حرّضتني حبيبتي من الصبا
طموحي الدافق
أن آتي لها
برطلٍ من الدقيق.
قالت إن ثمنه، لوالدها القعيد
ولابنِ خالةٍ لها طفلٍ مساكِنٍ يتيمٍ
ابنِ شهيد؛
قد جاوز الخيال والعقلانيات كلّها.
.. ..
غاضبةً، طوت جلبابها على ما هو أكثر.
بحركاتٍ مبهمةٍ كانت تحرّك مقصدها
مبرِزةً مئزر البنطال.
نظرتُها خلف خمارها لا ترحم
(مع أنني ابن عمّها
رفيقُ الطفولة والمخيّم
قبل الحروب كلها ثم عرسها
ثم ترمّلها).
أرادت المزيد.
حرّضتني بنفسها.. تحفيزِ الانتخاء بالوعود
دفعِ الإغراء بتوقعاتٍ ذاتِ تقابل
صمتٍ يقول ويوحي وأنه..
يريد..
إنما -لأسرار الأنوثة- ما مِن تأكيد،
"سترويني لما أتعطّش
إذا ما حملت لها الكيس المتوسّط بأكمله
من سراب التوزيع البعيد.
بموته الأحمر العشرينيّ".
== ==
مضيت ازندق للأوقات كلّها..
المبادئ والأخلاقَ والايمان،
الحياة والموت والعذاب،
كل المعتقدات،
كنت مِلحاً على الجرح يتلسّع.
== ==
قلتُ لنفسي والكون:
مع الجوعِ وكوماتِ التفجّر في كل اتجاه
الموتِ المتربّصِ في كل مكان
كلُ شيء بمقابل
ما مِن كرم ولا شفقة ولا رحم ولا قربى
ولا كرامة
ولا حُرمة.
== ==
قبل الوصول مات قبلي اثنان وجُرح عشرون.
عن رأسي، جانب أذنّي كلتاهما، أزّت رصاصات
ثقيلة الأعيرة.
حين سقط الشهيد التاسع جانب الطريق المستحدَث
تاركاً ما وَقَعَ منه
يكاد البلاستيك يغرق في سيول الثمن
وكفّت الأطراف عن الحركة؛
حين انبطح النازحون الجوعى جميعاً
في الحفر
بين الكومات والردم والأخاديد
متحينين فرصة للوصول إليه
وللدقيق؛
صحت أني جالبٌ جثمانَه لهم
وأن يتركوا الكيس لي.
ما مِن هدر ولا رحمة ولا فضول
للتطوّع.
== ==
استمر الوابل المتنوّع،
رصاصات تقتنص، شظايا تتسع، قذائف موجّهة
دروناتُ الموت تحومُ كبوماتٍ ناعياتٍ
واشيةٍ
وتشير.
الانهمارُ المميتُ لا يبقي احتمالا لأحد.
كان جوعي الشديد يساوي ارتعادي
ورعدي
يساوي تسافلي وما انتهز فيّ
يساوي الوعد الخفيّ
بين خيالات الليل، خيلاءِ الذكورة وخيماتها
حين أعود.
== ==
هل كنت عدميا بالكامل؟
لا مبالياً؟
فدائيا لغيرِ تضحيةِ و قضية؟
بهيمياً لا يأبه لغير المتعة المتبقية
التي لم الجها البتّة بعد؟
وضعتُ الكيسَ فوق جرحه بالذات
لامنع من ثقوب بدنه
التسريب..
قبضتهما معاً على عاتقي:
وزنه يستكين مستسلماً لقدره الساكن
ويزيد،
أما كيس المعجزات فلا وزن له
بين الصليات والشظايا.
== ==
بعد المسافة القاتلة تناوله الآخرون منّي.
بقي الدقيق الحالم لي وحدي.
قال أحدهم:
حلال عليك، كان آخر أهله..
== ==
ابنةُ عمّي التي حرّضتني
ولو على موتي
أحدثت بزجاجة فما للكيس الملوّث
من أعلاه.
قبلها أقفلت أزرار جلبابها
بإحكام.
اختفى بنطال الجينز تماماً بستارتي ثوبها
كانتا مسرحاً من إيهام.
قميصُها الداخلي المجعد الذي
فارق الثلاثين هو عمرها
له خبرات ذات لذائذ
وفجائع،
ولقد نَتَأَ عمري المتدحرج نحو الثلاثين.
== ==
اقتربُ من خيمتها التي أجاور.
اهملتني فعَجنتْ قليلا من الدقيق.
كان الموقد.
جلبتُ لها خِرقاً وخشباً خفيفا ونفايات
مما يحترق.
وعدُها الخفي لي
صار زمجرات الوعيد..
عيناها النائيتان
صوتُها الذي لا يخرج.
وفهمت: كان لا بد لها من أن تخلِف ايماءها
وتخدعني.
ظلّ ينتصب في طالعي
الغضب والتهديد
إذا ما خطر لي خاطر
كأن ألمس يدها.. وأن.. وأن..
مما يمكن لجسمها الرشيق متوسط الطول
وغير ذلك.
== ==
فقط بعد ساعتين
قدمت لي أرغفةً ساخنةً فحسب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق