رغم كل شيء مجنون
الحراس
يقفون أمام المؤسسة العامة. لم يطلبوه للتفتيش لكنّ أعينهم كانت تحدجه بقسوة
وصرامة الحذر الغريب. لم يأبه لهم ولا اكترث. مضى الى الداخل الطويل. توقف أمام
البوابة الالكترونية واستفسر:
-
هل أضع أغراضي
المعدنية؟
ردّ
واحد يجلس على مقعد بين اربعة، بلا اهتمام ولا مبالاة:
-
اعبر.
دخل
البوابة التي لم تصدر صوتا. كان هنالك في القاعة صفان متقابلان من الناس الوجمين
ازاءه. يعرف عنهم وهم يعرفون عنه،ويعرفون أنه ليس مثلهم، لا يقبل بمعيشتهم ولا
اختيارهم. مع ذلك، في اللعبة ذات القانون، كان التجاهل، وتعلمها وحده رغم مئات الاستفزازات ليخاف او يتورط
ويقبل باتصال. عكسهم، كان يعلم أن قانونهم، لعبتهم، غير قانونيين، لهذا فتجاهلهم
كلّهم باستثناء ممثلي السلطة حين يقترب من مؤسساتهم مضطرا للشكوى، وكان الأخيرون
بدورهم لا يستطيعون المسّ به.
بين
آخر الصفين كان مكتبها كنهاية مسدودة. اقترب من الموظفة لطيفة الوجه والبسيطة.
كانت مثلهم "تعلم" عنه من المرات السابقة التي رأته وهو يتقدم
بالمعاملات، لكن لأمر ما، وهذا أحسّ به وأعجبه، لم تكن تهتم.
وهي
مثلهم في خامستها والثلاثين العطرات على الجلد الأبيض الرقيق حول الوجنتين،
المحجبة بالبياض، وبملابس محتشمة لا بأس بها.. ثمة شيئ فيها مختلف كان ينبض خفية.
إذ أنها بعد أن تفحصت هذه المرة الأخيرة أوراق معاملته على الحاسوب، اطلقت ضحكة
رقيقة مازحة لا تفهم ما الذي جرى عليهم، وسألت الشاشة بنبرة هي اقٌرب للسخرية
"منهم":
-
لماذا!
لماذا!!
لم
يحاول الاجابة على السؤال شديد الغباء في الأسباب، ولكنه كان في معاملات الشكاوى
التي رفعها واحدة تلو الأخرى.
الأهم
بالنسبة إليه، إلى جانب ما أحس به من اختراق فعليّ، أنها كانت رغم كل شيء مجنون
امرأة غريبة ودودة وبسيطة، لا تلقي بالا لكل هرائهم!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق