، حتى عندما يحذّر الإمام أو
الخطيب منها ويقوم بطردها، غير آبهين بتحذيره فالمسجد ليس ملكه.
ومنهم من وجد طريقة
للحصول على المال السهل ويمكن تمييزه من انتظامه واحترافه وخبرته وملامحه التي مات
فيها التحرج ومن المستهدف الدسم الذي ينتقيه، كأن يكون مبتور اليد أو القدم. أهو معوق؟ نعم، لكنه ليس محتاجا، فهناك
مخصصات له ولديه وثائق للجمعيات بل يستعمل إعاقته للمزيد وجمع المال، لمجرد أن
عذره ظاهر. في الغالب لا يلتفت
اليهم الناس خاصة بعد تداول معلومات عنهم. الأطفال شأنهم آخر لا يعون أبعاد ما
يفعلونه تماما، ليسوا محترفين، لكن من يدفعهم ويكون منتظرا في الخلف، يدرك تأثيرهم
العفوي ويرجو أن ينال شيئا، ولرجائه في الغالب داعٍ عميق.
لا حسنة تذهب هباءً
وما عند الله باق، وأحيانا تعود مضاعفة في الدنيا. مرّة أعطى عشرة شواكل كانت متبقية في جيبه
بعد شراء حاجياته وواصل طريقه. كان قد دفع أجرة
الغرفة وليس لديه أي شيء باستثناء فراش على الأرض وغطاء وملابس يكورها تحت رأسه
كوسادة. في ميدان مكتظ
صادفه رجل يوزع المصاحف على الناس وقدّم له واحداً. كان يستعمل ما في المسجد ويحتاج مصحفا
للبيت، وكان يعرف مسبقاً أن تكلفته، بالضبط، عشرون شيكلا!
تجاوز الشاب قد فهم
طبيعته، وأكمل طريقه.
//
خارجا فجراً بعد
عام أو أكثر من مسجد يقع طرف المدينة حيث يسكن، التقى مع الشاب نفسه. لم يتعرّف اليه في البداية. بادره بالاستئذان وأخذ يحكي حكايته محرّضا
على أعمامه "الذين لا يتعرفون
عليه وعلى أخته". عرفه. أضاف هذه المرة، مستبقا العلة التي طُرِقت
على ما يبدو من قبل آخرين، "أنه يبحث عن عمل ولا يجد". العمل المتخصص صعب، لكن يتوفر منه ما يسدّ الحاجة. يستطيع أن يدله على عنوان. حسّن قصته وطورها، ومن الواضح أنه لا يطلب
مبلغا زهيدا، بل يطمع في الكثير. لم يشر إلى أجرة
المواصلات. لا سائل شاب، إن
كان صادقا، يأتي عند الفجر من قرية نائية ليقف منتظرا خروج المصلين من مسجد بعيد
في المدينة، إلا إذا كان محترفا أو يسعى للاحتراف. تكلفة المواصلات وحدها تكفي قوتاً لاثنين،
يومين. كان متيقناً من
كذبه ومع ذلك قرر التعاطي معه. ليس لديه في جيبه
على أي حال إلا شيكلين ثمن كوب القهوة للطريق. لو كان لديه مبلغ أكبر، لما أعطاه.
·ما معي إلا شيكلين، هل تقبلهما؟
انقلبت الآية
وتراجع الشاب خطوة للخلف. تجمد وجهه في غبش
الفجر الذي يتفتح، ولم يقل لا نعم ولا لا. من الجلي أن مسعاه قد خاب وأن حكايته لم
تدرك غايتها. لا بد أنه قال في
نفسه: اقنع شخصا واحدا بي
أو قلّة، وأنال الكثير. إنه يحبك الحكاية
ويختار الأماكن والأوقات وينتقي من يراهم سهلين وينسى أنه قابلهم، وله كما يبدو
مدّة طويلة هكذا. لقد وقع في الحرج
وإذا رفض انفضح.
دفع الشيكلين إلى
اليد التي استجابت. أخذهما الشاب وأقفل
عائداً فذهب بدوره في سبيله. لا قهوة الآن وعليه
أن يسرع للوصول إلى عمله. بعد خمس دقائق،
وبجوار كشك للمشروبات الساخنة، يسمع صوتا ينادي عليه. إنه صاحب قديم لم يره منذ زمن يقترب منه
ويصافحه. ويدعوه إلى شرب
القهوة، فيقبل. لا يزال لديه وقت
ولقد رجع الشيكلان!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق