الجمعة، 3 فبراير 2023

أولئك وهؤلاء

 أولئك وهؤلاء

قصة قصيرة/ ماجد عاطف


سمعت طرقا على البوابة المصفحة، فخرجت إلى الساحة وفتحت البوابة الخشبية. كانت حليمة ابنة أم محمد، تضع الشال فوق حجابها. عرفتها بعد أن تأملت وجهها. استغربت من مجيئها إليّ فأنا لم أدخل بيتهم منذ عشرين عاما، ولم أحضر لهم مناسبة، ولا عزاء أم محمد نفسها. دعوتها للدخول، فأخذت تهمهم بأصوات مترددة، ثم وقفت أسفل شجرة التوت، وقالت:

- هنا جيد يا خالة.

بالفعل. 

ذهبت وأحضرت كرسيين من الخشب، واستأذنتها أن أغيب عنها لدقائق. كان في الطابون صينية دجاج وخضار، وخشيت أن تحترق. عاينتها من المدخل المدخِن الضيق في زاوية الساحة. كانت منشغلة بالتقاط التوت الذي لم ينضج بعد، من الأغصان المتدلية. 

ما الذي جلبها اليّ أنا التي اتفقت وأمها، أم محمد، ألا نلتقي وألا نجعل عائلتينا تتقاطع في لقاءات، أي لقاءات؟ 

رحمك الله يا أم محمد. 

ماتت قبل أقل من سنة. لم أحضر العزاء لكني صليت عليها صلاة الغائب. تابعت الجنازة من العلية ورأيت المشيعين يتحلقون حول تراب قبرها قبل أن يدفنوها. قرأت لروحها الفاتحة، وفي أول رمضان مقبل أهديتها ثواب قراءة ثلث القرآن. هذا ما طقته وحالي الآن أسوأ. تتبعني القراءة التي يلزمها خط كبير ونظارة وبال هادئ.

حين كنا نتصادف في الطرقات، فنظرة واحدة خاطفة كانت كفيلة بنقل الحال والاطمئنان: كل شيء بخير. أما إذا التقينا في مكان ما وسط الأخريات والناس، فكانت احدانا تتجاهل الأخرى تماما. عشرون سنة مرت بسرعة والسر مكتوم، لا أنا بحت به ولا هي فعلت.

صببت كأس الشاي لحليمة، آملا ألا يكون مكروه قد وقع. قالت وهي تخلع شالها الأصفر المرمّد:

- في أسبوعها الأخير قبل أن تموت، أخبرتني أمي..

- الله يرحمها.

- أتيتك يا خالتي ام عدنان من أجل الأمانة..

مع أنني كنت متوقعة، إلا أن ذعراً مثل آخر قديم، أصابني. خطر لي أن أذهب لأم محمد قبل أن تموت، ولكني لم أعرف ماذا أفعل.. عدنان، سامحه الله، جعل البيت مهددا في أي لحظة، منهم ومنهم ومنهم، وكان في وقت مرضها محبوسا.

لم يعقل وقد بلغ الخمسين بل زاد عنادا وشدة. في رأسه عالم من الجنون والآمال والأحلام، ورفض المهنة أو الزواج. يعمل شهرين هنا وشهرين هناك. إذا سلمنا من مداهمة أولئك وتفتيشهم وتفجيرهم المحتمل للبيت، لن نسلم من مراقبة هؤلاء وملاحقتهم وحصارهم. بنو جلدتك أسوأ فلا يتورعون عن زج النسوان. 

وإذا سلمنا من أولئك وهؤلاء، لن نسلم، بعد التحمس الظاهر والثناء، من خوف الناس وفضولهم وثرثرتهم. هذا عدو وذاك منسّق معه وثالث يتنفّع يبيع ويشتري أو يتسلّى. منذ عشرين سنة لم يتغير الوضع بل صار أصعب بكثير.

يقال إن الهاتف يستطيع التجسس عليك، وأن التلفاز مثله (بل إن كل أجهزة أي بيت، الحديثة، يمكنها أن تفعل أكثر). قطعة صغيرة بحجم الفولة أو زر القميص يمكنها أن تنقل الصوت والصورة. ومع هذا الانترنت، كما يقولون، أسوأ وأسوأ. وفي الطرق الترابية والأزقة انتشرت الكاميرات. لم يعد أحد ينتقل عشرين مترا دون أن تكون حركته مرصودة. فكيف بالسماء والشوارع والحقول المدسوسة والسيارات والحواسيب؟؟ كل شيء عدوك وضدّك.

وقبل أن يقتحموا البيت منسقين مفتشين، أولئك وهؤلاء، تمكنت من اخراج الصندوق الصغير ورميه وراء الحائط. فلما أخذوا عدنان معهم وخرجوا، سارعت بعد ذهابهم وأخذته لبيت أم محمد الأرملة بالذات، التي ليس لها عندها أحد سوى ابنتها الصغيرة، وطلبتُ أن تخفيه بمعرفتها دون أن تفتحه، وألا نلتقي أو نتكلم. وإذا أرسلت احدانا للأخرى مرسالا، فليقرأ سورة الكوثر.

لم أعرف ما الذي في الصندوق وعدنان لم يخبرني، واستغرب أنه لم يعثروا عليه برغم التفتيش الدقيق. سألني عنه مرّة فبقيت صامتة.

قال:

- أنقذِتني يا امّي من..

قلت له، محذرة غاضبة حامدة لله:

- لا تضع مرة أخرى شيئا في البيت.

 بعدها لم يسألني عن الصندوق أبدا، كأنه استكان. وتوالت اعتقالاته سبع مرات، من هؤلاء وأولئك، والحمدلله يخرّج في كل مرّة.

وتلت حليمة:

- بسم الله الرحمن الرحيم، إنا أعطيناك الكوثر..

قاطعتها:

- صدق الله العظيم. ابقي كل شيء كما هو عليه حتى اتدبر الأمر.

لخيبتي، خشيت أن تكون هي نفسها.. لا أدري ماذا أفعل. عليّ أن أسأل عدنان حين يعود من عمله.

وتشاغلت بقطف صحن من التوت الأحمر لحليمة، رغم أنه لم ينضج تماما.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق